النص المفهرس
صفحات 161-180
الفَصْل السَّارِسْ
إبن الجَعْدِ فِى رَأِى أَمِنَّمْ
ح والتعديل
حظي ابن الجعد بتوثيق العديد من جهابذة الجرح والتعديل له
بل بالغوا في توثيقه كما في عباراتهم ((ثقة صدوق))، ((رباني
العلم))، ((ثقة ثبت))، (( ثقة مأمون)).
إلا أنه شأن الكثيرين من أئمة الحديث لم يسلم من انتقادات
توجه إليه وجرح بعضهم له ، ونذكر في ذلك قول عبد الرزاق :
(( أخزى الله سلعة لا تنفق إلا بعد الكبر والضعف ، حتى إذا بلغ
أحدهم مائة سنة كتب عنه فإما أن يقال كذاب فيبطلون علمه وإما أن
يقال مبتدع فيبطلون عمله فما أقل من ينجو من ذلك(١))).
وها أنا أذكر أقوال المعدلين ثم أقوال المجرحين ثم أناقش رأي
الفريقين مبيناً القول الفصل في ذلك بيد أنه قبل استعراض الآراء أضع
فائدتين ، لهما أثرهما في الأمر قبل مناقشته .
الفائدة الأولى :
أن ابن الجعد من أهل القرون الثلاثة الفاضلة
(١) ميزان الاعتدال ٢٢ / ٦١٤.
- ١٦١ -
التي شهد لها الرسول #* بالخيرية في قوله :
((خير الناس قرنى ثم الذين يلونهم ثم الذين
يلونهم(١))) .
الفائدة الثانية :
أن ابن الجعد أخرج عنه البخاري في صحيحه
وقد قال ابن حجر(٢) (( ينبغي لكل مصنف أن يعلم
أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض
لعدالته عنده وصحه ضبطه وعدم غفلته ولا سيما
ما انضاف الى ذلك من اطباق جمهور الأئمة على
تسمية الكتابين بالصحيحين)) ، وأخرج عن الشيخ
أبي الحسن المقدسي أنه كان يقول في الرجل
الذي يخرج عنه في الصحيح هذا جاز القنطرة يعني
بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه .
أ - المعدلون وأقوالهم : -
- يحيى بن معين - امام الجرح والتعديل وتلميذ ابن الجعد -
قال محمد بن حماد المقرى سألت يحيى بن معين عن علي بن
الجعد فقال ثقة صدوق ثقة صدوق قلت فهذا الذي كان منه ؟ فقال :
ايش كان منه ثقة صدوق . وقال عبد الخالق بن منصور سألت يحيى
بن معين عن علي بن الجعد فقال : ثقة وقال جعفر بن محمد
(١) أخرجه البخاري في الشهادات باب لا يشهد علي شهادة جور إذا أشهد ٢٥٨/٥ وفي غير هذا
الموضع عن عمران ابن حصين وهو في المسند - مسند ابن الجعد - رقم ١٣٢٣ وتخريجه
هناك في الهامش .
(٢) هدي الساري ص ٣٨٤ .
- ١٦٢ -
القلانسي قلت ليحيى بن معين أيما أحب إليك في شعبة آدم أو علي
بن الجعد فقال : كلاهما ثقة قلت فأيهما أحب اليك قال أكتب عن
علي مسند شعبة واضرب على جنبيه . وقال جعفر بن محمد بن أبي
عثمان الطيالسي سمعت يحيى بن معين يقول : علي بن الجعد أثبت
البغداديين في شعبة قلت له فأبو النضر قال وأبو النضر ، وقال الحسين
بن فهم سمعت يحيى بن معين في جنازة علي بن الجعد يقول ما
روى عن شعبة - أراه يعني من البغداديين - أثبت من هذا يعني علي
بن الجعد فقال له رجل ولا أبو النضر قال ولا أبو النضر قال ولا شبابة
فقال خرب الله بيت أمه ان كان مثل شبابة قال ابن الفهم فعجبنا منه
نقول ولا أبو النضر فيقول ولا أبو النضر فنقول ولا شبابة فيقول ولا
شبابة ، وقال أبو سليمان بن زبر حدثنا أسامة بن علي قال حدثنا
موسى بن الحسن الصقلي قال سمعت يحيى بن معين وذكر علي بن
الجعد فقال : رباني العلم(١).
- أبو حاتم الرازي : تلميذ ابن الجعد .
قال أبو حاتم : ((كان متقناً صدوقاً ولم أر من المحدثين من
يحفظ ويأتي بالحديث على لفظ واحد لا يغيره سوى قبيصة وأبي نعيم
في حديث الثوري ويجبى الحماني في حديث شريك وعلي بن الجعد
في حديثه(٢))) .
- أبو زرعة الرازي : تلميذ ابن الجعد .
قال : كان صدوقاً في الحديث(٣).
(١) تهذيب الكمال ترجمة ابن الجعد ، تهذيب التهذيب ٢٩١/٧، تاريخ بغداد ٣٦٦/١١.
(٢، ٣، ) تهذيب الكمال، وتاريخ بغداد ، وتهذيب التهذيب ، ترجمة ابن الجعد.
- ١٦٣ -
- النسائي : قال : صدوق(١) .
- صالح بن محمد الاسدي قال : ثقة (٢).
- الدارقطني قال : ثقة مأمون(٣).
- ابن قانع قال : ثقة ثبت (٤) .
- مطين قال ثقة (٥) .
- ابن عدي قال : ما أرى بحديثه بأساً ولم أر في رواياته إذا
حدث عن ثقة حديثاً منكراً فأذكره(٦).
- الذهبي قال : الحافظ الثبت المسند(٧).
