النص المفهرس

صفحات 81-100

حسے
بذل المجهود
(٨١)
الجزء الثانى
عروة المزنى عن عائشة بهذا الحديث
بن قاسم الأندلسى [ قال ثنا عبد الرحمن بن مغراء] بفتح الميم وإسكان المعجمة
آخره راء ابن عياض بن الحارث بن عبد الله بن وهب الدوسى أبو زهير الكوفى
سكن الرى و ولى قضاء الأردن، وثقه أبو خالد الأحمر والخليلى ، وقال على بن
المدينى : ليس بشئى كان يروى عن الأعمش ست مأة حديث تركناه لم يكن بذاك ،
وقال ابن عدى : وهو كما قال على إنما أنكرت على أبى زهير هذا أحاديث يرويها
عن الأعمش لا يتابعه عليها الثقات ، وله عن غير الأعمش وهو من جملة الضعفاء
الذين يكتب حديثهم ، وقال أبو جعفر محمد بن مهران : كان صاحب سمر ، وقال
الساجى : من أهل الصدق فيمه ضعف ، وذكره ابن حبان فى الثقات [ قال ثنا
الأعمش قال ] أى الأعمش [ ثنا أصحاب لنا ] أى كثير من شيوخنا [ عن عروة
المزنى (١) ] قال الحافظ فى تهذيبه: عروة المزنى روى حيب بن أبى ثابت عن
عروة عن عائشة أن النبى معَّ قبل امرأة من نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ
وقع فى رواية أبى داود والترمذى غير منسوب ونسب فى رواية ابن ماجة عروة
بن الزبير أى برواية وكيع عن الأعمش عن حيب بن أبى ثابت ، ثم قال : قلت.
فعروة المزنى على هذا شيخ لا يدرى من هو ولم أره فى كتب من صنف فى الرجال إلا
هكذا يعلون هذه الأحاديث ولا يعرفون من حاله بشئى [عن عائشة (٢) بهذا الحديث].
(١) وقال الذهبي: قيل هو عروة بن الزبير ، انتهى .
(٢) وقد روى الطبرانى عن عائشة أنه - عليه الصلاة والسلام - يقبل بعض
نسائه ، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ وعن أم سلمة كان عليه الصلاة والسلام
يقبل ثم يخرج إلى الصلاة لايحدث وضوءاً ، رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه يزيد
بن سنان وثقه البخارى وأبو حاتم ولينه ابن معاوية ، وبقية رجاله موثوقون
((ابن رسلان)).

بذل المجهود
(٨٢ )
الجزء الثانى
قلت : غرض المصنف بهذا الكلام تضعيف الحديث المار الذى أخرجه بسنده عن
حبيب عن عروة عن عائشة بأن عروة هذا ليس هو عروة بن الزبير بل هو عروة
المزنى مجهول فيضعف هذا الحديث لجهالته، وهذا الظن فاسد (١) بوجوه : الأول أن
الذى قال بأن عروة ههنا هو عروة المزنى عبد الرحمن بن مغراء ، وقد علمت أنه
لا يحتج بقوله ، فكيف يثبت كونه مرنيا بقوله، والثانى أنه خالفه فى ذلك وكيع
وقد صرح بأنه عروة بن الزبير أخرج روايته ابن ماجة ، ثنا أبو بكر بن أبى شيبة
وعلى بن محمد ثنا وكيع ثنا الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن عروة بن الزبير
أن رسول اللّه مَّه قبل بعض نسائه، الحديث، فثبت بهذا أن عروة ههنا هو عروة
بن الزبير ، والثالث أن الأعمش يصرح فى حديث عبد الرحمن بن مغراء بأنه حدثه
شيوخه عن عروة المزنى ، فلو كان عروة هذا مجهولا لا يعرف كيف يحدث عنه ،
الكثيرون من شيوخه فيستدل بهذا أنه عروة بن الزبير ، ونعته بالمزنى غلط من عبد
الرحمن، ووهم منه لأنه غير موثوق به ، خصوصاً إذا خالفه وكيع ، والرابع أن
المعروف عند المحدثين أن من يذكر غير منسوب يحمل على ما هو المشهور المتعارف
فيما بينهم ولا يحمل على المجهول قطعاً ، والخامس (٢) قال عروة ، فقلت لها من
هى إلا أنت فضحكت ، هذا الكلام يدل على أن عروة ههنا هو ابن الزبير لأن مثل
هذا الكلام لا يمكن أن يجرى إلا على لسان من كان بينه وبينها بسوطة فعروة بن
الزبير ابن أخت عائشة رضى الله تعالى عنها ، يمكن أن يجسر بمثل هذا الكلام ، لأنها
خالته ولا يمكن أن يجسر به عندها من ليس له نوع تعلق بها، السادس الروايات
التى أخرجها الامام أحمد فى مسنده ، والدارقطنى فى سننه بسنديهما من حديث هشام
بن عروة عن أبيه عن عائشة تدل أيضاً على أن عروة ههنا ، هو ابن الزبير لا
المزفى، السابع أن سليمان الأعمش وإن كان ثقة ، حافظا لكن يحدث عن أصحاب
(١) وكذ حقق كونه ابن الزبير صاحب الغاية بالبسط. (٢) وبهذا جزم
الحافظ فى الدراية .

بذل المجهود
( ٨٣ )
الجزء الثانى
قال أبو داؤد : قال يحيى بن سعيد القطان لرجل إحك
عنى أن هذين (*) يعنى حديث الأعمش هذا عن حبيب
وحديثه بهذا الاسناد فى المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاه
قال يحيى إحك عنى أنهما شبه لا شىء قال أبو داود :
وروى عن الثورى أنه قال ما حدثنا حبيب إلا عن عروة
المزنى يعنى لم يحدثهم عن عروة بن الزبير بشىء قال
له مجهولين فكيف يعتمد على قولهم: ولا يدرى من هم. والله أعلم [ قال أبو داؤد:
قال يحيى بن سعيد القطان لرجل إحك عنى ] أى إرو وأظهر على [ أن هذين ]
أى الحديثين كما فى نسخة [ يعنى حديث الأعمش هذا عن حيب و حديثه بهذا
الاسناد فى المستحاضة أنها تتوضأ لكل صلاة قال يحيى إحك عى ] وهذا تكرار
لقول (١) الأول [ أنهما] أى الحديثين [شبه (٢) لاشئ] أى ضعيفان ووجه ضعفهم)
أمران، الأول أن راويهما عروة المزنى مجهول، والثانى أن حبيباً لم يحدث عن عروة
بن الزبير بشئى، وقد ذكرنا قبل ما يكفى فى إزالة العلة الأولى ، وهى جهالة المزنى
و أما ما يتعلق بالعلة الثانية فأتيك عن قريب [ قال أبو داؤد وروى عن الثورى
أنه قال ما حدثنا حبيب إلا عن عروة المزنى ، يعنى لم يحدثهم عن عروة بن الزبير
بشى ] وكلام الثورى الذى حكاه أبو داؤد ههنا عنه لا يعتمد عليه، لأنه رواها
غير مسندة، وقول الثورى: لو ثبت (٣) يحمل على علمه فان حبيباً لا يذكر لقاء، عروة
بن الزبير لرواية عمن هو أكبر من عروة وأجل وأقدم مونا، وقد قال مسلم فى
(١) أعاده لبعد الأول، كذا فى غاية المقصود. (٢) بكسر الشين وسكون
الموحدة وسقط التنوين للاضافة. ((ابن رسلان)، (٣) والأوجه عندى أن
حيباً إذا لم يحدث الثورى عن غير المزنى فلا يستلزم أنه ما حدث غيره أيضاً عن
غيره . (٥) وفى نسخة : الحديثين .

