النص المفهرس

صفحات 61-80

البَابُ الأَوَّل
الإِمَامِ عَلى بْن ◌َجَعَدُ شيخ البخاري
: - عصره : الحياة السياسية ، الحياة الاجتماعية،
الفصل الأول
الحياة الثقافية ، السنة في عصره .
: - التعريف به : نسبه ، مولده، عمله ، طبقته ،
الفصل الثاني
وفاته .
الفصل الثالث : - طلبه للعلم ، شيوخه ، ترجمة بعض مشاهيرهم
( شعبة بن الحجاج ، أبو عثمان الرحبي ، ابن
أبي ذئب ، سفيان الثوري ، سفيان ابن عيينة .
الفصل الرابع
: - تلاميذه ، ترجمة تفصيلية لخمسة من أشهرهم
( الامام البخاري ، أبو داود السجستاني ، أبو
زرعة الرازي ، أبو حاتم الرازي ، يحيى بن
معين ) من أخرج عنه من الأئمة في كتبهم
مباشرة أو بواسطة .
الفصل الخامس : - منزلته العلمية ، دوره في علم الحديث (رواية
درایه ، رجال ) ..
الفصل السادس : - رأى أئمة الجرح والتعديل فيه : المعدلون وأقوالهم .
O
المجرحون وأقوالهم ، قضية القول في القرآن ، مناقشة
آراء الفريقين والقول الفصل .
- ٦١ -

الفَصْلِ الأوَّل
عَصَر ابن الَعْد
اقترن ميلاد ابن الجعد بميلاد الدولة العباسية الأولى ، فلقد ولد
سنة (١٣٤) بعد قيام الدولة العباسية بأقل من عامين ومن الطريف أنه
توفي قبل سقوط هذه الدولة بعامين أيضاً ، فكأنه عاش فترة الدولة العباسية
الأولى ، وتعتبر فترة الدولة العباسية الأولى فترة قوة وازدهار علا فيها
شأن الأمة الاسلامية وسارت فيها الفتوحات الاسلامية بخطى واسعة
واحترمها جيرانها بل دفعوا لها الجزية وسادها التقدم في جميع مجالات
العلوم والفنون ، كل هذا مع الرقى الاجتماعي الذي هيأه الامتثال للشريعة
الاسلامية. ولدراسة عصره فسوف أتناوله من الناحية السياسية والاجتماعية
والثقافية مركزاً على الأخيرة إذ هي أساس البحث وذروته والمؤثرة في
علم ابن الجعد وثقافته .
الحياة السياسية : -
يستطيع الباحث أن يحكم على عصر ابن الجعد من الناحية
السياسية بالاستقرار، بيد أنه استقرار نسبي فإذا كانت حياة الفرد لا
تصفو من مكدرات، فحياة الدول بذلك أولى وأحرى فهي لا تخلو من
- ٦٣ -

تمرد عاص أو اعتداء طامع فإذا استطاعت الدولة أن تردع هذا وذاك
ولم يشكل شيء من ذلك خطراً على سلامتها اعتبر هذا استقرار بالنسبة
للدولة .
والدولة العباسية الأولى شهدت في عهد قيامها منازعات خارجية
من الروم استطاعت أن تقضي على أطماع الروم بل على ارغامهم على
دفع الجزية، وكانت تغزو بلادهم كل صيف مجموعة من الجيش
الاسلامي تسمى الصائفة ، كما شهدت منازعات داخلية تتمثل فيما كان
بين العباسيين والأمويين والتي من آثارها قيام دولة الأمويين الثانية في
الأندلس على يد عبد الرحمن بن معاوية ، وفيما كان بين العباسيين
وبني عمهم العلويين والتي كان من آثارها قيام دولة الأدارسة بالمغرب
الأقصى على يد ادريس بن عبد الله ، وفيما كان بين العباسيين
والخوارج والتي استطاع العباسيون فيها كسر شوكة الخوارج .
بل وشهدت أيضاً منازعات في نفسها تتمثل فيما كان بين
أعضائها والتي من أبرزها الحرب التي دارت بين الأمين والمأمون والتي
انتصر فيها المأمون لكن بسيوف غير عربية مما هز مركز العروبة في
الدولة وكسر شأفتهم ورفع مركز الأعاجم فيها .
وبعد انتهاء هذه المنازعات الخارجية والداخلية والذاتية استقر
الأمر للمأمون ولمن بعده وأصبحوا يديرون الفتوحات الاسلامية
بأنفسهم .
لكن رغم هذا الاستقرار وهذا الغلب فان الدولة سارت وهي
تحمل سبب ضعفها في جنباتها، ذلك أنها اعتمدت على قوة غير عربية
وأسست بسواعد غير عربية فاعتمد المأمون على الفرس واعتمد
- ٦٤ -

