النص المفهرس

صفحات 1-20

،٧،٠، ٠
ضَعَيْفُ
"الأدب المُعْرَد للإمَامِ الْخَارِي
بقلم
محمَّد نَاصِرِالدِّين الألباني
اطْلُب مَعَه قَسَيمَهُ
صَحْوُ الأدبِّ المُعْرَدَ لِلإِمَامِ الْحَازِيُّ
مَكتبَة الّكيل

:

ضَعَيْفُ
"الأدب المُعْرَد للإمَامِ الُخَارِي

حقوق الطّبع مَحَفُوظَة لِلنّاشر
الطَّعَة الرابعَة
١٤١٩ هـ - ١٩٩٨م
مكتبة الدليل
المملكة العربية السعودية - الجبيل الصناعية
ص. ب .: (١٠٢٣٩) - ت: ٣٤٦٥٨٩٢

المقدّمة
إِنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا
وسيِّئات أعمالنا ، من يَهْدِهِ اللَّه فلا مُضلَّ لهُ، ومَن يُضلِل فلا هاديَ لهُ .
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللَّه، وحدَه لا شريكَ لهُ .
وأشهدُ أنَّ محمَّداً عبدُه ورسولُه ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه
وسلَّم .
أمّا بعد ؛ فهذا هو القسمُ الثاني من مشروعي المتعلِّق بكتاب ((الأدب
المفرد )) للإمام البخاري ، فقد رأيت أنَّ من تمام خدمة السنة ، وتيسير وصولها
إلى الأمة، صافية نقية، ((ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك)) كما قال
عَّ اله، (١) أن أجعله كتابين :
أحدهما : فيما صحَّ منه ، وسيكون بين يدي القراء قريباً إن شاء الله
تعالى .
والآخر : فيما لم يصحَّ منه ، وهو هذا .
(١) وهو مخرج في ((ظلال الجنة)) (رقم: ٣٣ و٤٨ و٤٩).
- ٥ -

وأنا عندما أصنع هذا أعلم منذ بدأت بمشروع (( صحيح أبي داود ))
و (( ضعيف أبي داود)) وغيرهما - وذلك منذ أكثر من أربعين عاماً - أنَّ بعض
الفُضلاء لا يرون مثل هذا التقسيم ، ويقولون : الأولى ترك الأصل كما هو دون
تقسيمه إلى ((صحيح)) و((ضعيف)) مع العناية ببيان مراتب أحاديث، وإنَّ مما
لا شكَّ فيه أنَّ هذه وجهة نظر لها قيمتها ؛ لأنَّ فيها الجمع بين المحافظة على
الكتاب كما وضعه مؤلفه ، وبين فائدة تمييز صحيحه من سقيمه ، لكن هذا لا
ينفي فائدة التقسيم المذكور ، بل هو الأنفع لعامة المسلمين ، بل وخاصتهم ، لأنَّ
من المعلوم - بداهة - أنَّه ليس كل واحد منهم مستعدّاً طبعاً أو تطبُّعاً أن يُعنى
بحفظ التمييز المذكور في كتاب واحد ، فهذا مما يصعب على جمهورهم ،
بخلاف ما إذا كان الصحيح في كتاب ، والضعيف في آخر ، وهذا أمر مجرّب
لا يماري فيه أحد - إن شاء اللّه تعالى - وعلى كل حال فالأمر كما قال تعالى :
ولكلٌ وِجِهَةٌ هُو مُوَلِّيها فاستَبِقوا الخيرات﴾، فأسأله تعالى أن يهديني سواء
الصراط .
واعلم أنَّ التعرف على الحديث الضعيف أمر واجب ، وحتم لازم على كل
مسلم يتعرض لتحديث الناس وتعليمهم ووعظهم ، وقد أخلّ به - مع الأسف -
جماهير المؤلفين والوعاظ والخطباء ، وبخاصة منهم الأدباء في الإذاعات
والمحاضرات ، فإنَّهم كثيراً ما يُغربون ، ويروون من الأحاديث ما لا أصل له ، غير
مبالين بنهيه عَ له عن التحديث عنه إلّا بما صحَّ، كقوله عَّهِ:
٢
(( إياكم وكثرة الحديث عني، من قال عليّ فلا يقولنّ إلّ حقّاً أو صدقاً ،
- ٦ ٠

