النص المفهرس
صفحات 21-40
وكان ضعيف الحديث، وكان قد تغيَّر قبل موته. مات ببغداد سنة (١٧٠ هـ)، وقد روى له أصحاب السنن الأربعة. وقال يحيى بن سعيد القطان: لم يسمع ابن أبي عروبة من أبي معشر (١). (د) علاقة سعيد بن أبي عَرُوبة بالإِمام قتادة: لازم سعيد شيخه قتادة مدة طويلة، فكان من أخص تلامذته، وروى عنه علمًا كثيرًا في التفسير، والحديث، والفقه، واختلاف الفقهاء. وكان سعيد مثل شيخه يقول بالقَدَر(٢)، وكانا يكتمانه، كما قال الإِمام أحمد(٣) . قال أحمد: تفسير قتادة إن كتبته عن يزيد بن زريع عن سعيد فلا تبالي أن لا تكتبه عن أحد، وقال أيضًا: كان سعيد بن أبي عروبة يحفظ التفسير عن قتادة (٤). (١) المراسيل لابن أبي حاتم ص ٧٧. (٢) القدر المراد به: الاعتقاد بأنَّ أفعال العباد مقدورة لهم وواقعة منهم على جهة الاستقلال، وليست هي بمشيئة الله، وقال الذهبي في السير ٥/ ٢٧١ في ترجمة قتادة: ولعلَّ الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده، ولا يُسأل عما يفعل. (٣) انظر: الكامل لابن عدي ١٢٣١/٣. وقال الذهبي في السير في الموضع السابق: إنَّ الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحرِّيه للحق، واتّسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتَّباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله، وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك . (٤) سؤالات أبي داود لأحمد (٤٩٢، و٥٣٢). ٢١ وقال يحيى بن معين: أثبت الناس في قتادة: سعيد بن أبي عروبة، وهشام الدَّستوائي، وشعبة، فمن حدَّثك من هؤلاء الثلاثة بحديث ـ يعني عن قتادة - فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهم. وقال أبو زرعة: أثبت أصحاب قتادة: هشام وسعيد بن أبي عروبة. وقال ابن عَدِي: وهو مقدم في أصحاب قتادة، ومن أثبت الناس رواية عنه . وقال ابن حجر: هو أعرف بحديث قتادة من همام، وأكثر ملازمة لقتادة من هشام وشعبة . (هـ) منزلة سعيد العلمية وثناء العلماء عليه : أجمع أئمة الحديث على توثيق الإِمام سعيد بن أبي عروبة، وأشادوا بجودة حفظه وإتقانه، إلى جانب إمامته في قضايا الفقه والاستنباط، إلاّ أنهم ذكروا عنه أنه كان مدلِّسًا، وأنه اختلط في آخر عمره، وسنذكر مسألة اختلاطه في الفقرة القادمة . أمَّا وصفه بالتدليس، فقد ذكره النسائي وغيره(١)، وقال: من حدَّث عنه سعید بن أبي عروبة ولم يسمع منه، فذكر: عمرو بن دينار، وهشام بن عروة، وزيد بن أسلم وغيرهم. وذكر الإِمام أحمد عددًا من المحدِّثین روى عنهم سعيد، فقال: حدَّث سعيد عن هؤلاء كلهم ولم يسمع منهم، وربما قال عن رجل عنهم (٢). وقال يعقوب بن سفيان: وقد روى سعيد بن أبي عروبة عن عبيد الله بن (١) انظر: التدليس في الحديث، للدكتور مسفر الدميني ص ٣٠٠. (٢) مسائل الإِمام أحمد، رواية صالح ٢/ ٤٣١ . ٢٢ عمر، وعن هشام بن عروة، وعن أبي بشر، ولم يسمع منهم، إنَّما دلَّس عنهم، ولعمري إنما روى عنهم مناكير(١) . وإليك بعض أقوالهم في منزلته الحديثية والفقهية: فقال شيخه قتادة: أرواهم للحديث على وجهه سعيد بن أبي عروبة (٢). وقال يزيد بن زريع: كنا نقول: من لم يدخل حجرة ابن أبي عروبة لم