النص المفهرس

صفحات 21-40

أخرجه الطبري (١٧ / ١٢٠) من طريقين عن داود بن أبي هند
عنه، وإسناده صحيح إلى أبي العالية، لكن علته الإرسال،
وكذلك رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم.
٤ - عن محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس قالا :
(جلس رسول الله وَ ل في ناد من أندية قريش كثير أهله،
فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شيء فينفروا عنه، فأنزل الله
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى
عليه: ﴿وَاَلنَّجْمِ إِذَا هَوَى
[النجم] فقرأها رسول الله وَّر حتى إذا بلغ: ﴿أَفَرَّهَ يَُّ الَّتَ وَالْعُزَّى
[النجم]، ألقى عليه الشيطان
٢٠
وَمَنَوَّةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىَ
١٩
كلمتين: ((تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)) فتكلم بها
ثم مضى، فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة، وسجد
القوم جميعاً معه، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد
عليه، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود، فرضوا بما تكلم
به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يُحيي ويُميت، وهو الذي يخلق
ويرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، إذا جعلتَ لها نصيباً
فنحن معك، قالا: فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض
عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال :
ما جئتك بهاتين! فقال رسول الله وَله: افتريت على الله، وقلت
ما لم يقل، فأوحى الله إليه: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ
٢١

أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَةٌ﴾(١) إلى قوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ
عَلَيْنَا نَصِيرًا
[الإسراء]، فما زال مغموماً مهموماً حتى
VO
نزلت عليه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَجِّ إِلَّ إِذَا
تَمَنَّىَ ... ﴾ [الحج: ٥٢]، قال: فسمع من كان من المهاجرين
بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى
عشائرهم وقالوا: هو أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا
حين نسخ الله ما ألقى الشيطان)).
أخرجه ابن جرير (١١٩/١٧) عن طريق أبي معشر عنهما،
وأبو معشر ضعيف، كما قال الحافظ في ((التقريب)) واسمه
نجيح بن عبد الرحمن السندي.
ثم أخرجه ابن جرير من طريق ابن إسحاق، عن يزيد بن
زياد المدني، عن محمد بن كعب القرظي وحده به أتمّ منه، وفيه :
((فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، وسرهم وأعجبهم ما ذكر
به آلهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاء به
عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل، الحديث)).
ويزيد هذا ثقة، لكن الراوي عنه ابن إسحاق مدلس، وقد
عنعنه .
(١) [وتمام الآية ﴿وَإِذَا لَّأَتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا
وَلَوْلَآ أَنْ ثَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِدتَ
(٧٣
إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوْةِ وَضِعْفَ
VE
تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِلًا
٧٥) ].
اَلْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا
٢٢

٥ - عن قتادة أن النبي صَلّه كان يتمنى أن لا يَعيبَ الله آلهة
المشركين، فألقى الشيطان في أمنيته فقال: ((إن الآلهة التي
تدعى، إن شفاعتهن لترتجى، وإنها لَلْغرانيق العلى)) فنسخ الله
(١٩)﴾(١) حتى
ذلك، وأحكم الله آياته: ﴿أَفَرَهَيَُّ الَّتَ وَالْعُزَّى
بلغ ﴿مِن سُلّطَانٍ﴾ [النجم]، قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى،
قال المشركون: قد ذكر الله آلهتهم بخير، ففرحوا بذلك، فذكر
قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلِّقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ﴾
[الحج: ٥٣].
أخرجه ابن جرير (١٢٢/١٧) من طريقين عن معمر عنه،
وهو صحيح إلى فَتادة، ولكنه مرسل أو معضل. وقد رواه ابن
أبي حاتم كما في ((الدر)) بلفظ أتم منه وهو: ((قال: بينما رسول
الله وَلا يصلي عند المقام، نعس، فألقى الشيطان على لسانه كلمة
فتكلم بها، وتعلق بها المشركون عليه، فقال: ﴿أَفَرَّيْتُمُ الَّتَ
[النجم]، فألقى الشيطان.
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىّ
١٩
وَالْعُزَّى
على لسانه ولغى: ((وإن شفاعتهن لترتجى وإنها لمع الغرانيق
العلى)) فحفظها المشركون، وأخبرهم الشيطان أن نبي الله وَ قو قد
قرأها، فذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ
أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنَ
(١) [وتمام الآية ﴿وَمَنَوَةَ الثَّالِئَةَ الْأُخْرَى
إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَيْثُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَا ؤُكُمْ مَّا أَنَزَلَ
تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى ◌َّـ
اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَنَّ﴾].
٢٣

مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ الآية [الحج: ٥٢]، فدحر الله الشيطان ولقن
نبیە حجته)) .
٦ - عن عروة - يعني ابن الزبير - في تسمية الذين خرجوا
إلى أرض الحبشة المرة الأولى (قلت وفيه:) ((فقال المشركون: لو
كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير، أقررناه وأصحابه، فإنه لا
يذكر أحداً ممن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي
يذكر به آلهتنا من الشتم والشر، فلما أنزل الله (عز وجل]
السورة التي يذكر فيها: (والنجم) وقرأ: ﴿أَفَّهَيَتُ اَلَّاتَ وَالْعُزَّى
· [النجم]، ألقى الشيطان فيها عند
٢٠
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىَ
ذلك ذكر الطواغيت فقال: ((وإنهن لَمِنَ الغرانيق العُلى، وإن
شفاعتهم لتُرتجى)) وذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت
هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك وذلت بها ألسنتهم،
واستبشروا بها، وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين
قومه، فلما بلغ رسول الله وَل# آخر السورة التي فيها (النجم)
سجد وسجد معه كل من حضره من مسلم ومشرك، غير أن
الوليد بن المغيرة - كان رجلاً كبيراً -، فرفع مِلْءَ كفه تراباً فسجد
عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود
رسول الله وَله، فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين من
غير إيمان ولا يقين، ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى
الشيطان على ألسنة المشركين - وأما المشركون فاطمأنت أنفسهم
إلى النبي وَليّ [وأصحابه لما سمعوا الذي ألقى الشيطان في أمنية
٢٤

النبي ◌َّ #] وحدثهم الشيطان أن النبي وَل قد قرأها في
(السجدة)، فسجدوا لتعظيم آلهتهم، ففشت تلك الكلمة في
الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت الحبشة .. فكبُرَ ذلك على
رسول الله ﴾ فلما أمسى أتاه جبريل (عليه السلام، فشكا إليه،
فأمره فقرأ عليه، فلما بلغها تبرأ منها جبريل عليه السلام](*)
وقال: معاذ الله من هاتين، ما أنزلهما ربي، ولا أمرني بهما
ربك !! فلما رأى ذلك رسول الله وَ لّ شق عليه، وقال:
أطعتُ الشيطان، وتكلمتُ بكلامه وشركني في أمر الله،
فنسخ الله (عز وجل] ما ألقى الشيطان، وأنزل عليه: ﴿وَمَآ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَفِى شِقَاقٍ
[الحج]. فلما برأه الله عز وجل من سجع الشيطان
بَعِيدٍ
وفتنته انقلب المشركون بضلالهم وعداوتهم)).
رواه الطبراني هكذا مرسلاً، كما في ((المجمع)) (٣٢/٦-٣٤
و ٧٠/٧-٧٢)(١) وقال:
(وفيه ابن لهيعة، ولا يحتمل هذا من ابن لهيعة)).
(١) ثم وقفت عليه في ((معجمه الكبير)) ج٣ ورقة ٢ وجه٢ من النسخة
الخطية الظاهرية تحت رقم ٢٨٣ وسنده هكذا: حدثنا محمد بن عمر
ابن خالد الحراني: نا ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة به.
(*) [ما بين الحاصرتين زيادة من ((المعجم الكبير)) ولم تكن في طبعتنا
السابقة، وانظر المطبوعة ٨٣١٦/٩].
٢٥