- الامام البخاري إذ أخرج عنه في صحيحه وهذا تعديل له .
- أبو حاتم بن حبان أخرج عنه صحيحه .
- الاسماعيلي وأبو نعيم : والحاكم أخرجوا عنه في كتبهم
الصحيحة .
ب : المجرحون وأقوالهم : -
الامام مسلم : قال : ثقة لكنه جهمي(٨) .
الامام أحمد بن حنبل : قال أبو جعفر العقيلي : قلت لعبد الله
بن أحمد بن حنبل لم لم تكتب عن علي بن الجعد ؟ فقال : نهاني
أبي أن أذهب اليه وكان يبلغه عنه أنه يتناول أصحاب النبي ◌َّر.
وقال يحيى بن زكريا النيسابوري : سمعت زياد بن أيوب يقول :
(١ - ٢) تهذيب الكمال، وتاريخ بغداد وتهذيب التهذيب ترجمة ابن الجعد .
(٣، ٤، ٥) التهذيب ٢٩٢/٧.
(٦) الكامل لابن عدي .
(٧) التذكرة : ٣٩٩، والميزان ١١٦/٣، والمغني ٤٤٤/٢.
(٨) ميزان الاعتدال ١١٦/٣ والمغنى ٤٤٤/٢. وسيأتي إن شاء الله تعالى معنى ((الجهمى)) عند
((( مناقشة آراء الفريقين)).
- ١٦٤ -
سأل رجل أحمد بن حنبل عن علي بن الجعد فقال الهيثم : ومثله
يسأل عنه !! فقال أحمد أمسك أبا عبد الله فذكره رجل بشر فقال
أحمد ويقع في أصحاب النبي وَله. فقال زياد بن أيوب كنت عند
علي بن الجعد فسألوه عن القرآن فقال القرآن كلام الله ، ومن قال
مخلوق لم أعنفه . قال : فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فقال : ما
يبلغني عنه أشد من هذا .
وقال أبو زرعة : كان أحمد بن حنبل لا يرى الكتابة عن علي
بن الجعد ولا سعيد بن سليمان ورأيته في كتابه مضروباً عليهما(١).
قلت : ذكر الخطيب من تاريخه ، والمزي في تهذيبه أخباراً تفيد
وقوع ابن الجعد في بعض الصحابة . فقد ذكرا عن أبي غسان الدوري
قال: كنت عند علي بن الجعد فذكروا حديث ابن عمر (( كنا نفاضل
على عهد رسول الله * فنقول خير هذه الأمة بعد النبي صل ى أبو بكر
وعمر وعثمان فيبلغ النبي ﴿ فلا ينكره))، فقال عليٍّ: انظروا الى
هذا الصبي هو لم يحسن أن يطلق امرأته يقول كنا نفاضل !! .
وقال أيضاً - أي أبو غسان - كنت عند علي بن الجعد فذكروا
حديث النبي وس أنه قال للحسن: ((إن ابني هذا سيد))، قال ما
جعله سيداً .
وقال أحمد بن ابراهيم الدورقي : قلت لعلي بن الجعد بلغني
أنك قلت ابن عمر ذاك الصبي ، قال : لم أقل ولكن معاوية ما أكره
أن يعذبه الله .
وقال هارون بن سفيان المستملي كنت عند علي بن الجعد فذكر
(١) تاريخ بغداد ، وتهذيب الكمال ترجمة علي بن الجعد .
- ١٦٥ -
عثمان بن عفان فقال : أخذ من بيت المال مائة ألف درهم بغير حق .
فقلت لا والله ما أخذها ولئن كان أخذها ما اخذها إلا بحق ، قال لا
والله ما أخذها إلا بغير حق ، قال : قلت لا والله ما أخذها إلا بحق .
وقال أبو عبيد الآجري : قلت لأبي داود أيما أعلى عندك علي
بن الجعد أو عمرو بن مرزوق ؟ قال : عمرو أعلى عندنا ، علي بن
الجعد وسم بميسم سوء قال ما يسوؤني أن يعذب الله معاوية .
وستأتي - ان شاء الله تعالى - مناقشة هذه الأخبار مع مناقشة آراء
الفريقين .
- علي بن المديني : ذكر في التهذيب(١) ان العقيلي حكى عن
ابن المديني ما يقتضي وهن ابن الجعد عنده ولفظه، ((حدثنا عبد الله
بن أحمد حدثني بعض أصحابنا عن علي بن المديني )) قال : وممن
ترك حديثه عن شعبة علي بن الجعد وعدد جماعة فقالوا وعلي بن
الجعد ما له قال : رأيت ألفاظه عن شعبة تختلف .
- أبو جعفر النفيلي : قال أبو الحسن أحمد بن جعفر بن زياد
السوسي : سمعت أبا جعفر النفيلي وذكر علي ابن الجعد فقال : لا
ينبغي أن يكتب عنه قليل ولا كثير وضعف أمره جداً))(٢) .
ـ ابراهيم بن يعقوب الجوزجاني : قال : علي بن الجعد متشبت
بغير بدعة زائغ عن الحق(٣).
- ابن الأثير : (المؤرخ ) قال : وهو من مشايخ البخاري وكان
يتشيع (٤) .
(١) ٢٩٢/٧ .
(٢ - ٣) تهذيب الكمال للمزي .
(٤) الكامل ١٨/٧ .
-١٦٦ -
- ابن قتيبة : ذكره في فرقة الشيعة(١).
- عبد الله بن أحمد بن حنبل : قال : ما رأيت عنده في الجامع
إلا بعض الصبيان (٢).