يسمع الفقه (٣). وقال أحمد: أصحاب قتادة: سعيد، وهشام، وشعبة، إلاَّ أنَّ شعبة لم يبلغ علم هؤلاء، وكان سعيد يكتب كل شيء (٤). قال أبو عوانة: ما كان عندنا في ذلك الزمان أحد أحفظ من سعيد بن أبي عروبة . وقال أبو زرعة الرازي: ثقة مأمون. وقال محمد بن جعفر غُنْدر: ما أتيتُ شعبة حتى فرغت من سعيد بن أبي عروبة . وقال يحيى بن سعيد: إذا سمعت من شعبة أو من هشام، أو من ابن أبي عروبة شيئًا عن قتادة، لا أبالي أن لا أسمعه من أصحابه، أنهم ثقات جميعًا. (١) المعرفة والتاريخ ١٢٣/٢. (٢) نقله ابن عدي في الكامل ٢٣٩٢/٦ في ترجمة مطر الوراق. ولم أجد هذا النص في ترجمته لسعید . (٣) نقله الإِمام أحمد في العلل ومعرفة الرجال ٤٨٩/٣. وهذا النص يدل على منزلة أبي النضر الفقهية، ولا غرو في ذلك فهو تلميذ الإِمام قتادة الفقيه وخرِّيجه . (٤) العلل ومعرفة الرجال، رواية المرُّوذي وغيره (٣٥). ٢٣ وقال عفان بن مسلم: وأرواهم للحديث على وجهه سعيد بن أبي عروبة. وقال علي بن المديني: نظرت فإذا الإسناد يدور على ستة، فلأهل البصرة: شعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، ومعمر بن راشد(١). وقال ابن عدي: وسعيد بن أبي عروبة من ثقات الناس، وله أصناف كثيرة، وقد حدث عنه الأثمة. وكان أبو النضر من أوائل من تكلَّم في الرواة، ولا شكَّ أنَّ هذا يدل على إمامته في الحديث وتقدُّمه، ولذلك ذكره الإِمام الذهبي فيمن يعتمد قوله في النقد(٢). وقد وجدتُ له أقوالاً قليلة في نقده، وإليك ذكرها: ١ - قال: ما رأيت أحفظ عن محمد بن سيرين من هشام بن حسان(٣). ٢ - وقال: وقد نبلنا معمرًا، يعني بروايته عنه (٤). ٣ - وقال: حدثناً دَرَست عن الزهري، وكان دَرَست قدم علينا من البصرة، كيِّ حافظ (٥). (١) ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٢٥٦/٨، في ترجمة معمر بن راشد. : (٢) ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، الطبقة الأولى ص ١٦٢. (٣) الجرح والتعديل ٩/ ٥٤. (٤) المصدر السابق ٢٥٦/٨ .! (٥) التاريخ الكبير ٢٥٢/٣. ٢٤ ( و) اختلاط سعيد بن أبي عَرُوبة : اتَّفق علماء الحديث بأنَّ سعيدًا قد اختلط في آخر عمره، وكانت مُدَّة اختلاطه تزيد على عشر سنين، وكان ابتداء الاختلاط به سنة (١٣٣هـ)، واستمرَّ على ذلك إلى أن استحكم به سنة (١٤٥هـ)، إلى أن توفي سنة (١٥٦ هـ). وضابط الاختلاط كما هو معروف أنه يقبل حديث من أخذ عنه قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ عنه بعد الاختلاط. وقد ذكر الدكتور نافذ حسين عثمان في دراسته (أثر اختلاط سعيد بن أبي عروبة على مروياته في الكتب السنَّة) أسماء من روى عن سعيد قبل الاختلاط وبعده في هذه الكتب، وذكر أنَّ مجموع الرواة عن سعيد فيها بلغ واحدًا وخمسين راويًا، منهم خمسة عشر رووا قبل الاختلاط، وخمسة رووا عنه بعد الاختلاط، وأما بقيَّتهم فقد سكت عن سماعهم من سعيد أئمة النقد . وذكر له محقّق كتاب (الكواكب النيّرات لابن الكَيَّال) أربعة وعشرين راويًا سمعوا منه قبل الاختلاط، منهم: عبد الأعلى بن عبد الأعلى السَّامي، وهو الراوي عن سعيد لكتاب (المناسك)(١). (١) انظر: الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات لابن الكيال، تحقيق الدكتور عبد القيوم عبد رب النبي ص ٢٠٨. وانظر: كتاب أثر اختلاط سعيد بن أبي عروبة على مروياته في الكتب الستة للدكتور نافذ حسين عثمان حماد ص ١٢ . ٢٥ (ز) مؤلَّفاته: اتفقت كلمة المحدِّثين على أنَّ سعيد بن أبي عروبة هو أوَّل من صنَّف الكتب على الموضوعات في البصرة، بل ذهب بعضهم إلى أنه أوَّل من صنف على الإطلاق، ولا بأس من ذكر أقوالهم في ذلك: قال الإِمام أحمد: أَوَّل مَن صنَّف سعيد بن أبي عروبة(١). وقال الرَّامَهُرْمُزي: أوَّل من صنَّف وبوَّب فيما أعلم الربيع بن صَبِيح بالبصرة، ثم سعيد بن أبي عروبة بها(٢). وقال الدارقطني: أوَّل مَن صَنَّف من البصريين سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة (٣). وذكر الخطيب ملامح من منهج التصنيف في هذه المرحلة، فقال: لم يكن العلم مدونًا أصنافًا، ولا مؤلفًا كتبًا وأبوابًا في زمن المتقدِّمين من الصحابة والتابعين، وإنما فعل ذلك من بعدهم، ثم حذا المتأخِّرون فيه حذوهم، واختلف في المبتدىء بتصانيف الكتب والسابق في ذلك، فقيل: هو سعيد بن أبي عروبة، وقيل: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج (٤). وكان سعيد يُملي على تلامذته بعدما كُفَّ بصره(٥)، وكان عبد الوهاب بن عطاء الخَفَّاف مستمليًا له. كما كان يكتب له أيضًا (١) الغلل ٣١١/٢ -٣١٢. (٢) المحدِّث الفاصل ص ٦١١. (٣) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٤٢٧/٢. (٤) الجامع لأخلاق الراوي ٢/ ٤٢٣. (٥) ذكره الإِمام أحمد في العلل ٤١٨/٢ . :٢٦ عبد الحكيم وكان قائدًا لسعيد(١). ويبدو أنَّ أبا النضر صنَّف مصنَّفات كثيرة، وأنها كانت متداولة عند المحدِّثين ورواتهم، فقد نقل الخطيب البغدادي في ترجمة أبي داود النخعي - وهو الكذاب المشهور ـ أنه كان يحدِّث بمصنفات سعيد بن أبي عروبة(٢). وذكر المزِّي في ترجمة جميل بن الحسن أنه كانت عنده كتب سعيد بن أبي عروبة يرويها عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى تلميذ سعيد(٣). وقال ابن عدي في ترجمة بكير بن جعفر الجُرْجاني: حدَّث عن المغيرة بن موسى المُزَني البصري عن سعيد بن أبي عروبة بشيء من تصانيفه(٤). وهاك أسماء كتبه التي وقفتُ عليها، والتي لم يصلنا منه شيء سوى كتاب المناسك : ١ - كتاب المناسك، وهو كتابنا هذا، وسيأتي الكلام عليه. ٢ - كتاب النكاح، ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح في موضعين، وذكره مرة واحدة في تغليق التعليق(٥). ٣ - كتاب الطلاق، ذكره الإِمام أحمد(٦). (١) انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٥٣٧، والإكمال للحسني ٥٠١/١. (٢) تاريخ بغداد ٩/ ١٧ . (٣) تهذيب الكمال ١٢٩/٥ . (٤) الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي ٢/ ٤٧٣ . فتح الباري ٩/ ٣٩٧ و٤٦٤، وتغليق التعليق ٤/ ٤٠٤ . (٥) (٦) العلل ومعرفة الرجال ٣١٩/١ - ٣٢٠. ٢٧ وبعد: فتختم ترجمة هذا الإِمام الجليل بقول الإِمام الذهبي في ترجمته: سعيد بن أبي عَرُوبة الإِمام الحافظ عالم البصرة، وأول من صنَّفٍ السنن النبوية، وكان من بحور العلم، إلاّ أنه تغيّر حفظه لما شاخ، رحمه الله تعالى، وجزاه عن