بذل المجهود
(٨٤ )
الجزء الثانى
أبو داؤد وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن
الزبير عن عائشة حديثاً صحيحاً .
خطبة كتابه لا يلزم ثبوت سماع الراوى عمن روى عنه للاتصال وادعى الاتفاق على
أنه يكفى إمكان اللقاء ، ومال أبو عمر إلى تصحيح هذا الحديث ، فقال، مححه الكوفيون
و ثبتوه لرواية الثقات من أئمة الحديث له ، وقد ذكرنا فيما تقدم أن ابن ماجة
صرح فى سنته أنه ابن الزبير ، وقال فى الجوهر النقي: و أيضاً قال الدارقطى:
أخرج حديث القبلة فى سنته ابن أبى شيبة وعلى بن محمد قالا : ثنا وكيع ثنا الأعمش
عن حبيب بن أبى ثابت عز عروة بن الزبير عز عائشة أن رسول ◌َالله قبل بعض
نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ ، وقد رد المصنف كلام الثورى هذا ولم
يقبله [ قال أبو داؤد (١) وقد روى حمزة الزيات عن حبيب عن عروة بن الزبير
عن عائشة حديثاً صحيحاً ] قلت: روى حبيب بن أبى ثابت عن عروة أربعة أحاديث.
أولها هذا الذى فى القبلة أخرجها أبو داود والترمذى وغيرهما ، وقد مر أن عروة
ههنا غير منسوب فى أكثر الروايات، وفى رواية ابن (٢) ماجة مصرح بأنه ابن
الزبير ، والثانى ما أخرجه الترمذى بسنده عن حمزة الزيات عن حبيب بن أبى ثابت
عن عروة عن عائشة قالت كان رسول اللّه مؤ تم يقول: اللهم عافنى فى جسدى ،
الحديث ، ثم قال الترمذى : سمعت محمداً يقول: حبيب بن أبى ثابت لم يسمع من
عروة بن الزبير شيئاً ، ولعل (٣) مراد أبى داؤد فى هذا الكلام، برواية حمزة
الزيات هو هذا الحديث ، ولكن لم يصرح فيه الترمذى بأنه عن عروة بن
الزبير ، والثالث ما أخرجه أبو داؤد بسنده عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن
(١) قال الزيلعى هذا يدل على أن المصنف لم يرض بما حكاه عن الثورى ويقدم
هذا لأنه مثبت وما قاله الثورى ناف. (٢) وكذا الدارقطنى و ابن أبى شيبة.
(٣) وبه جزم صاحب الغاية .

بذل المجهود
(٨٥ )
الجزء الثانى
( باب الوضوء من مس الذكر) حدثنا عبد الله بن مسلمة
عن مالك عن عبد الله بن أبى بكر أنه سمع عروة يقول:
عروة عن عائشة فى الاستحاضة ثم قال أبو داؤد ودل على ضعف حديث الأعمش
عن حبيب هذا الحديث أوقفه حفص بن غياث عن الأعمش وأنكر حفص بن
غياث أن يكون حديث حيب مرفوعاً، وأوقفه أيضاً أسباط عن
الأعمش موقوفاً على عائشة ثم قال أبو داؤد : ودل على ضعف حديث
حبيب ، هذا أن رواية الزهرى عن عروة عن عائشة قالت فكانت تغتسل لكل صلاة
فى حديث المستحاضة فبين أبو داؤد هاهنا علتين إحداهما كون هذا الحديث موقوفاً ،
والثانية كونه مخالفاً لرواية الزهرى ولم يبين العلة الثالثة و هى عدم سماع حبيب
عن عروة لأنها غير ثابتة عنده، والرابع ما أخرج الترمذى بسنده عن الأعمش عن
حبيب بن أبى ثابت عن عروة قال سئل ابن عمر فى أى شهر اعتمر رسول الله مؤتم
الحديث ، ثم قال الترمذى : سمعت محمداً يقول : حبيب بن أبى ثابت لم يسمع عن
عروة بن الزبير و صرح صاحب الجوهر النقي فقال: والحديث الذى أشار إليه أبو
داؤد هو أنه عليه السلام كان يقول : اللهم عافى فى جسدى وعافى فى بصرى ،
الحديث ؛ رواه الترمذى ، وقال حسن غريب .
[ باب الوضوء (١) من مس الذكر، حدثنا عبد الله بن مسلمة] القعني [عن
مالك ] بن أنس الامام [ عن عبد الله بن أبى بكر] بن محمد بن عمرو بن حزم
الأنصارى أبو محمد ويقال أبو بكر المدنى ، قال عبد الرحمن بن القاسم عن مالك كان
كثير الأحاديث وكان رجل صدق ، وقال أحمد : حديثه شفاء ، ووثقه ابن معين
وأبو حاتم والنسائى، وقال: ثقة ثبت، وابن سعد والعجلى، وذكره ابن
(١) وذكر ابن العربى في مناظرة بين الأئمة لطيفة فارجع إليها وبلغ فروع
الباب إلى أربعين بحثاً .

