النص المفهرس

صفحات 41-60

ضعف الحديث المرسل :
الوجه الثاني: وهو يحتوي على تحقيق أمرين أساسيين:
الأول: أن الحديث المُرسَل، ولو كان المُرسِل ثقة، لا يُحتج به
عند أئمة الحديث، كما بيّنه ابن الصلاح في ((علوم الحديث))
وجزم هو به فقال (ص ٥٨):
(ثم اعلم أن حكم المُرسَل حكم الحديث الضعيف، إلا أن
يصح مخرجه بمجيئه من وجه آخر كما سبق بيانه ... وما ذكرناه
من سقوط الإحتجاج بالمرسل والحكم بضعفه، هو المذهب
الذي استقر عليه آراء جماهير حُفَّاظ الحديث، ونقاد الأثر، وقد
تداولوه في تصانيفهم)» .
الأمر الثاني: معرفة سبب عدم احتجاج المحدثين بالمرسَل من
الحديث، فاعلم أن سبب ذلك إنما هو جَهالة الواسطة التي
روى عنها المُرسِل الحديث، وقد بيّن ذلك الخطيب البغدادي في
((الكفاية في علم الرواية)) حيث قال (ص ٢٨٧) بعد أن حكى
الخلاف في العمل بالمرسل:
((والذي نختاره سقوط فرض العمل بالمراسيل، وأن المرسل
غير مقبول، والذي يدل على ذلك أن إرسال الحديث يؤدي إلى
الجهل بعين راويه، ويستحيل العلم بعدالته مع الجهل بعينه،
وقد بيَّنا من قبل أنه لا يجوز قبول الخبر إلا ممن عرفت عدالته،
٤١

فوجب كذلك كونه غير مقبول، وأيضاً فإن العدل لو سئل عمن
أرسل عنه؟ فلم يُعدِّلُهُ، لم يجب العمل بخبره، إذا لم يكن
معروف العدالة من جهة غيره، وكذلك حاله إذا ابتدأ الإمساك
عن ذكره وتعديله، لأنه مع الإمساك عن ذكره غير مُعدِّل له،
فوجب أن لا يقبل الخبر عنه)).
وقال الحافظ ابن حجر في ((شرح نخبة الفكر)) (ص ١٧) بعد
أن ذكر الحديث المرسل في ((أنواع الحديث المردود)):
((وإنما ذكر في قسم المردود للجهل بحال المحذوف، لأنه
يحتمل أن يكون صحابياً، ويحتمل أن يكون تابعياً، وعلى الثاني
يحتمل أن يكون ضعيفاً، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني
يحتمل أن يكون حُمل عن صحابي، ويحتمل أن يكون حمل عن
تابعي آخر وعلى الثاني فيعود الاحتمال السابق ويتعدد، أما
بالتجويز العقلي، فإلى ما لا نهاية، وأما بالاستقراء، فإلى ستة أو
سبعة، وهو أكثر ما وجد من رواية بعض التابعين عن بعض،
فإن عرف من عادة التابعي أنه لا يرسل إلا عن ثقة، فذهب
جمهور المحدثين إلى التوقف، لبقاء الاحتمال.، وهو أحد قولي
أحمد، وثانيهما: يقبل مطلقاً، وقال الشافعي رضي الله عنه:
يُقبل إن اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى مسنداً
كان أو مرسلاً ليترجّح احتمال كون المحذوف ثقة في نفس
الأمر)).
٤٢

