النص المفهرس
صفحات 1-20
سلسلَة الأَجْزَاء وَالْكُتُبْ الحَديثيّة ( ١٥ ) جازال ٧ ، بالقرية لِلإِمَامِالْحَافِظِالزَّاهِدِ إِ الحَارِثِ سُِّيخْ بِزْيُونُسَ الَبَعْدَادِيِّ شيخ الأثمّةِ: مسلم وبقيّبن مَخْلَه، وَأَبِي زُرَعَةَ، وَأَبِ حَاتِ الَّازِين وغيرهم المتوفّ سَنَة: ٢٣٥ هـ رحمهُ الله تعالى دِرَاسَةُ وَتَحَقِيْقٌ وَتَعْلِيُقُ الدَّكَوْ عَامِ مَنْ صَدَىّ مصر دَارُ الَِّ الإسْلامِيَّة كِتَابُ الفَضَاءِ ◌َيْعُ الْحُقُوقِ مَخَفُوظَةٌ الطَّيْعَةُ الأولى ١٤٢١ هـ - ٢٠٠٠ م دَار البشائر الإسلاميّة للطباعة وَالنّشر والتّوزيع: هَاتفُ: ٧٠٢٨٥٧ - فَاكس: ٠٩٦١١/٧٠٤٩٦٣. e-mail: بيروت - بجباتٌ: صَب: ١٤/٥٩٥٥ bashaer@cyberia.net.lb مقَدّمة بِسْمِالهِ الرَّمِ الرََّمِ الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّد المرسلين، وإمام المتَّقين، سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين بإحسان إلى یوم الدین . أما بعد : فإنَّ رسالة الإسلام رسالة شاملة لكل جوانب الحياة المختلفة، فلم تقتصر على الجانب الاعتقادي والتعبدي، وإنما امتدت لتشمل الشؤون الأخرى من سياسة، واقتصاد، ونظم للتربية والقضاء والأخلاق وغير ذلك. وقد استهدفت هذه الرسالة الكريمة إقامة حياة إنسانية سامية، يتحرر فيها العقل البشري من الأوهام والخرافات، وتتهذب النفس من شوائب الجاهلية والضلالات، ويتعاون الجميع على البر والتقوى، وتعم الرحمة والمحبة، ويتحقق في ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية الكريمة: إن العمل الصالح مع الإِيمان جزاؤه حياة طيبة في هذه الأرض، ولا يهم أن تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال، فقد تكون به، وقد لا يكون معها، وفي الحياة أشياء كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في حدود الكفاية، فيها الاتصال بالله والثقة به والاطمئنان. إلى رعايته وستره ورضاه، وفيها الصحة والهدوء والرضى والبركة، وسكن البيوت ومودات القلوب، وفيها الفرح بالعمل الصالح، وآثاره في الضمير، وآثاره في الحياة، وليس المال إلَّ عنصراً واحداً يكفي منه. القليل، حين يتصل القلب بما هو أعظم وأزكى وأبقى عند الله، وأن الحياة الطيبة في الدنيا لا تنقص من الأجر الحسن في الآخرة ... إلخ. وهذا الكتاب الذي قمنا بتحقيقه وخدمته، والذي لم يبق منه إلاَّ جزء منه، يتعلق بجانب من جوانب الإِسلام الكثيرة، وهو ما يتعلق بالقضاء ونظام التقاضي، وقد أشار رسول الله وسل إلى أهمية القضاء العادل، وضرورة تنفيذ العدل في الأحكام، فقال، كما في الحديث الذي رواه الإمام مسلم بإسناده إلى عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله مثل: ((إنَّ المُقسطين عند الله على منابرَ من نُور، عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يَعْدِلُون في حُكمهم وأهليهم وما وَلُو». وبذلك يسود الإِيمان والأمن والأمان، ويعمّ العدل والإِحسان في المجتمع. ولن يجد الناس مجتمعاً طاهراً نظيفاً راقياً إلاَّ في ظل الإِسلام، وتشريعاته الإلهية، وأنظمته