٧ - عن أبي صالح قال: ((قام رسول الله وَالله فقال
المشركون: إن ذكر آلهتنا بخير ذكرنا إلهه بخير، فألقي في
وَمَنَوَةَ الثَِّئَةَ الْأُخْرَىّ
أمنيته: ﴿أَفَّهَيُّ الَّتَ وَالْمُزَّى
[النجم]، ((إنهن لفي الغرانيق العُلى وإن شفاعتهن لَتُرتجى)) قال:
فأنزل الله ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ ... ) الآية
[الحج: ٥٢].
أخرجه عبد بن حُميد كما في ((الدر)) (٣٦٦/٤ من طريق
السدي عنه، وأخرجه ابن أبي حاتم عن السدي لم يجاوزه
بلفظ :
((قال: خرج النبي وَلَه إلى المسجد ليصلي فبينما هو يقرأ، إذ
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَّ
٠
مَـ
قال: ﴿أَفَرَّهَيَُّ الَّتَ وَالْعُزَّى
[النجم]، فألقى الشيطان على لسانه فقال: ((تلك الغرائقة العلى،
وإن شفاعتهن لترجى)) حتى إذا بلغ آخر السورة سجد وسجد
أصحابه، وسجد المشركون لذكر آلهتهم فلما رفع رأسه حملوه
فاشتدوا به قطري مكة يقولون: نبي بني عبد مناف، حتى إذا
جاء جبريل عرض عليه فقرأ ذينك الحرفين، فقال جبريل: معاذ
الله أن أكون أقرأتك هذا! فاشتد عليه، فأنزل الله يطيب نفسه:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ... ) الآية [الحج: ٥٢].
٢٦

قلت: وقد رُويَ موصولاً عن ابن عباس أخرجه ابن مرديه
من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وهذا إسناد
ضعيف جداً، بل موضوع، فقد قال سفيان: ((قال لي الكلبي :
كل ما حدثتك عن أبي صالح فهو كذب))، والكلبي هذا اسمه
محمد بن السائب، وقد كان مفسراً نسّابة أخبارياً. وقال ابن
حبان: كان الكلبي سبائياً من أولئك الذين يقولون: إن علياً لم
يمت وإنه راجع إلى الدنيا، ويملؤها عدلاً كما ملئت جوراً،
وإن رأوا سحابة قالوا: أمير المؤمنين فيها)) قال: ومذهبه في
الدين، ووضوح الكذب فيه أظهر من أن يحتاج إلى الإغراق في
وصفه، يروي عن أبي صالح عن ابن عباس التفسير، وأبو
صالح لم ير ابن عباس ولا سمع الكلبي من أبي صالح إلا الحرف
بعد الحرف، لا يحل ذكره في الكتب، فكيف الاحتجاج
به؟!(١).
ورُوي من وجوه أخرى عن ابن عباس سيأتي ذكرها، ولا
يصح شيء منها.
٨ - عن الضحاك قال: في قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ الآية [الحج: ٥٢] فإن نبي الله وَّل وهو بمكة
أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو اللات والعُزّى،
(١) نقلته من ((ميزان الإعتدال في نقد الرجال)) للإمام الذهبي.
٢٧

ويُكثر ترديدها، فسمع أهل مكة النبي وّ يذكر آلهتهم،
ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى الشيطان في تلاوة
النبي وَلّ: ((تلك الغرانيق العلى، ومنها الشفاعة ترجى)) فقرأها
النبي وَلَوَ كذلك، فأنزل الله عليه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن
[الحج].
دَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
أخرجه ابن جرير (١٢١/١٧) قال: حدثت عن الحسين قال :
سمعت معاذاً يقول: أخبرنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول :
قلت: وهذا إسناد ضعيف منقطع مرسل، الضحاك هذا
الظاهر أنه ابن مزاحم الهلالي الخراساني، هو كثير الإرسال، كما
قال الحافظ، حتى قيل: إنه لم يثبت له سماع من أحد من
الصحابة، والراوي عنه عبيد لم أعرفه(١)، وأبو معاذ الظاهر أنه
سليمان بن أرقم البصري، وهو ضعيف، كما في ((التقريب))،
والراوي عنه الحسين هو ابن الفرج أبو علي وقيل: أبو صالح،
ويعرف بابن الخياط والبغدادي، وهو ضعيف متروك، وله
(١) ثم تبين لي أنه ابن سليمان الباهلي، وروى عن الضحاك بن مزاحم،
وعنه جمع، منهم أبو معاذ الفضل بن خالد النحوي. قال في
((التقريب)): لا بأس به. ومما ذكرنا نتبين أيضاً أن أبا معاذ الراوي
عن عبيد، ليس هو سليمان بن أرقم، وإنما هو الفضل بن خالد
النحوي أورده ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (٦١/٢/٣) ولم
یذکر فیه جرحاً أو تعديلاً.
٢٨

