النص المفهرس
صفحات 101-120
الحديث الحادى والعشرون : ((لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه)). موضوع. قال العلامة الألباني حفظه الله فى ((الضعيفة)) (١١٠): ((عزاه السيوطى فى (( الجامع الصغير)) لرواية الحكيم عن أبى هريرة . قلت : وصرح الشيخ زكريا الأنصارى فى تعليقه على ((تفسير البيضاوى)) (٢/٢٠٢) بأن سنده ضعيف. وهو أشد من ذلك فقد قال الشارح المناوى: ((رواه فى ((النوادر )) عن صالح بن محمد عن سليمان بن عمرو عن ابن عجلان عن المقبرى عن أبى هريرة قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلاً يعبث بلحيته وهو فى الصلاة، فذكره. قال الزين العراقى فى (( شرح الترمذى)»: وسليمان ابن عمرو هو أبو داود النخعى متفق على ضعفه ، وإنما يعرف هذا عن ابن المسيب. وقال فى ((المغنى)): ((سنده ضعيف ، والمعروف أنه من قول سعيد، رواه ابن أبى شيبة فى ((مصنفه))، وفيه رجل لم يُسَمَّ)). وقال ولده: فيه سليمان بن عمرو مجمع على ضعفه . وقال الزيلعى : قال ابن عدى : أجمعوا على أنه يضع الحديث)) . قلت : رواه موقوفا على سعيد عبد الله بن المبارك فى ((الزهد)) (١/٢١٣): أنا معمر عن رجل عنه به . وهذا سند ضعيف لجهالة الرجل . قلت : فالحديث موضوع مرفوعا ، ضعيف موقوفا بل مقطوعا)) اهـ . قلت : بل واه عندى ، فإن الرجل المبهم جاء تعيينه فى رواية أخرى ، إذ رواه محمد بن نصر المروزى فى ((تعظيم قدر الصلاة)) (١٥١) عن ابن علية عن معمر عن رجل قال: (( رأى ابن المسيب رجلاً يعبث بلحيته فى الصلاة ، فقال : لو خشع قلبه خشعت جوانحه )) . قال إسحاق ( هو الإمام ابن راهويه رحمه الله شيخ ابن نصر ) : قيل لابن علية : جوارحه ؟ قال : لا . ورواه ابن أبى شيبة (٢٨٩/٢) عن ابن علية به، بلفظ: ((جوارحه)). ورواه عبد الرزاق (٣٣٠٨) عن معمر عن أبان قال : رأى ابن المسيب رجلاً يعبث بلحيته فى الصلاة ، فقال : - ١٠١ - إنى لأرى هذا لو خشع قلبه خشعت جوارحه . ثم رواه (٣٣٠٩) عن الثورى عن رجل قال : رآنى ابن المسيب أعبث بالحصى فى الصلاة ، فقال : لو خشع قلب هذا خشعت جوارحه )) . فيشبه أن يكون معمر سمّاه تارة - فحفظ ذلك عبد الرزاق وهو من أثبتهم فيه - ، وأبهمه أخرى لعلمه بأنه مرغوب عنه . وكذلك فعل الثورى رحمه الله ، فإن من المعروف عنه أنه کان إذ روى عن رجل ضعيف أبهمه أو كناه ، كما تكرر عنه فى غير ما رواية . وتارة كان يفعل ذلك بعض تلاميذه كوكيع رحمه الله . وأبان كان يكذب وهماً لا عمداً ، فلا يبعد من مثله أن يظن غير سعيد سعيداً من فرط غفلته ! ولم يذكر المزى روايته عن ابن المسيب ، فالله أعلم. (فإن) قيل: فكيف يقول أبان: ((رأى ابن المسيب رجلاً )) وإنما يعنى نفسه ؟ فالجواب - بحول الله وقوته - أن هذا أمر مشاهد قد تكرر وقوعه من غير واحد من السلف ، وإن اختلفت دواعيهم عما ههنا ، كأن أباناً كنى عن نفسه حياءً أو نحوه . وأدلل على ذلك بمثالين اثنين ، أحدهما عن صحابي جليل ، والآخر عن تابعى جليل : ١ - فروى الإِمام أحمد فى ((المسند)) (١٨٧/١) و((فضائل الصحابة)) (٢٢٥) وأبو داود (٥١٦/٢) وغيرهما بسند صحيح عن رياح بن الحارث أن المغيرة بن شعبة كان فى المسجد الأكبر وعنده أهل الكوفة عن يمينه وعن يساره ، فجاءه رجل يدعى سعيد بن زيد ، فحياه المغيرة وأجلسه عند رجليه على السرير ، فجاء رجل من أهل الكوفة فاستقبل المغيرة فسبَّ وسب : فقال : من يسب هذا يا مغيرة ؟ قال : يسب على بن أبى طالب رضى الله عنه . فقال : يا مغير بن شعب(٣٢) ، يا مغير بن شعب - ثلاثا - ، ألا أسمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسبون عندك ، لا تنكر ولا تغير ، فأنا أشهد على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بما سمعت أذناى ووعاه قلبى من رسول الله (٣٣) .. هذا يسميه أهل اللغة: ((الترخيم))، ومنه قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للسيدة عائشة رضى الله عنها - كما فى ((الصحيحين)) -: (( يا عائشُ، هذا جبريل يقرئك السلام ... )). الحديث . - ١٠٢ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فإنى لم أكن أروى عنه كذباً يسألنى عنه إذا لقيته أنه قال: (( أبو بكر فى الجنة ، وعمر فى الجنة ، وعلى فى الجنة ، وعثمان فى الجنة ، وطلحة فى الجنة ، والزبير فى الجنة وعبد الرحمن فى الجنة ، وسعد ابن مالك فى الجنة ، وتاسع المؤمنين فى الجنة )) ، لوشئت أن أسميه لسميته ، قال : فضحَّ(٢٤ ) أهل المسجد: يا صاحب رسول الله، من التاسع ؟ قال: ناشدتمونی بالله، والله العظيم أنا تاسع المؤمنين ، ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم العاشر . ثم أتبع ذلك يمينا ، قال : والله لمشهد شهده رجل يغبر فيه وجهه مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفضل من عمل أحدكم ، ولو عُمِّر عمر نوح عليه السلام)). ورواه ابن ماجه (١٣٣) من هذا الوجه - مختصراً - وفيه : ((فقيل له: من التاسع؟ قال: أنا)). وله طرق وألفاظ فى ((المسند)) و(( سنن أبى داود)) و ((فضائل الصحابة)) للنسائى وغيرها . فهذا صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يخاف أن يزكى نفسه بحق ، فكيف بالذين يملؤون الآفاق إطراءً وثناء على أنفسهم بحق وبغير حق ؟! أما سمعوا الله عز وجل يقول : ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب . ولهم عذاب أليم ﴾ ؟ . ٢ - وروى النسائى (٥٤/٣-٥٥) وابن خزيمة فى ((التوحيد)) (١٣) وعنه ابن حبان ( الإحسان: ١٩٦٨) - واللفظ له - والحاكم (٥٢٤/١-٥٢٥) واللالكائي (٨٤٥) وغيرهم (٣٥) من طريق حماد بن زيد عن عطاء بن السائب عن أبيه قال: ((كنا جلوساً فى المسجد ، فدخل عمار بن ياسر فصلى صلاة خففها ، فمر بنا ، فقيل له : يا أبا اليقظان خففت الصلاة ، قال : أو خفيفة رأيتموها ؟ قلنا : نعم . قال : أما إنى قد دعوت فيها بدعاء قد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . ثم مضى ، فاتبعه رجل من القوم . قال عطاء : 1 (٣٤) فى ((المسند)): ((فصَبَح))، ودلنى على الصواب محقق ((الفضائل)) جزاه الله خيراً. وهكذا جاءت هذه الرواية الصحيحة بدون ذكر أبى عبيدة بن الجراح رضى الله عنه . وقع إسناده فى ((الإحسان)): ((أخبرنا ابن خزيمة قال : حدثنا حميد بن عبدة قال : حدثنا (٣٥) حماد بن زيد ... ))، والصواب: ((حدثنا أحمد بن عبدة)) كما فى ((الموارد)) (٥٠٩). - ١٠٣ - اتبعه أبى،- ولكنه كره أن يقول : اتبعته - فسأله عن الدعاء ثم رجع فأخبرهم بالدعاء : اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحينى ما علمت الحياة خيراً لى ، وتوفنى إذا كانت الوفاة خيراً لى . اللهم إنى أسألك خشيتك فى الغيب والشهادة ، وكلمة العدل والحق فى الغضب والرضا وأسألك القصد فى الفقر والغنى ، وأسألك نعيماً لا يبيد ، وقرة عين لا تنقطع ، وأسألك الرضا بعد القضاء ، وأسألك برد العيش بعد الموت ، وأسألك لذة النظر إلى وجهك ، وأسألك الشوق إلى لقائك ، فى غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة . اللهم زينًا بزينة الإِيمان واجعلنا هداة مهتدين)). وهو صحيح الإِسناد كما قال الحاكم ووافقه الذهبى وله طريق أخرى فيها شريك القاضى عند أحمد (٢٦٤/٤) وابن أبى شيبة (٢٦٤/١٠-٢٦٥) والنسائى (٥٥/٣). وبقيت طرق وشواهد لا مجال لها ههنا. فهذا السائب بن مالك - والد عطاء رحمهما الله - يقول: ((فاتبعه رجل))، كره أن يقول: (( فاتبعته )) حتى يخفى عمله، فلا يُدِلّ به ، ولا يدلل عليه ! وكذلك كانوا رحمة الله عليهم ورضوانه يحرصون على تحقيق الإِخلاص - قولاً وعملاً - ويخافون على قلوبهم من الفساد وعلى أعمالهم من الحبوط من محبة الشهرة والعجب والرياء وسائر الآفات التى لا يستمرؤها إلا قلب فاسد مريض ! أما الآن ، فصرنا لا نسمع بهؤلاء إلا فى بطن كتاب ، أو تحت تراب (٣٦)! ورأينا رؤوس الجهالة أدعياء العلم والتحقيق أكثر شىء حرصاً على الشهرة والشهوات الخفية ، تماماً كحرص هؤلاء الأطهار الأبرار الأخيار على إخفاء الأعمال واتقاء الكبير المتعال ! فنسأل العلى القدير تعالى الثبات فى الأمر ، ونعوذ بوجهه الكريم من الخذلان والمكر . كلا ، ولا يسر كاتب هذه السطور - العبد الفقير - أن يظن أحد من القراء أنه يدعى لنفسه ما يُزرى على غيره ترك تحقيقه من إخلاص وتجرد وبراءة من الآفات ، إذ هو بشرٌ من البشر يعتريه ما يعتريهم ، (٣٦) هذه العبارة اقتبستها من الإِمام الذهبى رحمه الله فى موضع من كتابه الجليل ((سير أعلام النبلاء))، فمن أراد أن يعرف هدى السلف فى التواضع والإخلاص والإخبات والطاعة لرب العالمين ، فعليه به وبأشباهه . - ١٠٤ - بل هو يطمع فى تحقيق ذلك ولا أدرى أتطاوعه نفسه أم لا ؟ ولا إن كان صادقاً معها أم يخيل لها الصدق ؟ . ولذلك ، فلا أجعل فى حل من زكانى - لا سيما على ملأٍ - بما لا يطلع عليه إلا الذى يعلم السر وأخفى ، وأذكره بقول التقى ابن التقى عبد الله بن عمر رضى الله عنهما لرجل قال له: (( لا يزال المسلمون بخير ما دمت فيهم))، فأجابه عليه الرضوان: ((إنك لا تدرى علام يغلق عليه ابنُ أُمِّك بابه)) !! فكل الذى أرجوه ممن نفعه الله عز وجل بهذا التذكير والإلحاح الذى ضمنته ثنايا هذا الكتاب أن يدعو لى الله عز وجل أن يرزقنى الصدق والإِخلاص وأن يجعل عملى كله صالحاً ولوجهه خالصاً ولا يجعل لأحد فيه شيئا ، وأن يرزقنى وإخوانى وكافة أهل الإسلام حسن العاقبة والخوف من سوء الخاتمة ، فإن من المشاهد المعروف أن آمن الناس من الشىء أوقعهم فيه والعياذ بوجه الله تعالى . ( وعَوْدا ) إلى ما نحن بصدده ، فقد روى الحديث موقوفا