هذه هي أقوال المجرحين ومنها يتضح أن بعضهم جرحه بقوله
في القرآن ومن ثم فسوف أعالج قضية القول في القرآن على أنها جزء
من عصر وحياة ابن الجعد ولأجل أن ابين موقف الرجل من هذه
القضية حتى يظهر أموقفه منها يسبب له جرحاً أم لا فأقول وبالله تعالى
التوفيق )) .
قضية القول في القرآن
قضية القول في القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق قضية قديمة ظهرت في
عهد الصحابة فلقد جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يسأله هل القرآن مخلوق أو لا؟
ذكر في منتخب كنز العمال(٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا عند
عمر بن الخطاب إذ جاءه رجل يسأله عن القرآن أمخلوق هو أم غير مخلوق فقام
عمر فأخذ بمجامع ثوبه حتى قاده إلى علي بن أبي طالب ، فقال : يا أبا الحسن
ألا تسمع ما يقول، هذا قال: وما يقول، قال جاء يسألني عن القرآن أمخلوق هو أو
غير مخلوق فقال علي : هذه والله كلمة سيكون لها عره - ضرر - لو وليت من
الأمر ما وليت لضربت عنقه: (( وعزاه لنصر في الحجة .
كما ظهرت في أيام هشام بن عبد الملك (١٠٥ - ١٢٥ )، علي يد
الجعد بن درهم .
(١) المعارف ص ٦٢٤ .
(٢) التهذيب ٢٩٢/٧ .
(٣) بهامش مسند أحمد ٢٩٩/١.
- ١٦٧ -
قال ابن الأثير(١): (( قيل ان الجعد بن درهم أظهر مقالته بخلق القرآن أيام
هشام بن عبد الله فأخذه هشام وأرسله إلى خالد القسري وهو أمير العراق وأمره
بقتله فحبسه خالد ولم يقتله فبلغ الخبر هشاماً فكتب الى خالد يلومه ويعزم عليه
أن يقتله فأخرجه من الحبس في وثاقه فلما صلى العيد يوم الأضحى قال في آخر
خطبته انصرفوا وضحوا يقبل الله منك فأني أريد أن أضحي اليوم بالجعد بن درهم
فانه يقول ما كلم الله موسى ولا اتخذ ابراهيم خليلاً تعالى الله عما يقول الجعد
علواً كبيراً ثم نزل وذبحه)).
وکان الجعد بن درهم زنديقاً(٢) وكان يدعو الى هذا القول حتى ان مروان
بن محمد ابن مروان بن الحكم الأموي آخر ملوك أمية تتلمذ على يديه فكان مما
علمه القول بخلق القرآن كما فتح له باب القول في القدر ، وكأن الجعد كان
يهدف الى افشاء مقالته ذي عن طريق نشرها في البيت الحاكم - وقد انتهج
المعتزلة هذا المنهج في نشر دعوتهم هذه أيضاً وسيأتي بيان ذلك : -
وقال بها أيضاً جهم بن صفوان ( ١٢٨ ) واتبعه في ذلك مريدوه ممن يسمون
بالجهمية .
ثم جاء المعتزلة فقالوا بذلك - خلق القرآن - أيضاً واعتقدوه ودعوا الناس
إليه واستعملوا شتى الحيل والوسائل وانتهزوا كل فرصة لنشر مذهبهم هذا .
ويرجع قول المعتزلة بخلق القرآن الى حرصهم على التوحيد فانهم
يفكرون ان تكون لله صفات قديمة حتى لا يؤدي ذلك الى التعدد ولما أنكروا
وجود صفات قديمة انكروا تبعاً لذلك قدم القرآن وقالوا بأنه مخلوق ، وتمسكوا
بهذا القول لما فيه من اغلاق الأبواب امام اعداء المسلمين من أهل الديانات
الأخرى .
(١) الكامل ٢٦٣/٥.
(٢) الكامل ٤٢٩/٥ .
- ١٦٨ -
ولذا نجد في كتاب المأمون الى القائلين بقدم القرآن(١)، ((وقد عظم
· هؤلاء الجهلة بقولهم في القرآن الثلم في دينهم ، والحرج في امانتهم ،
وسهلوا السبيل لعدو الاسلام ))، فها هو يبين أن سر قول المعتزلة بهذا أمران :
الأول الحفاظ على التوحيد حتى لا يقعوا فيما وقع فيه النصارى من تثليث .
والثاني اغلاق الطريق أمام أعداء الاسلام فان أعداء الاسلام قد استغلوا القول
بقدم القرآن دليلاً على قدم عيسى بن مريم وانه اله أو ابن للاله
فلقد كان (( يوحنا الدمشقي)) ، يلقن بعض المسيحيين ما يجادلون به المسلمين
فيقول : (( إذا سألك العربي ما تقول في المسيح ؟ فقل انه كلمة الله ثم ليسأل
النصراني المسلم : بم سمي المسيح في القرآن وليرفض أن يتكلم بشيء حتى
يجيبه المسلم فانه سيضطر الى أن يقول انما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله
وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فإذا أجاب بذلك فاسأله عن كلمة الله وروحه
أمخلوقة أم غير مخلوقة فان قال مخلوقة فليرد عليه بأن الله كان ولم تكن كلمة ولا
روح فان قلت ذلك فسيفحم العربي لأن من يرى هذا الرأي زنديق في نظر
المسلمين (٢).
هذا أساس قول المعتزلة بخلق القرآن ولقد نشط المعتزلة في هذه المسألة
نشاط كبيراً في العصر العباسي وتعصبوا لذلك تعصباً جماعياً شديداً . حتى دعوا
الناس إليه وحاولوا نشره بين الناس ، بيد ان محاولتهم لنشر مذهبهم جاءت في
فترة خلافة الرشيد وكان الرشيد يبغض المراء في الدين والكلام في معارضة
النص وكان يحب العلم وأهله فلما بلغه عن بشر المريسي قوله بخلق القرآن قال :
(( لئن ظفرت به لأضربن عنقه(٣)))، وهدد المعتزلة ونهاهم عن القول بهذا بل
(١) تاريخ الطبري ٦٣٦/٨.
