النص المفهرس

صفحات 21-40

صادقاً ولا مأمونا ، بل الكذب شعارهم ، والتقية والنفاق دثارهم ؛ فكيف يقبل
نقل من هذا حاله ! حاشا وكلا . فالشيعى الغالى فى زمان السلف وعرفهم هو
من تكلم فى عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب علياً رضى الله عنه ،
وتعرض لسبهم . والغالى فى زماننا وعرفنا هو الذى يكفر هؤلاء السادة ، ويتبرأ
من الشيخين أيضا، فهذا ضالٌّ معثر ... )). قلت : والذى وقفت على كلام
فيه الآن منهم: ((الحسين بن سعيد)). قال الحافظ فى ((اللسان)) (٢٨٤/٢):
(( ذكره الطوسى والكشى فى الرواة عن على بن موسى الرضا وغيره ، له
تصانيف . روى عنه الحسين بن الحسن بن أبان وأحمد بن محمد بن عيسى
القُمِّى )). قلت : وإسماعيل بن إبراهيم - راويه عن الحكم - لم أدر من يكون ؟
وانظر ترجمة المفيد نفسه ، واسمه: ((محمد بن محمد بن النعمان البغدادى )) فى
((السير)) (٣٤٤/١٧-٣٤٥) و ((اللسان)) (٣٦٨/٥). والله الهادى إلى سواء
السبيل ، لا رب سواه . أقول : ومن أمارات كونه ملصقاً بجعفر بن محمد رحمهما
الله، أننى لم أجد للحكم رواية عنه فى ترجمة كل منهما من (( تهذيب الكمال ))
مع أنه لا يحسنُ إغفال مثل ذلك ، فالله أعلى وأعلم .
استدراك :
وراوى الأثر عن الحسين بن سعيد : أحمد بن محمد بن عيسى القُمِّى وجدته
بعدُ فى ((اللسان)) (٢٦٠/١) وقال: (( .... شيخ الرافضة بقَم. له تصانيف
شهيرة .. )) .
وقد أسندوه أيضا إلى على رضى الله عنه بلفظ: (( من قصر بالعمل ابتلى
بالهم .. )). كما فى ((النهج)) وعزاه صاحب ((مصادر نهج البلاغة وأسانيده))
(١١٣/٤) إلى كتاب ((غرر الحكم)) (ص ٢٩٥)، وهو كتاب محذوف
الأسانيد ، لم أجد لمؤلفه ترجمة .
- ٢١ -

الحديث الرابع :
إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((أُرِى أعمار الناس قبله أو
ما شاء الله من ذلك ، فكأنه تقاصر أعمال أمته أن لا يبلغوا من العمل مثل
الذى بلغ غيرهم فى طول العمر ، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر )) .
ضعيف. رواه الإمام مالك رحمه الله فى (( الموطأ)) (٩٩/١) - (تنوير الحوالك
للسيوطى ) من رواية يحيى بن يحيى عن زياد بن عبد الرحمن عنه أنه سمع من
يثق به من أهل العلم يقول : ... فذكره . وهذا إسناد ضعيف لعدم اتصاله ،
عن رجل أبهمه الإمام مالك رحمه الله - مع إخباره بوثوقه به - على خلاف عند
أهل العلم فى قبول المبهم بصيغة التعديل . فعلى القول بقبول ذلك منه -
رحمه الله - فالإِسناد مرسل إن كان شيخه هذا تابعياً ، وإلا فمعضل والعلم
عند الله تعالى .
قال الحافظ السيوطى رحمه الله فى ((التنوير)): ((قال ابن عبد البر: هذا لا
يعرف فى غير ((الموطأ)) لا مسنداً ولا مرسلاً. وهو أحد الأحاديث التى انفرد
بها مالك . قلت : لكن له شواهد من حيث المعنى مرسلة ، فأخرج ابن أبى
حاتم ... )) فذكر ما سنورده ونجيب عنه بحول الله وقوته . وعن مالك رواه
البيهقى فى ((شعب الإِيمان)) كما فى ((الدر المنثور)) (٣٧١/٦).
(ورُوی ) معناه من حديث ابن عباس ، ومرسل مجاهد ، ومعضل على بن
عروة الدمشقى - أحد الملكى - ، ومن مقطوع مجاهد - ببعضه - حكاية عن
بنى إسرائيل - دون أن يصرح برفعه - ، مرسلاً بباقيه كما يأتى .
( أما ) حديث ابن عباس، فقال الإِمام البغوى رحمه الله فى ((تفسيره ))
(٥١٢/٤): ((قال عطاء عن ابن عباس: ذكر لرسول الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم رجل من بنى إسرائيل حمل السلاح على عاتقه فى سبيل الله ألف شهر ،
فعجب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لذلك ، وتمنى ذلك لأمته فقال :
- ٢٢ -
1