أيضا على حذيفة ابن اليمان رضى الله عنه عند ابن نصر أيضا (١٥٠) من طريق الوليد بن مسلم الدمشقى عن ثور بن يزيد عنه، ولفظة: (( لو خشع قلب هذا سكنت جوارحه )) وإسناده ضعيف له علتان : الأولى : عنعنة الوليد بن مسلم ، فإنه ثقة حافظ لكنه كثير التدليس والتسوية . الثانية : الإِعضال بين ثور بن يزيد وحذيفة ، فإن جميع شيوخ ثور الذين ذكرهم المزى فى ((تهذيب الكمال)) (٤١٨/٤-٤١٩) لا يدرك أحد منهم حذيفة أصلاً، إذ تقدمت وفاته رضى الله عنه ( ت ٣٦) . وقد قال الحافظ ابن رجب الحنبلى رحمه الله فى ((الذل والانكسار العزيز الجبار)) - المشتهر باسم: ((الخشوع فى الصلاة)) - (ص ١٢ بتعليق على الحلبى): ((ورأى بعض السلف رجلاً يعبث بيده فى الصلاة ، فقال : لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه . ورُوِى ذلك عن حذيفة رضى الله عنه وسعيد بن المسيب . ويروى مرفوعا لكن بإسناد لا يصح ((قال المعلق: ((وجزم شيخ الإسلام فى مجموع الفتاوى» (٢٧٣/١٨) - ١٠٥ - بنسبته لعمر بن الخطاب)) اهـ . قلت : لعله رحمه الله قد وقف عليه عن الفاروق رضى الله عنه ، فإنه قد اطلع على ما لم يطلع عليه كبير أحد . نعم ، قد ينتقل وهم من لا يحسن هذا الشأن ، بل من لا فهم عنده إلى ما رواه أبو نعيم (٢٣٠/١٠) عن أبى حفص ( وهو الحداد عمرو بن سلمة النيسابورى ) : (( حسن أدب الظاهر عنوان حسن أدب الباطن لأن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: ((لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه))، فيظن أن أبا حفص هذا هو عمر بن الخطاب رضى الله عنه . وهذا أمر يجل عنه آحاد الطلبة ناهيك عن شيخ الإِسلام روَّح الله روحه الذى لم تر أعين علماء عصره - بحق - مثله ، ولا رأى مثل نفسه . وذلك حتى لا يأتى متنطع أو مبتدع فى قلبه دَغَل على أهل السنة والجماعة ، فيحاول رمى شيخ الإِسلام ببلادةٍ هو أولى بها . فالله المستعان وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم . استدراك : ثم وجدت الحافظ رحمه الله يقول فى ترجمة أم العلاء الأنصارية من ((الإصابة)) (٤٧٨/٤): (( ... وهذا ظاهر فى أن أم العلاء هى والدة خارجة المذكور، فلا يلزم من كونه أبهمها فى رواية الزهرى أن تكون أخرى ، فقد يبهم الإِنسان نفسه فضلاً عن أمه )) . اهـ. فالحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات . ٢ - ١٠٦ - الحديث الثانى والعشرون : (( ما اجتمع الحلال والحرام ، إلا غلب الحرام الحلال». لا أصل له مرفوعا. قال فى ((الضعيفة)) (٣٨٧): (( لا أصل له . قاله الحافظ العراقى فى ((تخريج الإحياء))، ونقله المناوى فى ((فيض القدير)) وأقره ... )). قلت : قد وقفت له على أصل لكنه موقوف واهى الإِسناد . قال الإِمام ابن قتيبة رحمه الله فى ((غريب الحديث)) (٣١/٢): ((فى حديث عبد الله رضى الله عنه أنه قال: (( ما اجتمع حرام وحلال ، إلا غلب الحرام الحلال)) . يرويه وكيع عن سفيان عن جابر عن عامر عن عبد الله)). قلت : هذا إسناده واه جداً ، له علل ثلاث : الأولى : التعليق ، فإن ابن قتيبة لم يذكر إسناده إلى وكيع ، ومن المحتمل جداً أن يكون فى الطريق إليه رجل ليس بثقة . الثانية : شدة ضعف جابر - وهو ابن یزید الجعفی الکوفی - ، فإنه واه متهم بالكذب والرجعة (٣٧) . قال إسماعيل بن أبى خالد : قال الشعبى : يا جابر ، لا تموت حتى تكذب على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم . قال إسماعيل : فما مضت الأيام والليالى حتى اتهم بالكذب . وسُئل زائدة عن ترك الراوية عن ابن أبى ليلى وجابر والكلبى ، فقال : أما جابر الجعفى ، فكان والله كذاباً (٣٧) هى اعتقاد طائفة من غلاة الرافضة رجوع على رضى الله عنه إلى الدنيا مرة أخرى . ومما استندوا إليه فى ذلك حديث على بن الحسين قال : كسا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم علياً عمامة يقال لها : السحاب ، فأقبل على رضى الله عنه وهى عليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : هذا على قد أقبل فى السحاب . قال الراوى : (( فحرفها هؤلاء ، فقالوا: على فى السحاب )) . وهذا حديث لا يصح ، رواه أبو الشيخ فى ((الأخلاق)) (ص ١٢٣-١٢٤)، وفيه مسعدة بن اليسع ، وهو كذاب . ومع ذلك فقد ساقه ابن القيم عفا الله عنه فى ((الزاد)) (٣٤/١) مساق الثابتات ، وسكت عنه المحققان ، فما أحسنوا جميعاً . - ١٠٧ - يؤمن بالرجعة . وقال الإِمام أبو حنيفة رحمه الله : ما لقيت فيمن لقيت أكذب من جابر الجعفى ، ما أتيته بشىء من رأيى إلا جاءنى فيه بأثر ، وزعم أن عنده ثلاثين ألف حديث عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، لم يظهرها . وكذبه أيضا سعيد بن جبير وأيوب وابن معين والجوزجانى وابن الجارود ، ووهاه الجمهور . نعم ، ووثقه الثورى وشعبة ووكيع وشريك ، والظاهر أن ذلك كان قبل أن يظهر منه ما ظهر ، بدليل قول الشعبى المتقدم ، ولذلك حدَّث عنه ابن مهدى قديما ثم تركه بأخرة ، وكذلك تركه يحيى القطان بأخرة . والله أعلم . وترجمته التفصيلية يمكن الرجوع إليها فى ((تهذيب الكمال)) (٤٧٢:٤٦٥/٤) و ((الميزان)) (٣٨٤:٣٧٩/١). وانظر أيضا: ((مقدمة صحيح مسلم)) (١٥/١-١٦)، وفيها قول ابن عيينة رحمه الله: ((كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر ، فلما أظهر ما أظهر اتهمه الناس فى حديثه ، وتركه بعض الناس . فقيل له : وما أظهر ؟ قال: الإِيمان بالرجعة )) .. الثالثة : الانقطاع بين عامر ( وهو ابن شراحيل الشعبى ) وعبد الله بن مسعود رضى الله عنه. قال الحافظ العلائى رحمه الله فى ((جامع التحصيل)) (٣٢٢): (( ... وأرسل عن عمر وطلحة بن عبيد الله وابن مسعود وعائشة وعبادة بن الصامت رضى الله عنه ... )) حتى قال: (( وقال ابن معين : ما روى الشعبى عن عائشة مرسل ، وكذلك قال أبو حاتم . وقال أيضا : لم يسمع الشعبى من عبد الله بن مسعود ولا من ابن عمر ... )) الح. والله أعلى وأعلم . استدراك : ووجدت البيهقى فى ((السنن)) (١٦٩/٧) قد علَّق أثر ابن مسعود أيضا من نفس الوجه، فقال: (( وأما الذى روى عن ابن مسعود أنه قال : ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام على الحلال ، فإنما رواه جابر الجعفى عن الشعبى عن ابن مسعود . وجابر الجعفى ضعيف . والشعبى عن ابن مسعود منقطع ، وإنما رواه غيره بمعناه عن الشعبى من قوله غير مرفوع إلى عبد الله بن مسعود)). اهـ. قلت : ولم أقف عليه بعدُ عن الشعبى بلفظه ولا معناه ، فالله أعلم . - ١٠٨ - الحديث الثالث والعشرون : (( من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كتب له حسنة مضاعفة ، ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة )). "ضعيف. رُوِى من حديث أبى هريرة، وابن عباس - بلفظ آخر ، وأنس ، ومن مرسل الحسن. وموقوفا على ابن عباس، ورجل اسمه: (( الحسن )) شيخ لليث بن أبى سليم . أما حديث أبى هريرة فله عنه طريقان : الأولى: عند الإِمام أحمد (٣٤١/٢) من طريق عباد بن ميسرة ، وأبى القاسم ابن منده فى (( جزء الرد على من يقول ألمّ حرف لينفى الألف واللام والميم عن كلام الله عز وجل)) (٢٤) . من طريق إسماعيل بن عياش عن صالح بن مقسم عن الحسن عن أبى هريرة به . وإسناده عند أحمد ضعيف ، قال الحافظ العراقى رحمه الله: ((وفيه ضعف وانقطاع)). قال الزبيدى يرحمه الله: ((قلت: قال الهيثمى: فيه عباد بن ميسرة، ضعفه أحمد وغيره .... )) كما فى ((تخريج الإحياء)) (٨٤٤). ودلنى نقل الحافظ المناوى رحمه الله لكلام الهيثمى - فى ((الفيض)) (٥٩/٦) - على أن الزبيدى عفا الله عنه اقتصر على بعضه ولم يسقه بتمامه ، فقد قال فى ((المجمع)) (١٦٢/٧): ((رواه أحمد، وفيه عباد بن ميسرة. ضعفه أحمد وغيره ، وضعفه ابن معين فى رواية ( كذا ، والصواب : ووثقه كما فى الفيض ) وضعفه فى أخرى، ووثقه ابن حبان)). بل المناوى اختصر أيضا قوله: ((ووثقه ابن حبان)). وقال الحافظ رحمه الله فى ((التقريب)) (٣١٤٩): ((لين الحديث عابد، من السابعة )) . قلت : فكأن الذين أعلُّوه بعباد هذا لم يقفوا على متابعة صالح بن مقسم، وهو مجهول العين ، فقد ترجمه ابن أبى حاتم (٤١٤/٤) بروايته عن الحسن ، وروايته إسماعيل بن عياش وحده عنه ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلا ولم ينسبه . فإن لم يكن شامياً فإسماعيل أيضا ضعيف فى غير أهل بلده - ١٠٩ - كما يأتى . وراويه عن إسماعيل: هشام بن عمار ، فيه مقال معروف ، وقد خولف فى الإِسناد كما يأتى . وله علة أخرى، وهى الاختلاف فى سماع الحسن من أبى هريرة ، وقد نفاه الجمهور ومنهم جَمعْ من أصحاب الحسن . ولو سلمنا بثبوت السماع فى الجملة - وهذا المذهب كنت عليه ثم توقفت عنه الآن للريبة فى ثبوت دليله - ، فالعلة عنعنة الحسن فإنه - على جلالة قدره رحمه الله - مدلس . والحديث ضعفه الشيخ الألباني حفظه الله فى ((ضعيف الجامع)) (١٦٣/٥)، ووهم مفهرس ((المجمع)) - عفا الله عنه - فعزاه فى ((الفهارس)) (٣٢٣/٢) إلى عائشة ، وإنما هو من حديث أبى هريرة ، عقب حديث آخر لعائشة ، ولعل الخطأ من غيره ، فالله أعلم . أما الثانية: ففى (( أمالى الشجرى)) (٧٦/١) من طريق الهيثم بن خارجة ، و ((شعب الإِيمان)) (٥٤٦/٤ ط. الهند ) من طريق سعيد بن منصور كلاهما قال: ((حدثنا إسماعيل بن عياش عن ليث عن مجاهد عن أبى هريرة ... )) الحديث ، بنحوه فهذا يعل رواية هشام عن إسماعيل المتقدمة إن لم يكن التخليط من إسماعيل نفسه لا سيما وشيخ ابن منده فى الإِسناد - واسمه: (( محمد بن عبد الرزاق الشيخى )) سبط الحافظ أبى الشيخ رحمه الله - قال المحقق الجديع