بذل المجهود
( ٨٦ )
الجزء الثانى
دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء
فتمال مروان ومن مس الذكر فقال عروة ما علمت ذلك
فقال مروان أخبرتنى بسرة بنت صفوان أنها سمعت رسول
حبان فى الثقات ، وقال الطحاوى فى شرح معانى الآثار : عبد الله بن أبى بكرليس
حديثه عن عروة كحديث الزهرى عن عروة ولا عبدالله بن أبى بكر عندهم فى حديثه
بالمتقن، لقد حدثنى بحير بن عثمان قال ثنا ابن وزير قال سمعت الشافعى يقول: سمعت
ابن عينة يقول كنا إذا رأينا الرجل يكتب الحديث عند واحد من نفر سماهم منهم
عبد الله بن أبى بكر سخرنا منه لأنهم لم يكونوا يعرفون الحديث ، مات سنة ١٣٥ ،
[ أنه سمع عروة [ بن الزبير [يقول: دخلت على مروان بن الحكم] هو ابن أبى
العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموى أبو عبد الملك ويقال أبو القاسم
ويقال أبو الحكم ولد بعد الهجرة بسنتين وقيل بأربع وروى عن النبي مؤلّ ولا
يصح له منه سماع وكتب لعثمان رضى الله عنه و ولى إمرة المدينة أيام معاوية وبويع له
بالخلافة بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية فى آخر سنة أربع وستين
وكانت ولايته تسعة أشهر ، قال البخارى (١) لم ير النبى معَّه، وعاب الاسماعيلى
على البخارى تخريج حديثه وعد من موبقاته أنه رمى طلحة أحد العشرة يوم الجمل
و هما جميعاً مع عائشة فقتل ثم وثب على الخلافة بالسيف ، ومات فى رمضان سنة
خمس وستين، ولعل هذا الدخول (٢) حين كان مروان أميراً على المدينة [فذكرنا
ما يكون منه الوضوء ] أى فتذاكرنا فى نواقض الوضوء [ فقال مروان ومن مس
الذكر] أى فقلنا أوقال مروان ينقض الوضوء من كذا وكذا فقال مروان ومن مس
الذكر [فقال عروة ما علمت ذلك [ أى أنه يلزم من مس الذكر الوضوء [فقال مروان
(١) لأنه عليه الصلاة والسلام نفى أباه إلى الطائف فأقام بها حتى ولى عثمان رضى
الله عنه المدينة فرده، كذا فى جامع الأصول (٢) صرح به فى رواية النسائى.

بذل المجهود
( ٨٧ )
الجزء الثانى
اللّه ◌َبّ يقول من مس ذكره فليتوضأ.
أخبرتنى بسرة (١) بنت صفوان ] قال بعضهم هى بنت صفوان بن نوفل بن أسد
القرشية الأسدية بنت أخى ورقة بن نوفل، كذا نسبه الزبير بن بكار ، وقال غيره :
هى بسرة بنت صفوان بن أمية بن محرث من بى مالك بن كنانة ، قال ابن عبد البر
ليس قول من قال : إنها من كنانة بشئى، قال الشافعى: لها سابقة وهجرة قديمة ،
وقال ابن حبان: كانت من المهاجرات، وقال مصعب : كانت هى من المبايعات، وذكر
ابن الكلبى أنها كانت ماشطة تقين النساء بمكة عاشت إلى ولاية معاوية [ أنها سمعت
رسول اللّه مَّ يقول من مس ذكره (٢) فليتوضأً (٣) ] هذا الحديث يدل على أن
مس الذكر ناقض للوضوء ، قال الشوكانى: وقد ذهب إلى ذلك عمر وابنه عبدالله
و أبو هريرة وابن عباس وعائشة وسعد بن أبى وقاص وعطاء و الزهرى وابن
المسيب و مجاهد و أبان بن عثمان وسليمان بن يسار و الشافعى وأحمد وإسحاق
ومالك فى المشهورة واحتجوا بحديث الباب ، صحه أحمد والترمذى و الدارقطنى
ويحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر والبيهقى و الحازمى (٤)، وأما البخارى
ومسلم فلم يخرجاه لاختلاف وقع فى سماع عروة منها أو من مروان ، انتهى ملخصاً،
و قال المانعون: إن الواسطة بين عروة وبسرة إما مروان وهو مطعون فى
عدالته أو حرسيه وهو مجول وما أجاب به عنه أهل المقالة الأولى بأنه قد جزم
(١) كانت تحت المغيرة بن أبي العاص فولدت له معاوية وعائشة ، وكانت عائشة
تحت مروان بن الحكم و هى أم عبد الملك بن مروان بن الحكم ، كذا قال ابن
رسلان (٢) زاد فى رواية الطبرانى فى الكبير والأوسط أو أنثيه أو رفغيه ،
كذا فى جمع الفوائد ، تكلم عليه فى الجوهر النقي (٣) أى استحباباً أو أدباً كما
يتوضأ من القهقهة خارج الصلاة أو بكلام الدنيا أو محمول إذا خرج منه شئى .
كذا فى التقرير ، والأوجه عندى أن مفعول المس محذوف أى مس ذكره بفرج
المرأة وهى المباشرة الفاحشة (٤) وغيرهم كما بسطه ابن رسلان وصاحب الغاية .

بذل المجهود
( ٨٨ )
الجزء الثانى
غير واحد من الأئمة بأن عروة سمعه من بسرة كما فى صحيح ابن خزيمة وابن حبان
قال : عروة فذهبت إلى بسرة فسألتها فصدقته، لا يعتمد عليه لأنه لو ثبت ذلك لاعتمد
عليه البخارى ومسلم ، أفلا ترى أنهما لم يقنعا على ذلك ولم يعتمدا عليه و نقل
البعض بأن ابن معين قال : ثلاثة أحاديث لا تثبت : حديث مس الذكر ، ولا
نكاح إلا بولى ، وكل مسكر حرام ، وأيضاً طعن فيه الطحاوى بأنه إنما روى الزهرى
عن عروة فهذا مرسل لأن الزهرى لم يسمعه من عروة بل دلس به بل إنما هو عن
الزهرى عن عبد الله بن أبى بكر عن عروة وعبد الله بن أبى بكر ليس عندهم فى
حديثه بالمتقن وحكى تضعيفه عن ابن عيينة ، وكذلك أحاديث أخر التى رويت
فى هذا الباب واحتجوا بها تكلم فيها الطحاوى و صرح بضعفها و من أقواها ما
أخرجه أحمد بن حنبل فى مسنده، والطحاوى فى شرح معاني الآثار بسنديهما عن محمد بن
إسحاق حدثنى محمد بن مسلم الزهرى عن عروة بن الزبير عن زيد بن خالد الجهنى سمعت
رسول اللّه مَّه يقول: من مس فرجه فليتوضأ فاعترض عليه الطحاوى وقال قيل
له : أنت لا تجعل محمد بن إسحاق فى شئى إذا خالفه فيه مثل من خالفه فى هذا الحديث
ولا إذا انفرد ، ونفس هذا الحديث منكر ، وأخلق به أن يكون غلطاً لأن
عروة حين سأله مروان عن مس الفرج فأجابه من رأيه أن لا وضوء فيه فلما قال
له مروان عن بسرة عن النبى مَّة ماقال ، قال له عروة: ماسمعت به، وهذا بعد
موت خالد بكم ما شاء الله فكيف يجوز أن ينكر عروة على بسرة ما قد حدثه إياه
زيد بن خالد عن النبى معَّ ، قال البيهقى فى جوابه: وأما ما قال من تقديم موت
زيد بن خالد الجهنى فهذا منه توهم فلا ينبغى لأهل العلم أن يطعنوا فى الأخبار بالتوهم
فقد بقى زيد بن خالد إلى سنة ثمان وسبعين من الهجرة ومات مروان بن الحكم
سنة خمس وستين ، هكذا ذكره أهل العلم بالتواريخ فيجوز أن يكون عروة لم يسمع
من أحد حين سأله مروان ثم سمعه من بسرة ثم سمعه بعد ذلك من زيد بن خالد،
انتهى على ما نقله صاحب غاية المقصود ، ثم قال شارحاً لكلام البيهقى: قلت كلام