قلت: فإذا عرف أن الحديث المرسَل لا يقبل، وأن السبب
هو الجهل بحال المحذوف فيرد عليه أن القول بأنه يقوی بمرسل
آخر غير قوي لاحتمال أن يكون كل من أرسله إِنما أخذه عن
راوٍ واحد، وحينئذ ترد الاحتمالات التي ذكرها الحافظ، وكأن
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد لاحظ ورود هذا الاحتمال
وقوته، فاشترط في المرسل الآخر أن يكون مُرسِله أخذ العلم
عن غير رجال التابعي الأول، كما حكاه ابن الصلاح (ص ٣٥)
وكأن ذلك لَيغلب على الظن أن المحذوف في أحد المرسَلين هو
غيره في المرسَل الآخر.
وهذه فائدة دقيقة لم أجدها في غير كلام الشافعي رحمه الله
فاحفظها وراعِها فيما يمر بك من المرسلات التي يذهب البعض
إلى تقويتها لمجرد مجيئها من وجهين مرسَلين دون أن يراعوا هذا
الشرط المهم.
ثم رأيت شيخ الإسلام ابن تيمية قد نصّ أيضاً على هذا
الشرط في كلام له مفيد في أصول التفسير، نقله عنه الحافظ
محمد بن عبد الهادي في كتاب له مخطوط في الأحاديث الضعيفة
والموضوعة (حديث ٢٢١/٤٠٥)، فقال ابن تيمية رحمه الله
تعالى :
((وأما أسباب النزول، فغالبها مرسل، ليس بمسند، لهذا قال
الإمام أحمد: ثلاث علوم لا إسناد لها. وفي لفظ: ليس لها
٤٣

أصل: التفسير والمغازي والملاحم. يعني أن أحاديثها مرسلة،
لیست مسندة)) .
والمراسيل قد تنازع الناس في قَبولها وردها. وأصح الأقوال:
أن منها المقبول، ومنها المردود، ومنها الموقوف، فمن عُلم من
حاله أنه لا يرسل إلا عن ثقة قُبل مُرسَلُه، ومن عُرف أنه يُرسِل
عن الثقة وغير الثقة، كان إرساله رواية عمن لا يُعرف حاله، فهو
موقوف. وما كان من المراسيل مخالفاً لما رواه الثقات، كان
مردوداً، وإن جاء المرسَل من وجهين، كل من الراويين أخذ
العلم عن غير شيوخ الآخر، فهذا يدل على صدقه فإن مثل ذلك
لا يُتصور في العادة تماثل الخطأ فيه وتعمد الكذب .. )).
قلت: ومع أن التحقق من وجود هذا الشرط في كل مرسَل
من هذا النوع، ليس بالأمر الهيِّن، فإنه لو تحققنا من وجوده،
فقد يَرِدُ إشكال آخر، وهو أنه يحتمل أن يكون كل من
الواسطتين أو أكثر ضعيفاً، وعليه يحتمل أن يكون ضعفهم من
النوع الأول الذي ينجبر بمثله الحديث على ما سبق نقله عن ابن
الصلاح، ويحتمل أن يكون من النوع الآخر الذي لا يقوى
الحديث بكثرة طرقه، ومع ورود هذه الاحتمالات يسقط
الاستدلال بالحديث المرسل وإن تعددت طرقه. وهذا التحقيق
مما لم أجد مَن سبقني إليه، فإن أصبت فمن الله تعالى وله
الشكر، وإن أخطأت فمن نفسي، وأستغفر الله من ذنبي.
٤٤

وبالجملة فالمانع من الاستدلال بالحديث المرسل الذي تعدد
مرسلوه أحد الاحتمالين: الأول: أن يكون مصدر المرسلين
واحداً.
الثاني: أن يكونوا جمعاً، ولكنهم جميعاً ضعفاء ضعفاً شديداً.
وبعد هذه المقدمة نستطيع أن نقول:
إننا لو ألقينا النظر على روايات هذه القصة، لألفيناها كلها
مرسلة، حاشا حديث ابن عباس، ولكن طرقه كلها واهية
شديدة الضعف لا تنجبر بها تلك المراسيل، فيبقى النظر في هذه
المراسيل، وهي كما علمت سبعة، صح إسناد أربعة منها، وهي
مرسل سعيد بن جبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث،
وأبي العالية (رقم ١-٣)، ومرسل قتادة، رقم (٥) وهي مراسيل
يرد عليها أحد الاحتمالين السابقين، لأنهم من طبقة واحدة:
فوفاة سعيد بن جبير سنة (٩٥) وأبي بكر بن عبد الرحمن سنة
(٩٤)، وأبي العالية - واسمه رفيع مصغراً - سنة (٩٠) وقتادة
سنة بضع عشرة ومائة، والأول كوفي، والثاني مدني،
والأخيران بصريان .
فجائز أن يكون مصدرهم الذي أخذوا منه هذه القصة
ورووها عنه، واحداً لا غير، وهو مجهول.
٤٥