فمن قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار )) (١) فمعرفة الحديث الضعيف
ضروريّ بالنسبة لمن ذكرنا ، وهي من فقه حديث حذيفة رضي اللّه تعالى عنه،
المروي في (( الصحيحين)) قال :
((كان النَّاس يسألون رسول اللَّه عَ لِّ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر
مخافة أن يدركني فأقَعَ فيه .. )) الحديث . ومنه قول الشاعر :
ـرٌ لكنْ لِتَوَقِّيه
عرفتُ الشَّوَلا للشَّـ
مِن الخَيرِ يَقع فيه
ومَن لا يَعرف الشَّرَّ
وبهذه المناسبة أقول :
كنت قرأت في أوَّل اشتغالي بهذا العلم كلاماً جيداً لابن حجر المكي
الهيتمي - بالتاء المثناة من فوق - في كتابه (( الفتاوى الحديثية)) رأيت أن أقدّمه
إلى القراء لصلته الوثيقة بهذا الموضوع ، قال ( ص ٣٢ - الحلبي ) :
(( ذكر الأحاديث في الخطبة من غير أن يبين رواتها أو من ذكرها جائزٌ
بشرط أن يكون من أهل المعرفة في الحديث ، أو ينقلها من كتابٍ مُؤَلِّفُه كذلك ،
وأمّا الاعتماد في رواية الأحاديث على مجرد رؤيتها في كتاب ليس مؤلفه من
أهل الحديث ، أو في خطب ليس مؤلفها كذلك ، فلا يحل ذلك ، ومن فعله
عزّر عليه التعزير الشديد ، وهذا حال أكثر الخطباء ، فإنَّهم بمجرد رؤيتهم خطبة
فيها أحاديث ، حفظوها وخطبوا بها ؛ من غير أن يعرفوا أنَّ لتلك الأحاديث
(١) انظر مقدمة ((صحيح الأدب المفرد)) (ص: ٣١)، ومقدمة ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)).
- ٧ -

أصلاً أم لا ؟ فيجب على حكام كل بَلَدٍ أن يزجروا خطباءها عن ذلك)).
وهذا كلام جيد كما قلت ، وأجود منه التزامه والعمل به ، وهذا مما لم
يقم - مع الأسف - قائله به ، فكتبه طافحةٌ بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ،
وبخاصة كتابه هذا (( الفتاوى))، فقد أورد في أوَّله - على سبيل المثال - عدة
أحاديث في فضل سورة ( الصمد)، لا يصح منها شيء، نقلها من ((الجامع
الصغير))، وهي في كتابي ((ضعيف الجامع))، (٦ / ٢٣٦ / ٢٣٨ / ٥٧٨٦
- ٥٧٩٥ ) ، أحدها موضوعٌ ، وهو بلفظ :
((من قرأ قل هوَ اللَّه أحد ألف مرّة، فقد اشترى نفسه من اللّه)).
وهو مخرج في ((الضعيفة)) ( ٢٨١٢) .
وذكر في مكان آخر منه ( ص ٣٧ ) أنَّه سئل : هل أحد يدخل الجنة
بلحيته ؟ فأجاب :
((نعم ؛ موسى عليه السلام كما في حديث (التذكرة ))).
قلت : والحديث الذي يشير إليه موضوع أيضاً أبطله ابن عدي والذهبي ،
وهو مخرج في ((الضعيفة)) (٧٠٤)، وكتاب (( التذكرة)) - وهو للقرطبي -
مما لا يعتمد عليه ، لأنَّ فيه كثيراً من الضعاف والموضوعات .
وذكر مرّة أخرى (١٣٤) أنَّه سئل: هل في الجنَّة من هو بلحية غير آدم ؟
فأجاب :
(( ليس فيها بلحية غيره ، وحديث أنَّ هارون كذلك موضوع كما قاله
- ٨ -