بذل المجهود
(٨٩ )
الجزء الثانى
( باب، الرخصة فى ذلك ) حدثنا مسدد قال ثنا ملازم
بن عمرو الحنفى قال ثنا عبدالله بن بدر عن قيس بن طلق
الطحاوى هذا غلط لا يصح، ثم قال بعد تقرير كلامه: فالعجب من الطحاوى أنه بنى
الكلام على رواية ضعيفة وترك رواية الأكثرين ، وما هو إلالنصرة مذهبه، انتهى .
قلت : ليس هذا التشنيع و التغليط إلا لداعية غانية دعته إلى ذلك وما هو
لنصرة الحق فانه قد اختلف فى موت زيد بن خالد على خمسة أقوال : فقيل : مات
سنة ٥٠، وقيل فى آخر أيام معاوية ، وقيل: سنة ٦٨، وقيل سنة ٧٢ وقيل سنة
٥٧٨، ثم اختلف فى مكان موته، قيل: بالمدينة وقيل: بمصر وقيل: بالكوفة، فلو
قلنا إن الراجح عند الامام الطحاوى - رحمه الله تعالى - هوأنه مات قبل ذلك، كيف
يكون قول بعض أهل التواريخ والسير حجة عليه ، والحال أنه إمام فى الحديث
و السير ، فهل عندهم أحد يوازيه فى العلم بل يكون قوله حجة عليهم .
[باب الرخصة(١) فى ذلك] أى فى ترك الوضوء من مس الذكر [حدثنا مسدد
قال ثنا ملازم بن عمرو ] هو ملازم بن عمرو بن عبد الله بن بدر السحيمى مصغراً
يلقب بلزيم ، قال أبو طالب عن أحمد من الثقات، وقال عبد اللّه: قال أبى ملازم
ثقة، وقال عثمان الدارمى عن ابن معين: ثقة، وكذا قال أبو زرعة والنسائى،
وقال الدارقطنى: يمامى ثقة يخرج حديثه، وقال أبو حاتم: صدوق لا بأس به،
وقال أبوداؤد: ليس به بأس ، وذكره ابن حبان فى الثقات [الحنفى] بفتح
المهملة والنون و فى آخرها الفاء نسبة إلى بنى حنيفة [ قال ثنا عبد الله بن بدر ]
بن عميرة بن الحارث بن شمر ويقال سمرة الحنفى السحيمى مصغراً، نسبة إلى سحيم ،
بطن من بنى حنيفة، اليمامى جد ملازم بن عمرو، قال ابن معين وأبو زرعة والعجلى:
ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات [ عن قيس بن طلق] بن على بن المنذر الحنفى
(١) ذكر متابعة حديث الباب فى العقود .

بذل المجهود
( ٩٠ )
الجزء الثانى
عن أبيه قال تقدمنا على فى الشرطة جا رجل كلانه بدوى
فقال باني (١) الله ما ترى فى مس الرجل ذكره بعد ما
يتوضأ فقال (٢) بّ هل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه
اليمامى ، قال عثمان الدارمى : سألت ابن معين ، قلت: عبد الله بن النعمان عن قيس
بن طلق، قال : شيوخ يمامة ثقات ، وقال العجلى : يمامى تابعى ثقة و أبوه صحابى ،
وذكره ابن حبان فى الثقات ، وقال ابن أبى حاتم عن أيه: قيس ليس من تقوم به حجة
ووهاه ، وقال الخلال عن أحمد : غيره أثبت منه، وقال الشافعى : قد سألنا عن
قيس بن طلق فلم تجد من يعرفه، وقال ابن معين: لقد أكثر الناس فى قيس وأنه
لا يحتج بحديثه، وقال الطحاوى بسنده إلى على بن المدينى يقول: حديث ملازم هذا
أحسن من حديث بسرة [ عن أيه ] هو طلق بن على بن المنذر بن قيس بن عمرو
بن عبد الله بن عمرو الخنفى السحيمى أبو على اليمامى وفد على النبى مَّ و عمل معه
فى بناء المسجد وروى عنه و عنه ابنه قيس وبنته خالدة وعبد الله بن بدر وعبد
الرحمن بن على بن شيبان، قلت : ذكره ابن السكن، ويقال له طلق بن ثمامة، هكذا
فى تهذيب التهذيب للحافظ [قال قدمنا على فى اللّه مَع] و الظاهر (٣) أن قدومه
مع قومه الذين وفدوا على النبي مَفى حين بنى المسجد فى أول سنى الهجرة [ نجا.
رجل كانه بدوى (٤)] لم يعرف اسم الرجل، قال فى القاموس: البدو والبادية والباداة
و البداوة خلاف الحضر والنسبة بداوى كسخاوى وبداوى بالكسر وبدوى محركة
نادر [ فقال: يا نبى الله ما ترى فى مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ فقال عمر : هل
هو ] أى الذكر [إلا مضغة] بضم الميم [ منه] أى من الرجل [ أو بضعة منه]
بفتح الباء المؤحدة، وهذا شك من الراوى ومعناه قطعة من اللحم فكما لا يجب
(١) وفى نسخة: يا رسول الله (٢) وفى نسخة: قال هل (٣) كذا فى الغاية
وبسطه أشد السط (٤) قال ابن رسلان نسبة إلى البادية خلاف القياس.