وجائز أن يكون جمعاً، ولكنهم ضعفاء جميعاً، فمع هذه
الاحتمالات لا يمكن أن تطمئن النفس لقَبول حديثهم هذا، لا
سيّما في مثل هذا الحدث العظيم الذي يمسّ المقام الكريم، فلا
جَرَم تتابع العلماء على إنكارها، بل التنديد ببطلانها، ولا وجه
لذلك من جهة الرواية إلا ما ذكرنا، وإن كنت لم أقف على من
صرّح بذلك كما ذكرت آنفاً. قال الفخر الرازي في ((تفسيره))
(٦ / ١٩٣) :
(روي عن محمد بن إسحاق بن خزيمة(١) أنه سئل عن هذه
القصة؟ فقال: ((هذا من وضع الزنادقة))، وصنّف فيه كتاباً.
وقال الإمام أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي: ((هذه القصة غير
ثابتة من جهة النقل)) ثم أخذ يتكلم في أن رواة هذه القصة
مطعون فيهم، وأيضاً: فقد روى البخاري في ((صحيحه)) أن
(١) هو الإمام ابن خُزَيْمة صاحب ((الصحيح)) المعروف به، وقد تبع
الفخر في عزو هذا الكلام لابن خزيمة المحقق الشوكاني في («فتح
القدير)) (٤٤٧/٣). وأما ابن حيان فعزاه في تفسيره ((البحر)) لمحمد
ابن إسحاق جامع ((السيرة النبوية)). وتبعه الآلوسي في تفسيره
(١٦١/١٧). والأرجح عندي الأول لأن الحافظ ابن حجر ذكر في
((الفتح)) (٨/ ٣٥٤) تبعاً لابن كثير أن ابن إسحاق روى هذه القصة
في ((السيرة)) مطولاً، فهذا يُبْعِد نسبة ذلك القول إليه، ولو كان له،
لنبّه عليه الحافظ عقب ذلك والله أعلم.
٤٦

النبي ◌َلو قرأ سورة (النجم) وسجد وسجد فيها المسلمون
والمشركون، والإنس والجن، وليس فيه حديث الغرانيق وروى
هذا الحديث من طرق كثيرة، وليس فيها البتة حديث الغرانيق.
وقد تبع هؤلاء جماعة من الأئمة العلماء، وهاك أسماءهم
على ترتيب وفياتهم :
١ - أبو بكر محمد بن عبدالله بن محمد المعروف بابن العربي
توفي سنة (٥٤٢)، في تفسيره ((أحكام القرآن)).
٢ - القاضي عياض بن موسى بن عياض (٥٤٤) في كتابه
(الشفا في حقوق المصطفى)).
٣ - فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن الرازي (٦٠٦) في
تفسيره ((مفاتيح الغيب)) (١٩٣/٦-١٩٧) وقد مضى بعض
كلامه في ذلك.
٤ - محمد بن أحمد الأنصاري أبو عبدالله القرطبي في ((أحكام
القرآن)» (٨٠/١٢-٨٤).
٥ - محمد بن يوسف بن علي الكرماني من شرَّاح ((البخاري
(٧٨٦)، وقد نقل كلامه في ذلك الحافظ في ((الفتح)) (٨/
٤٩٨) .
٦ - محمود بن أحمد بدر الدين العيني (٨٥٥) في ((عمدة
القاري)) (٤٧/٩).
٤٧