الذهبي )) !
وهذا الجواب أغرب من السؤال ، لأنَّ السائل قد يكون جاهلاً أو طالب
علم يسأل عالماً ، فلا غرابة أن يسأل عما لا أصل له ، وهو أنَّ آدم له في الجنة
الحية ، أما أن يقره الهيتمي ويجيبه بالإيجاب ، فهو من أغرب الغرائب ، وما نسبه
للذهبي فهو - في ظني - وهمّ منه، لأنَّ الظاهر أنَّه أراد موسى، فَذِكْرُ هارون
سبق قلم أو فكر ، فإِنِّي لا أعلم حديثاً مطلقاً في هارون ولو موضوعاً ، وإنّما
الموضوع حديث موسى عليه السلام كما تقدم عن الذهبي وابن عدي ، ومع
ذلك جزم بثبوته الهيتمي عفا الله عنه .
واعلم أنَّ أسوأ من هؤلاء المتساهلين في رواية الأحاديث الضعيفة ، تلك
الفئة الناشئة الذين اغترُوا بأنفسهم ، وظنوا أنَّهم على شيء من العلم والمعرفة بنقد
الأحاديث ؛ فتصدُّوا للتأليف والتعليق وأخذوا يصححون ويضعفون ، فتصدر
منهم أحكام عجيبة غريبة ، مناقضة للقواعد العلمية ، وأقوال حفاظ الأمة
فيصححون الضعيف ، ويضعفون الصحيح ، ﴿وَهُم يَحسبون أنَّهم يُحسنون
صنعاً ﴾ !
ومنهم من اعتدى على كتاب البخاري هذا ، فطبعه بتعليقات من عنده
سماها تحقيقات وتخريجات ، فيها أنواع من الأوهام في الرجال والأسانيد ،
والتصحيح والتضعيف من الصعب إحصاؤها ، مع أنَّه كثير النقل عني والاستفادة
من كتبي ، وقد ذكرت بعض الأمثلة على ذلك في مقدمة ((صحيح الأدب))
فراجِعْه إن شئت .
- ٩ -

وأزيد ذلك تأكيداً هنا ، باضطراب موقفه من توثيق ابن حبان للرواة ،
وباعتداده به تارة، ورفضه إياه تارة، فسيأتي أثر ( ١٧ / ١١٤ ) عن
عبدالرحمن بن حبيب عن ابن عمر ، مضعفاً بجهالة ابن حبيب هذا ، أما هو ،
فلا ضعفه ولا قواه، وإنما قال (١ / ١٥٠): ((رجاله ثقات)).
ثم ترجم لهم ، ولم يزد في ابن حبيب على قوله :
(( ذكره ابن حبان في الثقات)).
وهو فيه مقلد للشيخ الجيلاني في شرحه للكتاب: ((الأدب المفرد))
(١ / ١٥٧)، فكأنَّ لا يعلم تساهل ابن حبان في توثيق المجهولين! أو أنَّه يعلم
ذلك ، ولكنَّه لا يراه تساهلاً، ويعتد بتوثيقه، كما هو شأن المعلق على ((مسند
أبي يعلى )) ! فإن كان كذلك فَلِمَ لَمْ يُقَوِّ إسناده ؟! كما فعل في أثر آخر ، يأتي
برقم (٢٠ / ٨٣ ) من طريق عثمان بن الحارث أبي الرؤَّاع عن ابن عمر، فإنَّه
صرح ( ص ١٥٨ ) بصحة إسناده ! مع أنَّ عثمان هذا وثقه ابن حبان أيضاً ،
وكلاهما ليس له إلّا راوٍ واحد، وقال الذهبي في كل منهما: ((لا يعرف)) كما
ذكرت هناك .
وأما توثيق الحافظ إيّاه فهو من تساهله أو وهمه ، ولا أستبعد أنَّ المعلق
المردود عليه قلده فيه ، ولقد كان عليه أن يذكر ذلك أو ما سوّغ له تصحيح
أثره ، بل إنَّه على العكس من ذلك أنَّه ترجم لبعض رواته من الحفاظ الذين تغني
شهرتهم عن الترجمة لهم ، وأعرض عن ترجمة عثمان هذا ولو بمثل ما ترجم
لابن حبيب !!
- ١٠ -

