النص المفهرس
صفحات 1-20
تقديم الكتاب بقلم : فضيلة الشيخ أبى الحسن على الحسنى الندوى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وخاتم النبيين محمد، و آله وصحبه أجمعين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد ! فيسعد كاتب هذه السطور أن يقدم لكتاب « بذل المجهود فى حل أبى داؤد، العلامة المحدث الكبير والمربى الجليل مولانا خليل أحمد السهار فورى - رحمة الله عليه، وقد سعد الكاتب ووفق لتقديم عدة كتب قيمة ومؤلفات عظيمة لتلميذه الأبر الأكبر شيخنا العلامة محمد زكريا بن محمد يحيى الكاند ملوى السهار فورى، كـ ((مقدمة أوجز المسالك)، و(مقدمة لا مع الدرارى» و (((جزء حجة الوداع وعمرات النبى معَّه، و«الأبواب والتراجم للبخارى)». و كاتب هذه السطور يشهد الله على أن هذه الكتابات لم تخدعه عن نفسه ، وقد كان يتقدم إليها فى كل مرة متهيباً خاشعاً أمام جلال الموضوع ، ومكانة الكتاب العلمية ، ومنزلة المؤلف الدينية ، وعلو كعبه و اختصاصه فى علم الحديث، مؤمناً بضآلة قدر نفسه ، وقلة بضاعته ، وبأنه متطفل على مائدة هذا الفن الشريف، يعتبر -- على اللّه - أن إقدامه إلى هذا التقديم جسارة تكاد تكون وقاحة، وإساءة أدب وقلة حياء ، وبأن فى القطر الهندى وحده فضلا عن شبه القارة الهندية ، فضلا عن العالم الاسلامى ، من هو أجدر وأقدر و أولى بهذه التقديمات ، والتعريف بالتأليف و المؤلف . ولا يستطيع الكاتب أن يعلل هذا التكريم المتكرر إلا بحكمة إلهية خفية ، ٠ (٢) تقديم الكتاب و أسلوب من أساليب التربية ، التى خص الله بها كبار المربين وحذاق المعلمين ، وأن لهم فى ذلك مرامى بعيدة ومقاصد دقيقة ((وما يعلم جنود ربك إلا هو)) ولعل ذلك لاثارة كوامن الشوق وتشحيذ العزم الفاتر ، والهمة الكليلة فى دراسة هذا الفن الشريف ، وإعادة الخيط النورانى الذى يربط القلوب بهذا العلم ، والذى ضعف و كاد يتقطع . و على كل فالكاتب يعتقد كل ذلك من أعظم نعم الله سبحانه وتعالى عليه ، التى لا يستوفى حق شكرها . فلو أن لى فى كل منبت شعرة لساناً لما استوفيت واجب حمده وكتاب ((بذل المجهود)) هو واسطة العقد بين هذه الكتب التى أمرت بالتقديم لها ، واهتمام شيخنا العلامة محمد زكريا بنشره فى الحروف العربية ووصوله إلى أيدى علماء الحديث و المشتغلين بتدريسه وتحقيقه ، وانتشاره فى الأوساط العلمية والمدارس الدينية ، وحلوله المحل اللائق به من بين شروح الحديث التى ألفت فى العصور الأخيرة أعظم وأكثر، إذ هو ليس مجرد تأليف لشيخه - الذى أحبه واقترنت حياته العلمية بحياته ، وليست إلا ظلا ممدوداً لهذه الشجرة الطيبة المباركة - بل هو فلذة كبده و قطعة نفسه، وأحب أعماله إليه كما سيقرأ القارئ. فى السطور الآتيه ، فأصبح خروج هذا الكتاب فى الثوب القشيب و المظهر الجديد أعز أمانيه وأكبر آماله ، يتلذذ بالحديث عنه و يتسلى بالتفكير فيه ، و قد طابت له الحياة و هانت عليه المحن والخطوب فى سبيل نشر هذا الأثر العلى العظيم ، وتذكار شيخه الأثير الحبيب ، وانتظار خروجه واكتماله ، ومن دواعى الغبطة والسرور الكاتب هذه السطور أن يكون له نصيب فى هذا العمل ، وأن يكون عاملا صغيراً فى تحقيق هذه الأمنية العزيزة و إظهار هذه المآئرة الخالدة . وكلمة وجيزة عن مكانة سنن أبى داؤد ومنزلته من بين دواوين السنة ومجاميع الحديث وإن كان هذا الموضوع قد استوفى فى كتب أصول الحديث ومقدمات علم (٣) تقديم الكتاب الحديث، و تاريخ تدوين السنة، ولم يترك الأول للآخر شيئاً، ولا يجاوز عمل كاتب مثلى إعادة ما قيل وإجمال ما فصل، ووقفة قصيرة عند شروح هذا الكتاب وتعليقاته ، و نظرة إجمالية فى هذا الشرح، ومكانته من بين الشروح و الثغرة التى يسدها ولماذا احتاج المؤلف إلى وضعه ؟ ومدى ارتباط المؤلف بهذا الكتاب وتفانيه فيه، وتعلقه به ، و مدى نجاحه فى هذا العمل ، وكيف تم تأليف هذا الكتاب ، وما هر سهم تلميذ المؤلف النابغة فى تأليفه ؟ وما فضله وتأثيره فى حياته ونجاحه ونبوغه ؟ فلكل ذلك قصة ممتعة مفيدة، فيها عبرة لمن اعتبر، ودروس مفيدة لتلاميذ المدارس النجباء ، ورواد العلم الأذكياء ، وأولى الهمم من المؤلفين و العلماء «فاقصص القصص لعلهم يتفكرون)). أما سنن أبى داؤد فهو من كتب الحديث التى تلقتها الأمة بالقبول و تلقاها علماء الصناعة وأئمة الفن بالاعتناء التام ، وعليه المعول و الاعتماد قديماً وحديثاً ، وهو ثالث الأركان أو الرابع فى قول (بعض المحققين) التى قام عليها بناء السنة. ونبدأ بكلام الامام أبى داؤد نفسه فى وصف كتابه وذكر خصائصه فهو الثقة الصدوق فيما يقول ولا يصف كتاباً ولا يعرف غوامضه مثل مؤلفه ، قال - رحمه الله - فى رسالة أرسلها إلى أهل مكة فى صفة كتابه . (( وهو كتاب لا يرد عليك سنة عن النبى معَّ باسناد صالح إلا وهو فيه ، إلا أن يكون كلام استخرج من الحديث ولا يكاد يكون هذا ولا أعلم شيئاً بعد القرآن ألزم الناس أن يتعلموه من هذا الكتاب ولا يضر رجلا أن لا يكتب من بعد ما يكتب هذا الكتاب شيئاً ، وإذا نظر فيه وتدبره وتفهمه على إذن مقداره)، (١) . (١) مقتبس من (رسالة أبى داؤد السجستانى فى وصف تأويله لكتاب السنن ص ٦ - ٧ ) رواية أبى الحسين بن جميع عن محمد بن عبد العزيز الهاشمى عنه ، طبعت فى مطبعة الأنوار بالقاهرة سنة ١٣٦٩هـ بتحقيق العلامة محمد زاهد الكوثرى. : ( ٤ ) تقديم الكتاب وقال أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد ابن الأعرابي ( وهو أحد كبار تلاميذ الامام أبى داؤد وصاحب النسخة المشهورة السنن) «لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذى فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب ( وأشار إلى نسخة السنن وهى بين يديه ) لم يحتج معهما إلى شئ من العلم بنة، (١). وقال أبو سليمان الخطابى صاحب معالم السنن: واعلموا رحمكم الله أن كتاب السنن لأبى داؤد كتاب شريف لم يصنف فى على الدين كتاب مثله وقد رزق القبول من الناس كافة فصار حكما بين فرق العداء وطبقات الفقهاء على اختلاف مذاهبهم فلكل فيه ورد ومنه شرب وعليه معول أهل العراق وأهل مصر وبلاد المغرب ، وكثير من مدن أقطار الأرض ، فأما أهل خراسان فقد أولع أكثرهم بكتاب محمد بن إسماعيل و مسلم بن الحجاج ومن نها نحوهما فى جمع الصحيح على شرطهما فى السبك والانتقاد، إلا أن كتاب أبى داؤد أحسن رصفاً وأكثر فقهاً وكتاب أبى عيسى أيضاً كتاب حسن والله يغفر لجماعتهم ويحسن على جميل النية فيما سعوا له مثوبتهم برحمته، إلى أن قال « وكان تصنيف علماء الحديث قبل زمان أبى داؤد الجوامع والمسانيد ونحوهما فتجمع تلك الكتب إلى ما فيها من السنن والأحكام أخباراً وقصصاً ومواعظ وآداباً، فأما السنن المحضة فلم يقصد واحد منهم جمعها واستيفاءها ولم يقدر على تخليصها واختصار مواضيعها من أثناء تلك الأحاديث الطويلة و من أدلة سياقها على حسب ما اتفق لأبى داؤد و لذلك حل هذا الكتاب عند أئمة الحديث وعلماء الأثر محل العجب فضربت فيه أكباد الابل ودامت إليه الرحل)) (٢). وقال شيخ الاسلام محى الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووى شارح صحيح مسلم، والمؤلفات الكثيرة الشهيرة، فى قطعة كتبها فى شرح سنن أبى داؤد ((وينبغى للشتغل بالفقه وغيره الاعتبار بسنن أبى داؤد وبمعرفته التامة فان معظم أحاديث (١) ذكره الخطابى فى مقدمته سماعاً من ابن الأعرابى (معالم السنن ص ٨). (٢) معالم السنن ص ٦ - ٧ ( المطبعة العلمية حلب ). (٥) تقديم الكتاب الأحكام التى يحتج بها فيه مع سهولة تناوله وتلخيص أحاديثه وبراعة مصنفه و اعتنائه بتهذيبه (١) ، وقال العلامة الحافظ شمس الدين ابن قيم الجوزية صاحب «زاد المعاد، و المؤلفات المقبولة، فى شرح لاختصار المنذرى [ لسنن أبى داؤد] , ولما كان كتاب السفن لأبى داؤد سليمان بن الأشعث - رحمه الله - من الاسلام بالموضع الذى خصه به بحيث صار حكما بين أهل الاسلام، وفصلا فى موارد النزاع والخصام ، فاليه يتحاكم المنصفون ، و بحكمه يرضى المحققون فأنه جمع شمل أحاديث الأحكام ، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام مع انتقائها أحسن الانتقاء واطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء ، . و فيما نقلناه بلاغ ومقنع للدلالة على مكانة الكتاب وأهميته ، وكانت نتيجته الطبعية ومقتضى إجلال العداء له و إحتياج الفقهاء والمحدثين إليه أن يكثر الاهتمام بشرحه وخدمته، والتعليق عليه، فناوله بالشرح كبار علماء الأمة وأئمة علم الحديث فى كل عصر ومصر . و من أقدم شروحه وأشهرها وأغزرها مادة وأكثرها فوائد و أصولا ونكتا، شرح معالم السنن لأبى سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم الخطابى (المتوفى سنة ٣٨٨هـ) ولا يعزبن عن البال أن الخطابى - رحمه الله تعالى - لم يشرح جميع الأحاديث بل يأتى إلى الباب الذى تعددت فيه الروايات ، فاذا كان المآل فيها واحداً شرح منها حديثاً واحداً، وكانه بذلك شرح جميع الباب ، وإلا شرح أكثر من ذلك على حسب ما يتراءى له وإلى ذلك الاشارة بقوله من باب كذا (٢). إلا أن الكتاب مجمع على فضله و