(٢) ابن حنبل لابي زهرة ص ٦٤ .
(٣) تاريخ الخلفاء ص ٢٨٤ .
- ١٦٩ -
حبس بعضهم في حين أنه بالغ في اكرام المحدثين والفقهاء وقربهم من مجلسه
مما جعل المعتزلة يخفون دعوتهم ويحاولون نشرها في السر بعيداً عن أعين
الحاكم .
وسار الأمر على ما هو عليه أيضاً أيام محمد الأمين بن الرشيد فلقد كان مع
المحدثين والفقهاء مبتعداً عن المعتزلة منكراً عليهم قولهم هذا . ولذا قال أحمد
بن حنبل: ((أني لأرجو أن يرحم الله الأمين بانكاره على اسماعيل بن علية فانه
أدخل عليه فقال له : يا ابن الفاعلة أنت الذي تقول كلام الله مخلوق (١)؟
فلما كان عهد المأمون بن الرشيد (١٩٨ - ٢١٨) كانت فرصة المعتزلة
الذهبية فان المأمون تربي في مدارسهم فلقنوه مبادئهم وهو شغوف بدراسة
الفلسفة والجدل من جراء تلمذته على أكابرهم ، فاحتاطوا به وتقربوا اليه فقربهم
وأكرمهم أبلغ اكرام وجعل منهم وزراءه ، وعماله وخلانه وأصحابه فاستغلوا هذا
الود في الوصول إلى غرضهم فزينوا له اعلان القول بخلق القرآن فأعلن هذا
القول وأذاعه على الناس في السنة الثانية عشرة بعد المائة ورغم أنه اقتصر على
اعلان هذا القول تاركاً للناس حريتهم فيما يعتقدونه إلا أن هذا القول وحده أدى
إلى اشمئزاز الناس من المأمون وسخطهم عليه - يقول السيوطي ((وفي سنة اثنتي
عشرة أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافاً إلى تفضيل علي على أبي بكر
وعمر فاشمازت النفوس منه وکاد البلد یفتتن ولم يلتئم له من ذلك ما أراد فكف
عنه الى سنة ثمان عشرة (٢))).
فلما كانت سنة ثمان عشرة حاول أن يحمل الناس على ذلك بالقوة ورأى
أن حمل الأئمة الفقهاء والمحدثين على ذلك سيؤدي الى نشر هذا القول وتسليم
(١) تاريخ الخلفاء ص ٣٠٣.
(٢) تاريخ الخلفاء ص ٣٠٨.
- ١٧٠ -
الناس به فبدأ في اكراه الأئمة على ذلك . ورغم ان العصر العباسي يعتبر عصر
الحرية الفكرية إلا أن المأمون خالف القاعدة واستغل سطوة السلطان في نشر ما
يعتقده واكراه الناس عليه ، ويبدو أن حرصه على المسألة كان شديداً أو أن دفع
المعتزلة له نحو هذا القول كان قد بلغ مداه معتقدين أن عصر المأمون هو الفرصة
الذهبية ولذا فانه كان خارج مقر الخلافة ( بغداد ) كان في الفتوحات ورغم هذا
عالج القضية وباشر اكراه الأمة على هذا فبينما هو متجه الى طرسوس لغزو الروم
كتب إلى نائبه على بغداد اسحاق بن ابراهيم الخزاعي(١) أن يمتحن القضاة
والمحدثين بالقول بخلق القرآن وأن يرسل إليه من توقف منهم وكتب إليه يستحثه
في كتاب مطول وكتب أخرى ( سردها ابن جرير)(٢) كلها استدلال على أن
القرآن محدث وكل محدث مخلوق يقول ابن كثير: (( وهذا احتجاج لا يوافقه
عليه كثير من المتكلمين فضلاً عن المحدثين فان القائلين بأن الله تعالى تقوم به
الأفعال الاختيارية لا يقولون بأن فعله تعالى القائم بذاته المقدسة مخلوق بل
يقولون هو محدث وليس بمخلوق بل هو كلام الله القائم بذاته المقدسة وما كان
قائماً بذاته لا يكون مخلوقاً وقد قال الله تعالى : ﴿ ما يأتيهم من ذكر من ربهم
محدث ) . وقال تعالى : ﴿ ولقد خلقناکم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة
اسجدوا لآدم ﴾ ، فالامر بالسجود صدر منه بعد خلق آدم ، فالكلام القائم
بالذات ليس مخلوقاً ».
والكتاب وان كان ظاهره اقامة الأدلة على أن القرآن مخلوق فلقد حمل في
طياته اكراها لأهل العلم وتهديداً وسخرية بهم وما كان توجيهاً واقناعاً ومناقشة
بالحسنى ، ومن ثم يجد القارىء أن الكتاب بعضه يناقض بعضاً فشأن من يقيم
(١) هو اسحاق بن ابراهيم بن الحسين بن مصعب الخزاعي المصعبي صاحب الشرطة ببغداد أيام
المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل ترجمته في الكامل ٥٢/٧ والاعلام ٢٨٣/١.
(٢) في تاريخه ٦٣١/٨.
- ١٧١ -
الدليل أن يكون قد أعطى للآخر حرية الرأي . وشأن من يستعمل سلطانه ويهدد
الأقل منهم أن لا يقيم دليلاً ولا يظهر برهاناً إلا أن الكتاب قد احتوى على
المتناقضين ولعل السر في ذلك أن الأدلة كانت في حد ذاتها ضعيفة وكان
السلطان لا يقبل المناقشة وانما يريدها دعوى يسلم الجميع بها أو يستسلم لها .