ثم رجع إلى نفس الموقف الأول بالنسبة لأثر أبي هريرة الآتي
(٢٣ / ١١٠ ) فوثق رجاله فقط ولم يصححه ، وفيه علقمة ، ولا يعرف
أيضاً ، وحاله كحال الَّلَذْنِ قبله !!
وأَما قلت آنفاً: ((فكأنَّه لا يعلم .. )) لأني رأيته في حديث جابر الآتي
(١٢٦/٢٥) قد أعلّ إسناده بالفضل بن مُبَشِّر، وردّ على الهيثمي قولَه فيه:
((وثقه ابن حبان)) بقوله هو ( ١ / ١٩٢ ) :
((وابن حبان متساهل في التوثيق)).
وسواء كان هذا نقلاً عن غيره ، أو هو من قوله ، فذلك مما يدلُّ على أنَّ
الرجل على علم بهذا القول ، فكان ينبغي أن يُحَدِّدَ موقفه منه سلباً أو إيجاباً ، أو
تفصيلاً كما هو قولنا المبين في غير ما موضع ، لكنَّه لم يصنع شيئاً من ذلك ، بل
اضطرب وتناقض ، كما دلَّت عليه هذه الآثار ، وذلك قلّ من جلّ ، أردت به
التنبيه والتصحيح ، والله من وراء القصد .
والأنكى من هذا المُعَلِّق والأَمَرُ ، ذاك الذي طبع جزءاً صغيراً بعنوان
((صحيح الأدب المفرد))، اختار أحاديث من ((الأدب)) اختياراً عشوائياً ، دون
أن يلتزم فيها قواعد علم الحديث وأصوله ، لأنَّ الرجل جاهل بذلك جهلاً تاماً ،
كما بينت ذلك في مقدمة الكتاب الآخر ((صحيح الأدب المفرد )) بأمثلة أو أنواع
ثمانية ذكرتها ، وَعَدْتُ في أولها بالإشارة هنا إلى الأحاديث الضعيفة التي وقعت
في جزئه ، فأقول ؛ والرقمان الآتيان هما رقما الحديث في كتابي هذا ، وما بعده
رقم (( جزئه)) :
- ١١ -

١ - حديث ابن عمر (٦ / ٤٠). (١٧)، وهو مما قّد فيه - أو سبقه -
إليه الشيخ الجيلاني الذي عزاه لمسلم ، وهو خطأ فاحش كما ذكرت هناك .
٢ - حديث عوف بن مالك ( ٢٨/ ١٤١). ( ٢٥ ).
٣ - حديث علي بن أبي طالب (٣٠ / ١٥٦). (٣٢ ).
٤ - حديث سفيان بن أسيد ( ٥٨ / ٣٩٣). (٤٩ ).
٥ - حديث ابن عباس (٥٩ / ٣٩٤). (٤٩ ).
٦ - حديث أنس ( ٦٦ / ٤٣٧). (٥٤ ).
٧ - حديث ابن عباس (٧٠ / ٤٦٨). ( ٥٧ و ٨٥ )!
٨ - حديث جابر ( ٩٥ / ٦١٤). ( ٦٨ ).
٩ - حديث أم قيس (١٠٢ / ٦٥٢). (٧١ ).
١٠ - حديث أبى هريرة (١٠٤ / ٦٦٧). ( ٧٢ - ٧٣ ).
١١ - حديث عُقبة بن عامر (١١٧ / ٧٥٨). (٨٣ ).
١٢ - حديث أبي سعيد (١٣١ / ٨١٩). (١٠٥ ).
١٣ - حديث أبى هريرة ( ١٧٠ / ١٠٨٢). (١٠٩ ).
١٤ - حديث أبي هريرة أيضاً (٢٠٢ / ١٢٥٧). ( ١٢٣ ).
وهناك حديث آخر لأبي هريرة، فيه زيادة منكرة، وهي حلفه عَ لّه بأبيه،
- ١٢ -

ولما كان أصل الحديث صحيحاً، أوردته في كتابي الآخر ((صحيح الأدب
المفرد))، واكتفيت هناك بالتنبيه على ضَعْفِ الزِّيادةِ.
والمقصودُ : أنَّ كل هذه الأحاديث الضعيفة صحّحها الرجل دون أن يبين
وجه تصحيحه إياها ، ولا وجه لذلك مطلقاً من الناحية الحديثية ، إلّا بالمتابعات
والشواهد التي لو وُجدت لكنّا - بفضل الله تعالى - أوَّل من يبادر إلى نقلها إلى
((الصحيح))؛ فإنَّ هذا من المنهاج الذي جريت عليه في ذاك الكتاب وغيره ،
فأنقذت به كثيراً من الأحاديث من الضعف الذي يلزم من أسانيدها ، ومؤلفاتي
أكبر شاهد على ذلك، ومنها ((صحيح الأدب المفرد))؛ فإنَّ فيه غير قليل من
الأحاديث التي قلت فيها: ((صحيح لغيره)) أو ((حسن لغيره)) وقد نبّهت على
ذلك هناك في المقدمة .
وخلاصة القول :
إنَّ ما تقدَّم من الأمثلة على تجرُّؤ بعض الناس على تصحيح الأحاديث
الضعيفة، ونسبتها إلى النَّبِي عَّةِ، كان من الدواعي التي دفعتني إلى فصل
الأحاديث الضعيفة من الصحيحة - من هذا الكتاب: (( الأدب المفرد)) وغيره -
نصحاً للأمّة ، وغيرة على سنة رسول اللَّه عَ لِ أن يدخل فيها ما ليس منها ،
والله المستعان ، ولا حول ولا قوَّة إلّا باللَّه.
وثَمَّت معتدون آخرون على الأحاديث الصحيحة يُضَعِّفُونها بغير علم
لمخالفتها لأهوائهم ، كفى اللَّه المسلمين شرهم ، كذاك السقاف الذي ضعف
حديث الجارية المتفق على صحّته بين الحفاظ كما بيّنت ذلك في غير هذا
- ١٣ -