المعتصم على الاتراك ، وهؤلاء الأعاجم كانوا في بداية الامر أساس
قوة وازدهار ، وفي نهايته سبّب ضعف وزوال ، فان قيام دولة المأمون
بأيدي أهل خراسان زاد ما لهم في تلك الدولة وبقدر ما زادهم نقص
من شأن العرب حتى لم يظهر قائد معروف في عهد المأمون من
العرب كما كان في عهد الخلفاء من قبله وصار معظم المرتزقين من
الجند إنما هم من أهل خراسان والأبناء وصار معظم الاعتماد عليهم
وظهرت أسماء قادة من عناصر أخرى من أتراك ما وراء النهر حتى قال
قائل للمأمون ((انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان(١))).
الحياة الاجتماعية : -
تتميز الحياة في هذه الفترة بالرخاء والثروة والتقدم والرقي حتى
انه ليعتبر ذلك سمة من سمات الحياة الاجتماعية في هذا العصر، ومرد
هذا الى اتساع رقعة الأرض الخراجية وأخذ الجزية من الدول المجاورة
وجمع الزكاة بانتظام وعدل وحسن سير الراعي في الرعية وسهر عين
الخليفة حامية للأمة من الولاة - فها هو أبو جعفر المنصور يكتب الى
عاملة ((ان آثرت العدل صحبتك السلامة وان آثرت الجور فما أقربك
من الندامة فانصف هذا المتظلم من الظلامة))، وكان الرشيد إذا بلغه
عن أحد من رعيته ما يريبه اشتد غضبه وزاد انفعاله حتى لا يكاد أحد
يقدر أن يكمله، وها هو المأمون يقول: (( ما انفتق عليَّ فتق إلا
وجدت سببه جور العمال)) - كل ذلك أدى إلى كثرة المال وبالتالي الى
رواج التجارة حتى اصبحت بغداد مركزاً تجارياً لا يدانى، وهو بالتالي
يؤدي الى الثروة والرخاء فإذا أحيط ذلك بالعلم فلا شك أن الحياة
(١) تاريخ الطبري ٦٥٢/٨.
- ٦٥ -
.٠

تتسم بالرقي والتقدم والازدهار وقد كان ذلك ــ كما سيأتي في الحياة
الثقافية .
ومما اتسمت به الحياة الاجتماعية في هذه الفترة الصراعات بين
العرب والأعاجم فلقد كان الخلفاء قبل المأمون يجعلون العربي قبل
العجمي دون تردد وكانت مراكز القيادة مقصورة - إلا في القليل النادر -
على العرب فلما جاء عصر المأمون استعان بغير العرب على العرب ثم
كان المعتصم على نفس الوتيرة مما ترتب عليه ظهور مركز المعجم في
الدولة حتى ظهر التنافس بين العرب وغيرهم فلقد أصبح الأعاجم
يشعرون بمركزهم وسطوتهم في الدولة ، نعم كان لهذا الصراع أثره في
التنافس العلمي إلا أنه حمل معه من المثالب الشيء الكثير بل كان
وضع العجم في مصاف العرب في الدولة هو أساس زوالها .
الحياة الثقافية : -
عاشت الدولة العباسية الأولى حياة ، علمية زاهية ازدهرت فيها
كل أنواع العلوم وجميع ألوان الفنون ويرجع هذا التقدم العلمي الى :
أ - عمل الخلفاء الدائب على التقدم العلمي .
ب - الصراع الفكري بين العديد من الطوائف وأصحاب المذاهب .
جـ - الاتصال بالثقافات الأخرى .
أ - الخلفاء والتقدم العلمي :
ولي الخلافة في هذه الفترة - الدولة العباسية الأولى - عدد من
الخلفاء والعلماء فحرصوا على العلم وأحسنوا وفادة أهله وشجعوهم
عليه وأسسوا المدارس في كل فن قال عبيد الله العيشي قال أبي :
-٦٦ -