حفظه الله (ص ٥٩): ((ذُكر ضمناً فى تحبير السمعانى ١١/٢)) . ولم يذكر فيه ما يدل على حاله . وهذه الطريق إسنادها ضعيف أيضا ، إسماعيل بن عياش - وهو الشامى الحمصى - ثقة صحيح الحديث فى الشاميين - وهم أهل بلده الذين حفظ حديثهم وأتقنه فى حداثته - كثير المناكير والتخليط فى غيرهم . وليث ليث ! وقد تقدم غير مرة ، وهو كوفى يشبه ابن عياش فى تخليطه ووهمه . ومع ذلك ، فلا يفرح أيضا بهذه الطريق فإنها معلولة ، ( فقد ) رواه الإِمام ابن الضريس رحمه الله فى (( فضائل القرآن)) (٥٥) من طريق عبد الوارث - وهو ابن سعيد أحد الحفاظ الأثبات - عن ليث ، فقال: (( عن رجل يقال له : الحسن ، أنه قال : من استمع ... )) الأثر بنحوه . وهذا أيضا على وقفه ضعيف لضغف ليث، وفى شيخه جهالة أيضا. قال ابن أبى حاتم (٤٥/٣): ((الحسن 1 - ١١٠ - الكوفى . روى عن ابن عباس روى عنه العلاء بن المسيب وليث بن أبى سليم . سمعت أبى يقول ذلك)). وقال أيضا (٤٦/٣): ((الحسن العبدى. روى عن زيد بن وهب عن حذيفة . روى عنه ليث - يعنى ابن أبى سليم - سمعت أبى يقول ذلك)). وهذا مترجم فى ((التاريخ الكبير)) (٣٠٩/٢ -٣١٠). أما الحسن الكوفى، فاثنان عند البخارى رحمه الله (٣٠٥/٢) حيث قال: (( الحسن الكوفى عن عبد الله بن عباس - قاله معتمر عن ليث)). ثم قال: (( الحسن الكوفى عن حميد بن أبى عطاء عن عبد الله بن عمر قوله - قاله معتمر وجرير عن ليث)). وهذا الأخير سماه ابن أبى حاتم (٣٤/٣): (( الحسن بن كثير العجلى الكوفى )) - كما نبهنا العلامة المعلمى طيب الله ثراه - وذكر رواية ليث عنه . وقد ذكره ابن حبان فى ((الثقات)) (١٦٦/٦)، وكذلك العبدى (١٧٠/٦) وذكر رواية ليث عنه أيضا . أما الحسن الكوفى ، فذكره فى (١٢٦/٤)، وقال: ((شيخ يروى عن ابن عباس ، روى عنه ليث بن أبى سليم ، لا أدرى من هو ، ولا ابن من هو )). قلت : سواء أكان هو الأخير أو غيره من المتقدم ذكرهم ، فالجهالة لاصقة به ، وتوثيق ابن حبان لمثله غير مقبول . ( أما ) رواية ابن عباس، ففى (( الكامل)) (٧٩٥/٢) من طريق حفص بن عمر بن حكيم الملقب بـ: ((الكبر)) أو ((الكفر)) عن عمرو بن قيس الملائى عن عطاء عنه مرفوعا: (( من استمع حرفاً من كتاب الله ، أو قرأه نظراً ، كتب الله له حسنة ، ومحيت عنه سيئة ، ورفعت له درجة ، ومن قرأ حرفا من كتاب الله ظاهراً كتب له عشر حسنات ، ومحيت عنه عشر سيئات ، ورفع له عشر درجات ... )) فأخذ فى حديث طويل متهافت وهذا باطل ، حفص هذا قال ابن عدى: ((حدَّث عن عمرو بن قيس الملائى عن عطاء عن ابن عباس أحاديث بواطيل)) . وأورد له أحاديث ثلاثة ، هذا أوسطها ، وختم الترجمة بقوله : (( وهذه الأحاديث بهذا الإسناد مناكير لا يرويها إلا حفص بن عمر بن حكيم هذا ، وهو مجهول ، ولا أعلم أحداً روى عنه غير على بن حرب ولا أعرف له أحاديث غير هذا)) اهـ . قلت : روى عنه أيضا محمد بن غالب - تمتام - : - ١١١ - كما فى ((تاريخ بغداد)) (٢٠٢/٨)، وبه تعقب الحافظ كلام ابن عدى فى ((اللسان)) (٣٢٦/٢). ووقع فى هذه الصفحة سقطاً يظن به أن الحافظ رحمه الله قد خلط بين ((حفص بن عمر الحبطى الرملى)) و((حفص بن عمر بن حكيم)) هذا ، وليس الأمر كذلك ، فليتنبه . وقال ابن حبان فى (( المجروحين)) (٢٥٩/١-٢٦٠): ((يروى عن عمرو بن قيس الملائى المناكير الكثيرة التى كأنه ( كذا ) عمرو بن قيس آخر ، ولعله كتب عن عمر بن قيس سَنْدل عن عطاء أشياء أقلبها على عمرو بن قيس الملائى عن عطاء أو أقلبت له . لا يجوز الاحتجاج بخبره ... )). ( وأما ) حديث أنس ، ومرسل الحسن ، فقد رواه عبد الرزاق رحمه الله فى ((مصنفه)) (٦٠١٣) عن معمر عن أبان عن أنس أو عن الحسن قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( من استمع إلى آية من كتاب الله كانت له حسنة مضاعفة ، ومن تعلم (٣٨) آية من كتاب الله كانت له نوراً يوم القيامة)). دلنى عليه محقق (( شعب الإيمان)) جزاه الله خيراً ولم أكن فطنت له . وإسناده واه ، وأبان متروك كما تقدم مراراً . ( وبقى ) موقوف ابن عباس ، وهو ما رواه عبد الرزاق أيضا (٦٠١٢) وعنه الإِمام أحمد فى (( العل ومعرفة الرجال)) (٢٩٨/٢) والدارمى (٤٤٤/٢) والفريابى فى ((فضائل القرآن)) (٦٤) عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: ((من استمع آية من كتاب الله كانت له نوراً يوم القيامة)). وهذا المتن - مع كونه على القلب من الروايات المرفوعة - فإنه لا يثبت أيضا ، بل هو معلول قال عبد الله ابن أحمد رحمهما الله - عقبه -: (( قال أبى : هذا الحديث منكر . كأنه أنكر إسناده)). قلت: وعلته عنعنة ابن جريج رحمه الله ، فإنه مدلس قبيح التدليس كما قال الدارقطنى رحمه الله. وفى التسوية بين قوله: ((قال عطاء)) - الذى ثبت عنه أنه لا يقوله إلا فيما سمعه - وقوله: ((عن عطاء))، نظر لا (٣٨) لا أدرى أهكذا وقعت الراوية أم أنها خطأً صوابه: ((ومن تلا))، كما فى سائر الروايات ؟ - ١١٢ - يخفى . فكأن الإِمام أحمد رحمه الله أنكر إسناده - على قول ابنه - من أجل هذه العلة. وفى ((التهذيب)) (٤٠٤/٦): (( ... وقال الأثرم عن أحمد: إذا قال ابن جريج : قال فلان وقال فلان وأخبرت ، جاء بمناكير ، وإذا قال : أخبرنى وسمعت ، فحسبك به)) . وقال غير واحد من الأئمة أيضا نحوه . وهو معل أيضا - كما أومأنا آنفا - بالانقطاع . قال الإِمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله فى ((فضائل القرآن)) (٢٧): ((حدثنا حجاج عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : من سمع آية من كتاب الله عز وجل تتلى ، كانت له نوراً يوم القيامة )) . وحجاج هوابن محمد المصيصى الأعور، أحد الأثبات الحفاظ . قال الإِمام أحمد: (( ما كان أضبطه وأشد تعاهده للحروف)). ورفع أمره جداً . وقال مرة: ((كان يقول : حدثنا ابن جريج ، وإنما قرأ على ابن جريج ثم ترك ذلك، فكان يقول: قال ابن جريج، وكان صحيح الأخذ )) . وقال المعلى الرازى: ((قد رأيت أصحاب ابن جريج، ما رأيت فيهم أثبت من حجاج)). وقال أبو إبراهيم إسحاق بن عبد الله السلمى: (( حجاج نائماً ، أوثق من عبد الرزاق يقظان)). كما فى ((التهذيب)) (٢٠٥/٢): فإذ هو أثبت من عبد الرزاق فى ابن جريج ، فلا شك فى أن روايته هى الراجحة ، ورواية عبد الرزاق الموصولة - بذكر عطاء - معلولة . فيكون الإِسناد ضعيفا لانقطاعه بین ابن جريج وابن عباس . والله أعلى وأعلم . - ١١٣ - الحديث الرابع والعشرون : (( لا يزال المسروق منه فى تهمة من هو منه برىء ، حتى يكون أعظم جرماً من السارق )) . منكر مرفوعا وموقوفا . رواه أبو يعقوب محمد بن إسحاق النيسابورى فى (( المناهى وعقوبات المعاصى)) ( ق ١٥٦ ) من طريق أبى النضر هاشم بن القاسم ثنا أبو سهل الخراسانى عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا به . وأورده الحافظ الذهبى رحمه الله فى ترجمة أبى سهل الخرسانى من ((الميزان)) (٥٣٥/٤) بنحوه، وقال: ((هذا حديث منكر. رواه عنه أبو النضر هاشم)). وأقره الحافظ رحمه الله فى ((اللسان)) (٥٩/٧) ولكنه أخذ عليه أمراً، فقال: ((وهذا الرجل اسمه عبد الرحمن، وذكره الأزدى فى الأسماء من كتابه ((الضعفاء))، وأورد له هذا الحديث ، ومنه نقل الذهبى ، وكان ينبغى له أن ينسبه إليه، وقد أغفله فى الأسماء كما نبهت عليه هناك، ولم أر له فى (( الكنى )) لأبى أحمد الحاكم ذكراً)) اهـ. وقال فى (٤٤٦/٣): ((عبد الرحمن الخراسانى أبو سهل . يأتى فى الكنى )). والحديث رواه أيضا البيهقى فى ((شعب الإِيمان)) كما فى ((الجامع الصغير)) (٩٩٧١) و ((كنز العمال)) (٥٦٤/٣) والديلمى كما فى ((فردوس الأخبار )» (٧٧٢٧) . ( أما ) الموقوف، فقد قال الإِمام البخارى رحمه الله فى ((الأدب المفرد)) (١٢٨٩): ((حدثنا يوسف بن يعقوب قال : حدثنا يحيى بن سعيد أخو عبيد القرشى قال: حدثنا الأعمش، عن أبى وائل، عن عبد الله قال: (( ما يزال المسروق منه يتظنى حتى يصير أعظم من السارق)) ( كذا فى (( الأدب المفرد)) وفى (( فضل الله الصمد))، ولعل الصواب : أعظم إثماً أو : جرما ) . وفى إسناده : يحيى بن سعيد الأموى الكوفى . قال الحافظ الذهبى رحمه الله فى - ١١٤ - ((الميزان)) (٣٨٠/٤): ((صالح الحديث، وأنكر من روايته حديثه عن الأعمش ، عن أبى وائل ، عن عبد الله قال : لا يزال المسروق له يتظنى حتى يكون أعظم إثما من السارق)). وروى الخطيب رحمه الله فى ((تاريخه)) (١٣٣/١٤) عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله ( يعنى الإِمام أحمد ) ذكر يحيى ابن سعيد الأموى ، فقال لى : ما كنت أظن عنده هذه الكتب الكثيرة ( وقال البرمكى - شيخ الخطيب فى إحدى الروايتين - : هذا الحديث الكثير ) ، فإذا هم يزعمون أن عنده عن الأعمش حديث كثير ، وعن غيره ، وقد كتبنا عِنه ، وكان له أخ كان له قدر وعلم يقال له : عبد الله بن سعيد ، - ولم يثبت أمر يحيى فى الحديث ، كأنه يقول : كان يصدق وليس بصاحب حديث - ، فقلت له : روى عن الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله حديثاً منكراً - أعنى قوله : (( لا يزال المسروق يتظنى حتى يكون أعظم إثما من السارق))، فقال أبو عبد الله: نعم. وقال الحافظ رحمه الله فى ((التهذيب)) (٢١٤/١١): ((قلت: أورده العقيلى فى ((الضعفاء))، واستنكر له عن الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله ..... )) فذكره. قلت: لم أجد فى (( الضعفاء الكبير)) (٤٠٣/٤) سوى ما تقدم عن الأثرم عن الإِمام أحمد رحمه الله حتى قوله: (( وليس بصاحب حديث )) حَسْب ، فالله أعلم . والرجل ، فلا يبلغ حده الضعف ، بل هو ثقة إمام ، له مناكير عن