أنظر إلى قوله: ((فرأي أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة ورؤوس الضلالة
المنقوصون من التوحيد حظاً والمخسوسون من الايمان نصيباً وأوعية الجهالة
وأعلام الكذب ولسان ابليس الناطق في أوليائه والهائل على أعدائه )) ، وانظر
الى قوله: «وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ولا واثق فيما قلده
الله واستحفظه من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه(١))).
وكان طبيعياً أن يمتثل اسحاق بن ابراهيم نائب المأمون لكل ما أمره به سيدة
فقرأ الكتب على الناس في بغداد وبعث الى المأمون بمن عينهم من المحدثين
الذين توقفوا وهم محمد ابن سعد كاتب الواقدي ويحيى بن معين وأبو خيثمه
زهير بن حرب وأبو مسلم مستملی یزید ابن هارون واسماعيل بن داود واسماعيل
بن أبي مسعود وأحمد بن ابراهيم الدورقي فامتحنهم بخلق القرآن فأجابوه الى
ذلك وأقروا مكرهين بأن القرآن مخلوق فردهم الى بغداد وأمر باشهار أمرهم بين
الفقهاء وكتب الى اسحاق بن ابراهيم بأن يحضر الفقهاء ومشايخ الحديث
ويخبرهم بما أجاب به هؤلاء الأئمة السبعة ففعل ذلك فأحضر الأئمة واستنطق
هؤلاء بما قالوه عند المأمون فأجابوا بما أكرهوا عليه متأولين قوله تعالى: (( إلا
من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان))، حتى كان يحيى بن معين يقول: ((أجبنا خوفاً
من السيف )) .
ثم كتب المأمون الى اسحاق كتاباً آخر من جنس الأول يستدل فيه على أن
-
(١) تاريخ الطبري ٦٣٣/٨.
- ١٧٢ -
القرآن مخلوق(١) يقول ابن كثير: (( استدل بشبه من الدلائل أيضاً لا تحقيق
تحتها ولا حاصل لها بل هي من المتشابه وأورد من القرآن آيات هي حجة
عليه(٢))). وأمر نائبه أن يقرأ ذلك على الناس وأن يدعوهم إليه والى القول بخلق
القرآن فأحضر أسحاق جماعة من الأئمة وهم أحمد بن حنبل وقتيبة وأبو حسان
الزيادي وبشر بن الوليد الكندي وعلي بن أبي مقاتل والفضل بن غانم والذيال بن
الهيثم وسجادة والقرايري وسعدويه الواسطي ( وعلي بن الجعد ) واسحاق بن أبي
اسرائيل وابن الهرش وابن علية الأكبر ويحيى بن عبدالرحمن العمري وشيخ آخر من
ولد عمر بن الخطاب - كان قاضي الرقة - وأبو نصر التمار وأبو معمر القطيعي
ومحمد بن حاتم بن ميمون ومحمد بن نوح المضروب وابن الفرخان وجماعة . فلما
دخلوا على اسحاق قرأ عليهم كتاب المأمون مرتين حتى فهموه ثم سألهم واحداً
واحداً وکتب اجابة كل منهم الى المأمون بید أن كلا منهم کان يجيب ووسائل
الاکراه متوفرة حوله فالسلطان یعزل من لا یجیب عن وظائفه وان کان له رزق في
بيت المال قطعه وان كان مفتياً منع من الافتاء وان كان محدثاً ردع عن الاسماع
والأداء .
فلما وصلت مقالاتهم الى المأمون بعث الى نائبه بكتاب(٣) يمدحه على
ذلك ويرد على هؤلاء الأئمة يذمهم ويذكر كلا منهم ويعيبه ويقع فيه بشيء انظر
إلى قوله للذيال بن الهيثم ، (( وأما الذيال بن الهيثم فأعلمه أنه كان في الطعام
الذي كان يسرقه في الأنبار وفيما يستولي عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبي
العباس ما يشغله ، وأنه لو كان مقتفياً آثار سلفة وسالكاً مناهجهم ومحتذياً سبيلهم
لما خرج الى الشرك بعد الايمان (٤)))، ويختلف هذا الكتاب عن سابقه بأن فيه
(١) تاريخ الطبري ٦٣٤/٨ .
(٢) البداية ٢٧٢/١٠ .
(٣) ذكره الطبري في التاريخ ٨ /٦٤٠.
(٤) تاريخ الطبري ٦٤١/٨ .