احتوائه على فوائد كثيرة تنير السبيل (١) العبارة منقولة من (الخطة فى ذكر الصحاح الستة) للأمير العلامة صديق حسن خان القنوجي ص ١٠٦ المطبعة النظامية كانفور طبع ٠١٢٨٣. (٢) مقتبس من مقدمة الشيخ الراغب الطباخ على معالم السنن الخطابى طبع حلب. (٦ ) تقديم الكتاب م للمستفيدين ، وتنشئى فيهم ملكة الاستنباط و فقه الحديث وقد جاءت فى ثنايا الكتاب ثروة ذات قيمة من مقاصد الشريعة وأسرارها كما نوه بذلك شيخ الاسلام الشيخ أحمد بن عبد الرحيم ولى الله الدهلوى فى مقدمة ((حجة الله البالغة، (١). وشرحه الشيخ قطب الدين أبو بكر أحمد بن دعين اليمنى الشافعى (م سنة ٦٥٢هـ) فى أربعة مجلدات كبار . وقد تناوله بالشرح شيخ الاسلام محى الدين النواوى (م سنة ٥٦٧٦) إلا أن هذا الشرح لم يتم ولوتم لكانت له مكانة مرموقة لاقتدار صاحبه على الشرح والايضاح ورسوخه فى علوم الحديث وسلامة ذهنه . وشرحه الحافظ علاء الدين المغلطانى ابن القليج (م سنة ٧٦٢هـ) ولم يكمله وهو كتاب عظيم كثير الفوائد . وشرحه شهاب الدين أبو محمد أحمد بن محمد بن إبراهيم بن هلال المقدسى ( م سنة ٧٦٥هـ) سماه ((انتحاء السنن واقتفاء السنن)). وشرحه الشيخ سراج الدين عمر بن على بن الملقن الشافعى (م سنة ٨٨٠٤) . وشرحه الشيخ العلامة ولى الدين أبو زرعة أحمد بن الحافظ أبى الفضل زين الدين العراقى ( م سنة ٨٢٦هـ) قال السيوطى: ((هو شرح مبسوط جداً كتب منه من أوله إلى سجود السهو من سبع مجلدات ، ولو كمل لجاء أكثر من أربعين مجدداً . (١) فى مكتبة دار العلوم ديوبند مقدمة للشيخ أبي طاهر أحمد بن محمد بن السلفى الأصبهافى ، كتبها بطلب من جماعة للفقهاء حين إملائه لمعالى السنن فى سنة ٥٤٦ ٠ للتعريف بصاحب الستن الامام أبى داؤد و بشارحه أبي سليمان الخطابى يقول فى هذه المقدمة ، وقد أردت أن أقدم ههنا أيضاً فصلا فى التنبيه على جلالة أبى داؤد وما صنفه ، وفضل أبى سليمان وشرحه، وقد جاءت هذه المقدمة فى ٢٢ صفحة من القطع الكبير، وهى خطية لم تطبع بعد، (مخطوطات دار العلوم ص٩٥). : (٧ ) تقديم الكتاب وشرحه الحافظ شهاب بن رسلان الرعلى الشافعى (١) (م٨٤٢هـ) فى أحد عشر مجلداً ، وقد رأى الشيخ العلامة حسين بن محسن الأنصارى شرحه فى بعض بلاد العرب وذكر أنه فى ثمان مجلدات كبار كما جاء فى ((غاية المقصود)، ص٩ :٢). وشرحه الشيخ شهاب الدين بن أحمد بن الحسين الرملى المقدسى الشافعى (م٥٨٤٤) وشرحه العلامة بدر الدين محمود بن أحمد العينى الحنفي (م٥٨٥٥) ولم يكمل . وشرحه العلامة جلال الدين السيوطى (م٨٩١١) وسماه «مرقاة الصعود إلى سنن أبى داؤد، وعليه حاشية العلامة السيد على بن سليمان الدمنى الجمعوى ( المتوفى فى أوائل القرن الرابع عشر) وسماه ((درجات مرقاة الصعود، وقد قال فى مقدمته - ((هذا اختصارنا لمرقاة الصعود إلى سنن أبى داؤد للعلامة السيوطى وهو تعليق على نسق أصله الذى لخص به معالم السنن للامام أبي سليمان الخطابى وضم إليه الفوائد الزوائد والحرائد الشرائد (وهو فى جزء واحد، طبع فى المطبعة الوهبية سنة ٥١٢٩٨ ) . وقد شرحه العلامة الشيخ محمود (٣) محمد خطاب السبكى المصرى (م٨١٣٥٢) (١) اقرأ ترجمته الحافظة فى البدر الطالع الشوكانى الجزء الأول. (٢) استفدنا فى هذا الباب من « كتاب الخطة فى ذكر الصحاح الستة، العلامة صديق حسن القنوجى ( مقدمة غاية المقصود)). (٣) هو المصلح الكبير الداعى إلى الله الشيخ محمود خطاب السبكى، تعلم العلم كبيراً، وتخرج فى الأزهر وكانت دراسته بكاملها فى نحو سنة كما حكى هو عن قه فى كتابه « فتاوى أئمة المسلمين، ودرس فى الأزهر وقام بدعوة دينية إصلاحية، كان لها تأثير كبير فى إزالة البدع والمنكرات واتباع السنة وطريقة السلف الصالح، وأسس جمعية وسماها «الجمعية الشرعية لتعامل العاملين بالكتاب والسنة المحمدية، لقيت ابنه وخليفته الشيخ أمين محمود خطاب فى مصر سنة ١٣٨٠هـ وتعرفت بكثير من أعضائها راجع («مذكرات سائح فى الشرق العربى، لكاتب هذه السطور. تقديم الكتاب (٨) وسماه «المنهل العذب المورود شرح سنن الامام أبي داؤد)، وهو شرح حافل فى عشرة أجزاء ولم يتم، وقد وصل المؤلف فى شرحه إلى ((باب التليد)). وكان نصيب علماء الهند من خدمة هذا الكتاب الجليل نصيباً غير متقوص ، شأنهم فى خدمة علم الحديث عامة ، وخدمة الصحاح السنة بصفة خاصة . فأول من شرحه من علماء الهند العلامة أبو الحسن السندى ابن الهادى المدنى (م ١١٣٩هـ) سماه (« فتح الودود على سنن أبى داؤد)). وتلاه علماء آخرون فعنى به العلامة المحدث العَبير شمس الحق الديانوى ( م ١٣٢٩هـ) فبدأ فى شرح عظيم محيط بمباحث الكتاب والمنون والأسالميد، لو تم لكان عملا جليلا، ومن شروح الحديث الكبيرة الشاملة، إلا أنه لسعة إدائرته وضخامة عمله لم يتم، وسماه ((غاية المقصود)) وقد احتوى على بحوث مفيدة و فوائد كثيرة ، ولعل المؤلف قد شعر بأن هذا العمل لا يتم فى حياته فضيق دائرة التأليف ، وصغر إطار الكتاب وأخرج الكتاب فى أربعة أجزاء ، وسماه ((عون المعبود، ونسبه إلى أخيه الشيخ محمد أشرف وهو من تأليفه حقيقة (١). و ترجمة الشيخ وحيد الزمان اللكهوى الحيدرآبادى الملقب بوقار نواز جنك (سنة ١٣٣٨هـ) وتناوله بالشرح والإيضاح وسماه ((الهدى المحمود فى ترجمة ستن أبی داؤد ، . وقد جمع أحد تلاميذ العلامة محمد أنور شاء الكشميرى (م ١٣٥٢هـ) وهو الشيخ أبو العقيق عبد الهادى محمد صديق النجيب آبادى ، إفاداته فى درس « سنن أبى داؤد، و ضم إليها فوائد اقتبسها من «بذل المجهود، للعلامة خليل أحمد النهار فورى، وزاد فوائد أخرى التقطها من درس العلامة محمود حسن الديوبندى المعروف بشيخ الهند ، لصحيح البخارى ودرس العلامة شبير أحمد العثمانى لكتاب (١) راجع ترجمة مولانا شمس الحق الديانوى فى ((نزهة الخواطر)) للعلامة عبد الحى الحسنى ج ٨ ص ١٧٩ . (٩) تقديم الكتاب صحيح مسلم الف مقتبساً من كل ذلك كتاباً أسماه «أنوار المحمود)) فى جزئين (١) وتم الشرح فيهما . والشيخ الخر الحسن الكتكوفى (م ٥١٣١٥) تعليق على سنن أبى داؤد وسماه «التعليق المحمود». والشيخ العلامة المحدث القاضى حسين بن محسن (٤) الأنصارى اليمانى تعليقات على سنن أبى داؤد ولتليذه العلامة السيد عبد الحى الحسنى مؤلف «نزهة الخواطر، تعليق على السنن كذلك لم يتم . وكان الشيخ العلامة المحدث الكبير مولانا خليل أحمد السهار نفورى من كبار المعنين بسنن أبى داؤد تدريساً وتحقيقاً ، وكان مما جرت به العادة و وقع عليه الاتفاق فى مدرسة مظاهر العلوم ، التى كان مديرها ورئيس أساتذتها أن يباشر هو تدريس هذا الكتاب أو يتولاء الشيخ العلامة محمد يحيى بن إسماعيل الكاندهاوى ( م ٥١٣٣٤) لا يتخطاهما إلا نادراً، وكانت فكرة شرح هذا الكتاب تراود الشيخ منذ أيام الطلب وعنفوان الشباب ، وكان يتمنى على الله أن يؤفق لهذا العمل الجليل وقد شرع فى ذلك فعلا وبدا له أن يسميه « حل المعقود الملقب بالتعليق المحمود على سنن أبى داؤد ، وأقبل على هذا العمل بعد أن عين مدرساً ، وقد شرع فيه ثلاث مرار وكان الشروع فيه المرة الثالثة سنة ١٣١١ه إلا أنه لم يقدر له الاستمرار فيه وإكماله فى ذلك الحين فصرفته عنه الأشغال العلمية ، و الدروس المرهقة، والأسفار المتتابعة، وقد كانت الله فى ذلك حكمة خفية، فقد أراد الله أن يتم هذا العمل على يده ، وقد بلغ درجة النبوغ والنضج العقلى وتوسعت دراسته واتسع نطاق عليه وظهرت كتب جديدة فى شرح هذا الكتاب ، نجا. (١) طبع هذا الكتاب فى تجلى بريس دهلى سنة ١٣٣٠هـ وعدد صفحات الجزء الأول ٦١٠ - و عدد صفحات الجزء الثانى ٥٦٨. (٢) راجع ترجمته فى نزهة الخواطر ج ٨. (١٠ ) تقديم الكتاب الكتاب حصيلة دراسته و عصارة مطالعته . وكان الباعث الأول على تأليف هذا الشرح هو شغفه بحديث رسول اللّه موافقة الذى لا يعرف مداه و سره إلا من ذاق حلاوة الحب وشغف بمحبوبه و بكل ما يصدر عنه ويتصل به وينسب إليه ، وحرصه على الاشتغال بالحديث لفظاً ومعنى و منطوقاً ومفهوماً، وشرحاً وتحقيقاً و خصاً وبحثاً، ولما كان الشرح ضامناً كافلا بهذا الاشتغال ، و الخوض فى أعماق الحديث ، آثره الشيخ والتزمه ، فان ثم الشرح وتحققت الأمنية، فنعم وحبذا، وإلا فقد قضى هذه المدة فى شغل عزيز لذيذ ، وفى سادة وغبطة وسرور . منی إن تکن حقاً تکن احسن المتی ! وإلا فقد عشنا بها زمناً رغداً وكان الباعث الثانى عليه هو عدم وجود شرح واف لهذا الكتاب الجليل بقلم عالم حنفى يجمع بين التبحر فى الحديث والتضلع فى الفقه، مع أن الكتاب من أكثر الكتب التى يعتمد عليها فى إثبات مذهب أو رد مذهب ، لأن موضوعه الخاص و ميزته الكبرى هو أحاديث الأحكام ، وهى التى يكثر فيها الخلاف ، وتتجلى فيها القدرة على التحقيق وقوة الاستدلال ، وذلك ما أهم المؤلف وشغل خاطره . ولم يزل علاء الاسلام منذ قديم الزمان يشرحون كتب الحديث وفى مقدمتها - الصحاح السنة - بوجهة نظرهم الخاص، ويطبقون بين الأحاديث وآراء مذهبهم ويقدمون دلائلها من كتب الحديث الموثوق بها ، المعتمد عليها ، كما فعل الامام أبو جعفر الطحاوى فى شرح معانى الآثار ، وكما فعل العلامة الزيلعى فى نصب الراية، والعلامة