بذل المجهود
( ٩١ )
الجزء الثانى
الوضوء بمس سائر الجسد، كذلك لا يجب الوضوء من مس الذكر ، قال الترمذى:
وهذا الحديث أحسن شئى روى فى هذا الباب ، وقد روى هذا الحديث أيوب
بن عتبة و محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه وقد تكلم بعض أهل الحديث
فى محمد بن جابر و أيوب بن عتبة ، وحديث ملازم بن عمرو عن عبد الله بن يدر
أصح وأحسن وذهب إلى هذا كثير من علماء الصحابة والتابعين ، منهم على بن
أبى طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود (١) وحذيفة بن اليمان وعمران
بن الحصين و أبو الدرداء وسعد بن أبى وقاص فى إحدى الروايتين عنه وسعيد بن
المسيب و الحسن البصرى وسعيد بن جبير و إبراهيم النخعى و ربيعة بن أبى عبد
الرحمن وسفيان الثورى و أصحابه ويحيى بن معين و أهل الكوفة ، قال الشوكانى :
صححه عمرو بن على الفلاس ، وقال : هو عندنا أثبت من حديث بسرة وروى
عن على بن المدينى أنه قال : هو عندنا أحسن من حديث بسرة ، وقال : إسناده
مستقيم غير مضطرب بخلاف حديث بسرة وصححه أيضاً ابن حبان والطبرانى وابن
حزم ، قال الشوكانى : و أجيب بأنه قد ضعفه الشافعى وأبو حاتم و أبو زرعة
و الدارقطنى والبيهقى و ابن الجوزى وادعى فيها النسخ ابن حبان(٢) والطبرانى وابن
العربى و الحازمى وآخرون .
قلت : مدار تضعيف الشافعى على أنه قال : قد سألنا عن قيس بن طاق فلم
تجد من يعرفه، فلما لم يعرفه الامام الشافعى صار عنده مجهولا وضعف روايته لجهالته
و أما عند غيره فهو معروف روى عنه الكثير من الرواة ولم يثبت عندهم جرح
فصصحوا حديثه، وقولهم أرجح لأن مدار قولهم على زيادة العلم وكذلك جرح
غيرهم جرح مبهم لا يلتفت إليه لأنه جرح من غير دليل خصوصاً فى مقابلة الموثقين
(١) وذكر ابن رسلان بعض الآثار عن ابن مسعود فى عدم النقض (٢) وكذا
قال ابن رسلان عن البغوى لأن قدوم طلق فى السنة الأولى و إسلام أبى هريرة
فى السابعة .

بذل المجهود
( ٩٢ )
الجزء الثانى
قال أبوداؤد رواه هشام بن حسان وسفيان الثورى وشعبةٍ
وابن عيينة وجرير الرازى عن محمد بن جابر عن قيس
له وهو لا يكون إلا بدليل، وأما دعوى النسخ فأوهى من ذلك وأوهن لأن
دعوى النسخ يستدل عليها بتقدم إسلام طلق و تأخر إسلام بسرة وهذا لا يثبت به
النسخ كما قال الشوكانى ، ولكن هذا غير دليل على النسخ عند المحققين من أثمة
الأصول ، قال ابن الهمام : وما يدل على انقطاع حديث بسرة باطناً أن أمر
التواقض مما يحتاج الخاص والعام إليه وقد ثبت عن على وعمار وعبد الله بن مسعود
وغيرهم من كبار الصحابة أنهم لايرون النقض منه وإن روى عن غيرهم كعمر وابنه
وغيرهما على أن فى الرواية عن عمر نظراً لما سنذكره عنه فى كتاب الصلاة، انتهى
ماخصاً [ قال أبو داؤد رواه ] أى حديث طلق بن على [هشام بن حسان وسفيان
الثورى وشعبة وابن عينة وجرير الرازى عن محمد بن جابر (١)] بن سيار بن طارق
السحيمى الحنفى أبو عبد الله أصله كوفى ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيراً وعلى
فصار يلقن، رجحه أبو حاتم على ابن لهيعة ، هكذا فى التقريب ، وأما فى التهذيب
قال الدورى عن ابن معين: كان أعمى واختلط عليه حديثه و كان كوفياً فانتقل إلى
اليمامة وهو ضعيف ، وقال عمرو بن على : صدوق كثير الوهم متروك الحديث ،
وقال ابن أبى حاتم عن محمد بن يحيى سمعت أبا الوليد يقول نحن نظلم محمد بن جابر
بامتناعنا عن التحديث عنه قال : سمعت أبى وأبا زرعة يقولان من كتب عنه باليمامة
وبمكة فهو صدوق إلا أن فى أحاديثه تخاليط، وأما أصوله فصحاح، قال : وسئل
أبى عن محمد بن جابر و ابن لهيعة فقال محلهما الصدق و محمد بن جابر أحب إلى من
ابن لهيعة ، وقال البخارى : ليس بالقوى يتكلمون فيه روى مناكير ، وقال أبو داؤد
ليس بشئى، وقال النسائى: ضعيف ، وقال ابن عدى : روى عنه من الكبار
(١) قال ابن رسلان: ليس له عند أبى داؤد وابن ماجة غير هذا الحديث .

بذل المجهود
( ٩٣ )
الجزء الثانى
بن طلق . حدثنا مسدد قال ثنا محمد بن جابر عن قيس بن
طلق باسناده(١) ومعناه وقال فى الصلاة .
( باب الوضوء من لحوم الابل ) حدثنا عثمان بن أبى
شيبة قال ثنا أبو معاوية قال ثنا الأعمش عن عبد الله بن
عبد الله الرازى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن البراء بن
أيوب و ابن عون وسرد جماعة قال: ولولا أنه فى ذلك المحل لميرو عنه هؤلاً.
ومع ما تكلم فيه من تكلم يكتب حديثه، وقال يعقوب بن سفيان والعجلى :
ضعيف ، وقال الذهلى : لا بأس به ، وقال ابن حبان : كان أعمى يلحق فى كتبه
ماليس فى حديثه ويسرق ماذوكر به فيحدث به، وقال أحمد بن حنبل : لا يحدث عنه
إلا شر منه ، وقال الدارقطنى هو وأخوه مقاربان فى الضعف، قيل له: يتركان؟ فقال
لا بل يعتبر بهما ، هكذا فى تهذيب التهذيب ملخصاً [ عن قيس بن طلق].
[ حدثنا مسدد قال ثنا محمد بن جابر عن قيس بن طلق باسناده ومعناه ] أى
روى محمد بن جابر باسناد حديث عبد الله بن بدر واتحاد معناه [وقال فى الصلاة]
أى زاد فى الحديث لفظ (( فى الصلاة، فصار لفظ الحديث هكذا: فقال يا نبي الله ما
ترى فى مس الرجل ذكره فى الصلاة بعد ما يتوضأ، وقد مر أن محمد بن جابر ضعيف
فالزيادة التى تفرد بها ضعيفة أيضاً .
[ باب الوضوء من لحوم الابل () ] هل يجب الوضوء من أكلها أم لا
[ حدثنا عثمان بن أبى شيبة قال ثنا أبو معاوية] محمد بن خازم [ قال ثنا الأعمش]
سليمان بن مهران [ عن عبد الله بن عبد اللّه الرازى] أبو جعفر قاضى الرى مولى
(١) و فى نسخة: عن أبيه باسناده ومعناه (٢) وقال ابن العربى: حديث لحم
الابل صحيح ظاهر مشهور وترك الوضوء منه ليس بقوى عندى ، انتهى ، قلت :
و الآثار الدالة على ترك الوضوء فى مصنف ابن أبى شيبة و فى شرح ابن رسلان.