الموضع ، (١) وصنوه المدعو حسان عبدالمنان الذي ضعف عشرات الأحاديث
الصحيحة ، كما سترى الرد عليه قريباً إن شاء اللّه في مقدّمة الطبعة الجديدة
للمُجَلَّدين الأول والثاني من كتابي ((سلسلة الأحاديث الصحيحة))، وقد
أشرت إلى بعضها في كتابي الجديد ((صحيح الأدب المفرد))، وهو وشيك
الصدور مع هذا إن شاء اللّه تعالى .
وبينما أنا أَصَحّح تجارب هذه المقدمة فوجئت بمقال له تنشره جريدة
((الرباط)) الأردنية، العدد (١١٨)، فيه هدم جديد منه لحديث صحيح تلقَّته
الأمة بالقَبولِ ، وتداولوه بينهم فقهاء ومحدثين ، مستدلين به على تحريم آلات
المعازف والطرب ، وصرح جمع منهم بصحته كالحافظ ابن الصلاح في (( مقدمة
علوم الحديث)) والإمام النووي في ((الإرشاد)) (١ / ١٩٣ - ١٩٦ )،
والحافظ ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) ( ص ٣٦)، والحافظ ابن
حجر في ((تغليق التعليق)) (٥ / ٢٢)، والسخاوي في ((فتح المغيث))
(١ / ٥٦)، والعلامة ابن الوزير الصنعاني في ((تنقيح الأفكار))، والأمير
الصنعاني في ((توضيح الأفكار)) (١ / ١٤٥ و١٤٦)، ومن قبل الإمام ابن
القيم وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ، وغيرهم ثمّن لا يتسع المجال لذكرهم ،
وأكثرهم ردَّ على ابن حزم - سلف الكاتب - إعلالَه إياه في ((المحلّى))
(٩ / ٥٩) بالانقطاع، ولولا ضيق المجال لنقلت نصوصهم في ذلك ، فحسبي
الآن منها :
(١) انظر ((صحيح الأدب المفرد)) (ص ٣٥١).
- ١٤ -

١ - قال النووي: ((فَزَعَم ابنُ حزم أنَّه منقطع بين البخاري وهشام ،
وأخطأ في ذلك من وجوه ، والحديث صحيح معروف الاتصال بشرط
الصحيح .. )) .
٢ - وقال الحافظ: ((وهذا حديث صحيح لا علة فيه، ولا مطعن له ،
وقد أعلّه ابن حزم .. )) إلخ كلامه فراجعه مع رد ابن القيم عليه في ((إغاثة
اللهفان)) (١ / ٢٥٩ - ٢٦٠)، فإنَّه سيتبين لك أنَّ في كلام الكاتب زغلاً
خطيراً ، وتدليساً كثيراً على القراء ، يعجب كل باحث من بجرأته على ذلك .
فها أنت ترى إجماع أولئك الأئمة والحفاظ على صحة الحديث ،
وإبطالهم لعلة الانقطاع التي تَشَبَّتَ بها الكاتب تقليداً لابن حزم ، وزاد عليه أنَّه
لا مصحح له غير البخاري وابن حبان ، كما زاد عليه بزعم أن عطية بن قيس
التابعي الذي في إسناده ، مجهول الحال ، لم يوثقه غير ابن حبان ، وهذا كذب ،
فقد وثقه الإمام مسلم واحتج به في ((صحيحه )) ، وقبله قال ابن سعد
(٧ / ٤٦٠): ((كان معروفاً))، وذكره الحافظ يعقوب الفسوي في الطبقة
العليا من تابعي الشام في كتابه: ((المعرفة))، وقال الحافظ: ((ثقة مقرىء)).
إلى غير ذلك من التدليسات والخطيئات ( لا الأخطاء) بحيث لو تفرغ لها
باحث عالم لكان منها كتاب ، وفيما ذكرت الآن كفاية لكل معتبر منصف ،
والله المستعان ، ولا حول ولا قوَّة إلّا بالله.
ثم رأيت له رسالة في مسألة الصلاة بين السواري ، ينتقدني فيها لأنّني
صحّحت الحديث الوارد في النهي عن الصف بين السواري ، مع علمه أنَّه جاء
- ١٥ -