علاء الدين بن التركانى فى الجوهر النقي، وسادتنا الشافعية - و الحق أحق أن يقال - قد أحرزوا قصب السبق فى ميدان التأليف و التدوين ، فاذا ألف أحدثم شرحاً لكتاب من كتب الصحاح ، تلاه عالم كبير من علماء المذهب الحنفي، فألف شرحاً آخر لهذا الكتاب، و إذا ألف أحد كبار علماء الشافعية أو المالكية كتاباً فى التفسير أو فى أصول الفقه ( ١١ ) تقديم الكتاب وتلقاه الناس بالقبول، وسارت به الركبان وشغف به الأوساط العلمية والحلقات التعليمية ، جاء عالم حنفى فألف كتاباً فى نفس الموضوع قد يفوقه، وقد يدرك شأوه، و قد يتخلف عنه ، شأن الكتب العلمية و الجهود البشرية فى كل زمان ومكان ، وهذه قصة ((عمدة القارئ.)) للعلامة بدر الدين العينى، مع «فتح البارى، للعلامة الحافظ ابن حجر العسقلانى ، وهذا هو الدافع النيل الذى دفع بعض كبار علماء الحنفية إلى تأليف كتاب فى تفسير القرآن بعد ماكثرت مؤلفات علاء الشافعية فى التفسير، وانتشرت فى الآفاق ، وأقبل عليها الطلبة و العلماء درساً وتدريساً ، كما فعل العلامة أبو البركات حافظ الدين النسفى (م ٥٨١٠) فى كتابه «مدارك التنريل و حقائق التأويل، و العلامة أبو السعود محمد بن محمد بن مصطفى العمادى (م ٩٨٢هـ) فى تفسيره المسمى بـ ((ارشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، والمحدث الكبير والفقيه الشهير القاضى ثناء الله الباقى بتى (م ١٢٢٥ه) فى التفسير المظهرى . و العلم الثالث الذى له صلة وثيقة بالمذاهب و الآراء الفقهية، وعليه أساس استنباط المستنبطين واجتهاد المجتهدين هو علم أصول الفقه ، فكان المجال الثالث لتأليف حول علماء المذاهب و نوابغهم ، فألف العلامة أبو الحسين البصرى ، وإمام الحرمين العلامة أبو المعالى عبد الملك الجونى ، وحجة الاسلام محمد بن محمد الغزالى، والعلامة على بن أبى المظفر الآمدى ، والامام نمر الدين الرازى وغيرهم من كبار علماء الشافعية ، و العلامة جمال الدين بن الحاجب ، و العلامة أبو اسحاق الشاطبى من علماء المالكية ، و الامام محمد بن الحسين أبو يعلى ، و العلامة ابن قدامة المقدسى من علماء الحنبلية ، مؤلفاتهم الشهيرة فى علم الأصول ، وسارت بها الركبان و درجت الأجيال على دراستها ، وحفظ بعضها وشرحها ، عدة قرون ، صنف الامام على بن محمد بن عبد الكريم نفر الاسلام البزدوى (م ٤٨٢هـ) من علماء الحنفية كتابه المشهور ((بأصول البزدوى، وصنف الشيخ العلامة حسام الدين محمد بن محمد بن عمر ( ١٢ ) تقديم الكتاب اخسيكى الحنفى (م ٥٦٤٤) كتابه «المنتخب الحسامى، وألف الشيخ العلامة كمال الدين بن الهمام الخنفى ( م ٨٦١هـ) كتابه المشهور «التحرير، وتداولت الأيدى هذه الكتب وأقبل عليها العلماء دراسة وتدريساً وشرحاً وتلخيصاً حتى جاء الشيخ العلامة محب اللّه بن عبد الشكور الحنفى البهارى الهندى (م ٥١١١٩) نصنف كتابه المشهور ((مسلم الثبوت)) فتهان، عليه العلماء والمؤلفون، وتناولوه بالشرح والتعليق وقد شغل هذا الكتاب أذكى علماء البلاد و أبرعهم أكثر من قرن ، وبلغ عدد شروحه وتعليقاته التى اشتهرت بين الناس ثمانية شروح على ما جاء فى كتاب « الثقافة الاسلامية فى الهند ، للعلامة السيد عبد الحى الحسنى، وكان ذلك طبيعياً و معقولا، و مما اقتضته طبيعة اختلاف المذاهب وطبيعة العلم والبحث . إن هذه الحركة العلمية القوية التى انتشرت فى مختلف أنحاء العالم الاسلامى واستمرت إلى عهد قريب وظهرت بشكل خاص فى مجال شروح الحديث وكتب التفسير و أصول الفقه ، أفادت النشاط العقلى والعلمى فى العالم الاسلامى إفادة كبيرة لأنها مخضت المكتبة الاسلامية الدينية وغربتها غربلة ونخلت كتب الحديث والرجال و على الأصول، للاحتجاج لما كان يراها المؤلفون وعلماء المذاهب من الآراء الفقهية من الكتاب والسنة و الحديث الصحيح و إقامة الدليل والبرهان عليه ، فلم يبق جانب من جوانب الحديث النبوى وما يتصل به من علوم ومقدمات إلا وكشف عنه، ولا موضوع له نسب قريب أو بعيد بالسنة و آيات الأحكام إلا وبحث ودرس ونوقش، واستعلمت العقول فى ذلك إلى أقصى حدودها ، فكان كل ذلك مما يعود على الشريعة الاسلامية بالنفع وتكونت هذه المكتبة الدينية التى لا نظير لها فى الملل والأمم وفى سنة ١٣٣٥م حين بلغ الشيخ أربعاً وستين سنة من عمره، جاء الوقت الموعود المقدر لتأليف هذا الكتاب ، فذكر أمنيته القديمة التى لم تفارقه مدة حياته الدراسية والتأليفية لتلميذه الذى ظهرت عليه آثار النجابة والنبوغ، واختص بالشيخ (١٣ ) تقديم السكتاب اختصاصاً لم يكتب لغيره، وهو العالم