الربانية. نسأل الله تعالى أن يُحسن عاقبتنا في الأمور كُلِّها، وأن يُجرنا من خِزْي الدنيا وعذاب الآخرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. المحقّقّ ٦ الفصل الأول في ترجمة الإِمام سُريج بن يونس (١) ( أ ) اسمه ونسبه وكنيته ونشأته وولادته ووفاته : هو أبو الحارث سُرَيج بن يونس بن إبراهيم البغدادي، وهو مروزي الأصل. سکن بغداد، ونشأ فيها. (١) مصادر ترجمته: تهذيب الكمال ٢٢١/١٠، وسير أعلام النبلاء ١٤٦/١١، وهناك مصادر أخرى ذكرت في حاشية هذين المصدرين، ويضاف إليهما مصادر أخرى لم تذكر فيهما: سؤالات أبي داود للإِمام أحمد ص ٣٧٠، والعلل ومعرفة الرجال للإِمام أحمد ٦٠٣/٢، والمعجم لأبي يعلى الموصلي ص ١٦٩، وتاريخ وفاة الشيوخ الذين أدركهم البغوي ص ١٢٥، وسؤالات أبي عبيد الآجري لأبي داود ٢٩٩/١، والأسامي والكنى لأبي أحمد الحاكم ٤٢٢/٣، والثقات لابن شاهين ص ١١٠:، والمؤتلف والمختلف للدارقطني ١٢٦٩/٣، وأسماء التابعين ومن بعدهم للدارقطني ١٦٧/١ و١٠٨/٢، وفتح الباب في الكنى والألقاب لابن منده ص ٢٥١، وتسمية من أخرجهم البخاري ومسلم للحاكم ص ٣٢، ورجال البخاري للكلاباذي ٣٣٦/١، والفهرست لابن النديم ص ٣٢٢، وصفة الصفوة لابن الجوزي ٣٦١/٢، والمقتنى في سرد الكنى للذهبي ١٦٢/١، والبداية والنهاية لابن كثير ٤٠٣/١٠، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين ٣٢٤/٥. ٧ ولم تذكر المصادر شيئاً عن نشأته، ولكن الناظر في قائمة شيوخه يلحظ أنه ممن طلب العلم مُبكراً، وذلك بالنظر إلى شيوخه القُدامى الذين روى عنهم، وسنذكر بعضهم لاحقاً. ولم تُشر المصادر إلى ولادته. أما وفاته، فكانت على الراجح في ! ربيع الأول ليلة الاثنين، سنة خمس وثلاثين ومائتين. (ب) شيوخه: إن الباحث يجد في القائمة التي أوردها الإِمام المزي في تهذيبه - وفي القائمة التي أعددناها وهي تخص شيوخه في هذا الكتاب - مكانة هذا الإِمام، ومنزلته العلمية، فقد تتلمذ على طائفة من خيرة أعلام عصره. حفظاً وعلماً وعبادة، مثل: الإِمام وكيع بن الجراح، وسفيان بن عيينة،. وعبد الرحمن بن مهدي، وهُشَيم بن بَشِير، ويزيد بن هارون وغيرهم من الأئمة الأعلام. · وقد أكثر سُريج من الرواية عن بعض شيوخه إكثاراً واضحاً، مما يدل على شدة ملازمته لهم، وعلى رأس هؤلاء هُشَيم بن بَشِير، المتوفى سنة (١٨٣هـ)، فقد روى عنه في هذا الجزء المحقق ثمانية وستين نصاً، مع ملاحظة أنَّ عدد النصوص في الجزء (١٠٤) نصاً، وهذا يدل على طول. ملازمته لهذا الإِمام الجليل، ويذكِّرنا هذا بطول ملازمة الإِمام أحمد لشيخه هُشيم، فقال: (لزمت هشيماً أربع أو خمس سنين)(١). ويتوزع وجود شيوخه ما بين بغداد، والبصرة، والكوفة، وواسط، (١) العلل ومعرفة الرجال (٩٧٩). والمدينة، إلاَّ أنه يلحظ بأن أكثرهم من أهل بغداد، ولا غرابة في ذلك؛ فإن بغداد تعد أهم الحواضر العلمية في ذلك الوقت. ونرى من شيوخه الإِمام أبا يوسف القاضي تلميذ أبي حنيفة، مما يدل على أنه لم يتخذ من أهل الرأي موقفاً، ولم يشنِّع عليهم كما فعل ذلك كثير من المحدثين، ويؤكد هذا أيضاً أنه نقل في