٧ - محمد بن علي بن محمد اليمني الشوكاني (١٢٥٠) في
((فتح القدير)) (٢٤٧/٣-٢٤٨).
٨ - السيد محمود أبو الفضل شهاب الدين الألوسي
(١٢٧٠) في ((روح المعاني)) (١٧/ ١٦٠-١٦٩).
٩ - صديق حسن خان أبو الطيب (١٣٠٧) في تفسيره ((فتح
البيان)) .
١٠ - محمد عبده المصري الأستاذ الإمام (١٣٢٣) في رسالة
خاصة له في هذه القصة.
وإذا عرفت هذا فلا بأس من ذكر كلمات بعض هؤلاء
العلماء، لما فيها من الفوائد والتحقيقات التي تزيد القارئ إيماناً
ببطلان القصة، وتجعله يتبين أن النقد العلمي الرجيح يتفق دائماً
مع النقد الحديثي الصحيح، لأن كلاً منهما يقوم على قواعد
علمية دقيقة لا تقبل التغيير والتبديل، وأنا أكتفي هنا بكلمات
أربعة منهم. ومن شاء الزيادة فليرجع إلى المصادر الأخرى التي
أشرنا إليها، والأربعة هم: ١ - ابن العربي ٢ - القاضي عياض
٣ - الشوكاني ٤ - الآلوسي.
١ - كلام أبي بكر بن العربي في إبطال القصة:
قال رحمه الله تعالى بعد أن ذكر سبب نزول آية الحج التي
ذكرناها في أول الرسالة ملخصاً من الروايات التي أوردناها:
٤٨

((اعلموا أنار الله أفئدتكم بنور هداه، ويسَّر لكم مقصد
التوحيد ومغزاه، أن الهدى هدى الله، فسبحان من يتفضل به
على من يشاء ويصرفه عمن يشاء، وقد بيَّنًا معنى هذه الآية في
((فضل تنبيه الغبي على مقدار النبي)) بما نرجو به عند الله الجزاء
الأوفى في مقام الزلفى، ونحن الآن نجلو بتلك الفصول
الغماء، ونرقيكم بها عن حضيض الدهماء إلى بقاع العلماء في
عشر مقامات.
المقام الأول: أن النبي ◌ٍَّ﴿ إذا أرسل الله إليه الملَك بوحيه،
فإنه يخلق له العلم به حتى يتحقق أنه رسول من عنده، ولولا
ذلك لما صحّت الرسالة، ولا تبينت النبوة، فإذا خلق الله له
العلم به تميز عنده من غيره، وثبت اليقين، واستقام سبيل
الدين، ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري، أَمَلَكُ
هو، أم شيطان، أم إنسان، أم صورة مخالفة لهذه الأجناس
ألقت عليه كلاماً وبلغت إليه قولاً لم يصح أن يقول: إنه من عند
الله، ولا ثبت عندنا أنه أمر الله، فهذه سبيل متيقنة، وحالة
متحققة لا بد منها، ولا خلاف في المنقول ولا في المعقول فيها،
ولو جاز للشيطان أن يتمثل فيها، أو يتشبّه بها ما أمناه على آية،
ولا عرفنا منه باطلاً من حقيقة، فارتفع بهذا الفصل اللَبس،
وصح اليقين في النفس.
٤٩