الناهض محمد زكريا ( ابن صديقه مولانا محمد يححيى الكاندهلوى ) الذى تخرج من المدرسة حديثاً وعين مدرساً صغيراً فيها، وذكر أنه لا يزال عنده حنين كامن لتأليف هذا الكتاب، إلا أن الأسباب لم تهياً له ، و قد وهنت قواه وضعف بصره، وكان أكبر الاعتماد فى إنجاز هذا العمل على والده العظيم الشيخ محمد يحيى الذى رزق قسطاً كبيراً من الذكاء وحسن الملكة فى علم الحديث ، وكان من أنجب تلاميذ الشيخ الامام المحدث مولانا رشيد أحمد الكتكوهى وكان شديد التجاوب معه ، مجيب التوارد فى المباحث العلمية ، و المسائل الغامضة الدقيقة خصوصاً فى تطبيق الحديث والفقه، وبيان الحجج والدلائل للذهب الحنفى وقد توفى - رحمه الله - فى سنة ١٣٣٤هـ، ففقد لوفاته العضد الأيمن والمساعد الأكبر ، وحزن عليه حزناً شديداً لخسارة العلم ورزيتة صاعة التعليم فيه ، وكان دائماً يشعر بمكانه الشاغر وقال له وهو يمشى معه مرة: إذا ساعدتنى أنت وزميلك حسن (١) أحمد فى تأليف هذا الشرح فلعلى ذلك يحقق أمنيتى . ولما وصل الشيخ الكبير إلى هذه النقطة من حديثه اهتز له تليذه النجيب و صادف ذلك رغبة ملحة دفينة فى نفسه فى الحرص على خدمة الحديث الشريف والمثابرة عليه، والتفانى فيه ، و إفناء العمر والقوى فى سبيله ولم يكن يجد لذلك سيلا ولا يصدق أنه مكن، لأنه الآن فى الشوط الأول من التدريس ، فتى صل إلى الاشتغال بكتب الحديث وكيف تتأتى له هذه الفرصة ؟ فكان قد دعا الله مخلصاً ومبتهلا حين قرأ فاتحة الفراغ على والده وأستاذه ، أن لا ينقطع عن الاشتغال بالحديث ويظل حياته عاكفاً عليه بالتدريس والتأليف، فكانما تكلم الشيخ على لسانه ، وعبر عن جنانه ، وتحقق حله اللذيذ الذى كان يراه بعيد المثال وضرباً من المحال ، فلم يتمالك نفسه وانفجر قائلا (( هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقاً ، ولعل الله أجاب دعانى وقص عليه القصة بطولها و فرح الشيخ ودعا له (١) كان من تلاميذ الشيخ الأذكياء المرجوين ومات شاباً - رحمه الله -. ( ١٤ ) تقديم الكتاب بالتوفيق، وأملى أسماء كتب يستعان بها فى هذا الموضوع، وأبتدأ العمل من غد، وكان ذلك لليلة خلت من ربيع الأول سنة خمس وثلاثين وثلاث مأة وألف . وكان منهج التأليف أن الشيخ كان يرشد إلى مظان الموضوع فى الكتب التى جمعت وتوجد فى مكتبة المدرسة و كان التلميذ يجمع المواد العلمية وما كتبه المتقدمون من الشراح و المؤلفين ويقرأما على الشيخ فيختار منها ما يستحسنه ، ويحلى الشرح ، واستمر العمل، والشيخ لاهم له ولالذة إلا فى هذا العمل الذى يعده من أعظم القربات ومن أفضل العبادات، والتلميذ لا شغل له - إلا سامات تمضى فى دروس معدودة - إلا مطالعة الكتب وجمع المواد وعرضها على الشيخ . ومضت على ذلك تسعة أشهر ، وتم شرح الجزء الأول فى سلخ ذى القعدة ١٣٣٥هـ، وكان الشيخ قد ملكته فكرة هذا التأليف وتغلغلت فى أحشائه، وخالطت لحمه ودمه، وسيطرت على مشاعره وتفكيره وذوقه ، حتى كان آخر ما يفكر فيه قبل النوم وأول ما يهتم به عند اليقظة، وحق له أن ينشد بلان الشاعر الحماسى. و أول شئ أنت عند جوبي أ آخر شتى أنت فى كل مجعة ؟ ولا يفهم ذلك إلا من أكرمه الله بالغرام بمبدأ سام ومقصد رفيع، فكان ذلك عنده مقياس الرضا و وسيلة القرب، فمقدار غناء الرجل فى هذا العمل واعانته عليه و مساهمته فيه . كان حظياً عنده، وجيهاً فى عينه ، وقد عرف الناس ذلك وانتفعوا به ، و تقربوا بسببه إليه، ذكرنى هذا بما ذكره القاضى ابن شداد عن السلطان صلاح الدين الأيوبى يقول : (( ولقد كان حبه للجهاد والشغف به قد استولى على قلبه وسائر جوانحه استيلاءاً عظيماً. بحيث ما كان له حديث إلا فيه ولا نظر إلا فى آلته ، ولا كان له اهتمام إلا برجاله، ولا ميل إلا إلى من يذكره ويحث عليه ». (( وكان الرجل إذا أراد أن يتقرب إليه يحثه على الجهاد» (١). (١) النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية ص ١٦. (١٥) تقديم الكتاب و من يقرأ كتب التراجم والطبقات يرى أمثلة هذا الشغف والاستغراق عند كثير من العلماء والمؤلفين و العظماء والمصلحين فى مشاربهم وأذواتهم . وإذا استولى هذا الحب على إنسان وجرى منه مجرى الروح والدم أتى بالعجائب ، وكان مصدر إلهام وتوجيه ، وقد وقع الشيخ بعض حوادث غريبة فتها أنه رأى مرة فيما يرى النائم كأن منبهاً ينبه على خطأ فى هذا الشرح، وقد فرغ منه فلما استيقظ دعا تلميذه الشيخ محمد زكريا وأخبره بهذه الرؤيا، ولما راجع هذا المقام وجد أن فيه خطأً فأصلحه . وكان العمل قائماً على قدم وساق