بذل المجهود
( ٩٤ )
الجزء الثانى
عازب قال سئل رسول الله في عن الوضوء من لحوم
الابل فقال توضؤا منها ؛
بنى هاشم أصله كوفى وثقه أبو معمر الهذلى و يعقوب بن سفيان وأحمد بن حنبل
والعجلى وقال: عبد الله بن أحمد كانت جدته مولاة لعلى أو جاريته ، وذكره ابن
حبان و ابن شاهين فى الثقات [ عن عبد الرحمن (١) بن أبى ليلى عن البراء بن
عازب ] بن الحارث الأنصارى الأوسى يكنى أبا عمارة ويقال أبو عمرو وله ولايه
صحبة استصغره رسول اللّه مَّل يوم بدر فلم يشهدها و أول مشاهده أحد غزا مع
رسول اللّه مَ ثله خمس عشرة غزوة وسافر معه ثمانية عشر سفراً ثم شهد مع على
رضى اللّه تعالى عنه الجمل وصفين و قتال الخوارج ونزل الكوفة فى إمارة مصعب
بن الزبير و أرخه ابن حبان بأنه مات سنة ٠٧٢ [ قال سئل رسول الله مؤ بقلم عن
الوضوء من لحوم الابل ] أى من أكلها [ فقال توضوا منها (٢) ] أى من أكلها
فان قيل كيف قدرتم فعل الأكل والحديث عام لا تخصيص فيه بفعل دون فعل وما
الدليل على ذلك أيضاً لوسلمنا أن المراد أكلها فلوأكل أحد لحم الجمل نيا غير مطبوخ
هل ينقض وضوءه أم لا فلو قلتم إنه ينقض الوضوء فما الفرق بين الأكل ياً وبين
مسه بعضو من أعضائه من اليد واللسان ولو قلتم إنه لا ينقض الوضوء إلا بالضيج منه
فما الدليل على هذا التخصيص عندكم والحديث عام يشمل النضيج و التى ، قلنا قال
الشوكانى : وقد اختلف فى ذلك ، فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء ،
(١) روى هذا الحديث حماد بن سلمة عن الحجاج بن أرطاة فاخطأ فيه ، بسطه
فى الغاية (٢) ويكفى لصرف الحديث عن معناه الشرعى إلى معناه اللغوى أو المجاز
وهو الندب، ترك جمهور الصحابة والخلفاء الأربعة العمل بالحديث ، ومن شرائط
العمل بخبر الواحد ترك الاعراض عنه فى الصدر الأول كما بسط فى الأصول ، و
قال ابن رسلان : الحديث يحتمل اللغوى و الشرعى وهو غسل الكفين و الندب
و الوجوب ، والأكثرون ذهبوا إلى عدم النقض ، انتهى.

بذل المجهود
ـسبــ
(٩٥ )
الجزء الثانى
قال النووى من ذهب إلى ذلك الخلفاء الأربعة و ابن مسعود وأبى بن كعب وابن
عباس و أبو الدرداء و أبو طلحة و عامر بن ربيعة و أبو أمامة وجماهير من
التابعين و مالك وأبو حنيفة و الشافعى و أصحابهم فانهم لا يرون الوضوء بأكل
لحوم الابل ولا بمسها فلا يحتاج إلى الجواب وذهب إلى انتقاض الوضوء (١)
به أحمد بن حنبل و إسحاق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر و ابن
خزيمة واختاره الحافظ أبو بكر البيهقى و حكى عن أصحاب الحديث مطلقاً وحكى
عن جماعة من الصحابة فيمكن الجواب عما ذهو إليه بأن الوجوب و الحرمة إذا
نسب إلى الشئى فالنسبة إليه باعتبار الفعل الذى يتعلق به باعتبار ما هو من أعظم
منافعه فلما نسب وجوب الوضوء إلى لحوم الابل وأعظم منافع اللحوم ليس إلا
الأكل فنسب وجوب الوضوء إلى أكلها لالغيره من الأفعال من المس وغيرها ويمكن
الجواب عن الثانى بأنه لماعلم تخصيصه بالأكل، والأكل لا يتحقق عرفاً إلا بالتضيج ولا
يؤكل فيه عادة فيختص حكم وجوب الوضوء بالنضيج ضرورة والله أعلم، واحتج
القائلون بالنقض بهذا الحديث وبأمثاله ، وأما القائلون بعدم النقض فاحتجوا بحديث
جابر رضى الله عنه الذى أخرجه الأربعة أنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله
مرّة ترك الوضوء ما مست النار أى تحقق الأمران الوضوء والترك، وكأن الترك
آخر الأمرين فارتفع الوضوء أى وجوبه ولهذا قال الترمذى : وكأن هذا الحديث
ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار، ولما كان لحوم الابل داخلة فيما
مست النار و كان فرداً من أفراده ونسخ وجوب الوضوء عنه بجميع أفرادها استلزم
نسخ الوجوب عن هذا الفرد أيضاً فما قال النووى: لكن هذا الحديث عام وحديث
الوضوء من لحوم الابل خاص، مندفع لأنا لانسلم كونه منسوخاً بحيث إنه خاص بل
لأنه فرد من أفراد العام الذى نسخ فاذا نسخ العام وهو وجوب الوضوء مما مست
النار نسخ جميع أفرادها ، ومن افرادها أكل لحوم الابل التى مسته النار ولو سلم
(١) ولونياً لكن باللحم فقط لا الكبد والطحال وغيرها، كذا فى نيل المآرب