سمعت الأشياخ يقولون : والله لقد أفضت الخلافة إلى بني العباس وما
في الأرض أحد أكثر قارئاً للقرآن ولا أفضل عابداً ولا ناسكاً
منهم(١) )) .
فكان أبو العباس - أول الخلفاء - من رواة الحديث النبوي كما كان
مفوهاً بليغاً ذا بديهة حاضرة .
وكان أبو جعفر المنصور - ثاني خلفائهم - يقرب إليه علماء
الحديث والفقه ويغدق عليهم العطايا ومن وصيته لابنه المهدي ((لا
تجلس مجلساً إلا ومعك من أهل العلم من يحدثك(٢)))، وكان هو
من أحسن رواة الحديث كما كان أديباً بارعاً كتب إليه رجل يشكو
بعض عماله فوقع إلى العامل في الرقعة ( ان آثرت العدل صحبتك
السلامة وان آثرت الجور فما أقربك من الندامة فأنصف هذا المتظلم
من الظلامة(٣)).
ولما مات ابنه جعفر وانصرف إلى قصره بعد دفنه قال للربيع
وزيره : (( انظر من في أهل بيتي ينشدني :
أمن المنون وريبها تتوجع .
حتى أتسلى بها عن مصيبتي (( فطلب الربيع ذلك في بني هاشم
فلم يجد من يستطيعه فقال المنصور : ﴾والله لمصيبتي بأهل بيتي ألّ
يكون فيهم واحد يحفظ هذا لقلة رغبتهم في الأدب أعظم وأشد على
(١) تاريخ الخلفاء ص ٢٥٦ .
(٢) الكامل ٢٧/٦ .
(٣) الكامل ٢٩/٦ .
- ٦٧ -

من مصيبتي بإبني (١)))، ولما أنشأ بغداد أقام بها المدارس في كل
العلوم والفنون ، وجمع لها العلماء من كل البلاد والأقاليم وهيأ لهم
المناخ المناسب للرقي الفكري .
هذا إلى ما عرف عن المنصور من أنه كانت له مدونات علمية
وكان شديد الولع بها والحرص عليها، ويقال انه أوصى بها ابنه المهدي
عند وفاته. قال ابن الأثير(٢) ((وكان له سفط فيه دفاتر جمه وعليه قفل لا
يفتحه غيره فقال للمهدي انظر الى هذا السفط فاحتفظ به فان فيه علم
آبائك ما كان وما هو كائن الى يوم القيامة فإن أحزنك أمر فانظر في
الدفتر الكبير فإن أصبت فيه ما تريد والا ففي الثاني والثالث حتى بلغ
سبعة فان ثقل عليك فالكراسة الصغيرة فانك واجد فيها ما تريد وما
أظنك تفعل)).
وعلى الحال التي بدأ بها أبو جعفر سارت الحياة في بغداد في
أيام ابنه المهدي فلقد كان أديباً محباً للعلم وهو أول من أمر بتصنيف
كتب الجدل في الرد على الزنادقة والملحدين كما كان من رواة
الحديث روى عن أبيه وعن مبارك بن فضالة وروى عنه يحيى بن
حمزة وجعفر بن سليمان الضبعي ومحمد بن عبد الله الرقاشي وابو
سفيان سعيد إبن يحيى الحميري قال الذهبي : وما علمت قبل فيه
جرحاً ولا تعديلًا(٣).
وسار الهادي أيضاً على نفس الوتيرة فلقد كان فصيحاً أديباً قادراً
(١) الاغاني ٦ / ٦١ .
(٢) الكامل ١٨/٦ .
(٣) تاريخ الخلفاء ص ٢٧١ .
- ٦٨ -