الحديث النبوي وأهله خير الجزاء. ٢٨ المبحث الثاني التعريف بكتاب المناسك ( أ) محتوى الكتاب: جمع الكتاب مسائل تتعلّق بالحج، من حيث فرضه، ومكانةُ مكة، والمسجد الحرام، ومسائل مختلفة في أمور الحج وأحكامه، كما روى تفسير آيات الحج عن بعض السلف، ورتب الكتاب على طريقة الأسئلة، وقد كشفتُ عن هذه الأسئلة في الفهرس الذي وضعته في آخر الكتاب، فأغنى عن إعادتها . والمسائل المذكورة رواها عن فقهاء الصحابة والتابعين، ولا بأس من ذكر أسماءهم، وعدد المسائل المنقولة عن كل واحد منهم: أولاً - فقهاء الصحابة: ١ - أنس بن مالك: مسألة واحدة. ٢ - عائشة أم المؤمنين: مسألتان. ٣ - عبد الله بن عباس: ستة مسائل. ٤ - عبد الله بن عمر: ثلاث عشرة مسألة. ٥ - عبد الله بن مسعود: ثلاث مسائل. ٦ - عثمان بن عفان: مسألة واحدة. ٢٩ ٧ - علي بن أبي طالب: مسألة واحدة. ٨ - عمر بن الخطاب: عشر مسائل. ثانيًا - فقهاء التابعين: ١ - أيوب السختياني: تسع مسائل. ٢ - إبراهيم النخعي: سبع مسائل. ٣ - جابر بن زيد أبو الشعثاء: مسألتان. ٤ - الحسن البصري: ثلاث وعشرون مسألة. ٥ - الحكم بن عُتيبة: مسألة واحدة. ٦ - سالم بن عبد الله بن عمر: مسألتان. ٧ - سعيد بن المسيّب: تسع مسائل. ٨ - سعيد بن جُبير: ثلاث مسائل. ٩ - طاووس بن كيسان: مسألة واحدة. ١٠ - عامر بن شراحيل الشعبي: مسألة واحدة. ١١ - عروة بن الزبير: مسألة واحدة. ١٢ - عطاء بن أبي رباح: خمس عشرة مسألة. ١٣ - عكرمة مولى ابن عباس: أربع مسائل. ١٤ - عمر بن عبد العزيز: مسألة واحدة. ١٥ - القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق: مسألة واحدة. ١٦ - مجاهد بن جبر: مسألتان. ١٧ - محمد بن سيرين: مسألة واحدة. ١٨ - محمد بن شهاب الزهري: مسألة واحدة. ١٩ - معبد الجُهني القَدَري: مسألة واحدة. ٣ هذا بالإضافة إلى شيخه الإِمام قتادة بن دعامة السدوسي، فقد نقل عنه مسائل كثيرة، وعددًا من الأحاديث والآثار، تزيد على مائة وعشرين نصّاً، ولا شكَّ أنَّ هذا يدل على إمامة قتادة في العلم والفقه، ويصدق فيه قول الإِمام أحمد - الذي ذكرناه آنفاً -: كان قتادة عالمًا باختلاف العلماء، قلَّ أن تجد من يتقدّمه. واحتوى هذا الكتاب أيضًا على كثير من الأحاديث المرفوعة، إلاَّ أنَّ كثيرًا منها لا تتوفر فيها شروط الصحة من الاتصال وغيره، لكنَّ معظمها رويت من طرق أخرى صحيحة، فوقع فيما رواه: المرسل، والمنقطع، وروایته عن صاحب له، أو عن رجل، ولم يتحاش من نقل ذلك کله حرصًا على أن لا يفوته شيء مما يمكن الوصول إليه، فعلى من بعده غربلة هذه المرويات، وتطبيق المنهج الذي وضعه المحدِّثون في علم الجرح والتعديل، وهذا العلم كان ولا يزال يمثِّل أدقّ منهج علمي للتثبُّت من صحة الأحاديث والآثار. (ب) أهمية كتاب المناسك : يُعدُّ هذا الكتاب من بواكير المؤلّفات الحديثية التي وصلت إلينا، وقد تقدَّم القول بأنَّ سعيد بن أبي عَرُوبة من أوائل من صنَّف في البصرة، وكان معه علماء تعاصروا في وقت واحد سلكوا هذا المسلك، كالإِمام موسى بن عقبة بالمدينة (ت ١٤١هـ)، وعبد الملك بن عبد العزيز بن جريج بمكة (ت ١٥٠ هـ)، ومحمد بن إسحاق بالمدينة (ت ١٥١هـ)، ومعمر بن راشد باليمن (ت ١٥٣ هـ)، وشعبة بن الحجاج بواسط (ت ١٦٠هـ)، وسفيان الثوري بالكوفة (ت ١٦١هـ)، وحماد بن سلمة بالبصرة (ت ١٦٧ هـ)، وأبي عمرو الأوزاعي بالشام (ت ١٦٧ هـ)، والليث بن سعد بمصر ٣١ (ت ١٧٥ هـ)، ومالك بن أنس بالمدينة (ت ١٧٩هـ)، وعبد الله بن المبارك بخراسان (ت ١٨١ هـ)، والمعافى بن عمران بالموصل (ت ١٨٥ هـ)، وسفيان بن عيينة بمكة (ت ١٩٨هـ) وغيرهم، ممن صنَّف على الموضوعات، ومزج الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين بالأحاديث المرفوعة إلى النبي وَلون. والناظر في هذه الكتب - والتي وصل إلينا بعضها - يجد أنَّ أكثر مؤلّفيها هم تلامذته الإِمام محمد بن شهاب الزهري علاّمة الحجاز والشام (ت ١٢٤ هـ)، وهو أول من سارع إلى تنفيذ أمر أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز (ت ١٠١ هـ) بجمع الشُّنَّة على وجه الشمول والاستقصاء في كتاب واحد، كما جُمع القرآن في موضع واحد على عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، بعد أن كان مكتوبًا على رقاع متعددة، وقد قام الزهري بذلك خير قيام، حتى قال: لم يدوِّن هذا العلم أحد قبلي، وقال أيضًا: أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفترًا دفترًا، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفترًا (١). وقال الإِمام مالك وغيره: أوَّل مَن دوَّن العلم وكتبه ابن شهاب(٢) . وقد اعتمد في جمعه هذا على الصحف التي كتبها الصحابة من لدن رسول الله ◌َ﴾ وطيلة عصرهم، ثم ما كتبه كبار التابعين عن الصحابة، بالإضافة إلى ما کان محفوظًا في الصدور. ثم عمد المحدِّثون بعده - و کان كثير منهم من تلامذته ـ إلى منهجية جديدة في تنسيق الأحاديث، فظهرت المصنفات الجامعة التي ذكرنا بعض مصنفيها فيما تقدَّم . (١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٣٣١/١. (٢). جامع بيان العلم وفضله ٣٣١/١، وسير أعلام النبلاء ٣٣٤/٥. ٣٢ وتشكِّل هذه المصادر نواة الكتب المؤلَّفة بعد ذلك، من جوامع، وسنن، ومسانید، ومصنفات، وغيرها. ولهذا فإنَّ المساهمة في إخراج هذا الكتاب - المؤلّف في ذلك العصر المُبكّر - يبيِّن حرص السلف على رواية الأحاديث والآثار والاهتمام بجمعها وترتيبها، ممن كان له الأثر الكبير في حفظ السنَّة النبوية من الضياع، وفي هذا ردٌّ لمطاعن الطاعنين، وتكذيب لمزاعمهم بأنَّ الحديث لم يدوَّن إلاَّ على رأس المائة الثانية، فضلاً عن زعم من زعم أنَّ الحديث كتب بعد مائتي سنة من انتقال الرسول ◌َله إلى الرفيق الأعلى. (ج) إثبات نسبة الكتاب إلى مؤلِّفه : مما لا شكَّ فيه أنَّ هذا الكتاب من تأليف الإِمام سعيد بن أبي عروبة، ويُستدل على ذلك بأدلَّة قاطعة، منها: (أ) إثبات ناسخ الكتاب عنوان الكتاب ومؤلِّفه في أول الكتاب، كما أثبت سنده إلى المؤلّف في كل نصوص الكتاب. (ب) السند المتصل من ناسخ الكتاب إلى المؤلِّف، وسنعرض له لاحقًا. (ج) طبيعة أسانيد الكتاب، فإنها مروية عن شيوخ سعيد، مثل: قتادة، ومعمر، ومطر الورَّاق، وأيُّوب السختياني، ومالك بن دينار وغيرهم. .