المقام الثاني: أن الله قد عصم رسوله من الكفر، وأَمنه من
الشرك، واستقر ذلك من دين المسلمين بإجماعهم فيه وإِطباقهم
عليه، فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر بالله، أو يشك فيه طرفة
عين، فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه، بل لا تجوز عليه
المعاصي في الأفعال، فضلاً عن أن ينسب إلى الكفر في
الاعتقاد، بل هو المنزَّه عن ذلك فعلاً واعتقاداً، وقد مهدنا ذلك
في كتب الأصول بأوضح دليل.
المقام الثالث: أن الله قد عرَّف رسوله بنفسه وبصّره بأدلته،
وأراه ملكوت سماواته وأرضه، وعرّفه سنن من كان قبله من
إخوته فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه اليوم، ونحن
حثالة أمته، ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مُكِبّاً على وجهه،
غير عارف بنبيّه ولا بربه.
المقام الرابع: تأملوا فتح الله أغلاق النظر عنكم إلى قول
الرواة الذين هم بجهلهم أعداء على الإسلام ممن صرح بعداوته
أن النبي وَلّ لما جلس مع قريش تمنى أن لا ينزل عليه من الله
وحي(١) فكيف يجوز لمن معه أدنى مسكة أن يخطر بباله أن
النبي ◌َّ آثر وصل قومه على وصل ربه، وأراد أن لا يقطع أنسه
بهم بما ينزل عليه من عند ربه من الوحي الذي كان حياة جسده
(١) انظر السبب السادس من أسباب بطلان القصة متناً ص ٣٦.
٥٠

وقلبه، وأنس وحشته وغاية أمنيته، وكان رسول الله وَاجقد أجود
الناس، فإذا جاءه جبريل، كان أجود بالخير من الريح المرسَلة،
فيؤثر على هذا مجالسته للأعداء؟ ! .
المقام الخامس: أن قول الشيطان: ((تلك الغرائقة العلى، وإن
شفاعتهن لترتجى)) للنبي وَّلَ قَبِله منه، فالتبس عليه الشيطان
بالملَك، واختلط عليه التوحيد بالكفر، حتى لم يفرِّق بينهما،
وأنا من أدنى المؤمنين منزلة، وأقلهم معرفة بما وفقني الله له،
وآتاني من علمه لا يخفى عليّ وعليكم أن هذا كفر لا يجوز
وروده من عند الله، ولو قاله أحد لكم لتبادر الكل إليه قبل
التفكير بالإنكار والردع والتثريب والتشنيع، فضلاً عن أن يجهل
النبي وَيّ حال القول، ويخفى عليه قوله ولا يتفطن لصفة
الأصنام بأنها ((الغرانقة العلى وأن شفاعتهن ترتجى)) وقد علم
علماً ضرورياً أنها جمادات لا تسمع ولا تبصر، ولا تنطق ولا
تضر، ولا تنفع ولا تنصر ولا تشفع، بهذا كله كان يأتيه جبريل
الصباح والمساء، وعليه انبنى التوحيد ولا يجوز نسخه من جهة
المنقول، فكيف يخفى هذا على الرسول؟! ثم لم يَكْفِ هذا حتى
قالوا: إن جبريل عليه السلام لما عاد إليه بعد ذلك ليعارضه فيما
ألقي إليه من الوحي كررها عليه جاهلاً بها - تعالى الله عن ذلك -
فحينئذ أنكرها عليه جبريل، وقال له: ((ما جئتك بهذه!)) فحزن
النبي وَّ وأنزل عليه: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَاً
٥١

إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] فيالله والمتعلمين
والعالمين من شيخ فاسد موسوس هامد لا يعلم أن هذه الآية
نافية لما زعموا، مبطلة لما رووا وتقوّلوا. وهو:
المقام السادس: وذلك أن قول ابن العربي: ((كاد يكون كذا))
معناه قارب ولم يكن فأخبر الله في هذه الآية أنهم قاربوا أن
يفتنوه عن الذي أوحي إليه، ولم تكن فتنة، ثم قال: ﴿لِنَّغْتَرِىَ
عَلَيْنَا غَيْرَهُ﴾ [الإسراء: ٧٣] وهو:
المقام السابع: ولم يفتر، ولو فتنوك وافتريت لاتخذوك خليلاً،
فلم تفتتن ولا افتريت ولا اتخذوك خليلاً، ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّنْتَكَ ﴾
[الإسراء: ٧٤] وهو :
المقام الثامن: ﴿لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا
٧٤
[الإسراء]، فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه ثبته، وقرر التوحيد
والمعرفة في قلبه، وضرب عليه سرادق العِصمة، وآواه في كَنَّف
الحرمة، ولو وكله إلى نفسه، ورفع عنه ظل عصمته لحظة،
لألممت بما راموه ولكنا أمرنا عليك المحافظة، وأشرقنا بنور
الهداية فؤادك، فاستبصر وأزاح عنك الباطل ودحر، فهذه الآية
نص في عصمته من كل ما نسب إليه، فكيف يتأولها أحد
عدوا(١) عما نسب إليه من الباطل إليه؟ !.
(١) كذا في الأصل.
٥٢