ترجمة في ((تاريخ بغداد)) وفي ((الميزان)) و ((اللسان)) ثم شيخ ابن
جرير فيه مجهول لم يُسَمَّ .
٩ - عن محمد بن فضالة الظفري، والمطلب بن عبدالله بن
حنطب قالا: ((رأى رسول الله وَله من قومه كفّاً عنه، فجلس
خالياً، فتمنى فقال: ليته لا ينزل علَّ شيء ينفّرهم عني،
وقارب رسول الله وَ ل قومه، ودنا منهم، ودنوا منه، فجلس
يوماً مجلساً في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم
[النجم]، حتى إذا بلغ: ﴿أَفَرََّيْتُ الَّلْتَ
﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى
[النجم]، ألقى الشيطان
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىّ
وَالْعُزَّى
كلمتين على لسانه: ((تلك الغرانيق العُلى، وإن شفاعتهن
لترتجى))، فتكلم رسول الله وَل بهما ثم مضى، فقرأ السورة
كلها، وسجد وسجد القوم جميعاً، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً
إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود،
ويقال: إن أبا أَحيحة سعيد بن العاص أخذ تراباً فسجد عليه
رفعه إلى جبهته، وكان شيخاً كبيراً، فبعض الناس يقول: إِنما
الذي رفع التراب الوليد، وبعضهم يقول: أبو أحيحة،
وبعضهم يقول: كلاهما جميعاً فعل ذلك. فرضوا بما تكلم به
رسول الله وَيه وقالوا: قد عرفنا أن الله يُحيي ويُميت، ويَخلق
ويَرزق، ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأما إذ جعلت لها
نصيباً فنحن معك، فكبر ذلك على رسول الله وَّ من قولهم،
٢٩

حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام،
فَعَرَض عليه السورة فقال جبريل: جئتك(١) بهاتين الكلمتين؟ !!
فقال رسول الله وَله: قُلْتُ على الله ما لم يَقُلْ، فأوحى الله إليه:
﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِنَفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَبْرَهُ
وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّنْتَكَ لَقَدْ كِدتَ تَرْكَنُ
٧٣
وَإِذَا لََّتَّخَذُوَ خَلِيلًا
٧٤
إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا
إِذَا لَّأَذَقْنَكَ ضِعْفَ الْحَيَوَةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ
ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا
[الإسراء].
أخرجه ابن سعد في ((الطبقات)) (ج١ ق١ ص ١٣٧)(٢).
أخبرنا محمد بن عمر قال: حدثني يونس بن محمد بن فضالة
الظفري عن أبيه، قال: وحدثني كثير بن زيد عن المطلب بن
عبدالله بن حنطب قالا :
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً، لأن محمد بن عمر، هو
الواقدي، قال الحافظ في ((التقريب)): ((متروك مع سعة علمه))
وشيخه في الإسناد الأول يونس بن محمد، ووالده محمد بن
فضالة، لم أجد لهما ترجمة، ثم رأيت ابن أبي حاتم أوردهما (٤/
٥٥/١ و٢٤٦/٢/٤) ولم يذكر فيهما جرحاً ولا تعديلاً. وفي
(١) كذا في الأصل وهو جائز على الإستفهام الإنكاري، وفي القرطبي
نقلا عن الواحدي «ما جئتك)).
(٢) [انظر طبعة دار صادر ٢٠٥/١].
٣٠

إسناده الثاني كثير بن زيد وهو الأسلمي المدني مُخْتَلَف فيه، قال
الحافظ: ((صدوق يخطئ)).
ثم هو مرسل فإن المطلب بن عبدالله بن حنطب كثير التدليس
والإرسال، كما في ((التقريب)). ولذلك قال القرطبي بعد أن
ساق الرواية الثانية، وحُكي عن النحاس تضعيفها كما سبق نقله
عنه هناك قال: قلت: فذكره مختصراً ثم قال :
((قال النخَّاس: هذا حديث مُنكَر منقطع، ولا سيما من
حديث الواقدي)) .
١٠ - عن ابن عباس أن رسول الله وَ لي قرأ سورة (النجم)
وَمَنُؤةَ
وهو بمكة، فأتى على هذه الآية ﴿أَفَهَ يْتُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى
الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى
[النجم] فألقى الشيطان على لسانه («إنهن
٢٠
الغرانيق العُلى)) فأنزل الله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ... ) الآية
[الحج: ٥٢]، وكذا أورده السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٦٧/٤)
وقال :
((أخرجه ابن مردويه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن
ابن عباس، ومن طريق أبي بكر الهذلي وأيوب عن عكرمة عن
ابن عباس، ومن طريق سليمان التيمي عمن حدثه عن ابن
عباس)).
٣١