(د) سماع عدد من العلماء لهذه النسخة، وعَقْد المجالس الحديثية لسماع الكتاب، وسنعرض لبعض هذه السماعات. (هـ) نقل بعض العلماء نصوصًا من هذا الكتاب، ونسبوها إليه، وإليك هذه النصوص التي وقفتُ عليها: ٣٣ ١ - نقل شيخ الإسلام ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ)، ثلاثة نصوص في كتابه (شرح العمدة)، وصرح بأنها من كتاب (المناسك) لسعيد بن أبي عروبة، انظر: ١٠٠/١، و١١٢، ويقابلها في كتابنا: (٢، و٨١، و ٨٢). ٠٠. ٢ - روى الإِمام المزِّي (ت ٧٤٥هـ) في تهذيب الكمال ٨/ ٥٢٣، حديثًا بإسناده إلى سعيد، وهو الحديث رقم (١٠٠)، فقال: أخبرنا أبو الحسن ابن البخاري، وأحمد بن شيان، قالا: أخبرنا أبو حفص بن طبرزد، قال: أخبرنا أبو الحسن ابن الزاغوني، قال: أخبرنا أبو الحسين ابن النّقُور، قال: أخبرتنا أم الفتح أمة السلام بنت أحمد بن كامل بن شجرة، قالت: أخبرنا أبو بكر محمد بن إسماعيل بن علي بن البندار البَصَلاني، قال: حدثنا محمد بن يحيى القُطَعي، قال: حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى، قال: حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة عنه به. وهذا هو الإِسناد المثبت في عنوان الكتاب. ٣ - نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) بعض النصوص عن سعيد، ونسبها إلى كتابه هذا، انظر: ٥٩٧/٣، ويقابله في كتابنا النص رقم (٨٢)، كما نقل نصين آخرين من القسم المفقود، فقال في ٥٨٨/٣ : ورواه سعيد بن أبي عَرُوبة في كتاب (المناسك) الذي رُوِّيناه من طريق محمد بن يحيى القُطّعي عن عبد الأعلى عنه ... إلخ. وقال في ٤٨٩/٣: قال سعيد بن أبي عَرُوبة في (المناسك)، ثم ذكره. كما نقل الحافظ ابن حجر أيضًا في كتاب تغليق التعليق أربعة نصوص، ونسبها إلى كتابنا، انظر: ٧٨/٣، و٧٩، و١١٢، و١١٧، ونقل ٣٤ في الموضع الثالث سنده إليه، فقال: وهكذا رواه سعيد بن أبي عروبة في كتاب (المناسك) له، وأنبأنيه غير واحد عن الحافظ أبي محمد البرزالي، أنَّ علي بن أحمد السعدي أخبره، أنا أبو اليمن الكندي، أنا عبد الله بن علي المقرىء، أنا أبو الحسين بن النقُّور، عن أمة السلام بنت أحمد بن كامل سماعًا ... إلخ. ونقل ابن حجر كذلك في كتاب الإصابة ٥٢٨/٦ نصًّا من الجزء الثاني أو الثالث الضائع، وقال: أخرجه سعيد بن أبي عَرُوبة في كتاب (المناسك). ٤ - ونقل الإِمام بدر الدِّين العيني (ت ٨٥٦هـ) ثلاثة نصوص في عمدة القاري ١٠٦/٩، و١٢٦، و٢٧١، ونسبها إلى كتاب (المناسك)، والموضع الأول والثاني في كتابنا برقم (١ و ٨٢)، أما الموضع الثالث ففي القسم الضائع من الكتاب. ٥ - نقل المتقي الهندي (ت ٩٧٥هـ) نصيَّن ١٠٣/٩ و١١١، ونسبهما إلى كتابنا، وهما في كتابنا برقم (٢٧ و ٢٨). كما نقل منه نصًّا ثالثًا من القسم المفقود ٦٧٦/٥ . : كما روى بعض المصنِّفين روايات كثيرة عن سعيد بن أبي عَرُوبة، إلاّ أنها من طرق أخرى غير طريق الكتاب، مما يدل على أنَّهم اعتمدوا على روايات أخرى للكتاب، أو على كتاب آخر لسعيد، أو أنَّ الرواية لم تكن مدونة وإنما نقلت شفهيًّا، وأيًّا ما كان الأمر فإن ذلك يؤكد صحة هذا الكتاب إلى سعيد، وإليك ذكر من وقفت على نقله: ٣٥ ١ - محمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩ هـ) في كتاب الحجة على أهل المدينة ١٢٩/٢، عن شيخه سعيد، ويقابله في كتابنا