يارب جعلت أمتى أقصر الأمم أعماراً وأقلها أعمالاً ، فأعطاه الله ليلة القدر ،
فقال: ﴿ ليلة القدر خير من ألف شهر) التى حمل فيها الإسرائيلى السلاح فى
سبيل الله ، ولأمتك إلى يوم القيامة )) . هكذا علقه البغوى ، ولم يسق سنده به
إلى عطاء . ففى القلب من ثبوته عنه ارتياب كبير ، بل أكاد أقطع بذلك . ولذلك
لم يعرج عليه ابن عبد البر وابن كثير والسيوطى رحمهم الله - إن كانوا وقفوا
عليه - مع توافر الدواعى والهمم على إيراده موصولاً عن ابن عباس ، وإعطائه
الأولوية على مرسل مجاهد وقوله .
(وأما) مرسل مجاهد، فرواه ابن أبى حاتم فى ((تفسيره)) كما فى ((تفسير
الحافظ ابن كثير)) رحمه الله (٥٣٠/٤)، والبيهقى فى ((سننه)) (٣٠٦/٤)
والواحدى فى ((أسباب النزول)) ( ص ٣٣٩ - ٣٤٠) من طرق عن مسلم
ابن خالد الزنجى عن ابن أبى نجيح عنه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم
ذكر رجلاً من بنى إسرائيل لبس السلاح فى سبيل الله ألف شهر . قال : فعجب
المسلمون من ذلك. قال: فأنزل الله عز وجل: ﴿إنا أنزلناه فى ليلة القدر .
وما أدراك ما ليلة القدر . ليلة القدر خير من ألف شهر ) التى لبس فيها ذلك
الرجل السلاح فى سبيل الله ألف شهر)). قال البيهقى: ((وهذا مرسل)) اهـ.
ولا يثبت إسناده إلى مجاهد أيضا ، فإن الزنجى ضعيف عند البيهقى نفسه
والجمهور ، فقد قال البيهقى (٤٩٥/٢) - عقب حديث مرسل رواه -: «وقد
رُوِى بإسناد موصول إلا أنه ضعيف)). ثم رواه من طريق الإمام أبى داود
رحمه الله بسنده إلى مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى
هريرة مرفوعا، وقال: (( قال أبو داود : هذا الحديث ليس بالقوى ، مسلم بن
خالد ضعيف)). قلت: ودلنى على رأى البيهقى فيه الإمام ابن التركمانى
رحمه الله، إذ قال تعليقا على حديث آخر رواه البيهقى (١٢٣/٨) - فى
القسامة(١٣) - واحتج به للشافعية ساكتاً عنه: ((قلت : فى إسناده لين ، كذا
(١٣) قال ابن الأثير فى ((النهاية)) (٦٢/٤): ((القسامة بالفتح: اليمين، كالقسم. وحقيقتها =
- ٢٣ -