قلت: فهذه طرق ثلاث عن ابن عباس وكلها ضعيفة.
أما الطريق الأولى: ففيها الكلبي وهو كذاب كما تقدم بيانه
قريباً .
وأما الطريق الثانية: ففيها من لم يُسَمَّ .
وأما الطريق الثالثة: ففيها أبو بكر الهذلي. قال الحافظ في
((التقريب)): ((أخباري متروك الحديث)) لكن قد قرن فيها أيوب،
والظاهر أنه السختياني، فلا بد أن يكون في الطريق إليه من لا
يُحْتَج به لأن الحافظ قال في ((الفتح)) (٣٥٥/٨) بعد أن ساقه من
الطرق الثلاث :
((وكلها ضعيف أو منقطع)).
وقد ذكر ما يفيد أن ابن مردويه أخرجها من طريق عباد بن
صهيب، وهو أحد المتروكين، كما قال الحافظ الذهبي في ترجمته
من ((الميزان)).
وله طريق رابع، أخرجه ابن جرير (١٢٠/١٧)، حدثني
محمد بن سعد قال: ثني أبي قال: ثني عمي. ثني أبي عن أبيه
عن ابن عباس؛ ((أن نبي الله وَّ بينما هو يُصليّ إذ نزلت عليه
قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا
٣٢

نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه، فبينما هو يقول: ﴿أَفَرََّيْتُ
[النجم]، ألقى
٢٠
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأَخْرَى
١٩
الَّتَ وَالْعُرَّى
الشيطان: ((إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى))،
﴿ قنسخها، ثم قال له: ﴿وَمَآ
فجعل يتلوها، فنزل جبريل
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ ... ﴾ الآية [الحج: ٥٢].
رواه ابن مردويه أيضاً كما في ((الدر)) (٣٦٦/٤).
قلت: وهذا إسناد ضعيف جداً، مُسَلسَل بالضعفاء: محمد
ابن سعد، هو ابن محمد بن الحسن بن عطية بن جُنادة أبو جعفر
العوفي ترجمه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٢٢/٥-٣٢٣)
وقال: ((كان ليّناً في الحديث)).
ووالده سعد بن محمد ترجمه الخطيب أيضاً (١٢٦/٩-١٢٧)
وروى عن أحمد أنه قال فيه: ((لم يكن ممن يستأهل أن يكتب
عنه، ولا كان موضعاً لذلك)).
وعمه هو الحسين بن الحسن بن عطية بن سعد، وهو متفق
على ضعفه ترجمه الخطيب (٢٩/٨-٣٢) وغيره.
وأبوه الحسن بن عطية ضعيف أيضاً اتفاقاً، وقد أورده ابن
حبان في ((الضعفاء)) وقال: ((مُنكَر الحديث، فلا أدري البَلِيّة منه
أو من ابنه، أو منهما معاً؟)) ترجمته في ((تهذيب التهذيب)).
٣٣

وكذا والده عطية، وهو مشهور بالضَّعف(١).
(١) قلت: ومما يدل على بطلان نسبة هذه القصة إلى ابن عباس، لا سيّما من
رواية أيوب عن عكرمة عنه، أن الطبراني أخرجها مختصراً في ((المعجم
الكبير)) (ورقة ١٣٨ وجه ١) [المطبوعة ١١٨٦٦/١١] من طريقين عن
عبد الوارث: ثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي وَّ سجد
وهو بمكة بـ (النجم) وسجد معه المسلمون والمشركون، وهذا إسناد
صحيح على شرط البخاري، فهذا القدر من القصة هو الصحيح عن
ابن عباس وغيره من الصحابة مما سيأتي ذكره.
٣٤