الأعمش خاصَّةً. فقد ختم الذهبى ترجمته بقوله: (( وثقه ابن معين وغيره ، وذكرته لأن العقيلى ذكره فى الضعفاء . وذكر عن المروزى (٣٩) قال: سمعت أبا عبد الله .... )) فذكره بنحوه مختصراً. وقال فى ((الكاشف)) (٢٥٦/٣): ((ثقة، يُغرب عن الأعمش)). وأورده فى ((تذكرة الحفاظ)) (٣٩) أخشى أن يكون وهما من الذهبى رحمه الله، فالذى فى ((العلل)) (٢٢٤) - رواية المروذى وغيره - عن الإِمام أحمد قال: ((لم تكن له حركة فى الحديث)) . ومن طريق الحافظ أبى عوانة عن المروذى رواه الخطيب (١٣٣/١٤)، وروى الأخرى عن الأثرم كما تقدم . ولعل السبب فى ذلك قول العقيلى: (( حدثنا الخضر بن داود ، قال : حدثنا أحمد ابن محمد، قال: سمعت أبا عبد الله ... ))، فإن الأثرم والمروذى كلاهما اسمه: ((أحمد ابن محمد)). ولكن الخضر يروى ((العلل)) عن الأثرم قال فى المؤتلف: (ص ٨٣٠-٨٣١). - ١١٥ - (٣٢٥/١)، وقال: ((المحدث الثقة)) حتى قال: ((قال أحمد: عنده عن الأعمش غرائب وليس به بأس. وقال يحيى بن معين: ثقة)). وقال فى ((السير)) (١٣٩/٩): ((للإِمام المحدث، الثقة، النبيل، ... )). وقال الحافظ رحمه الله فى ((التقريب)) (٧٥٥٤): ((صدوق يُغرب)). وقال فى ((هدى السارى)) ( ص ٤٧٤): (( يحيى بن سعيد الأموى صاحب المغازى وثقه ابن سعد وأبو داود وابن معين وابن عمار وغيرهم . وقال أحمد : ليس به بأس وكان عنده عن الأعمش غرائب ولم يكن بصاحب حديث. وأورده العقيلى فى (( الضعفاء)) واستنكر حديثه عن الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله: (( لا يزال المسروق يتظنى حتى يكون أعظم إثماً من السارق ... )) ثم بيَّن رحمه الله المواضع التى أخرج له البخارى فيها ، وأنه متابع فيها كلها عنده سوى الأخير ، فعند مسلم . وقال ( ص ٤٨٨) - ملخصا الذين ضُعِّفوا بأمرٍ مردود -: ((ذكره العقيلى بلا حجة)) . والله أعلى وأعلم . - ١١٦ - الحديث الخامس والعشرون : ((يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه ، مساجدهم عامرة ، وهى خراب من الهدى ، فقهاؤهم شر من تحت أديم السماء ، من عندهم خرجت الفتنة ، وفيهم تعود )). ضعيف جداً مرفوعا وموقوفا . رُوِى من حديث على وابن عمر ومعاذ وأبى هريرة ، وعن على موقوفا من طريقين : ١ - حديث على : رواه البيهقى فى ((شعب الإِيمان)) (٤٦٩/٤ -٤٧٠) من طريق سعيد بن سليمان الواسطى، وابن عدى فى ((الكامل)) (١٥٤٣/٤) وعنه البيهقى من طريق محمد بن يحيى الأزدى، وابن أبى الدنيا فى كتاب ((العقوبات)) - كما فى ((الضعيفة)) (١٩٣٦) - عن سعيد بن زنبور كلاهما عن يزيد بن هارون كلاهما ( سعيد ويزيد ) عن عبد الله بن دكين عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب مرفوعا به. قال الشيخ الألباني حفظه الله: ((قلت : وهذا إسناد واه ، عبد الله بن دكين مختلف فيه ، وفى ترجمته ساق الحديث الذهبى مشيراً إلی نکارته . وهذا هو الوجه عندی ( یعنی مرفوعا ) إن كان قد صح رواية يزيد له عنه ، فإن سعيد بن زنبور لم أجد له ترجمة)) . كذا قال ، وسعيد هذا ذكره ابن حبان فى ((الثقات)) (٢٦٧/٨)، وجاء فى ((الفهارس)): ((سعيد ابن زنبويه))! ولكن لا عذر للشيخ - إن شاء الله - ، فإنه يقال فى اسمه أيضا : ((سعد بن زنبور))، وأول ما يتبادر إلى الأذهان: تحرف (سعد) من ( سعيد ) أو العكس . وقد جهَّله الذهبى (١٢٠/٢) - تبعاً لأبى حاتم الرازى - ، فتعقبه الحافظ فى ((اللسان)) (١٥/٣) بأن ابن حبان ذكره فى ((الثقات))، وسماه: ((سعيداً)). - ١١٧ - وذكر ثناء الإِمام أحمد على حفظه، وقول ابن معين: (( ذاك المسكين ، وهو ثقة، وما أراه يكذب)). وأن ابن شاهين ذكره فى ((الثقات)). وهو أيضاً فى ((تاريخ بغداد)) (١٢٧/٩ - ١٢٨). وقضية صنيع الخطيب والحافظ أنه هو والراوى عن الفضيل بن عياض - رحمه الله - واحد ، فقد جعلهما ابن أبى حاتم (٨٤/٤) اثنين ، حكى عن أبيه تجهيل أولهما، وسكت عن الراوى عن الفضيل . ومجموع كلامهم فى الرجل يفهم منه أنه صدوق صالح الحال فى حديثه بعض الوهم ثم تذكرت - أثناء تبييض هذا الحديث أول مرة - أن الشيخ حفظه الله قد ذكر له حديثاً فى ((الصحيحة)) (٣٤٢)(٤٠) - باسم: (( سعد بن زنبور)) - وذكر ما رواه الخطيب من قول ابن معين فيه ، فسبحان من لا يضل ولا ينسى . وقد تابعه على رفعه عن يزيد : محمد بن يحيى الأزدى - أحد الثقات - عند ابن عدى ، لكن راويه عنه : عبد السلام بن إدريس بن سهل - شيخ ابن عدى - ترجمة الخطيب (٥٥/١١) من رواية ابن عدى وحده عنه ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلا . أما السند إلى سعيد بن سليمان ، فصحيح عند البيهقى . فالبلية من شيخهما : عبد الله بن دكين ، فإنه واه . قال ابن معين : ليس بشىء وفى رواية: ليس به بأس . وقال أبو زرعة والمفضل الغلابى والأزدى : ضعيف . وقال أبو داود : بلغنى عن أحمد أنه ثقه . وقال أبو حاتم : منكر الحديث ، ضعيف الحديث ، روى عن جعفر بن محمد غير حديث منكر . وقال النسائى : ليس بثقة. قلت : وهذا من مناكيره التى أشار إليها أبو حاتم رحمه الله ، وأنكر منه - عندى - ما رواه الخطيب (٤٥٢/٩) من طريق بشر ابن الوليد الكندى عنه بهذا الإسناد عن على قال: (( ستة لا يأمنهم مسلم : اليهودى ، والنصرانى ، والمجوسى ، وشارب الخمر ، وصاحب الشطرنج ، والمتلهى بأمه)). وفيه: ((قال ابن دكين: فسألته عن المتلهى بأمه ؟ قال : الذى (٤٠) هو حديث: ((إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم ... )) الحديث ، وهو معل بالوقف . على أبى الدرداء من رواية رجاء بن حيوة عنه - وهى منقطعة - ، وصح بعضه عن ابن مسعود رضى الله عنه كما أشرت فى مقدمة ((التبييض)) ( ص ٤)، وربما أورده قريبا إن شاء الله فيه أو فى غيره . فالله المستعان . - ١١٨ - يقول: أمه زانية إن لم أفعل كذا وكذا)). وعده الذهبى أيضا (٤١٧/٢) فى جملة مناكيره . وبشر بن الوليد مختلف فيه ، لكنه لا يحتمل هذه الطامة . وقد رواه الخرائطى فى ((مساوىء الأخلاق)) عن على، بلفظ: (( ستة لا يُسَلَّم عليهم : اليهود ، والنصارى ، والمجوس ، والذين من بين أيديهم الخمر والريحان (كذا)، والمتفكهون بالأمهات، وأصحاب الشطرنج))، كما فى ((كنز العمال)) (٢١٨/٩)، فإن كان من طريقه أيضاً فهو أَطَمُّ ، إذ يدل على تخبطه فى متنه . وللإسناد علة أخرى ، وهى الانقطاع بين على بن الحسين وجده رضى الله عنه، وبه وحده أعله البيهقى فى ((الشعب)) (٤٧٢/٤) ويأتى بتمامه . ٣،٢ - حديث ابن عمر ومعاذ: قال الشيخ الألباني حفظه الله تخت حديث الترجمة: (( ضعيف جدا . أخرجه الديلمى فى ((مسنده )) (١/١٠٧) من طريق الحاكم بسنده إلى خالد بن يزيد الأنصارى عن ابن أبى ذئب عن نافع عن ابن عمر مرفوعا . قلت : خالد هذا الظاهر أنه العمرى المكى، فإنه يروى عن ابن أبى ذئب ، كذبه أبو حاتم ويحيى ، وقال ابن حبان (٢٥٨/١): ((يروى الموضوعات عن الأثبات)) ثم رواه الديلمى من طريق إسماعيل بن أبى زياد عن ثور عن خالد بن معدان عن معاذ بنحوه . قلت : وهذا - كالذى قبله - موضوع ، آفته إسماعيل هذا ، وهو السكونى القاضى ، قال ابن حبان (١٢٩/١): ((شيخ دجال ، لا يحل ذكره فى الكتب إلا على سبيل القدح فيه )). وقد وجدت له طريقا ثالثاً ، فقال ابن أبى الدنيا ... )) فذكر - جزاه الله خيراً - ما قدمناه عنه . ٤ - حديث أبى هريرة : ذكره فى ((كنز العمال)) (١٨١/١١) من رواية الديلمى عنه، وهو فى ((الفردوس)) (٨٤٣٧)، ولم يسق محققاه - سامحهما الله - إسناده فى الحاشية ، مع حرصهما الكبير على ذلك فى الأجزاء الأخيرة من الكتاب لا سيما فيما يتفرد به الديلمى . وعلى كلٍ ، فلا إشكال إن شاء الله ، ولنا عبرة فيما تقدم من طرق - ١١٩ - الحديث ، فإن أوهاها ما رواه الديلمى! وقد قال الشيخ حفظه الله: ((وجملة القول : أن هذا الحديث بهذه الطرق الثلاث ، يظل على وهائه لشدة ضعفها ، وإن كان معناه يكاد المسلم يلمسه ، بعضه أو جله فى واقع العالم الإِسلامى ، والله المستعان . ٥ - موقوف على : وله طريقان : الأولى : مدارها على عبد الله بن دكين أيضا . وقد علقه البخارى رحمه الله فى ((خلق أفعال العباد)) (٢٣٩)، فقال: ((ويذكر عن على رضى الله عنه قال: يأتى على الناس زمان لا يبقى من الإِسلام إلا اسمه ، ولا من القرآن إلا رسمه)). دلنى عليه محقق ((الشعب))، ودلنى محققه على روايته عند ابن بطة كما يأتى ، فجزاهما الله خيراً . ووصله ابن عدى وعنه البيهقى من طريق بشر بن الوليد الكندى ،ثنا عبد الله بن دكين به وبشر وثقه الدارقطنى - من رواية السلمى عنه - ومسلمة بن القاسم . وقال صالح جزرة : وهو صدوق لكنه لا يعقل ، قد كان خرف . وقال الآجرى : سألت أبا داود : أبشر بن الوليد ثقة؟ قال : لا . وقال السليمانى : منكر الحديث . وقال البرقانى : ليس هو من شرط الصحيح . ولم يتفرد به . فقد أخرجه الدينورى فى (( المنتقى من المجالسة)) (١٩ - ٢٠ مخطوطة حلب) - كما فى ((الضعيفة)) - ، من طريق محمد بن مسلمة ، حدثنا يزيد بن هارون عن ابن دكين به. قال الشيخ الألباني: (( ومحمد بن مسلمة هو الواسطى صاحب يزيد بن هارون ، مختلف فيه ، والأكثرون على تضعيفه ، بل قال أبو محمد الخلال: ((ضعيف جداً)). وقال الذهبى: ((أتى بخبر باطل اتهم به)). لكن الدينورى نفسه متهم، فراجع ترجمته فى ((الميزان)) ... )). وله طريق ثالثة ، فقد رواه الإمام ابن بطة رحمه الله فى ((جزء إبطال الحيل)) ( ص ٢١ ) عن أبى محمد عبد الله بن سليمان الفامى حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقى حدثنا يزيد ابن هارون قال: أنبأنا عبد الله بن دكين به. وقد تحرفت نسبه: ((الفامى)) - ١٢٠ -