على الكلام كما كان يحضر الفقهاء مجلسه مقتدياً بهم حريصاً على
مشورتهم .
فلما كانت أيام الرشيد ازدهرت الحياة العلمية في بغداد ازدهاراً
لم يعرف له مثيل فإن الرشيد كان شغوفاً بالعلم شغفاً وصل به الى
الرحلة في طلب الحديث قال القاضي الفاضل في بعض رسائله(١)،
(( وما أعلم أن لملك رحلة قط في طلب العلم إلا للرشيد فانه رحل
بولديه الأمين والمأمون لسماع الموطأ على مالك رحمه الله قال : وكان
أصول الموطأ بسماع الرشيد في خزانة المصريين قال ثم رحل لسماعه
السلطان صلاح الدين بن أيوب الى الاسكندرية فسمعه على ابن طاهر
بن عوف ولا أعلم لهما ثالثاً )).
كما كان محباً لأهله معظماً لهم مغدقاً عليهم في العطاء دعا أبا
يوسف ليلاً. فأفتاه فأمر له بمائة ألف درهم فقال أبو يوسف ان رأى أمير
المؤمنين أمر بتعجيلها قبل الصبح، فقال عجلوها ، فقال بعض من عنده
ان الخازن في بيته والأبواب مغلقة فقال أبو يوسف فقد كانت الأبواب
مغلقة حين دعاني ففتحت(٢))).
وبلغ من احترامه للعلماء ما ذكره أبو معاوية الضرير قال : أكلت
مع الرشيد يوماً ثم صب على يدي رجل لا أعرفه، ثم قال لي الرشيد
تدري من يصب عليك؟ قلت لا. قال : أنا اجلالاً للعلم . وكذا ما
ورد أنه لمّا بلغه موت عبد الله بن المبارك جلس للعزاء وأمر الأعيان
أن يعزوه في ابن المبارك .
(١) تاريخ الخلفاء ص ٢٩٤ .
(٢) تاريخ الخلفاء ص ٢٩١ .
- ٦٩ -

.٠
وكان يبغض المراء في الدين والكلام في معارضة النص ولذا لما
بلغه أن بشر المريسي يقول بخلق القرآن قال لئن ظفرت به لأضربن
عنقه(١) .
وأنشأ المكتبات والمدارس كما أسس بيت الحكمة الذي جمع له
من الكتب شيئاً كثيراً وكان مجتمع المتصلين بالعلم والمشتغلن بالفن .
ثم آلت الخلافة إلى الأمين محمد بن الرشيد وكان له معرفة
بالعلم ودراية ذا فصاحة وبلاغة وأدب وفضيلة مراعياً للسنة محافظاً
عليها قال أحمد بن حنبل: ((اني لأرجو أن يرحم الله الأمين بانكاره
على اسماعيل بن علية فان أدخل عليه فقال له يا ابن الفاعلة أنت
الذي تقول كلام الله مخلوق(٢) ؟
ثم جاء عصر المأمون وكان أعلم خلفاء بني العباس كان ينام
والدفاتر حول فراشه ينظر فيها متى انتبه من نومه وقبل أن ينام(٣). ومن
المأثور عنه (( لا شيء آثر للنفس ولا أشرح الصدر ولا أوفر للعرض ولا
أذكى للقلب ولا أبسط للسان ولا أشد للجنان ولا أكثر وفاقاً ولا أقل
خلافاً ولا أبلغ إشارة ولا أكثر عبارة من كتاب تكثر فائدته وتقل مؤونته
وتسقط غائلته وتحمد عاقبته وهو محدث لا يمل وصاحب لا يخل
وجليس لا يتحفظ ومترجم عن العقول الماضية والحكم الخالية والأمم
السالفة يحبى ما أماته الحفظ ويجدد ما أخلقه الدهر ويبرز ما حجبته
الغباوة ويصل إذا اقطع الثقة ويدوم إذا خان الملوك (٤) )).
(١) تاريخ الخلفاء ص ٢٨٤.
(٢) تاريخ الخلفاء ص ٣٠٣ .
(٣) تقييد العلم ص ١٢٤ .
(٤) تقييد العلم ص ١٢٤ .
- ٧٠ -

وكان محباً لاهل العلم حريصاً على توفير الحياة العلمية السعيدة
لهم فما أن وليّ الخلافة إلا اتجه الى بيت الحكمة الذي أسسه أبوه
الرشيد فأفرد فيه لكل عالم ركناً وجمع العلماء من الافاق حتى
ازدحمت جنبات هذا البيت بالعلماء والفلاسفة والمترجمين والمؤلفين
وأئمة اللغة ورجال الأدب .
وفي عهده نشطت حركة الترجمة وقفزت الناحية العلمية وألف
محمد الخوارزمي أول كتاب مستقل في الجبر حتى ليعتبر عصره بحق
من أزهى العصور العلمية لولا ما شانه من الخوض في مسألة خلق
القرآن(١) .
ثم جاء المعتصم وهو وان كان عرياً من العلم إلا أن الحركة
التي أسسها أسلافه ظلت تحظى برعايته سائرة في اتجاهها الى الامام .
فلما جاء عهد الواثق كان من أهل العلم والأدب حتى كان يقدمه
بعضهم على المأمون لما كان في المأمون من حرص على ثقافة العرب
وغيرهم ، أما الواثق فكل حرصه كان على ثقافة العرب.
ثم جاء عهد المتوكل وكان من أهل العلم محباً لأهله معتدلاً
فيما يرى ويفعل وكفاه فخراً أنه رفع المحنة وأظهر الميل الى السنة
ونصر أهلها وكتب بذلك الى الآفاق وأجزل عطايا المحدثين وأكرمهم
وأمرهم بأن يحدثوا بأحاديث الصفات والرؤية ، وجلس أبو بكر بن أبي
شيبة في جامع الرصافة فاجتمع إليه نحو من ثلاثين ألف نفس وجلس
أخوه عثمان في جامع المنصور فأجتمع إليه أيضاً نحو من ثلاثين ألف
نفس .
(١) سيأتي - ان شاء الله تعالى - الحديث في قضية القول في القرآن في هذا الباب في الفصل السادس
بتفصيل .
- ٧١ -