بذل المجهود
( ٩٦ )
الجزء الثانى
كونها خاصاً فالعام والخاص عندنا قطعيان متساويان لا يقدم أحدهما على الآخر فعلى
هذا العام ينسخ الخاص أيضاً ، واعلم أن الشوكانى ذكر ماهنا قاعدة تنجح بذكرها،
وحاصلها أن أحاديث الأمر بالوضوء من لحوم الابل لم تشمل النبى وَ لا بالتنصيص
ولا بالظهور بل هو مختص بالأمة فلا يصلح تركه حتى للوضوء مما مست النار ناسخاً
لها لأن فعله مَّ لا يعارض القول الخاص بنا ولا ينسخه بل يكون فعله الخلاف
ما أمر به أمراً خاصاً بالأمة دليل الاختصاص به ، انتهى .
قلت : و الأصل فى الشرعيات أن ما ثبت من قوله أو فعله أو تقريره
فهو عام له ولأمته و إن كان الخطاب فيه خاصاً ما لم يقم عليه دليل الاختصاص
به مريض أو بأمته و ما دام لم يقم دليل الاختصاص لا يحمل على الخصوص وهاهنا
لم يقم دليل الاختصاص ، والاستدلال بفعله لخلاف ما أمر به لا يصح ولا يكون
دليلا على الاختصاص ، ولهذا عد جمهور الأمة من علماء الصحابة والتابعين والأئمة
المجتهدين ترك الوضوء مما مست النار ناسخاً لما أمر به قبل ذلك من الوضوء مما مست
النار ، وقال بعضهم: إن المراد من الوضوء غسل اليدين والفم لما فى لحم الابل من
رائحة كريهة ودسومة غليظة بخلاف لحم الغنم ويؤيده الروايات التى رويت عن
ابن مسعود أنه جيئى بقصعة فيها ثريد ولحم فأكل و مضمض وغسل أصابعه ثم
قام إلى الصلاة، وكذلك عنه قال : لأن أتوضأ من الكلمة المتنة أحب إلى من أن
أتوضأ من اللقمة الطيبة، وكذلك روى أن عثمان رضى الله عنه أكل خبزاً ولحماً
و غسل يديه ثم مسح بهما وجهه ثم صلى ولم يتوضأ ، وكذلك عن ابن عباس أنه
أتى بحفنة من ثريد و لحم فأكل منها وغسل أطراف أصابعه ولم يتوضأ ، أخرجها
الطحاوى ، فهؤلاء الكبراء من الصحابة لما لم يتوضؤا من أكل ما مسته النار وضوءاً
اصطلاحياً واكتفوا على الوضوء اللغوى ، علم بذلك أن المراد بالوضوء هاهنا الوضوء
اللغوى لا الاصطلاحى، نعم بقى هاهنا أن الذى ورد فى الحديث هو الوضوء من
لحوم الابل غير مقيد بأكلها ولا بكونها نياً أو نضيجاً ثم قيده الشراح بالأكل كما
قال النووى فى شرح مسلم فاختلف العلماء فى أكل لحوم الجزور ، وكذلك قال
-

بذل المجهود
(٩٧ )
الجزء الثانى
وسئل عن لحوم الغنم فقال لا توضؤا منها وسئل عن
الشوكانى فى النيل بعد نقل الحديث وهو يدل على أن الأكل من لحوم الابل من
جملة نواقض الوضوء، وكذلك صرح القارئ فى شرح المشكاة وفيه تأكيد الوضوء
من أكل لحم الابل وهو واجب عند أحمد ، وهذا يقتضى أن يكون المراد باللحم النضيج
لا التى لأن التى لا يؤكل، فما قال ابن القيم: وأما من يجعل كون لحم الابل هو
الموجب للوضوء سواء مسته النار أو لمتمسه فيوجب الوضوء من فيه ومطوخه وقديده
فكيف يحتج عليه بهذا الحديث ، يلزم عليه أن يجعله عاماً من الأكل والمسر أيضاً
لأن لفظ الحديث كما أنه عار عن كونه مطبوخاً كذلك عار عن قيد الأكل فلما جعله
عاماً شاملا للطبوخ وغير المطبوخ كذلك يلزم عليه أن يجعله عاماً من الأكل والمس
ولا قائل به غير الشيخ ابن القيم ومقلده صاحب غاية المقصود ، وبالجملة فكما روى
عن رسول اللّه مَيتهم الأمر بالوضوء بلحوم الإبل، كذلك روى عنه عَ لّه الأمر
بالوضوء من ألبان الابل، أخرجه ابن ماجة بسنده عن أسيد بن حضير وعبد الله بن
عمرو يرفعانه يقول توضؤا من ألبان الابل، وهذا محمول عند جميع الأمة على شربها
بأن يستحب له أن يمضمض ويزيل الدسومة عن فمه ، كذلك يستحب له إذا أكل
لحم الجزور أن يغسل يده وفمه وينفى الدسوسة والزهومة [ وسئل عن لحوم
الغنم فقال لا توضوا منها ] وفى رواية جابر بن سمرة التى أخرجها مسلم قال إن
شئت فتوضأ وإن شئت فلا توضأ ، فعلى هذا ما فى سياق أبى داؤد لا توضؤا منها معناه
لا يجب الوضوء من لحوم الغتم فسياق رواية مسلم يدل على أن المراد الوضوء اللغوى
لأن قوله يَّ إن شئت فتوضأً وإن شئت فلا تتوضأ فى جواب من سأل عن وجوب
الوضوء من لحوم الغنم لوحمل على الوضوء الاصطلاحى لايطابق الجواب السؤال، فان
السؤال لوحمل على وجوب الوضوء اكان جوابه أن يقول لا أو يقول لا توضؤا كما فى
سياق أبى داؤد ، فهذا يدل على أن السؤال كان عن استحباب الوضوء اللغوى هل
يستحب غسل اليد والفم فذكر فى جوابه كلا الأمرين أى الغسل وعدم الغسل سواء،
لأن لحوم الغنم ليس فيها دسومة وزهومة يبقى أثرها بعد الأكل فقال إن شئت

بذل المجهود
(٩٨)
الجزء الثانى
عن الصلاة فى مبارك (١) الابل فقال لا تصلوا فى مبارك الابل
فانها من الشياطين وسئل عن الصلاة فى مرابض الغنم
فقال صلوا فيها فانها بركة .
فتوضأ، أى فاغسل اليد و الفم و إن شئت فلا تتوضأ أى فلا تغلهما، فهذه قرينة
واضحة على أن المراد بالوضوء الوضوء اللغوى وهى ترشدك إلى أن الوضوء فى لحوم
الابل هو الوضوء اللغوى لا غير، والله أعلم [ وسئل عن الصلاة فى مبارك الابل
فقال لا تصلوا فى مبارك الابل ] المبارك جمع مبرك وهو موضع بروك الابل وهو
للابل بمنزلة الربوض للغنم والاضطجاع للانسان والجثوم للطير، كره الصلاة فى مبارك
الابل لما لا يؤمن من نفارها فيلحق المصلى ضرر من صدمته وغيرها فلا يكون له
حضور [ فانها من الشياطين (٢) ] قال فى القاموس: والشيطان معروف وكل عاد
متمرد من جن أو إنس أو دابة [ وسئل عن الصلاة فى مرابض الغنم] والمريض
للغنم كالميرك للابل ، وأما المعاطن فهو جمع معطن محل العطن وهو مبرك الابل
حول الماء [ فقال صلوا فيها فانها بركة ] قال الشوكانى : والحديث يدل على جواز
(١) اختلف المشابخ فى علة المنع فقيل يستقر بها عند الخلاء وقيل أهلها لا ينظفونها
وقيل إنها لا تستقر فى معاطنها وقيل لثقل رائحتها الكريهة، والأوجه ما هو
المنصوص فى علته أنها من الشياطين فقيل على الحقيقة و قيل تشبيه للنفور ولا
يشكل بصلاته عليه الصلاة والسلام على الناقة ، فان كونها من الشياطين لا تقطع
الصلاة فان نفس الشيطان يسلط على المصلى فى الصلاة، ويقول له أذكر كذا أذكر
كذا فإنه إذا لم يقطع الصلاة نفسه فكيف يقطع من هو فى نفسه ثم لو صلى فيها
فالجمهور على الكراهة وأحمد على الفساد، وللجمهور صلاته مَّهِ على الناقة وما
قاله الشافعى إن الشيطان لا يقطع الصلاة كما ورد فى عدة الروايات ولا خلاف
فى الجواز فى المرابض واختلفوا فى البقر بأيهما يلحق «ملخص من الأوجز».
(٢) وفى التقرير أن يوسوس بالركض والبول وغير ذلك، وتقدم أيضاً
الكلام عليه .