- ١٧٣ -
الوعيد بالقتل بخلاف سابقه فكان التهديد فيه بالابعاد عن المناصب أو منع العطاء
فها هو يكتب لنائبه في حق بشر بن الوليد ، (( وان أصر على شركه ودفع أن يكون
القرآن مخلوقاً بكفره والحاده فاضرب عنقه وأبعث الى أمير المؤمنين برأسه))،
وأمر نائبه في هذا الكتاب أن يحضر بشر بن الوليد وابراهيم بن المهدي
ويمتحنهما فان أجابا وإلا فاضرب أعناقهما وأما من سواهما فان أجاب الى القول
بخلق القرآن والا حملهم موثقين بالحديد الى عسكره مع نفر يحفظونهم
فأحضرهم اسحاق وأعلمهم بما أمر به المأمون فأجاب القوم أجمعون إلا أربعة
نفرهم أحمد بن حنبل وسجادة والقواريري ومحمد بن نوح المضروب فأمر بهم
اسحاق فشدوا في الحديد فلما كان الغد دعاهم في الحديد فأعاد عليهم المحنة
فأجابه سجادة الى أن القرآن مخلوق فأمر باطلاق قيده وخلى سبيله وأصر
الآخرون على قولهم فلما كان من بعد الغد عاودهم أيضاً فأعاد عليهم القول
فأجاب القواريري الى أن القرآن مخلوق فأمر باطلاق قيده وخلى سبيله وأصر
أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح على قولهما ولم يرجعا فشدا جميعاً في الحديد
ووجها الى طرسوس وكتب معهما كتاباً باشخاصهما ، وكتب كتاباً منفرداً بتأويل
القوم فيما أجابوا إليه فمكثوا أياماً ثم دعا بهم فاذا كتاب قد ورد من المأمون على
اسحاق بن ابراهيم ان قدفهم أمير المؤمنين ما أجاب القوم إليه وأنهم انما أجابوا
مكرهين متأولين قوله تعالى: ﴿ الا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وقد أخطأوا
في تأويلهم خطأ كبيراً فأرسلهم كلهم الى طرسوس ليقيموا بها الى أن يخرج أمير
المؤمنين من بلاد الروم فأحضرهم اسحاق وسيرهم جميعاً الى العسكر سير أبا
حسان الزيادي وبشر بن الوليد والفضل بن غانم وعلي بن أبي مقاتل والذيال بن
الهيثم ويحيى بن عبد الرحمن العمري ( وعلي بن الجعد ) وأبا العوام وسجادة
والقواريري وابن الحسن بن علي بن عاصم واسحاق بن أبي اسرائيل والنضر بن
شميل وأبا نصر التمار وسعدوية الواسطي ومحمد بن حاتم بن ميمون وأبا معمر
وابن الهرش وابن الفرخان وأحمد بن شجاع وأبا هارون ابن البكاء ، فلما كانوا
- ١٧٤ -
ببعض الطريق بلغهم موت المأمون فردوا الى الرقة ثم أذن لهم بالرجوع الى
بغداد ، وكان أحمد بن حنبل وابن نوح قد سبقا الناس ولكن لم يجتمعا بالمأمون
فانه مات قبل وصولهما أيضاً - وكان الامام أحمد قد دعا الله عز وجل أن لا يجمع
بینهما وبین المأمون وان لا یریاه ولا يراهما فاستجاب الله دعاء وليه وعبده أحمد
بيد أن المأمون لم ينقطع دوره في المحنة بموته فانه قد فعل ما يؤجج نارها في
العصور بعده يظهر هذا في أمرين : -
الأول : أمره للخليفة بعده أن يتبنى فكرة القول بخلق القرآن .
الثاني : وصيتة الخليفة بعده باكرام المعتزلة واسناد المناصب الكبرى
لكبارهم .
ففي وصيته التي كتبها(١) لأخيه المعتصم (( وخذ بسيرة أخيك في
القرآن))، وفي وصيته الشفوية له(٢) قال له ضمن ما قال: ((فانظر من كنت
تسمعني أقدمه على لساني فأضعف له التقدمة عبد الله بن طاهر أقره على عمله
ولا تهجه فقد عرفت الذي سلف منكما أيام حياتي وبحضرتي ، استعطفه بقلبك
وخصه ببرك فقد عرفت بلاءه وغناءه عن أخيك ، واسحاق بن ابراهيم فأشركه في
ذلك فانه أهل له وأهل بيتك فقد علمت أنه لا بقية فيهم وان كان بعضهم يظهر
الصيانة لنفسه . عبد الوهاب عليك به من بين أهلك فقدمه عليهم وصير أمرهم
اليه ، وأبو عبد الله بن أبي داود فلا يفارقك وأشركه في المشورة في كل أمرك فانه
موضع لذلك منك )) .
ثم كانت أيام المعتصم بن الرشيد (٢١٨ - ٢٢٧ ) فنفذ وصية أخيه
المأمون وسار على ما كان عليه وما ختم حياته به من امتحان الناس والتفتيش عما
(١) أخرج الطبري نص الوصية في كتابه التاريخ ٦٤٧/٨ .
(٢) أخرجها الطبري في تاريخه ٦٤٩/٨ .
- ١٧٥ -
في قلوبهم فأرسل الى البلاد يأمر الناس أن يقولوا ذلك - معتقداً أن العقيدة تتبع
القول !! - وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك وأمر القضاة أن لا يقبلوا شهادة
شاهد إلا إذا كان يقول بذلك فقاسي الناس منه مشقة في ذلك انتهت هذه المشقة
بقتل خلق من العلماء وضرب الامام أحمد ضرباً مبرحاً وسجنه الفترة الطويلة ،
أما ابن نوح شقيق الأمام أحمد في المحنة فلقد أدركته منيته في الطريق حينما كانا
عائدين من السفر من طرسوس الى بغداد ، ومجمل القول ومفاده أن المعتصم
لم يكن رجل علم وانما كان رجل سيف وطعام ومثل هذا إذا عذب فويل لمن
يعذبهم أضف إلى ذلك أن الأمر أصبح في يد ابن أبي داود(١) وهو رأس في
الاعتزال مما كان سبباً في انزال العذاب على القائلين بقدم القرآن بلا هوادة ولا
رحمة .