وبعد، فهذا عرض موجز لحياة الخلفاء العلمية وموقفهم من العلم
وأهله يتضح منه توفر حرصهم على العلم وبالغ اكرامهم لأهله مما كان
له كبير الأثر في ازدهار الحياة العلمية في الدولة العباسية الأولى عصر
الامام علي بن الجعد .
ب : الصراع الفكري وأثره في الحياة العلمية : -
امتاز هذا العصر بالصراع الفكري بين العديد من الطوائف .
وأصحاب المذاهب فكان هناك صراع بين المدارس الفقهية التي تكونت
في مختلف الأمصار والتي لم يحجزهنا عن بعضها بعد مسافة أو حدود
دول أو اختلاف أنظمة فلقد كان الفقه إسلامياً لا عراقياً ولا حجازياً ولا
مصرياً ولا شامياً بيد أن كل امام من المجتهدين كانت له مدرسته
وأتباعه ومدونته الفقهية التي سجل فيها أصول فتاوية مما جعل هذا
يناقش هذا وهذا يجادل ذاك وكان هناك صراع بين مدارس علم الكلام،
كما كان يجري بين المعتزلة والجبرية، وصراع بين المتكلمين والفقهاء
وبين المتكلمين والمهاجمين للاسلام وبين المتكلمين والفلاسفة غير
المسلمين ومما يصور لنا هذا الصراع مؤلفات الامام الشافعي المتوفى
(٢٠٤) فان مؤلفاته جاءت حاكية لروح العصر مصورة ما يجري فيه
من جدل فكري فها هو يجادل القائلين بعدم حجية خبر الآحاد ويضمن
ذلك كتابه المشهور (( الرسالة)) (١) ويناقش الذي يقدمون القياس على
خبر الآحاد(٢) ويناقش الذين يقدمون بعض المأثور عن الصحابة على
خبر الأحداء ثم يتكلم عن الاستحسان فيبطله ويرد على من يأخذ به (٣).
(١) راجع الفقرة رقم ٦٣٠، ٩٩٨، ١٢٦١.
(٢) راجع الفقرة رقم ١٨١٢، ١٨٢١.
(٣) راجع الفقرة رقم ٧٠، ١٤٥٦، ١٤٦٨.
- ٧٢ -

ويرى الباحث في كتاب الأم له روح العصر وما طبع عليه فلقد
جاء الكتاب في صورة مناظرات وقعت أو افترض وقوعها ، ثم هو يقف
في هذه المناظرت موقف المؤيد لمذهبه بالأدلة المفند لأراء الغير
بالأدلة أيضاً .
ولا يخفي ما لهذه الروح من تحريك الفكر وتفتيقه وما لها من
دفع الى العلم وحب الاستنباط خاصة وأن هذه المناظرات بين أئمة
جهابذة لا ينزلون الى المهاترات وانما غرضهم الوصول الى الحق أو
الغلب المذهبي .
كما لا يخفي ما لهذه الروح من تنقية الفكر وتصفيته واستقامة
الأدلة وتثبتها فما من أمام الا وهو يعلم أن أدلته معرضة للمناقشة وأن
الزيف لا يروج في هذا العصر ولا شك أن أسس هذه المسائل
ومبتناها إنما كان على السنة فلا شك أنها عاشت فترة ازدهار بسبب
هذه الروح فما من مدرسة إلا ويحاول أصحابها جمع أكبر قدر من
السنة ثم الاحاطة بأحوال الرجال حتى لا يحتجون بما يطعن به عليهم
ولا يحتج عليهم بمطعون فيه فشهدت السنة فترة من التنقية كان سببها
هذا الصراع الفكري .
جـ - الاتصال بالثقافات الأخرى وأثره في الحياة العلمية : -
على أثر الفتوحات الاسلامية التقت الثقافة الاسلامية بالثقافات
الأخرى الفارسية والهندية والرومانية واليونانية فأثرت في غيرها وتأثرت
بغيرها ففي البلاد المفتوحة كثير من العلوم استفادتها الثقافة العربية
وحوت هي أيضاً كثيراً من العلوم استفادتها الثقافات الأخرى . كما أن
أصحاب البلاد المفتوحة كانوا أصحاب ديانات أو نحل حاولوا الدفاع
- ٧٣ -