الأثر رقم (٧٤). ٢ - عبد الله بن وهب المصري (ت ١٩٧ هـ)، في الموطأ (١٤٤)، عن عيسى بن يونس، عن سعيد بن أبي عروبة به، وهو في (المناسك) برقم (٥٧) . :. ٣ - ابن أبي شيبة في المصنف (ت ٢٣٥هـ)، نقل نصوصًا كثيرة عن شيوخه: محمد بن بشر، وعبد الوهاب بن عطاء، ومحمد بن جعفر غُنْدِر، وعباد بن العوام، وعبد الله بن إدريس، وحفص بن عبد الرحمن، وإسماعيل بن عليَّة، وعبدة بن سليمان، كلهم عن سعيد بن أبي عروبة به. انظر: ٣٣/٤ و٤٦ و٨٧ و٨٩ و ١٥٨ و١٧٤ و١٨٦ و ١٧٨ و ٢٣٢، ويقابلها في كتاب المناسك النصوص رقم ١٠٠ و ٥٥ و ١٠٥ و ١٠٦ و ٧٦ و ٥٩ و ٩٤ و ١٣ و ٧٢ و ٨٣ ٤ - أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ) روى في المسند عن محمد بن جعفر غُنْدَر عن سعيد به، عددًا من الأحاديث. انظر: ٢٠٧/٣ و ٤٩٤، و ٢٢٥/٤ و٤٢٨ و٦/ ١٧١ . ويقابل هذه المواضع في كتابنا الأرقام: ١٦٣ و ١٥٠ و١٠٠ و ٥٤ و ١٠٩. ٥ - مسلم (ت ٢٦١ هـ) في صحيحه، روى حديثين في (١٢٢٦ و ١٣٢٦)، من طريق عيسى بن يونس، وعبد الأعلى السَّامي، عن سعيد بن أبي عروبة، والحديثان في كتابنا برقم (٥٤ و ١٠٠). ٦ - الأزرقي (ت بعد ٢٥٠هـ) في أخبار مكة، روى نصين عن ... ٣٦ يزيد بن زريع، عن سعيد به، في ٦٣٣/١، و٢٩/٢ - ٣٠، وهما في كتابنا برقم (٢٥ و ٢٣). ٧ - الفاكهي (ت بعد ٢٧٢ هـ) في أخبار مكة، روى نصًّا في ٢٥٧/٢، من طريق عبد الوهاب عن سعيد، وهذا النص في الكتاب برقم (٢٨). ٨ - النسائي (ت ٣٠٣هـ) في سننه ١٧٩/٥، روى حديثًا من طريق عبدة عن سعيد به، وهذا الحديث في كتاب (المناسك) برقم (٤٥). ٩ - ابن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) في تفسيره، روى عددًا من النصوص، كلها عن يزيد بن زريع، عن سعيد به، في ٥٣٣/١ و٥٣٧ و ٥٤٠ و ٥٥٣، و٤٧/٢ و٢١٠ و٢١٣ و٢٤٤ و٢٥٤. ويقابلها في كتاب (المناسك): ٢١ و ٢٣ و٢٩ و٣١ و٣٢ و٨٣ و٢٤٤ و ٨٥ و ١٣٩. ١٠ - ابن عدي الجُرجاني (ت ٣٦٥هـ)، في الكامل روی حديثًا ٢٠٩١/٦، من طريق شعيب بن إسحاق عن سعيد به، والحديث في كتابنا برقم (٦٦). ١١ - البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) في السنن الكبرى، روى نصَّين ٤ / ٣٣٠، و١٩٦/٥، من طريق جعفر بن عون، وعبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد به. ويقابلهما في كتابنا: (٢٧ و ٣٠). كما روى في شُعب الإِيمان ٧/ ٥٦٨ أثرًا من طريق عبد الوهاب بن عطاء، وهو في (المناسك) برقم (٣٠). ٣٧ (د) ترجمة رواة الكتاب: وصل إلينا كتاب (المناسك) من طريق كاتبه المبارك بن كامل الخفاف، وأخويه: صالح، وذاكر، عن ثلاثة من شيوخهم، هم: أبو غالب أحمد، وأبو عبد الله يحيى ابنا الحسن بن أحمد بن البنا، وأبو محمد سعيد ابن محمد بن أحمد بن الشيرازي، كلهم عن أبي الحسين محمد بن أحمد ابن محمد بن علي بن الابنوسي، عن أم الفتح أمة السلام بنت أحمد، عن أبي بكر محمد بن إسماعيل البُندار، عن محمد بن يحيى القُطعي، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى السَّامي، عن مؤلفه الإِمام سعيد بن أبي عروبة به. وهذا إسناد صحيح، كل رواته ثقات، وإليك ترجمتهم باختصار: ١ - المبارك بن كامل بن أبي غالب الخفاف: هو المحدِّث الثقة، مسند العراق