ثم كانت أيام الواثق بالله ابن المعتصم (٢٢٧ - ٢٣٢) فكان من أشد
الناس في القول بخلق القرآن يدعو اليه ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً اعتماداً على ما
کان علیه أبوه وعمه المأمون قبله من غیر دلیل ولا برهان ولا حجة ولا بیان ولا سنة
ولا قرآن ، وجعل الأمر أيضاً في يد ابن أبي داود مما لم تهدأ الفتنة معه بل زادت
اشتعالاً وعمت جميع الأمصار وكثرت التهم ومما زاد الأمر سوءاً أن القائلين بقدم
القرآن جمعوا كلمتهم على رجل واحد وأعطوه البيعة على أنفسهم وذلك أن
أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي كان من القائلين بقدم القرآن ومع ما كان لأبيه
من منزلة عند السلطان العباسي فانه كثيراً ما كان يقع في السلطان ويناصر الفريق
القائل بقدم القرآن وفتح لهم صدره وناصرهم بشخصه مما جعل أصحاب
الحديث يلتفون حوله وكان أحمد هذا يتمتع بشخصية عالية في بغداد إذ كان أبوه
وجده ذا أثر في دولة بني العباس وكان هو من الشخصيات المعتدلة المستقيمة
وهو الذي بايعه أهل الجانب الشرقي من بغداد على الامر بالمعروف والنهي عن
(١) راجع تاريخ الطبري ١٢٠/٩ اخلاق المعتصم وسيره وفيه يظهر اكرامه الجم لابن أبي داود .
- ١٧٦ -
المنكر والسمع له في سنة احدى ومائتين ، لما كثر الدعار بمدينة السلام وظهر
بها الفساد والمأمون بخراسان ، وظل على هذا الحال حتى قدم المأمون بغداد
في سنة أربع ومائتين ، لكل هذه الاسباب وجد أصحاب الرأي القائل بقدم
القرآن في أحمد شخصاً يمكن أن تجتمع عليه كلمتهم وترفع رايتهم ويتبعهم في
ذلك العامة فاقترحوا عليه القيام بحركة ضد السلطان لانكار القول بخلق القرآن
فاستجاب لهم وأشاعوا هذه الفكرة في الناس ووزعوا في الناس مالاً وتواعد
الجميع على الخروج على السلطان في ليلة الخميس في شعبان سنة احدى
وثلاثين ومائتين لثلاث تخلو منه على أن يكون خروجهم اثر ضرب طبول . إلا أن
بعض المتفقين انتبذ قبل هذه الليلة فلما ثملوا ضربوا الطبل ليلة الأربعاء قبل
الموعد بليلة ظانين أنها ليلة الخميس التي اتعدوا لها فلما ضربوا الطبل لم يجبهم
أحد ، وكان اسحاق بن ابراهيم صاحب الشرطة غائباً عن بغداد حينئذ وكان
خليفته عليها أخوه محمد بن ابراهيم فأحس بالخبر فتتبعه حتى علم بخبر أحمد
بن نصر وأقر عليه أتباعه فهجموا عليه في منزله وقادوه مع ابنين له وآخرين الى
الخليفة الواثق بسامرا وكان أحمد مقيداً بزوج قيود محمولاً ومن معه على بغال
بأكف ليس تحتهم وطاء ، وكان الواثق قد أعلم بمكانهم وأحضر ابن أبي داود
وأصحابه وجلس لهم مجلساً عاماً ليمتحنوا امتحانً مكشوفاً فلما أتى بأحمد بن نصر
لهم يناظره الواثق في الشغب ولا فيما رفع عليه من ارادته الخروج عليه ولکنه قال
له يا أحمد ما تقول في القرآن ؟ قال: كلام الله - وكان أحمد مستقتلاً قد تنور
وتطيب - قال أفمخلوق هو ؟ قال هو كلام الله قال فما تقول في ربك أتراه يوم
القيامة قال يا أمير المؤمنين جاءت الآثار عن رسول الله وَلقر أنه قال: ((ترون
ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته)) ، فنحن على الخبر وذكر
حديث (( ان قلب ابن آدم بين أصبعين من أصابع الله يقلبه )) ، وحديث: (( يا
مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)) ، فقال الواثق له : تكذب ، فقال للواثق :
بل تكذب أنت ، فقال : ويحك يرى كما يرى المحدود المتجسم ويحويه مكان
- ١٧٧ -
ويحصره الناظر ؟ أني كفرت برب صفته ما تقولون فيه ؟ فقال جماعة من فقهاء
المعتزلة الذين حوله هو حلال الدم فدعا بالسيف وقال إذا قمت إليه فلا يقومن
أحد معي فأني احتسب خطاي الى هذا الكافر الذي يعبد رباً لا نعبده ولا نعرفه
بالصفة التي وصفه بها ثم مشى إليه فضرب عنقه وأمر بحمل رأسه الى بغداد
فصلب بها وصلبت جثته في سر من رأى واستمر ذلك ست سنين الى ان ولي
المتوكل فأنزله ودفنه .
ولم يقف الأمر عند قتل احمد بن نصر بل أمر الواثق بتتبع أصحابه فمن كان
مشايعاً وضع في الحبس وجعل بعضهم في حبوس الظلمة ومنعوا من أخذ
الصدقة التي يعطاها أهل السجون ومنعوا من الزوار ونقلوا بالحديد .
وهكذا أصبح الناس مهددين من القول بقدم القرآن أو الانتماء الى من
يقول ذلك ، وأصبحت فتنة عمياء وداهية صماء أصابت الأمة وعمت البلاد
وسئمها الناس حتى القائمين عليها بل انها صارت محل الهزل والسخرية يروى
أنه دخل عبادة المضحك على الواثق فقال يا أمير المؤمنين أعظم الله أجرك في
القرآن قال : ويلك القرآن يموت ؟ قال يا أمير المؤمنين كل مخلوق يموت بالله يا
أمير المؤمنين بم يصلي الناس التراويح ؟ فضحك الواثق وقال : قاتلك الله
أمسك .