فى ((التمهيد)). وذلك أن الزنجى ضعيف. كذا قال البيهقى فى باب من زعم
أن التراويح بالجماعة أفضل . وقال ابن المدينى : ليس بشىء . وقال أبو زرعة
والبخارى: منكر الحديث ... )) الح . ومرسل مجاهد رواه أيضا ابن المنذر فى
((تفسيره)) كما فى ((الدر المنثور)).
( وأما ) معضل على بن عروة - وهو أوهاها جميعا إن لم يكن إسناد حديث
البغوى إلى عطاء شراً منه - ، فقد رواه ابن أبى حاتم من طريق ابن وهب حدثنى
مسلمة بن على عن على بن عروة قال : ذكر لرسول الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم يوماً أربعة من بنى إسرائيل عبدوا الله ثمانين عاماً لم يعصوه طرفة عين ،
فذكر أيوب وزكريا وحزقيل بن العجوز ويوشع بن نون . قال : فعجب أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من ذلك ، فأتاه جبريل فقال : يا محمد :
عجبت أمتك من عبادة هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوه طرفة عين ، فقد أنزل الله
خيراً من ذلك ، فقرأ عليه : ﴿ إنا أنزلناه فى ليلة القدر. وما أدراك ما ليلة
القدر . ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ هذا أفضل مما عجبت أنت وأمتك .
قال: ((فَسُرَّ بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والناس معه)).
وفى هذا الإِسناد مسلمة بن على ، وهو الخشنى الدمشقى البلاطى ، متروك كما
فى ((التقريب)) (٦٦٦٢)، وقال الحاكم: ((روى عن الأوزاعى والزبيدى المناكير
والموضوعات)) . وحكم أبو حاتم الرازى على أحاديث رواها بالبطلان . وشيخه
على بن عروة هو القرشى الدمشقى أيضا متروك مثله كما قال الحافظ (٤٧٧١)
ورماه صالح بن محمد جزرة وابن حبان بالوضع . ومع ذلك فالإِسناد أيضا
معضل .
= أن يقسم من أولياء الدم خمسون نفراً على استحقاقهم دم صاحبهم ، إذا وجدوه قتيلا بين
قوم ولم يعرف قاتله ، فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يميناً ، ولا يكون
فيهم صبى ، ولا امرأة ، ولا مجنون ، ولا عبد ، أو يقسم بها المتهمون على نفى القتل عنهم ،
فإن حلف المدعون استحقوا الدية ، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية . وقد أقسم يقسم
قسماً وقسامة إذا حلف ... )) .
- ٢٤ - ٠

(وأما ) موقوف مجاهد ، فرواه الطبرى (١٦٧/٣٠) عن شيخه محمد بن حميد
الرازى عن حكام بن سَلْم عن المثنى بن الصَّباح عنه قال: ((كان فى بنى إسرائيل
رجل يقوم الليل حتى يصبح ، ثم يجاهد العدو بالنهار حتى يمسى ، ففعل ذلك
ألف شهر، فأنزل الله هذه الآية: ﴿ليلة القدر خير من ألف شهر﴾ قيام تلك
الليلة خير من عمل ذلك الرجل )) . نعم ، ذكر نزول الآية حكمه حكم المرفوع
المرسل - ولابُدَّ - أما الحكاية عن بنى إسرائيل فلم يبين مجاهد عمن تلقاها ،
ولا تحمل هذه الراوية على سابقتها المرسلة عنه لعدم الثبوت فى كُلٍ . ومع ذلك
، فإسناد هذه أوهى بكثير ، فلا يصلح شاهداً ولا مشهوداً له . ومحمد بن حميد
الرازى - مع أنه معدود فى الحفاظ - لكنه متهم بالكذب وغيره من القبائح ،
وقد وهاه جماعة وصرح أبو زرعة وأبو حاتم وابن وارة - الرازيون - وصالح
جزرة وابن خراش بتكذيبه ، وبيَّنَ بعضهم أنه كان يقلب الأحاديث عمداً ويأخذ
أحاديث الكوفيين فيرويها عن الرازيين . نعم ، ولم يتبين أمره لابن معين فوثقه
هو وغير واحد .
والمثنى بن الصباح - راويه عن مجاهد - هو اليمانى الأبناوى ، نزيل مكة .
وهو واه ، اتفقوا على تضعيفه - بإستثناء رواية فيها نظر عن ابن معين - ، ووهاه
الإِمام أحمد ويحيى القطان والنسائى والساجى وابن الجنيد وابن عدى والدار قطنى .
( هذا ) والصحيح فى تفسير الآية خلاف ذلك ، فقد قال الإمام الطبرى
رحمه الله (١٦٧/٣٠-١٦٨) - بعد أن ذكر رواية أخرى أنكر من هذه تفسر.
نزول السورة بسبب يتعلق بملك بنى أمية ! -: (( وأشبه الأقوال فى ذلك بظاهر
التنزيل قول من قال : عمل فى ليلة القدر خير من عمل ألف شهر ليس فيها
ليلة القدر . وأما الأقوال الأخرى فدعاوى معانٍ باطلة لا دلالة عليها من خبر
ولا عقل، ولا هى موجودة فى التنزيل ». قلت: وهذا الذى رجحه الطبرى
مروى عن مجاهد وقتادة والإِمام الشافعى وغيرهم . قال الحافظ ابن كثير رحمه الله
(٥٣١/٤): ((وهذا القول بأنها أفضل من عبادة ألف شهر ليس- فيها ليلة القدر
- ٢٥ -