كتابه ((القضاء)) رأياً لأبي حنيفة، مما يدل على أنه لم يكن يتابع بعض شيوخه ممن تكلم في أبي حنيفة مثل سفيان بن عيينة، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح، وأنَّ له منهجاً علميّاً يستقلّ به. وفيما يلي شيوخه الذين روى عنهم في كتاب ((القضاء)) مرتبين على حروف المعجم، مع ترجمة موجزة لهم: ١ - إسماعيل بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري أبو إسحاق المدني، قارىء أهل المدينة، الإمام الحافظ الثقة، توفي سنة (١٨٠هـ)، حديثه في الستة . ٢ - داود بن الزُّبرقان الرَّقاشي البصري، نزيل بغداد، متروك الحديث، وكذَّبه الأزدي، مات سنة (١٨٠هـ)، روى له الترمذي وابن ماجه . ٣ - زكريا بن منظور بن عقبة بن ثعلبة بن أبي مالك القُرَظي أبو یحیی المدني، ضعيف في حفظه، روی له ابن ماجه. ٤ - عباد بن عباد بن حبيب بن المهلب بن أبي صُفرة العَتكي المُهَلَّبي البصري، الإِمام الحافظ الثقة، توفي سنة (١٨١هـ)، وحديثه في الستة . ٩ ٥ - عباد بن العوام بن عمر بن عبد الله بن المنذر، أبو سهل الكلابي الواسطي، الإِمام المحدث الثقة، مات سنة بضع وثمانين ومائةٍ، وحديثه في الستة . ٦ - عبد الرحمن بن مهدي، أبو سعيد العنبري، مولاهم، البصري اللُّؤلؤي، الإِمام الناقد، سيِّد الحفاظ، توفي سنة (١٩٧هـ)، وحديثه في الستة. .٧ - عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان أبو سهل العنبري مولاهم البصري، الإِمام الحافظ الثقة، مات سنة (٢٠٧ هـ)، وحديثه في الستة. : ٨ - عبد الله بن جعفر بن نَجِيح السَّعدي، مولاهم، البصري، والد الإِمام علي بن المديني، وهو ضعيف، مات سنة (١٧٨ هـ)، وروى له الترمذي وابن ماجه . ٩ - عبد الوهاب بن عطاء، أبو نصر الخفَّاف البصري، نزيل بغداد، الإِمام الصدوق العابد، مات في المائتين، روى له مسلم والأربعة. ٠٠ ١٠ - عبدة بن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي، الإِمام الثقة العابد، توفي سنة (١٨٧هـ)، وحديثه في الستة . ١١ - محبوب بن مُحرز التميمي القواريري أبو مُحرز الكوفي، ليِّن الحديث، يُكتب حديثه ولا يحتج به، روى له البخاري في الأدب المفرد والترمذي. ١٢ - محمد بن يزيد الكَلَاعي الخَوْلاني مولاهم الواسطي، الإِمام الزاهد الحافظ، توفي سنة (١٩٠ هـ)، روى له أصحاب السنن إلاّ ابن ماجه. ١٠ ١٣ - مروان بن معاوية بن الحارث بن أسماء أبو عبد الله الفَزاري الكوفي نزيل مكة ودمشق، الإِمام الثقة الحافظ، مات سنة (١٩٣هـ)، وحديثه في الستة. ١٤ - هُشَيم بن بَشِير بن القاسم بن دينار السُّلَمي أبو معاوية الواسطي، أحد الأئمة الأعلام، كان ثقة ثبتاً إلاّ أنه كان كثير التدليس والإِرسال الخَفِي، توفي سنة (١٨٣هـ)، روى له الستة. ١٥ - وكيع بن الجرّاح بن مَلِيح أبو سفيان الرُّؤاسي الكوفي، الإِمام الحافظ شيخ الإِسلام، توفي سنة (١٩٧هـ)، وحديثه في الستة. ١٦ - يحيى بن زكريا بن أبي زائدة أبو سعيد الهمداني الكوفي، الإِمام الحافظ العلم الحُجَّة، روى له الستة، توفي سنة (١٨٣ هـ)، ويقال: إنه أول من صنف الكتب بالكوفة. ١٧ - يزيد بن هارون بن