بيان بطلان القصة متناً
تلك هي روايات القصة، وهي كلها كما رأيت مُعَلَّة
بالإرسال والضَّعف والجهالة، فليس فيها ما يصلح للإحتجاج
به، لا سيّما في مثل هذا الأمر الخطير. ثم إن مما يؤكد ضَعفها
بل بطلانها، ما فيها من الاختلاف والنَّكارة مما لا يليق بمقام
النبوة والرسالة، وإليك البيان :
أولاً: في الروايات كلها، أو جُلها، أن الشيطان تكلم على
لسان النبي وَيو بتلك الجملة الباطلة التي تمدح أصنام المشركين،
(تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى)).
ثانياً: وفي بعضها كالرواية الرابعة: ((والمؤمنون مصدقون
نبيهم فيما جاء به عن ربهم ولا يتهمونه على خطأ وهم)) ففي هذا
أن المؤمنين سمعوا ذلك منه وَّر، ولم يشعروا بأنه من إلقاء
الشيطان، بل اعتقدوا أنه من وحي الرحمن !! بينما تقول الرواية
السادسة: ((ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان)) فهذه
خلاف تلك.
ثالثاً: وفي بعضها كالرواية (١ و٤ و٧ و٩): أن النبي
٣٥

بقي مدة لا يدري أن ذلك من الشيطان، حتى قال له جبريل:
((معاذ الله! لم آتك بهذا، هذا من الشيطان !! )).
رابعاً: وفي الرواية الثانية أنه وَّيِ سها حتى قال ذلك! فلو
كان كذلك، أفلا ينتبه من سهوه؟ !.
خامساً: في الرواية العاشرة الطريق الرابع: أن ذلك أُلْقِيَ
عليه وهو يصلي !!
سادساً: وفي الرواية (٤ و٥ و٩) أنه وَل تمنّى أن لا ينزل
عليه شيء من الوحي يَعيبُ آلهة المشركين، لئلا ينفروا عنه !!
وانظر المقام الرابع من كلام ابن العربي الآتي (ص ٥٠).
سابعاً: وفي الرواية (٤ و٦ و٩) أنه وَال قال عندما أنكر
جبريل ذلك عليه) ((افتريتُ على الله، وقلتُ على الله ما لم يقل،
وشركني الشيطان في أمر الله !! )).
فهذه طامّات يجب تنزيه الرسول منها لا سيّما هذا الأخير
منها فإنه لو كان صحيحاً لصدق فيه، عليه الصلاة والسلام، -
وحاشاه - قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
لَأَخَذْنَا مِنْهُ
بِأَلْيَمِينِ
لحاقة] .
(٤٦
ثُمَّ لَقَطَّعْنَا مِنْهُ الْوَتِيِنَ
٤٥
فثبت مما تقدم بطلان هذه القصة سنداً ومتناً. والحمد لله على
توفيقه وهدايته.
٣٦

كلام الحافظ والرد عليه
وقد يقال: إن ما ذهبت إليه من تضعيف القصة سنداً،
وإبطالها متناً، يخالف ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر من تقويتها
كما سبقت الإشارة إليه آنفاً.
فالجواب: أنه لا ضَيْر علينا منه، ولئن كنا خالفناه، فقد
وافقنا جماعة من أئمة الحديث والعلم سيأتي ذكرهم، فاتباعهم
أولى، لأن النقد العلمي معهم، لا لأنهم كثرة، ورحم الله من
قال: ((الحق لا يُعرف بالرجال إعرف الحق تعرف الرجال)).
ولبيان ذلك لا بد لي من أن أنقل كلام الحافظ بتمامه، ثم
أتبعه ببيان رأينا فيه، والصواب الذي نرمي إليه فأقول: قال
الحافظ في ((الفتح)) (٣٥٤/٨-٣٥٥) بعد أن ساق الرواية الأولى
وخرَّجها هي وغيرها مما تقدم:
((وكلها سوى طريق سعيد بن جبير، إِما ضعيف وإِما
منقطع، ولكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلاً، مع أن لها
طريقين آخرين مرسلين رجالهما على شرط ((الصحيحين)) (ثم
ذكر الرواية الثانية والثالثة ثم قال:) وقد تجرأ أبو بكر بن العربي
كعادته فقال: ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل
٣٧