هو اختيار ابن جرير ، وهو الصواب لا ماعداه . وهو کقوله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم: ((رباط ليلة فى سبيل الله، خير من ألف ليلة فيما سواه من المنازل)).
رواه أحمد . وكما جاء فى قاصد الجمعة بهيئة حسنة و نية صالحة أنه یکتب له عمل
سنة أجر صيامها وقيامها إلى غير ذلك من المعانى المشابهة لذلك)) ا.هـ. والله
أعلم. قلت: يعنى بالثانى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((من غسَّل
واغتسل يوم الجمعة ثم بكّر وابتكر ، ومشى ولم يركب ، ودنا واستمع ولم يلغُ ،
كان له بكل خطوة يخطوها، عمل سنة، صيامها وقيامها)). وهو فى (( صحيح
الجامع )) (٣٢٥/٥) بنحوه . أما الأول ، فلم أجده عند أحمد وكذا الترمذى
والنسائى والحاكم إلا بلفظ: ((رباط يوم ... خير من ألف يوم)). وإسناده
حسن، وقال الترمذى: ((حسن صحيح غريب))، وصححه الحاكم ووافقه
الذهبى، وضعفه الشيخ الألبانى فى تخريج ((المشكاة)) (٣٨٣١) مشيراً إلى جهالة
أبى صالح مولى عثمان ، وليس هو كذلك ، فقد وثقه العجلى وابن حبان ، وصحح
له المذكورون وقال العجلى: (( روى عنه زهرة بن معبد والمصريون» فهو
صدوق - على أقل حالاته - والله أعلم .
- ٢٦ -