المقام التاسع: قوله: ((فما زال مغموماً مهموماً حتى نزلت
عليه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِّ﴾ [الحج: ٥٢](١)،
فأما غمه وحزنه، فبأن تمكن الشيطان مما تمكن مما يأتي بيانه،
وكان النبي ◌ّل يعز عليه أن ينال الشيطان شيئاً وإن قل
تأثيره.
المقام العاشر: إن هذه الآية نص في غرضنا، دليل على صحة
مذهبنا، أصل في براءة النبي وَله مما نسب إليه أنه قاله عندنا،
وذلك أنه قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِّ
إِلَّ إِذَا تَمَنََّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىَّ أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢](٢)، فأخبر الله
تعالى أن من سنته في رسله، وسيرته في أنبيائه، أنهم إذا قالوا
عن الله قولاً، زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، كما يفعل سائر
المعاصي، كما تقول: ألقيت في الدار كذا، وألقيت في
العِكم (٣) كذا، وألقيت في الكيس كذا، فهذا نص في أن
الشيطان زاد في الذي قاله النبي ◌َّر، لا أن النبي وَّر قاله،
وذلك أن النبي ◌َّ كان إذا قرأ تلا قرآنا مقطّعاً، وسكت في
مقاطع الآي سكوتاً محصلاً، وكذلك كان حديثه مترسلاً فيه،
(١) انظر الرواية ٣، ٤، ٦.
(٢) الأصل (تلاوته).
(٣) بكسر العين: العدل.
٥٣

متأنياً، فتبع الشيطان تلك السكتات التي بين قوله: ﴿وَمَنَوَةً
[النجم] وبين قوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ
٢٠
الَِّثَةَ الْأُخْرَىّ
[النجم]، فقال يحاكي صوت النبي وَل: ((وإنهن
آلْأُنَى
الغرائقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى))، فأما المشركون، والذين
في قلوبهم مرض لقلة البصيرة وفساد السريرة، فتلوها عن النبي
وَالر، ونسبوها بجهلهم إليه، حتى سجدوا معه اعتقاداً أنه
معهم، وعلم الذين أوتوا العلم والإيمان أن القرآن حق من عند
الله، فيؤمنون به، ويرفضون غيره، وتجيب قلوبهم إلى الحق،
وتنفر عن الباطل، وكل ذلك إبتلاء من الله، ومحنة، فأين هذا
صَلى الله
عالية
وَسَّة
من قولهم؟! وليس في القرآن إلا غاية البيان بصيانة النبي :
في الإسرار والإعلان، عن الشك والكُفران، وقد أودعنا إليكم
توصية أن تجعلوا القرآن، إمامكم، وحروفه أمامكم، فلا تحملوا
عليها ما ليس فيها، ولا تربطوا بها ما ليس منها، وما هدي لهذا
إلا الطبري بجلالة قدره وصفاء فكره، وسعة باعه في
العلم، وشدة ساعده وذراعه في النظر، وكأنه أشار إلى هذا
الغرض، وصوَّب على هذا المرمى فقرطس بعد ما ذكر في ذلك
روايات كثيرة باطلة لا أصل لها، ولو شاء ربك لما رواها أحد، ولا
سطرها، ولكنه فعال لما يريد، عصمنا الله وإياكم بالتوفيق
والتسديد، وجعلنا من أهل التوحيد بفضله ورحمته)).
٥٤