وكان الشيخ منصرفاً إليه بقلبه وقالبه وتلميذه مقبلا عليه بجميع قواه ومواهبه ، إذ عرضت الشيخ رحلة إلى الربوع المقدسة ، مهيط الوحى ومدرسة الحديث الأولى ، وأبدى التلميذ رغبته - بما رأى من حرص الشيخ على إتمام هذا الكتاب وضعفه وعلو سنه - فى المرافقة ، فقبلها الشيخ مسروراً و أمل فى تمام هذا العمل وتوجه على بركة الله إلى الحرمين الشريفين وذلك فى شهر شوال سنة ١٣٤٤ه، ولم يزالا مكبين على إتمام هذا الشرح، منقطعين إليه لا يتخلله إلا العبادة والفرائض الدينية والأمور الطبيعية، وكان الشيخ له دعوات ثلاث ، وأمانى عزيزة ، لا يعدل بها أمنية، أولاها أن تقوم فى الحجاز حكومة إسلامية مستقرة، ويسود فى ظلها الأمن والسلام وتستقر الأمور ، والثانية إكمال بذل الجهود ، والثالثة أن يوافيه الوقت الموعود فى مدينة الرسول ويدفن فى البقيع ، وقد أجاب الله دعواته الثلاث التى دعا بها على الملتزم وحقق هذه الأمانى كلها . و ثمان بقين من شعبان (٢١ شعبان) سنة ٥١٣٤٥ تحققت أمنيته الكبرى التى غذاما بدم قلبه فتم الشرح ، وقد كانت مدة تأليفه عشر سنوات وخمسة أشهر وزادت عليها عشرة أيام وتم الكتاب فى خمسة مجلدات كبار وفى ألفين من الصفحات بالقطع الكبير ، فكان له يوم عيد، بل يوم ما جاء عليه يوم هو أكثر فرحاً وسروراً فيه من هذا اليوم ، فعين يوما ( وهو يوم الجمعة ٢٣ شعبان سنة ١٣٤٥هـ) الضيافة ( ١٦ ) تقديم الكتاب علماء المدينة وأحبته وأصدقائه، شكراً لله تعالى وابداءاً لسروره وفرحه، وصنع طعاماً كثيراً على طريقة أهل الحجاز وأخبر تلاميذه ومريديه وأحبته فى الهند بهذا الموعد المبارك ليشاركوه فى السرور و الشكر . وقد وهب المدرسة حقوق هذا الكتاب تنتفع به وهى صاحبة الامتياز فى طبعه وقد طبع مرتين ، وهذه هى الطبعة الثالثة بالحروف العربية للمرة الأولى مع زيادات و إفادات مهمة للشيخ محمد زكريا الذى كان له النصيب من أول عهد تأليف هذا الكتاب ، نسأل الله أن ينفع به طلبة العلم ويجعله ذخراً له فى الآخرة وذكراً فى الدنيا و صدقة جارية و باقية صالحة . وكلمة عن خصائص هذا الشرح والتزامات المؤلف التى التزمها وعنى بها عناية خاصة وتؤثر الاجمال والاشارة فانما يعرف فضل هذا المجهود العلمى من باشر تدريس هذا الكتاب مدة طويلة و عرضت له مشكلات فنية . فمنها أن المؤلف اهتم بأقوال الإمام أبى داؤد صاحب الكتاب وكلامه فى الرواة أو فى إيضاح بعض ما ورد فى الحديث اهتماماً كبيراً . ومنها أنه اهتم بتصحيح نسخ السنن المختلفة المنتشرة ويراه القارىء كمثال فى باب افتتاح الصلاة فى حديث أبي حميد الساعدى . ومنها الاهتمام البالغ بتخريج التعليقات والفحص عنها فى كتب أخرى وذكرها ، وإذا لم ينجح فى ذلك بعد التتبع البليغ صرح بذلك فى غير تردد . ومنها تطبيق الروايات بالترجمة وقد ظهرت فى ذلك دقة فهمه وطول تأمله و حيث تكررت الأبواب دفع ذلك وذكر حكمة هذا التكرار ، ونضرب له مثلا بياب صفايا رسول اللّه عَّ من الأموال وباب سهم الصفى، فليراجع فى كتاب الخراج و الفيثى و الامارة . ومنها أنه حكم فى ما اختلف فيه الشراح بما شرح الله له صدره وفتح عليه وتكلم بكلام فصل يثلج الصدر ويحل العقدة . ( ١٧ ) تقديم الكتاب ومنها أن أكثر الكتب التى ألفت فى الهند فى شرح كتب الحديث أو فى إثبات المذهب الحنفى و فى مسألة خلافية ، كان يغلب عليها فى العهد الأخير الأسلوب الكلامى والاستدلال العقلى، وتكثر فيها اللطائف العلمية و مع الاعتراف بقيمتها العلمية و الكلامية وحسن قصد المؤلفين وعلو كعبهم فى العلم يؤخذ عليها أنها لم تكن على طريقة المحدثين وشراح الحديث المتقدمين ، ويقل فيها الكلام على الرواة والجرح و التعديل وعلل الحديث وطبقاته و إلى غير ذلك من المباحث الحديثية ، ويستثنى من ذلك كتابان من تأليف علماء المذهب الحنفى فى الهند فى العهد الأخير ، أولهما (( كتاب المحلى شرح المؤطا، للشيخ سلام الله بن شيخ الاسلام الدهلوى الرامفورى (١٢٢٩ ه أو ١٢٣٣هـ) وثانيهما « آثار السنن (١) والتعليق الحسن على آثار السنن، للشيخ العلامة ظهير حسن القيموى البهارى الهندى ( م ١٣٢٩ه). أما هذا الشرح فيمتاز بأنه كتب على نهج المشتغلين بالحديث والباحثين فيه وكبار الشراح الذين تلقت الأمة شروحهم بقبول عام وانتفع بها طلبة العلم فى كل عصر ، واشتمل على بحوث قيمة فى أسماء الرجال و أصول الحديث ، وعارض مؤلفه الحجة بالحجة ، وكان كلامه فى أكثر الأحيان محدوداً فى صناعة الحديث ومتعلقاتها من الفنون . وقد استفاد المؤلف فى هذا الشرح بتحقيقات شيخه