عنها حينا ومهاجمة الاسلام حيناً آخر بإثارة الفتن والشبهات مما دفع
الملمين الى دراسة أساليب هؤلاء للرد عليهم بمثلها من ترتيب أفكار
ودوران مع الأسلوب حيثما دار. فلقد تعرض المسلمون للسوفسطائيين
وللشكيين ولأصحاب الفلسفة اللااسلامية فها هو يوحنا الدمشقي يلقن
المسيحيين ما يجادلون به المسلمين فيقول: ((إذا سألك العربي ما
تقول في المسيح ؟ فقل انه كلمة الله ، ثم ليسأل النصراني المسلم :
بم سمي المسيح في القرآن ؟ وليرفض أن يتكلم بشيء حتى يجيبه
المسلم فانه سيضطر إلى أن يقول انما المسيح عيسى بن مريم رسول
الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فإذا أجاب بذلك عن كلمة الله
وروحه ، أمخلوقة أو غير مخلوقة فإن قال مخلوقة فليرد عليه بأن الله
كان ولم تكن كلمة ولا روح فان قلت ذلك فسيفحم العربي ، لأن من
يرى هذا الرأي زنديق في نظر المسلمين .
وهكذا شكل أتباع الأديان والنحل الأخرى قوة كان على
المسلمين أن يتسلحوا لها بالعلم والثقافة كي يردوا كل شبهة توجه وكل
فتنة تثار .
وكما كان الاتصال بالثقافات الأخرى عاملاً من عوامل الانطلاق في
العلوم الدينية فلقد كان عاملاً أيضاً من عوامل التقدم في العلوم
الطبيعية والرياضية، فلقد ترجم كثير من المؤلفات في هذه العلوم من
اللغات الأخرى الى اللغة العربية وكان للخلفاء شغف بهذه العلوم
وحرص على ترجمتها ولطالما شجعوا المترجمين على الترجمة وأغدقوا
عليهم الهدايا والعطايا فها هو المأمون الذي يسجل التاريخ له قمة
الشغف بهذه العلوم المترجمة من فلسفة ورياضة وعلم بالنجوم، تشهد
حركة الترجمة في عصره أوج ازدهارها فبدأ فيلسوف العرب أبو يوسف
- ٧٤ -

يعقوب الكندي نشاطه الفكري الذي لم يقف عند التعريف بالفلسفة
الأرسطوطاليسية والأفلاطونية عن طريق الترجمة والاقتباس بل عدا ذلك
الى دراسات في التاريخ الطبيعي وعلم الظواهر الجوية ، وترجم
الحجاج بن يوسف بن مطر مصنفات اقليدس وكتاب بطليموس
المعروف بالمجسطي .
(( ولقد استفاد العرب من ترجمة هذه العلوم فقد ساعدتهم على
تأليف كتب الرياضيات والهندسة والفلسفة والفلك والميكانيكا والطب .
كما أعانتهم على اتمام كشف تلك الأرصاد الفلكية مثل الاعتدال
الشمسي والخسوف والكسوف ووصف النجوم المذنبة والمظاهر الفلكية
الأخرى كما تمكنوا من اثبات كروية الأرض واختراع التلسكوب ، ولقد
انشىء في عهد المأمون أول مرصد فلكي في العالم الاسلامي يسمى
((الشماسية)) بسهولة تدمر كما بنيت عدة مراصد أخرى في مدينة واسط
وغيرها من المدن(١) )).
السنة في عصر ابن الجعد : -
وإذا كنت قد تحدثت عن الحياة العلمية في عصر ابن الجعد
وبينت ما ساد هذه الفترة من الازدهار والتقدم في جميع العلوم
فالأحرى بي وأنا أكتب في السنة أن أعقد هذا العنوان لأتكلم فيه عن
السنة خاصة وحالها في الفترة التي عاشها علي بن الجعد .
فلقد طلب ابن الجعد العلم في بداية النصف الثاني من القرن
الثاني تقريباً، وهذا الوقت يعتبر وقت نضج التدوين وجمع السنة فلقد
(١) رسالة دكتوراه بعنوان ((الامام الحميدي ومسنده)) ص ٤٥ .
- ٧٥ _