٢ - كلام القاضي عياض في ذلك:
وقال القاضي عياضْ :
((فاعلم أكرمك الله: أن لنا في الكلام على مشكل الحديث
مأخذین :
أحدهما في توهِين أصله، والثاني على تسليمه.
أما المأخذ الأول، فيكفيك أن هذا الحديث لم يخرجه أحد من
أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند متصل سليم، وإنما أولع به
وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، المتلقفون من
الصحف كل صحيح وسقيم، وصدق القاضي بكر بن العلاء
المالكي حيث قال: لقد بُلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير،
وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقله، واضطراب رواياته،
وانقطاع إسناده واختلاف كلماته. فقائل يقول: إنه في الصلاة،
وآخر يقول: قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة،
وآخر يقول: قالها وقد أصابته سِنة، وآخر يقول: بل حدَّثَ
نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان قالها على لسانه، وإن
النبي وَّ لما عرضها على جبريل قال: ما هكذا أقرأتك؟! وآخر
يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي ◌َّر قرأها، فلما بلغ النبي
وَلّ ذلك، قال: والله ما هكذا أنزلت. إلى غير ذلك من
اختلاف الرواة، ومن حُكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين
٥٥

والتابعين لم يُسْندها أحد منهم، ولا رفعها إلى صاحب، وأكثر
الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية، والمرفوع فيه حديث شُعبة عن
أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أحسب - الشك
في الحديث - أن النبي وَلو كان بمكة، وذكر القصة. وقال أبو
بكر البزار: ((هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي وَلاّ بإسناد
متصل يجوز ذِكره إلا هذا، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن
خالد، وغيره يرسله عن سعيد بن جبير، وإنما يعرف عن
الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس)).
فقد بيَّن لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يُعرف من طريق يجوز
ذكره سوى هذا، وفيه من الضعف ما نبَّه عليه مع وقوع الشك
فيه - كما ذكرناه ــ الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه. وأما حديث
الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه، ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه
كما أشار إليه البزّار، والذي منه في ((الصحيح)) ((أن النبي وَلّ
قرأ: (والنجم) وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون
والجن والإنس)) هذا توهينه من طريق النقل.
فأما من جهة المعنى: فقد قامت الحُجَّة، وأجمعت الأمة على
عِصمته وَلّ ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة، إما من تمنيه أن ينزل
عليه مثل هذا من مدح آلهةٍ غيرِ الله وهو كفر، أو أن يتسور عليه
الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه، ويعتقد
النبي * أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه عليه جبريل
٥٦

عليهما السلام، وذلك كله ممتنع في حقه وقال أو يقول ذلك
النبي بَّ من قبل نفسه عمداً، وذلك كفر، أو سهو، وهو
معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته وَ ل
من جَرَيان الكفر على قلبه أو لسانه لا عمداً ولا سهواً، وأن
يشتبه عليه ما يلقيه الملَك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان
عليه سبيل، أو يتقول على الله لا عمداً ولا سهواً ما لم ينزل
الآية
٤٤
عليه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
[الحاقة]، وقال ﴿إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ اَلْمَمَاتِ﴾
[الإسراء: ٧٥].
ووجه ثانٍ: وهو استحالة هذه القصة نظراً وعُرفاً، وذلك أن
هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الإلتئام متناقض
الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنَّظم، ولمّا كان
النبي ◌َ* ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن
يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمِّل، فكيف بمن
رجَحَ حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام
علمه؟ .
ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندة
المشركين، وضعفة القلوب، والجهلة من المسلمين، نفورهم
لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي وَلّ لأقل فتنة، وتعبيرهم
المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة، وارتداد من في قلبه
٥٧

مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شُبهة، ولم يحكِ أحد في هذه
القصة شيئاً سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ولو كان ذلك
لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود
عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، حتى كانت
في ذلك لبعض الضعفاء رِدّة. كذلك ما روي في قصة القضية،
ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب للمعادي
حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، فما رُوي عن معاند فيها
كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة، فدل على بطلانها
واجتثاث أصلها. ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس
والجن هذا الحديث على مُغفِّلي المحدثين، يلبس به على ضعفاء
المسلمين .
ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت: ﴿وَإِن
كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ ... ﴾ الآيتين [الإسراء: ٧٣-٧٤]. وهاتان الآيتان
تردّان الخبر الذي رووه، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا ليفتنونه
حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكاد يركن إليهم، فمضمون هذا
ومفهومه أن الله تعالى قد عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم
يركن إليهم قليلاً، فكيف كثيراً؟ وهم يروون في أخبارهم
الواهية أنه زاد على الركون الافتراء بمدح آلهتهم، وأنه قال تليفون:
((افتريت على الله، وقلت ما لم يقل)) وهذا ضد مفهوم الآية،
٥٨

وهي تضعف الحديث لو صح فكيف ولا صحة له؟ وهذا مثل
قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ.
لَمَّت طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا
يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍ﴾ [النساء: ١١٣]. وقد رُوي عن ابن عباس:
(كل ما في القرآن ((كاد)) فهو ما لا يكون)).
قال القاضي: ولقد طالبَتْهُ قريش وثقيف إذا مرّ بآلهتهم أن
يُقبل بوجهه إليها، ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا
كاد أن يضل، وقد ذكرت في معنى الآية تفاسير أخر، ما ذكرناه
من نصّ الله على عصمة رسوله برد سفاسفها، فلم يبق في الآية
إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به
الكفار، وراموا من فتنته، ومرادنا في ذلك تنزيهه وعصمته وَل
وهو مفهوم الآية.
وأما المأخذ الثاني: فهو مبني على تسليم الحديث لو صح
أعاذنا الله من صحته، ولكن مع كل حال فقد أجاب عن ذلك
أئمة بأجوبة منها الغث والسمين)).
قلت: فذِكر هذه الأجوبة، وضعفها جلها أو كلها، إلا
الأخير منها، فإنه استظهره ورجحه، وهو الذي أجاب به ابن
العربي فيما تقدم من كلامه (ص ٥٣):
٥٩

إن الشيطان هو الذي ألقى ذلك في سكتة النبي وَلّ بين
الآيتين، محاكياً نغمة النبي وَالر وأشاع ذلك المشركون عنه اَل،
ولم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظ السورة قبل ذلك على ما
أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي ◌َّ في ذمّ الأوثان وعيبها
على ما عرف منه، وقد حكى موسى بن عُقبة في مغازيه نحو
هذا وقال: ((إن المسلمين لم يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك
في أسماع المشركين وقلوبهم))(١) ويكون ما روى من حزن النبي
وَالله لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة.
ردُّ الحافظ على ابن العربي والقاضي عياض وتعقبنا عليه :
وأما قول الحافظ في ((الفتح)) بعد أن نقل خلاصة عن الوجوه
التي تقدمت عن الإمامين المذكورين في إعلال القصة وتوهينها :
((وجميع ذلك لا يتمشى على القواعد، فإن الطرق إذا كثرت
وتباينت مخارجها، دلّ ذلك على أن لها أصلاً، وقد ذكرت أن
ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج
بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها
ببعض)).
(١) قلت: ونحوه في رواية عروة (رقم ٦ ص ٢٤-٢٥)، وإن كان في
آخرها ما يخالف هذا وقد نقلت رواية موسى بن عقبة عن ابن كثير
فيما تقدم (ص ١٩).
٦٠