أبو بكر البغدادي الظّفَري، وُلِد سنة (٤٩٠هـ)، وتوفي سنة (٥٤٣ هـ). قال السمعاني: سريع القراءة والخط، يشبه بعضه بعضًا في الرداءة، سمع منِّي، وسمعت منه(١) .. ٢ - أبو القاسم ذاكر بن كامل الخفاف البغدادي، المسند: الثقة، توفي سنة (٥٩١هـ). قال الذهبي: روى الكثير، وتفرَّد، وكان صالحًا خيّرًا(٢). ٣ - أبو محمد صالح بن كامل بن أبي غالب الخفاف البغدادي، ذكره الذهبي في تاريخ الإِسلام، وقال: توفي سنة (٥٤٣هـ)(٣). (١) سير أعلام النبلاء ٢٩٩/٢٠. (٢) السير ٢١/ ٢٥٠. (٣) تاريخ الإِسلام ص ١٤٧. ٣٨ ٤ - أبو غالب أحمد بن الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنا البغدادي الحنبلي، الإِمام المحدِّث الثقة مسند بغداد، وتوفي سنة (٥٢٧هـ) (١). ٥ - أبو عبد الله يحيى بن الحسن بن أحمد بن البنا البغدادي الحنبلي، الإِمام الفقيه المسند الثقة، توفي سنة (٥٣١هـ)(٢). ٦ - أبو محمد سعيد بن محمد بن أحمد الشيرازي، بحثت عنه ولم أجد له ترجمة، ولا يضر ذلك، لأنه لم يتفرَّد بالإِسناد، وإنما توبع برواية أبي غالب وأبي عبد الله ابني ابن البنا . ٧ - أبو الحسين محمد بن أحمد بن محمد بن علي الابنوسي البغدادي، الشيخ الثقة، قال الخطيب: کتبت عنه، وکان سماعه صحیحًا، مات سنة (٤٥٧ هــ)(٣) ٠ ٨ - أم الفتح أمة السلام بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل البغدادية، المحدِّثة المسندة، وُلِدت سنة (٢٩٩هـ)، وتوفِّيت سنة. (٣٩٠هـ) (٤) . ٩ - محمد بن إسماعيل بن علي بن النعمان أبو بكر البُنْدار، المعروف بالبَصَلاني البغدادي، الشيخ المحدِّث الثقة، توفي سنة (٣١١هـ) (٥) (١) السير ٦٠٣/١٩. (٢) السير ٦/٢٠ - ٧. (٣) تاريخ بغداد ٣٥٦/١، والسير ١٨/ ٨٥. (٤) تاريخ بغداد ١٤ / ٤٤٣. (٥) سؤالات السهمي للدار قطني (٢٤)، وتاريخ بغداد ٤٦/٢، والأنساب للسمعاني ٣٦٣/١. ٣٩ ١٠ - محمد بن يحيى بن أبي حزم القُطِعِي أبو عبد الله البصري، المحدِّث الثقة، شيخ الإِمام الثقة، روى عنه مسلم في صحيحه، توفي سنة ٢٥٣(١). ١١ - عبد الأعلى بن عبد لأعلى السَّامي القرشي البصري، المحدِّث .: الثقة، روى عن سعيد بن أبي عروبة وغيره، وروى له أصحاب الكتب الستة، توفي سنة (١٨٩هـ)(٢). (هـ) السماعات التي على النسخة : سمع الكتاب جماعة من العلماء والرواة، وبلغ عدد السماعات أربعة عشر سماعًا، وسنعرض لثلاثة منها فقط، مع ترجمة مشايخ الرواية في هذه السماعات : ١ - سمعت جميع كتاب (مناسك الحج) لسعيد بن أبي عروبة رحمة الله عليه، على الشيخ الإمام العالم العامل الفاضل الصدر الكبير مسند الشام رحلة الوقت بقية المشايخ فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي (٣)، فسحَ الله في مدَّته، بسماعه فيه من العلامة أبي اليُمن زيد بن الحسن بن زيد الكندي(٤)، بسنده فيه وبإجازته من (١) تهذيب الكمال ٦٠٨/٢٦. (٢) تهذيب الكمال ٣٥٩/١٦. (٣) هو: الإمام الحافظ بقية المسندين، وملحق الأحفاد بالأجداد، المعروف بابن البخاري المقدسي، توفي ٩٩٠هـ، وهو صاحب المشيخة المشهورة. معجم الذهبي الكبير ٢ /٠١٣ (٤) هو: الإِمام العلامة المفتي، شيخ العربية، وشيخ القراءات، ومسند الشام، توفي سنة ٦١٣ هـ. السير ٣٤/٢٢. ٤٠