بذل المجهود
( ٩٩ )
الجزء الثانى
الصلاة فى مرابض الغنم و على تحريمها فى معاطن الابل، وإليه ذهب أحمد بن حنبل
فقال لا تصح بحال ، وقال : من صلى فى عطن إبل أعاد أبداً ، وسئل مالك رحمه .
الله تعالى عمن لا يجد إلا عطن إبل قال لا يصلى فيه قبل فان بسط عليه ثوباً ، قال لا،
وقال ابن حزم: لاتحل فى عطن إبل، وذهب الجمهور إلى حمل النهى على الكراهة مع
عدم النجاسة و على التحريم مع وجودها، وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهى
هى النجاسة و ذلك متوقف على نجاسة أبوال (١) الابل وأزبالها وقد عرفت مافيه ،
ولو سلمنا النجاسة لم يصح جعلها علة لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين
أعطانها وبين مرابض الغنم إذ لا قائل بالفرق بين أرواث كل من الجنسين وأبوالها
وأيضاً قد قيل إن حكمة النهى ما فيها من النفور، فربما نفرت وهو فى الصلاة
فتؤدى إلى قطعها أو أذى يحصل منها أو تشوش الخاطر الملهى عن الخشوع فى الصلاة
وبهذا علل النهى أصحاب الشافعى رحمه الله تعالى وأصحاب مالك رحمه الله تعالى، وعلى
هذا فيفرق بين كون الابل فى معاطتها وبين غيتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ
ويرشد إلى صمة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد باسناد صحيح بلفظ «لا تصلوا فى
أعطان الابل فانها خلقت من الجن ، ألا ترون إلى عيونها وميثتها ثم قال: وأما
الترغيب المذكور فى الأحاديث بلفظ ((فانها بركة، فهو إنما ذكر لقصد تبعيدها عن
حكم الابل فانه لما وصف أصحاب الابل بالغاظ والقسوة ، وصف أصحاب الغنم
بالسكينة، قال فى مرقاة الصعود تكرر هذا فى الحديث ، فروى: الغنم بركة . وعن أم
هانى قال لها النبى معََّى: اتخذى غما فان فيها بركة ، وفى حديث ابن عمر رفعه:
الغنم من دواب الجنة .
(١) وسيأتى حكم بول ما يؤكل لحمه على هامش باب الجنب يتيعم وأطال صاحب
الغاية البحث هاهنا فى نجاسة الأروات واستدل بالحديث على طهارة بول ما يؤكل
لحمه إذ المرابد لا تخلو عنها غالباً ، وعلة النهى عن المعاطن كونها من الشياطين فعلم
أنها طاهرة كلها ، وأجاب عنه الحافظ فى الفتح فارجع إليه .

بذل المجهود
(١٠٠ )
الجزء الثانى
( باب الوضوء من مس اللحم التى وغسله ) حدثنا محمد بن
العلا وأيوب بن محمد الرقى وعمرو بن عثمان الحمصى المعنى قالوا
ثنا مروان بن معاوية قال أخبرنا هلال بن ميمون الجهنى
[ باب الوضوء من (٣) مس اللحم الى وغسله ] فقوله وغسله عطف على
الوضوء فمعناه : هذا باب وضوء الرجل من مس اللحم الغير المطوخ، وغسل الرجل
يده إذا مس به اللحم التى، أى هل يجب الوضوء الشرعى، بمس اللحم أو هل يجب
غسل اليد فقط ، وهو الوضوء اللغوى، أو لا يجب، والى من اللحم ما لم يطبخ
أو طبخ أدنى طبخة ، ولم ينضج من ناء اللحم يثى نياً كناع ينيع نيعاً ، فهو نيتى
بالكسر ، وقد يبدل الهمزة ويدغم ويقال فى مشدداً كذا فى المجمع .
[ حدثنا محمد بن العلاء ] بن كريب [وأيوب بن محمد الرقى ] هو أيوب بن
محمد بن زياد بن فروخ بفاء مفتوحة وضم راء مشددة وإحجام عاء الوزان ، كان يزن
القطن فى الوادى أبو محمد الرقى نسبة إلى رقة وهى بلدة على طرف الفرات . قال النسائى
ثقة، وذكره ابن حبان فى الثقات، مات سنة ٢٤٩ [ وعمرو بن عثمان الحمصى ]
هو عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشى أبو حفص الحمصى ، قال أبو
حاتم : صدوق ، وذكره ابن حبان فى الثقات ، ووثقه النسائى ، وكذا أبو داؤد ،
و مسلمة وثقاه مات سنة ٢٥٠ [ المعنى ] أى معنى ما رووه واحد وإن اختلف
لفظهم [ قالوا ثنا مروان بن معاوية ] بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن
حذيفة بن بدر الفزارى أبو عبد اللّه الكوفى ، الحافظ ، عن أحمد ثبت حافظ : وقال
أبو داؤد عن أحمد: ثقة ما كان أحفظ ، وقال ابن معين و يعقوب بن شيبة والنسائى
ثقة، وقال ابن المدينى ثقة ، فيما يروى عن المعروفين ، و ضعيف فيما يروى عن
(١) قلت ولعل الداعى إلى تبويبه ماروى ابن أبى شيبة فى مصنفه عن سعيد بن
المسيب أنه قال: من مسه يتوضأ، وروى أيضاً عن الحسن وعطاء أنه يغسل يده .