بدأ تدوين السنة - كما تقدم - في بداية القرن الثاني بيد أن التدوين
ظل قرابة نصف قرن تدويناً اقليمياً فما في الحجاز دوّن لأهل الحجاز،
وما في العراق دوّن لأهل العراق، وفي أول النصف الثاني من القرن
الثاني بدأت الرحلة والانتقال بين الأقطار بغية الاحاطة باحاديث عامة
الأمصار فانتقل الأئمة من قطرِ إلى قطرٍ يجمعون ما عند أهل هذا من
الحديث وما عند أهل هذا من الحديث، ويدونون كل ذلك وتبع نضج
التدوين نضج عامة علوم الحديث فابتدأ فحص الرجال - ولا تخفي
جهود شعبة ابن الحجاج في علم الرجال في هذه الفترة ونقد الأسانيد
كما ابتدأ نقد الاحاديث بوضع قواعد قبول الحدیث ورده. ووضع
الشافعي أصول الحديث في هذه الفترة ودرس الأحاديث المتصلة
والمنقطعة والمرسلة وبيّن قيمة الاستدلال بكل منها ، وقيمته عند
التعارض ، وعني العلماء عامة بدراسة الاسناد من حيث علوه ونزوله
واتصاله وانقطاعه وثقة أو ضعف رجاله واشتهر في هذه الفترة
المتكلمون في الرجال من أمثال يحيى بن معين والثوري وابن عيينه
وأبي حاتم وأبي زرعة الرازيين وظهر في هذا العصر كثير من جهابذة
السنة الذين استطاعوا أن يميّزوا بين غث الحديث وثمينه ومما يدل
على علو هؤلاء وتقدمهم في هذا الميدان ما أخرجه ابن عساكر عن
ابن علية قال : أخذ هارون الرشيد زنديقاً فأمر بضرب عنقه فقال له
الزنديق: لم تضرب عنقي ؟ قال له أريح العباد منك قال : فأين أنت
من ألف حديث وضعتها على رسول الله# كلها ما فيها حرف نطق
به ، قال : فأين أنت يا عدو الله من أبي اسحاق الفزاري وعبد الله بن
المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً ؟ .
وها أنا أذكر جمعاً من أئمة السنة الذين أضاءوا هذه الفترة من
التاريخ .
-٧٦ -

١ - الامام أبو الوليد ابن جريح عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح
الرومي
( ١٥٠ )
٢ - الامام سعيد بن أبي عروبة
( ١٥٦ )
٣ - الامام الأوزاعي أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو
( ١٥٧ )
٤ - الامام ابن أبي ذئب محمد بن عبد الرحمن
( ١٥٩ )
٥ - الامام شعبة بن الحجاج
( ١٦٠ )
٦ - الامام سفيان الثوري
( ١٦١ )
٧ - الامام سفيان ابن عيينة
( ١٩٨ )
٨ - الامام عبد الله بن المبارك
( ١٨١ )
٩ - الامام مالك بن أنس
( ١٧٩ )
١٠ - الامام يحيى بن سعيد القطان
( ١٩٨ )
١١ - الامام وكيع بن الجراح
( ١٩٧ )
١٢ - الامام عبد الرحمن بن مهدي
( ١٩٨ )
١٣ - الامام محمد بن ادريس الشافعي
( ٢٠٤ )
١٤ - الامام عبد الرزاق الصنعاني
( ٢١١ )
١٥ - الامام أبو الوليد الطيالسي
( ٢٢٧ )
في هذا العصر الذي ازدهرت فيه الحياة العلمية ووجد فيه هؤلاء
الجهابذة في علم الحديث نشأ وعاش الامام الحافظ الثبت المسند
((علي بن الجعد)).
(١) تاريخ الخلفاء ص ٢٩٣ .
:
- ٧٧ -