من طريقين أقلَّ ما يقال فيهما : إِنَّ أحدهما يقوي الآخر ، فكيف وحديث أنس
منهما قد صححه جمع من الأئمة الحفاظ كالترمذي ، وابن خزيمة وابن حبان ،
والحاكم ، والذهبي ، والعسقلاني ، ووثق راويه عبدالحميد بن محمود المغِوَليّ
النسائي وابن حبان والدارقطني والذهبي والعسقلاني ، ويُقرن معهم الذين
صححوا حديثَه ، أما هو - أعني علامة آخر الزمان ! - فقد ضعَّف الحديث
وراويه معاً !!
كل هذه المخالفات والجهالات ، إنّما تصدر منه مشاكسة ومنابذة لأهل
الحديث والسنة هنا في عمّان الذين يُلَقِّبُهُم بِـ ((الألبانيّين))، بغياً وحسداً ، غير
متأدب بأدب القرآن ﴿ ولا تَنابزوا بالألقاب﴾ وإلّا لما سؤلت له نفسه أن يتجرّأ
على مقام ((الأئمة الجبال)) - على حدّ تعبيره - فيخالفهم في تصحيحهم
للأحاديث وتوثيقهم لرواته ، كما رأيت ، وهو ليس في العير ولا في النفير كما
يقال ، هداه الله .
- ١٦ -

منهجي في هذا الضعيف
أولاً: هناك في كتاب ((الأدب)) غير قليل من الأحاديث الضعيفة السند ،
لم أستجز إيرادها هنا ، لأَنَّني وجدت لها شواهد تقويها ، بعد بحث وتتبع جاد
على مر السنين والأيام ، خلافاً لبعض الناشئين الذين غلب عليهم شهوة الظهور
في زمرة المؤلفين في هذا العلم ، حين يكتفون بتضعيف الحديث من الطريق أو
الطرق التي وجدوها في كتب غيرهم ، ثم يُبَيِّنون عللها نقلاً منها، وكأنَّ ذلك
من جهدهم وعلمهم !! غير مراعين في ذلك قاعدة العلماء في تقوية الحديث
بالشواهد والطرق ، فوقعوا بذلك في آفتين : مخالفة سبيل المؤمنين ، والتشبُّع بما
لم يُعْطَوْا ، وكلاهما منهيٌّ عنه كما هو معلوم .
ثانياً : جريت فيه على ذكر علة الحديث بأوجز عبارة ممكنة ، ولم أكتف
بمجرد ذكر ضعفه كما فعلت في ((ضعيف الجامع الصغير وزيادته))، اللهم إلّا
في حالة كون الحديث مخرجاً في بعض مؤلفاتي أو تعليقاتي ، فإنّي في هذه
الحالة أكتفي بالإحالة عليها .
ثالثاً : إذا كانت العلَّة في تابعيّ الحديث لجهالة أو ضعف أو تدليس بدأت
الإسناد من عنده ، كما ترى في الحديث الأول وغيره ، وإلّا فمن عند
- ١٧ -