زاذان أبو خالد السُّلمي، مولاهم، الواسطي، الإِمام الحافظ، شيخ الإِسلام، توفي سنة (٢٠٦هـ)، وحديثه في الستة . ١٨ - يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي، تلميذ الإِمام أبي حنيفة، كان أبو يوسف ثقة متقناً صالحاً، توفي سنة (١٨١هـ) أو بعدها، وليس له رواية في الستة. وله ترجمة في تاريخ بغداد(١). ( ج) تلاميذه: روى عن سُرَيج جمعٌ من أهل العلم، وفيهم كبار المحدثين في عصرهم، وهاك بعضهم ممن ذكرهم الحافظ المزي في تهذيب الكمال: (١) تاريخ بغداد للخطيب ١٤/ ٢٤٢، وأفرده بالترجمة الإمام الذهبي رحمه الله. ١١ ١ - الإِمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ)، فقد روى عنه في صحيحه (٣١) حديثاً، كما جاء في موسوعة فهارس صحيح مسلم بشرح النووي(١). ومن ذلك قوله في كتاب الحج: حدثني سُریچ بن يونس، حدثني هُشَيم، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى، صاحب رسول الله وَّر: أَدَخل النبيُّ ◌َّ البيت في عمرته؟ قال: لا(٢). ٢ - الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا (ت ٢٨١هـ)، روى عنه في كثير من كتبه. ومن ذلك ما جاء في كتاب التهجد وقيام الليل: حدثنا سُريح بن يونس، حدثنا حفص بن غياث، حدثنا عاصم، عن أبي العالية: ﴿كَانُوْ قَلِيلاً مِّنَ اَلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، قال: قليلاً ما ينامون(٣). ٣ - الإِمام الحارث بن أبي أسامة (ت ٢٨٢هـ). فقد روى عنه في مسنده، كما جاء في زوائده، فقال: حدثنا سريج بن يونس، حدثنا مروان، قال: حدثني خُصَيف، عن سعيد بن جُبَير، قال: بعث النجاشي إلى رسول الله 98 وفداً من أصحابه، فقرأ عليهم رسول الله وَلو القرآن .... الحديث(٤). ٤ - الإِمام عبد الله بن أحمد بن حنبل (ت ٢٩٠هـ). روى عنه في (١) في الجزء الثالث، الصفحة (٢٩٠)، من إعداد الأستاذ عبد الرحمن إبراهيم فودة، وهو عمل علمي جید یشکر عليه، ويقع في ثلاثة مجلدات. (٢). صحيح مسلم، كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج، (١٣٣٢). (٣) كتاب التهجد وقيام الليل (٤٩١). (٤) بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، للإمام الهيثمي ٩٣٩/٢ (١٠٣٥). ١٢ زوائد المسند سبعة أحاديث، ومنها قوله: حدثني سُريج بن يونس، قال: حدثني مروان بن معاوية، عن يحيى بن كثير الكاهلي، عن مِسْور بن يزيد الأُسدي، قال: صلَّى رسول الله و ل* وترك آية، فقال له رجل: يا رسول الله، تركت آية كذا وكذا، قال: ((فهلا ذكّرتنيها)»(١). ٥ - الإِمام أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي القاضي (ت ٢٩٢هـ). جاءت روايته عنه في سنن النسائي، ومن ذلك قوله في كتاب الأشربة: أخبرنا أبو بكر بن علي، حدثنا سُريج بن يونس، قال: حدثنا هُشَيم، عن ابن شُبْرُمة، قال: حدثني الثقة، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب(٢). ٦ - الإِمام أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي (ت ٣٠٧هـ). روى عنه في المسند، وفي المعجم، ومن ذلك ما رواه في المسند: حدثنا سُريج بن يونس، حدثنا أبو معاوية، حدثنا