الفَصْلِ الثَّانِيْ
التعريفبه
نسبه ونسبته :
هو علي بن الجعد بن عبيد الجوهري البغدادي الهاشمي مولاهم . أجمع
المؤلفون في علم الرجال على نسبه هذا ، فليس بينهم خلاف في نسبه .
وقد نسب الی صنعته وإلی بلده وإلی مواليه .
فـ (( الجوهري )) - بفتح الجيم والهاء وبينهما الواو الساكنة وفي آخرها
الراء - نسبة الى بيع الجوهر(١) .
و(( البغدادي)) نسبة الى بغداد(٢) أعظم بلاد العراق.
(١) كذا في الأنساب ٤٢١/٣ واللباب ٣١٣/١ وهذه النسبة أطلقت على جماعة من العلماء منهم أبو
محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن الحسن الجوهري البغدادي وهو ثقة مكثر
(ت ٤٥٤)، وأبو محمد عبد الله بن أحمد بن عمر الجوهري العطشي ثقة - تاريخ بغداد
٣٩٧/٩ .
(٢) بغداد هي عاصمة دولة العراق الآن ، وهذه المدينة يرجع تاريخ تمصيرها وجعلها مدينة الى عهد
الخليفة أبي جعفر المنصور فهو الذي اختطها ووضع أول لبنة بيده وجعل قصره في وسطها وأنفق
على عمارتها ثمانية عشر ألف دينار وشرع في عمارتها سنة (١٤٥) ونزلها سنة ( ١٤٩ ) وبعد أن
أنشأها حشد لها العلماء من كل اقليم فأمها الناس أفواجاً ((وأول من بث الحديث بها هشام بن عروة =
-٧٩ -

و((الهاشمي)) نسبة الى بني هاشم وهي نسبة ولاء، وولاؤه لهم ولاء
عتاقة (١) فهو مولى أم سلمة المخزومية(٢) امرأة أبي العباس السفاح أمير
المؤمنين .
قال ابن سعد : أخبرني عبد الرحمن بن اسحاق القاضي قال جاءني علي
بن الجعد بسجل أبيه بعتقه من أم سلمة فيه شهادة جدي ابراهيم بن سلمة ورجل
آخر معه ممن كان يدخل عليها .
کنیته :
يكنى الامام ابن الجعد بـ((أبي الحسن)) باسم ابنه الحسن (٣) قاضي
وبعده شعبة وهشيم وكثر بها هذا الشأن فلم تزل معمورة بالأثر والخبر ، والى زمن الامام أحمد ثم
=
أصحابه وهي دار الاسناد العالي والحفظ ومنزل الخلافة والعلم الى أن استؤصلت في كائنة التتار
الكفرة فبقيت على نحو الربع ثم تزايد خرابها حتى لم يبق فيها من يعرف شيئاً من العلم والأمر
الله))، من معجم البلدان ٤٥٦/١ والاعلان بالتوبيخ ص ١٣٩ .
(١) الموالي المنسوبون الى القبائل منهم من يكون المراد به مولى العقاقة وهذا هو الأغلب ومثاله ما هنا
ومنهم من يكون المراد به ولاء الحلف كالامام مالك بن أنس وهو أصبحي صلبية وقيل له التيمي
لكون نفره أصبح موالي لتيم قريش بالحلف ، ومنهم من أريد به ولاء الاسلام كالامام البخاري
محمد بن اسماعيل قيل له الجعفي لأن جده كان مجوسياً فأسلم على يد اليمان بن أخنس الجعفي
(فتح المغيث ١٦٢/٤، ١٦٣).
(٢) هي أم سلمة بنت يعقوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشية ، كانت عند
عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك فهلك عنها ثم كانت عند هشام فهلك عنها ثم تزوجت بأبي
العباس السفاح عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب أمير المؤمنين
أول خلفاء بني العباس ( ترجمة أم سلمة بمروج الذهب للمسعودي ٢٧٥/٣ وترجمة أبي العباس
السفاح بتاريخ بغداد ٤٦/١٠) .
(٣) كان الحسن من العلماء بمذهب أهل العراق وكان سرياً ذا مرؤة أخذ عن أبيه وولي القضاء في حياة
أبيه فلقد عزل الواثق عبد الرحمن بن اسحاق سنة ثمان وعشرين ومائتين واستقضى الحسن بن
علي سئل عنه أحمد بن حنبل فقال : كان معروفاً عند الناس بأنه جهمي مشهور بذلك ثم بلغني عنه
الآن أنه قد رجع عن ذلك توفي في سنة اثنتين وأربعين ومائتين ( تاريخ بغداد ٣٦٤/٧) .
- ٨٠ -