وشاء الله للواثق ان لا تنتهي حياته على هذا الحال فعلى أثر كلمة من شيخ
صالح تغير مسير هذه المحنة وتلك الفتنة فانكسرت حدتها بل أزال الله عن
المسلمين وبالها ، فلقد ورد أنه حمل أبو عبد الرحمن عبد الله ابن محمد
الأذرمي شيخ أبي داود والنسائي مكبلاً بالحديد من بلاده فلما دخل على الواثق
وكان ابن أبي داود حاضراً قال : أخبرني عن هذا الرأي الذي دعوتم الناس إليه
أعلمه رسول الله {ے فلم يدع الناس اليه أم شيء لم يعلمه ؟ قال ابن أبي داود :
بل علمه قال فكيف يسعه أن لا يدعو الناس إليه وأنتم لا يسعكم ؟ قال : فبهتوا
-١٧٨ -
وضحك الواثق وقام قابضاً على فمه ودخل بيتاً ومد رجليه وهو يقول : وسع النبي
۶﴾ أن یسکت عنه ولا يسعنا فأمر له أن يعطي ثلاثمائة دینار وأن يرد الی بلده ولم
يمتحن أحداً بعدها ومقت ابن أبي داود من يومئذ .
وهكذا انتهى عصر الواثق باندحار هذه المحنة وزوال هذه الفتنة وسقوط
صولة المعتزلة .
فلما كان عصر المتوكل (٢٣٢ - ٢٤٧) أظهر الميل الى السنة ونصر أهلها
ورفع المحنة وكتب بذلك الى الافاق وكان ذلك في سنة أربع وثلاثين واستقدم
المحدثين الى سامرا وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم ان يحدثوا بأحاديث
الصفات والرؤية - التي تنافى مذهب الاعتزال - وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في
جامع الرصافة فاجتمع اليه نحو من ثلاثين ألف نفس وجلس أخوه عثمان في
جامع المنصور فاجتمع إليه أيضاً نحو من ثلاثين ألف نفس وأحييت مجالس السنة
واستراح الناس من هذه الفتنة وتوفر دعاء الخلق للمتوكل .
من هذا العرض الموجز(١) لأدوار هذه المحنة يتضح لنا موقف ابن الجعد
من القول في القرآن وسأجليه تحت العنوان الآتي : -
((ابن الجعد والمحنة))
يظهر لنا مما سبق أن ابن الجعد كان من اصطلى بنار المحنة ففي كتاب
(١) ومن اراد المزيد فهذه مراجعة. ١ - البداية والنهاية ٢٦٦/١٠، ٢٧٢، ٣٠٣ - ٣٣١، ٢ -
الكامل لابن الأثير ٤٢٣/٦ الى ٤٢٧ وص ٤٤٥، ٣ - تاريخ الخلفاء ص ٣٠٨ وص ٣٤٦،
٤ - مروج الذهب ١٩١/٤، ٥ - تاريخ الطبري ٦٣١/٨، ٦٦٦، ٦١٣٥/٩- حلية
١٩٣/٩، ٧ - مقدمة مسند الامام أحمد ترجمة الامام أحمد نقلاً عن تاريخ الاسلام ٨٩،
أما اثبات مذهب أهل السنة وهو ان القرآن كلام الله غير مخلوق فيراجع فيه ، أ - كتاب
الاعتقاد للبيهقي ص ٣٢، ٣١، ب - الابانة عن أصول الديانة للاشعري ص ٢١ مع كتب
أهل السنة في العقيدة .
- ١٧٩ -
:
المأمون الثاني أمر لنائبه اسحاق بن ابراهيم ان يمتحن القضاة والمحدثين فقام
اسحاق بجمع العديد من العلماء وكان من وسطهم ابن الجعد فلقد أحضره
اسحاق بن ابراهيم وسأله فيمن سئل فأجاب بما أجاب به الكثيرون ((القرآن كلام
الله))، ولم يداهن ابن الجعد ولا تزحزح عن الصواب الذي يعتقده . إلا أن هذه
العقيدة لما كانت على عكس هوى الخليفة فلقد أرسل الخليفة كتابه يرد على ابن
الجعد ومن معه ویقع فیھم ويهدد ويتوعد ثم أرسل كتاباً آخر يقول لنائبه من لم
يقل منهم صراحة ((القرآن مخلوق))، فأرسله كي اقتله ونص ذلك(١)))، ومن
لم یرجع عن شرکه ممن سميت لأمير المؤمنين في كتابك وذكره أمير المؤمنين
لك أو أمسك عن ذکړه في كتابه هذا ولم يقل ان القرآن مخلوق بعد بشر بن الوليد
وابراهيم بن مهدي فأحملهم أجمعين موثقين الى عسكر أمير المؤمنين مع من
يقوم بحفظهم وحراستهم في طريقهم حتى يؤديهم الى عسكر أمير المؤمنين
ويسلمهم الى من يؤمن بتسليمهم إليه لينصهم أمير المؤمنين - يستقصى
مسألتهم - فان لم يرجعوا ويتوبوا حملهم جميعاً على السيف ان شاء الله ولا قوة
إلا بالله)).
فلما وصل الكتاب الى اسحاق جمعهم فاعترفوا جميعاً سوى الامام احمد
بن حنبل ومحمد بن نوح ، إلا أن اعترافهم لم يجد عند الخليفة إذ بلغه أنهم
أجابوا متأولين قوله تعالى: ﴿ الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان ﴾، فأرسلك
الخليفة يؤنبهم على ذلك ويطلب من نائبه ارسالهم الى طرسوس ليقيموا بها الى
خروج أمير المؤمنين من بلاد الروم فأرسلهم نائبه وكان فيمن أرسل على بن
الجعد ، وظاهر كنت الخليفة أن ارسالهم الى طرسوس هذه المرة إنما كان
لقتلهم .
وهكذا اقتيد ابن الجعد من بغداد الى طرسوس ليقتل مع رفاقه في المحنة
(١) تاريخ الطبري ٦٤٣/٨ .
- ١٨٠ -