إسماعيل، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد: أنه نهض في الركعتين فسبحوا به، قال: فاستتم قائماً ... الحديث(٣). ٧ - الإِمام أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البَغَوي (ت ٣١٧هـ). ذكره في كتابه تاريخ وفاة الشيوخ(٤). (١) زوائد عبد الله (٣٣)، المسند ٤ /٧٤. (٢) سنن النسائي الصغرى، كتاب الأشربة، باب ذكر الأخبار التي أعتل بها من أباح شراب الشكر ٣٢١/٨ (٥٦٨٤). (٣) مسند أبي يعلى (١١٩/٢ - ١٢٠ (٧٨٥). (٤) تاريخ وفاة الشيوخ الذين أدركهم البغوي ص ٦٦ . ١٣ - ومن تلامذةٍ سُريج أيضاً، الأئمة: أبو زُرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، وأبو حاتم محمد بن إدريس الرازي، وبِقِيّ بن مَخْلد، ومحمد بن عبد الرحيم صَاعِقة(١)، ومحمد بن عبيد الله ابن المُنَادِي، (٢) وغيرهم(٢). (د) مكانته، ومنزلته والعلمية : * كان سُريج إماماً عالماً ثقة رأساً في الزَّهادة والورع، كما أنه كان على مذهب أهل السنة والجماعة، وهذا ما صرَّح به الإِمام الذهبي إذ يقول: كان سُريج من الأئمة العابدين، له أحوال، وكان رأساً في السنة(٣) * وقد نُقلت عن هذا الإِمام كرامات، رواها الحافظ الخطيب البغدادي في ((تاريخه))(٤)، فمن ذلك أنه قال: خرجت يوم الجمعة أُريد مسجد الجامع، فلما دخلت القَنْطَرة رأيت سمكتين في سفُّود في دُكَّان شِوَاء، فاشتهيتها بقلبي للصبيان ولم أتكلم به، فلما قضيتُ الجمعة ورجعتُ رأيتهما وقد أخرجهما الشوَّاء، فتمنيتهما بقلبي، فلما دخلت البيت ما استقررت حيناً، فإذا داقُّ يدفع الباب، فقلت: من هذا؟ (١) وقد روى البخاري في صحيحه رواية صاعقة عن سُريج، فقال: حدثني محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سُريج بن يونس أبو الحارث، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأقطس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، عن النبي ◌َّ، قال: ((الشفاء في ثلاثة: فِي شَرْطَةٍ مِحجم، أو شُربة عسل، أو كيّة بنار، وأنهى أمتي عن الكيّ) رواه في كتاب الطب، باب الشفاء في ثلاث (٥٦٨١). وليس له في الصحيح سوى هذا الموضع. (٢) تهذيب الكمال ١٠/ ٢٢٢. (٣) سير أعلام النبلاء ١٤٧/١١. (٤) تاريخ بغداد ٢٢٠/٩. ١٤ وخرجت، فإذا رجل معه طَبق عليه السمكتين وبَقْل وخَلٌّ ورُطب كثير، فقال لي: يا أبا الحارث، كل هذا مع الصبيان، فأخذته منه. ومن ذلك أيضاً أنَّ بقالاً لسريج قال: جاءني سُريج بن يونس ليلاً، وقد ولد له مولود، فأعطاني ثلاثة دراهم، فقال لي: أعطني بدرهم عسلاً، وبدرهم سمناً، وبدرهم سويقاً .. ولم يكن عندي، وكنت قد عزلت الظروف لأبكِّر أشتري، فقال لي: انظر قليلاً أيش ما كان، امسح البراني. فجئت فوجدت البراني والجُرب ملأى، فأعطيته شيئاً كثيراً، فقال لي: ما هذا؟ أليس قلت: إن ما عندي شيء! قال: قلت: خذه واسكت. فقال: ما آخذه أو تصدقني. فخبرته بالقصة، فقال لي: لا تحدِّث به أحداً ما دمت حياً. وقال سُريج: كنت ليلة نائماً فوق المشرعة، فسمعت صوت ضفدع، فإذا ضفدع في فم حيّة، فقلت: سألتك بالله إلاَّ خليتها. فخلّها. ورأى سُريج ربَّ العِزَّة تعالى في المنام، فقال لي: يا سُريج، سَلْني، فقلت: يا رب، سِرْ بِسرْ. يعني: رأساً برأس، كما يُقال: رضيتُ أن أخلص رأساً برأس(١). * وكان سريج أحد من يرجع إلى كلامه في الجرح والتعديل، فقد ذكره الذهبي فيمن يُعتمد قوله في هذا العلم، وممن يرجع إليه في نقده(٢). (١) ذكر ذلك ابن خلكان في وفيات الأعيان ٦٧/١، وقال: وهذا لفظ عجمي، معناه بالعربية ذلك. (٢) انظر: ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل، للإمام الذهبي، ص ١٧٥، الطبعة الرابعة، تحقيق الأستاذ العلامة عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى. ١٥ ومن أمثلة نقده: ما نقله تلميذه عبد الله بن أحمد بن حنبل عنه أنه قال: محبوب بن محرز؛ كوفي ثقة (١). وذُكر لسُريج أبا همام بن أبي بدر، فقال: ما فعل ابن أبي بدر، كانوا يضعفونه في الجرّاح أبي وَكِيع (٢). وذَكَر سُريج الإمام الحافظ الدارمي، فقال: طوبى لكم يا أهل خراسان بعبد الله بن عبد الرحمن(٣). * وكان سُريج من أهل القراءات في القرآن، وقد صَنَّ في ذلك مُؤَّلفا، وفي هذا يقول الإِمام الجَزَري: أخذ القراءة عن علي بن حمزة الكسائي وهو من المكثرين عنه، وروى القراءة عنه أحمد بن محمد بن علي بن زريق (٤). * وقد احتج به البخاري ومسلم في صحيحيهما، كما ذكرنا ذلك، واحتج به أيضاً أرباب الصحاح، مثل الإِمام الحاكم في المستدرك على الصحيحين، وابن حِبّان في صحيحه، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة(٥). (١) زوائد عبد الله بن أحمد في المسند (٥٥) ٧٣/١. ونقله المزي في تهذيب الكمال ٢٦٥/٢٧. (٢) تاريخ بغداد ٤٤٤/١٣، ونقله ابن عساكر في تاريخه ١٤٨/٦٣، والمزي في تهذيب الكمال ٢٦/٣١، والذهبي في السير ٢٤/١٢. (٣). تاریخ دمشق لابن عساکر ٣١٨/٢٩. (٤) غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري ٣٠٢/١. (٥) انظر: المستدرك ٢٨٢/١، وصحيح ابن حبان (الإحسان) ٣١١/٣، والمختارة ٢٨٧/٢. ١٦ (هـ) ثناء العلماء عليه : أثنى على الإِمام سُريج كل من ذكره، وشَهِدوا له بمكانته العالية في العلم والفضل والورع، وأنه كان على منهج السلف في الاعتقاد. وإليك بعض شهاداتهم في ذلك(١): فقد قال الإِمام أحمد: رجل صالح صاحب خير ما علمت. وقال في رواية: ليس به بأس . وقال أبو داود: ثقة، وسمعت أحمد بن حنبل يثني عليه. ووثقه يحيى بن معين، وابن سعد، والدارقطني. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: لا بأس به. وقال صالح بن محمد جَزَرة: ثقة ثقة ثقة، لو رأيته لقرَّت عينك(٢). وقال ابن النديم: سُرَيج بن يونس أبو الحارث المروزي من جِلَّة المحدثين وثقاتهم، والفقهاء، والقراء(٣). ( و ) مؤلفاته : ألف سُريج مصنفات كثيرة، وقد شهد له العلماء بحسنها وجودتها، قال ابن سعد: صنف كتباً وأخرجها وحدَّث بها(٤). وقال الدارقطني وابن النديم: له مصنفات(٥). (١) نقلت أقوالهم من التهذيب والسير. (٢) تاريخ دمشق لابن عساكر ٥٨/١٥. (٣) الفهرست لابن النديم ص ٣٢٢. (٤) طبقات ابن سعد ٣٥٧/٧. (٥) المؤتلف والمختلف ١٢٦٩/٣، وفهرست ابن النديم ص ٣٢٢. ١٧ ولم يبق من كتبه سوى هذا الكتاب، ويبدو أنها فُقدت منذ زمن بعيد، فلم يُشرِ إليها الإِمام الذهبي، والحافظ ابن حجر، والإِمام السيوطي في كتبهم، على الرغم من اتساع دائرة اطلاعهم، وهاك أسماء مصنفاته كما جاءت في بعض المصادر: ١ - التفسير، ذكره الدار قطني، وابن النديم. ٢ - كتاب الناسخ والمنسوخ. ٣ - كتاب القراءات. ٤ - كتاب السنن في الفقه(١). ٥ - كتاب النوادر، وهو من الكتب التي ورد به الخطيب البغدادي دمشق(٢). ٦ - كتاب القضاء، وهو كتابنا. (١) هذه الكتب الثلاث الأخيرة ذكرها ابن النديم في فهرسته ص ٣٢٢ - ٣٢٣. (٢) جاء ذلك في القائمة التي ذكرها المالكي، وقد أوردها الدكتور محمود الطحان في كتابه (الحافظ الخطيب البغدادي) ص ٢٩٥. وجاء فيه: سرج بن يونس، وهو خطأ مطبعي، صوابه: سريج بن يونس ١٨ الفصل الثاني التعریف بکتاب (القضاء)) لسُرَیج بن يونس ( أ) محتوى الكتاب: هذا الكتاب يشبه إلى حد كبير بعض كتب الحديث المشهورة، مثل مصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور، ومسند الدارمي، وغيرها، فإنها جميعها من الكتب التي صُنِّفت على الأبواب، وتضم أحاديث النبي وبَّ وفتاوى الصحابة والتابعين. وقد نقل سُريج فتاوى وأقضية بعض أئمة التابعين من أهل الكوفة والبصرة. فمن أهل الكوفة: شُريح القاضي، وعامر الشعبي، وإبراهيم النَّخَعي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، والحكم بن عُتيبة وغيرهم. ومن أهل البصرة: الحسن، ومحمد بن سيرين، وعثمان البتّ وغيرهم. (ب) أهمِّية الكتاب : لا شك أن هذا الكتاب له أهمية كبيرة، فإنه بالإِضافة إلى تقدمه وعُلوَّ سنده، فإنه يبين ما كان عليه السلف من العمل في أحكام التقاضي، وأنهم كانوا يتحرَّوْن العدل، ولم يكونوا يحابون أحداً على أحد. ١٩ ومما يدل على أهمِّية الكتاب أنه تفرد ببعض الآثار التي لم أجدها في الكتب الأخرى التي تهتم بموضوعه، كالمُصنفات، وبعض كتب . الحديث الأخرى، وكذلك بعض كتب الفقه مثل ((المُحلَّى))، و((المغني))، وأيضاً كتب القضاء وأحكام التقاضي، مثل: ((أخبار القضاة)) لوكيع، و ((أدب القاضي)) للماوردي، و «أدب القضاء)» لابن أبي الدم وغير ذلك. ( ج) توثيق نسبة الکتاب إلى سُرَيج : لا شك أن هذا الكتاب من تأليف سُریج بن یونس، ومما يدل على ذلك ما يلي : ١ - طبيعة الأسانيد التي وردت: فإنها جاءت من رواية سُريج عن شيوخه المعروفين، مثل: هُشيم بن بشير، ووكيع بن الجراح، وعباد بن عباد، وعباد بن العوام وغيرهم ٢ - نَقْلُ بعض المصنفين منه: فممّن نقل منه: الإِمام ابن عساكر في ((تاريخ دمشق))، فقد روى بعض نصوص الكتاب بهذا الإسناد: أخبرنا أبو غالب بن البناء أنا أبو الحسين بن حسنون، أنا أبو الحسن الحربي، أنا حامد بن محمد بن شعيب، نا سُريج ... إلخ. وهذا الإِسناد يتفق مع إسناد النسخة التي حققنا عليها الكتاب، وهذا من أظهر الأدلة على إثبات نسبته إلى مؤلفه (١). وقد روى نصّين وهما مذكوران في هذا الجزء الذي حققناه، انظر: رقم (٣١) و (٨٦). (١) انظر: تاريخ دمشق الجزء ٢٣، ص ١٨، و٣٠، و٣١، و٣٧، و٣٩. والجزء ٦٧، ص ١٥٥ . ٢٠