لها، وهو إطلاق مردود عليه، وكذا قول عياض: هذا حديث
لم يخرجه أحد من أهل الصحة، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل
مع ضعف نقلته، واضطراب رواياته، وانقطاع إسناده، وكذا
قوله: ومن حملت عنه هذه القصة من التابعين والمفسرين، لم
يسندها أحد منهم، ثم ردّه من طريق النظر بأن ذلك لو وقع
لارتد كثير ممن أسلم، قال: ولم ينقل ذلك انتهى. وجميع ذلك
لا يتمشى مع القواعد، فإن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها،
دلّ ذلك على أن لها أصلاً، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على
شرط الصحيح وهي مراسيل يحتج بها من يحتج بالمرسل، وكذا
من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض)).
قاعدة تقوية الحديث بكثرة الطرق
ليست على إطلاقها:
والجواب عن ذلك من وجوه:
أولاً : أن القاعدة التي أشار إليها، وهي تقوية الحديث بكثرة
الطرق ليست على إطلاقها، وقد نبَّه على ذلك غير واحد من
علماء الحديث المحققين، منهم الحافظ أبو عمرو بن الصلاح
حيث قال رحمه الله في ((مقدمة علوم الحديث)) (ص ٣٦-٣٧):
((لعل الباحث الفهم يقول: إِنا نجد أحاديث محكوماً
بضعفها، مع كونها قد رُوِيَت بأسانيد كثيرة من وجوه عديدة،
٣٨

مثل حديث: ((الأذنان من الرأس))(١) ونحوه، فهلاّ جعلتم ذلك
وأمثاله من نوع الحسن لأن بعض ذلك عضد بعضاً كما قلتم في
نوع الحسن على ما سبق آنفاً؟ !.
وجواب ذلك أنه ليس كل ضعف في الحديث يزول بمجيئه
من وجوه، بل ذلك يتفاوت فمنه ما يزيله ذلك بأن يكون ضعفه
ناشئاً من ضعف حفظ راويه، ولم يختلّ فيه ضبطه له، وكذلك
إذا كان ضعفه من حيث الإرسال زال بنحو ذلك، كما في
المرسل الذي يرسله إمام حافظ، إذ فيه ضعف قليل يزول
بروايته من وجه آخر (٢) ومن ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك
(١) قلت: هذا الحديث عندنا صحيح لغيره، فقد روي عن سبعة نفر من
الصحابة من طرق مختلفة قوّى المنذري، وابن دقيق العيد، وابن
التركماني، والزيلعي أحدها، ولذلك أوردناه في كتابنا ((صحيح
سنن أبي داود)) وتكلمنا عليه هناك (رقم ١٢٣) ثم نشرناه في
((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (رقم ٣٦)، وذكرنا فيه طرقه
وبعضها صحيح لذاته، فراجعه إن شئت.
[وانظر ((صحيح سنن أبي داود - باختصار السند)) للمؤلف، بإشراف
زهير الشاويش، طبع مكتب التربية العربي لدول الخليج بالرياض،
توزيع المكتب الإسلامي، الحديث برقم ١٣٤/١٢٢].
(٢) قلت: وهذا ليس على إطلاقه كما يأتي نقله عن ((شرح النُّخبة)) لابن
حجر (ص ٢٣).
٣٩

لقوة الضعف، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته، وذلك
کالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهماً بالكذب، أو كون
الحديث شاذاً. وهذه جملة تفاصيلها تُذْرَك بالمباشَرة والبحث،
فاعلم ذلك فإنه من النفائس العزيزة)) .
قلت: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن الغَفَلَةَ عن هذه
النفسية قد أوقعت كثيراً من العلماء، لا سيّما المشتغلين منهم
بالفقه في خطأ فاضح، ألا وهو تصحيح كثير من الأحاديث
الضعيفة اغتراراً بكثرة طُرقها، وذهولاً منهم عن كون ضعفها
من النوع الذي لا ينجبر الحديث بضعفها، بل لا تزيده إلا وَهْناً
على وهن، ومن هذا القبيل حديث ابن عباس في هذه القصة،
فإن طرقه كلها ضعيفة جداً كما تقدم، فلا يتقوى بها أصلاً.
لكن يبقى النظر في طرق الحديث الأخرى، هل يَتَقَوَّى
الحديث بها، أم لا؟
فاعلم أنها كلها مرسلة، وهي على إرسالها معلة بالضعف
والجهالة كما سبق تفصيلها، سوى الطرق الأربعة الأولى منها
(رقم ١ و٢ و٣ و٥) فهي التي تستحق النظر، لأن الحافظ رحمه
الله جعلها عمدته في تصحيحه هذه القصة، وتقويته لها بها،
وهذا مما نخالفه فيه، ولا نوافقه عليه، وبيان ذلك يحتاج إلى
مقدمة وجيزة مفيدة إن شاء الله تعالى، وهي:
٤٠