الصحابي ، كما في الحديث الثالث ، وقد أبدأ بالتابعي لأَنَّ له علاقة بما يرويه
عن الصحابي كما في الحديث الثاني .
رابعاً : ومن تمام النصيحة أنَّني إذا رأيت الحديث أو بعضه قد جاء ولو عن
صحابي آخر وهو صحيحٌ نبهت على ذلك إما عَقِبَ الحديث أو في التعليق
عليه ، ما استطعت وحضرني ذلك ، كما في الأحاديث ( ٤، ٦، ١٣، ١٥،
٢٤، ٢٦، ٣٠، ٣٦) ونحوها كثير، وإن فاتني شيء من ذلك فإنِّي أستغفر
اللَّه .
خامساً : وإذا كان الصحابي لم ينسب في الأصل إلى أبيه ، أو كُنِيَ ولم
يسمّ ، نسبتُه أنا أو سمَّيته ، وجعلت ذلك بين معكوفتين []، كما في الحديث
(٣، ٥، ٦٥)، وغيرها، وعلى هذا جريت في ((الصحيح)) أيضاً، وقد
يكون الاسم ساقطاً من ناسخ الإسناد ، فأستدركه وأثبته فيه كما في الحديث
(١٣٢)، وقد يكون بعض الزيادات في نسخة الأصل كالحديث ( ١٦٣ ).
سادساً : احتفظت فيه بتخريجات ابن عبدالباقي كما فعلت في قَسِيمِه
((صحيح الأدب))، لكنها هنا قليلة ، فإنَّه لم يُخَرِّج أكثرها ، لأَنَّها غرائب لم
يخرجها أصحاب الكتب الستة ، وعليها اعتمد هو في التخريج ، ولذلك جرى
على القول فيما لم يكن من هذا القبيل: (( ليس في شيء من الكتب الستة ))،
وقد تعقّبته في بعضها، كالحديث (٥ / ٣٥، ٤٨ / ٣٠٨، ١٠٥ / ٦٧٠)،
وقد يقول في بعضها: ((لم أعثر عليه)) وهو مخطىء ، مثل الحديث
(١٥٢ / ٩٧٢)، إلى غير ذلك مما قد يمر بالقارىء الكريم.
- ١٨ -

سابعاً: وقد رأيته أعلَّ بعض الأحاديث بجهالة الصحابي ! فنبّهت أنَّ هذا
ليس بعَّة عند أهل السنة؛ لأنَّ الصحابة كلهم عدول ، وإنّما العلّة ممّن دونهم ،
فانظر - إن شئت - الأرقام (٣٥، ١٤١، ١٩٣)، كما أنَّ وقع في أخطاء
أخرى نبهت على ما تيسّر لي منها، كالأحاديث ( ٩٥، ١٤٦، ١٤٨، ١٩٣)،
ومن أفحشها الحديث ( ٢٠٢ )؛ فإنَّه عزاه للشيخين ، وليس هو عندهما باللفظ
الذي هنا ، وكذا الحديث ( ٢١١ ) !!
ثامناً: وقد أَورد الحديث الصحيحَ في هذا ((الضعيف)) أيضاً ، لزيادة
شاذة ، أو لفظة منكرة ، وقعت فيه ، تفرد بها ثقة أو صدوق خالف بها من هو
أوثق منه وأحفظ ، كالأحاديث ( ٣٨ / ١٩٦، ١٤٥ / ٩١٦ ، ١٧٤ /
١١١١، ٢٠٢ / ١٢٥٧، ٢١٢ / ١٢٦٣ )، وانظر فقرة (سابعاً ) من
منهجي في ((صحيح الأدب المفرد)) في المقدمة ( ص ٣٠ ).
تاسعاً : راجع مقدمتي لكتابي الأَوَّل: ((صحيح الأدب المفرد )) وبخاصَّةٍ
مِنْه منهجي فيه ، فإِنَّ هناك فوائدَ صالحةً لِتُذْكَرَ هنا أيضاً، ولكنْ هكذا قُدِّرَ .
أسأل الله تعالى أن يسدِّد خُطانا، وأن يحفظنا من أن نقول على نبيه عَ ليه
ما لم يقل ، أو نرد ما صحَّ عنه من القول وغيره من سنته ، وأن يوفقنا للعمل
بها ، حتى نحظى بحب اللَّه لنا، مِصْدَاقَ قوله تعالى: ﴿ قُل إنْ كنتُم تحثُونَ اللَّهَ
فاتَّبعوني يُحِبِكُم اللَّه ﴾ ؛ إِنَّه خير مسؤول .
وسبحانك اللَّهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلّا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك .
عمَّان ١٦ / ربيع الآخر سنة ١٤١٤ هـ
وكتب
محمد ناصرالدين الألباني
- ١٩ -