الامام المحدث مولانا رشيد أحمد الكتكوهى التى جاءت فى دروسه، وضبطها وقيدها تليذه النابغة الشيخ محمد يحيى وكان من خصائصه أنه يتحرز بقدر الامكان عن نسبة الخطأ إلى الراوى ، وإذا النجأ إليه الشراح ولم يروا من ذلك بدأ فضل الشيخ العلامة تأويل ذلك بما يسيغه الفهم ويقبله العاقل المنصف، ومثال ذلك الروايات التى جاء فيها وضع الخاتم ، فقد ذهب جميع المحدثين إلى أنه وهم من الزهرى ولكن مؤلف ((بذل المجهود، أول (١) مع الأسف أن الكتاب من أول أبواب الطهارة إلى آخر أبواب الصلاة ، ولو تم لكان عملا جليلا . (١٨ ) تقديم الكتاب ذلك تأويلا حسناً وهو مقتبس من كلام الشيخ الگنگوهی، فیراجع ذلك فى « باب الخاتم يكون فيه ذكر الله تعالى)) فى كتاب الطهارة . ومنها لطائف الاستنباط التى احتوى عليها هذا الشرح ويراها القارىء منثورة فى ثنايا هذا الكتاب . و من المباحث اللطيفة التى ظهرت فيها سلامة فكر المؤلف واطلاعه الواسع على كتب الحديث مسألة القسامة ويزول بكلامه اختلاف الروايات . وكذلك من محاسن الكتاب ومن مواضعه المهمة التى ظهر فيها جهد المؤلف وإمعانه أحاديث الفتن والملاحم، وقد اجتهد فى تعيين هذه الفتن التى أشير إليها فى هذه الأحاديث ، و اهتم بترجيح الراجح وعین بعضها باجتهاده واستقصائه ویری القارئ. مثاله فى شرح كلام قنادة حيث جاء فى الكتاب «وكان قتادة يضعه على الردة التى فى زمن أبى بكر على أقذاء، يقول قذى وهدنة ، يقول صلح على دخن على ضغائن. وقد أشار فى شرح حديث إلى فتنة الشريف حسين بن على ، فليراجع ذلك فى حديث عبد الله بن عمر الذى جاء فيه ((ثم يصطلح الناس على رجل كورك على ضلع (١)، وذكر ذلك فى تفصيل و وضوح ويظهر فى كلامه فى مثل هذه المناسبات ثقته بتحقيقه وجزمه بما توصل إليه فى البحث والتأمل ، و لا يغلب عليه التواضع والتردد فيبعث هذا الجزم الثقة واليقين فى نفس القارئ ، وهذا من سياسة التعليم و حكمة التربية ومن محاسن الشرح . و قد يتردد الشارح فى صحة لفظ ورد فى حديث ، فيجتهد فى تحقيقه اجتهاداً بالغاً ولا يدخر جهداً، ويرى القارىء نموذج ذلك فى ((باب عيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون، فى كتاب الجهاد ، فقد ورد فى متن الحديث عن على بن أبى طالب (١) بذل المجهود ((كتاب الفتن والملاحم)). (١٩ ) تقدیم الكتاب قال خرج عبدان إلى رسول اللّه عَاللّه يعنى يوم الحديبية قبل الصلح وقد أطال الشارح الكلام فى وقوع القصة يوم الحديبية ، وأثبت أن هذه القصة وقعت فى غزوة الطائف وقال: لقد تحيرت فى هذه القصة التى قد وقعت فى حديث أبى داؤد والترمذى والمستدرك فى الحديبية، فالظاهر أن الذى. ذكر فى أنها وقعت فى الحديبية غلط من بعض الرواة بثلاثة أوجه . وذكر هذه الأوجه بتفصيل، وذكر أن لفظ الحديبية ليس من على بن أبى طالب بل من بعض الرواة، لأن فى لفظ الرواية لأبى داؤد زاد لفظ « يعنى قبل يوم الحديبية ، فهذا يدل على أن لفظ الحديدية ليس فى أصل السند بل زاده بعض الرواة على ما فهم من لفظ شيخه، ولو سلم أن هذه القصة وقعت فى الحديدية أيضاً فالمراد بقوله ناس من بعض الكفار من قريش الذين كانوا موجودين هناك لا الصحابة، إلى آخر كلامه، فليراجع ، وهذا تحقيق شريف خلت عنه الشروح . و نقتصر فى هذه العجالة على هذه الاشارات، ونحيل القارىء الذكى إلى مطالعة أصل الكتاب بانعام النظر ، فكما قال الشاعر : فى طلعة الصبح ما يغنيك عن زحل ونرى لزاماً و حقاً علينا أن نشكر تلاميذ الشيخ العلامة مولانا محمد زكريا الكاندهلوى الذين عكفوا على خدمة هذا الكتاب ، بالمراجعة مع الأصول واتتساخ التعليقات و وضعها فى محلها وغير ذلك ، فى مقدمتهم الشيخ تقى الدين الندوى المظاهرى أستاذ الحديث فى مدرسة فلاح الدارين بتركيسر (ولاية كجرات ) فقد فرغ وقته لخدمة هذا الكتاب وعكف عليها سنة كاملة، والعالمان الشابان محمد عاقل ، وِ محمد سلمان، ولا ننسى فضل الزميلين العزيزين الشيخ محمد معين التدوى والأستاذ سعيد الأعظمى الندوى فى فكرة طبع هذا الكتاب ، وإبرازه فى هذا المظهر الجميل وماذالا فى طريق نشره من الصعاب وما وفقا له من مجهود مشكور وعمل مبرور، وإخلاص موفور ، واللّه يتولى مكافأة الجميع، ويتقبل عملهم. (٢٠) تقديم الكتاب ونسأل الله أن ينفع بهذا الأثر العلمى الجليل ويحبب به السنة والحديث إلى نفوس القراء ويلهم العمل به، ويرفع الهمم ويشحذ العزائم إلى دراسته وخدمته (« إنه على كل شئى قدير)). أبو الحسن على الحسنى الندوى الأمين العام لندوة العلماء لكناؤ - الهند ٢٩ - ٢ ٠- ٠١٣٩٢