الحديث الخامس :
((اسم الله الذى إذا دعى به أجاب ، وإذا سئل به أعطى : دعوة يونس
ابن متى )) ضعيف . رواه الطبرى (٦٥/١٧) من طريق على بن زيد بن جدعان
عن سعيد بن المسيب قال : سمعت سعد بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى
الله عليه وعلى آله وسلم يقول : ... فذكره، وفيه: (( قال: فقلت: يا رسول الله ،
هى ليونس بن متى خاصة أم لجماعة المسلمين ؟ قال : هى ليونس بن متى خاصة
وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها ، ألم تسمع قول الله تبارك وتعالى: ﴿فنادى فى
الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجبنا له ونجيناه
من الغم . وكذلك ننجى المؤمنين﴾. فهو شرط الله لمن دعاه بها)) اهـ. وهذا
إسناد ضعيف لضعف ابن جدعان، قال الحافظ (٤٧٣٤): ((ضعيف ، من
الرابعة)) . وله طريق أخرى ، لكنها واهية جداً، عند الحاكم (٥٠٥/١- ٥٠٦)
من طريق أحمد بن عمرو بن بكر السكسكى ( كذا ) حدثنى أبى عن محمد بن
يزيد ( كذا ) عن سعيد بن المسيب عن سعد بن مالك رضى الله عنه قال : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: ((هل أدلكم على اسم الله
الأعظم الذي إذا دعى به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ؟ الدعوة التى دعا بها
يونس حيث ناداه فى الظلمات الثلاث : ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت
من الظالمين ﴾ . فقال رجل : يا رسول الله ، هل كانت ليونس خاصة أم
للمؤمنين عامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : ألا تسمع
قول الله عز وجل: ﴿فتجيناه من الغم. وكذلك ننجى المؤمنين﴾. وقال
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( أيما مسلم دعا بها فى مرضه أربعين مرة
فمات فى مرضه ذلك أعطى أجر شهيد، وإن برأ برأ وقد غفر له جميع ذنوبه )).
وسكت عنه الحاكم والذهبى . وهذا إسناد واه جداً ، يشبه أن يكون موضوعاً .
و: ((أحمد بن عمرو بن بكر)) كذا فى الكتاب ، وصوابه - إن شاء الله - :
(((إبراهيم بن عمرو بن بكر))، فإنه هو المعروف بالرواية عن أبيه ، وبرواية محمد
- ٢٧ -

ابن الحسن بن قتيبة العسقلانى عنه - وهو راوية عنه عند الحاكم - ، ولم أقف
لإبراهيم على أخٍ اسمه: ((أحمد))، بعد جهد .
وإبراهيم، قال ابن حبان فى (( المجروحين)) (١١٢/١): ((يروى عن أبيه
الأشياء الموضوعة التى لا تعرف من حديث أبيه ، وأبوه أيضا لا شىء فى
الحديث ، فلست أدرى أهو الجانى على أبيه أو أبوه الذى كان يخصه بهذه
الموضوعات ... )) الخ. وقال الدارقطنى فى ((الضعفاء)) (١٩): ((رَمْلى،
متروك)). وأبوه، قال الذهبى فى ((الميزان)) (٢٤٧/٣): ((واه . قال ابن
عدى: له أحاديث مناكير عن الثقات ... )) حتى قال: (( أحاديثه شبه
موضوعة)). وقال الحافظ (٤٩٩٣): ((متروك)). وشيخه ، صواب اسمه :
((محمد بن زيد)) لا: ((ابن يزيد))، وهو ابن المهاجر بن قنفذ، فإنه هو الذى
یروى عنه عمرو بن بكر كما فى (( التهذيب)) (٨/٨)، ويروى هو عن سعيد
ابن المسيب . وهو ثقة . وهذه قرينة أخرى على وقوع التحريف فى هذا الإِسناد ،
ولاح لى الآن - أثناء تبييض الكتاب للمرة الثانية - أن ذاك الهالك أو أباه ،
أراد أحدهما أن يقول: ((عن على بن زيد))، فلم يقوّ !!.
وقد زاد على رواية على بن زيد زيادة عليها لوائح الكذب ، فالله أعلم .
( ورُوِى ) الحديث عن الحسن البصرى رحمه الله - مقطوعاً - بإسناد واه
جداً أيضاً . قال ابن أبى حاتم رحمهما الله: (( حدثنا أبى حدثنا أحمد بن أبى
سريح حدثنا داود بن المحبر بن تحذم المقدسى)). كذا فى ((ابن كثير))
(١٩٣/٣)(١٤) عن كثير بن معبد قال: ((سألت الحسن فقلت : يا أبا سعيد :
اسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ؟ قال ابن أخى ،
أما تقرأ القرآن، قول الله تعالى: ﴿وذا النون إذا ذهب مغاضباً - إلى قوله -
وكذلك ننجى المؤمنين﴾. ابن أخى ، هذا اسم الله الأعظم ، الذى إذا دعى
به أجاب ، وإذا سئل به أعطى)). وداود بن المحبر كذاب ، كذبه الإِمام أحمد
وغيره، واتهمه الدار قطنى بأنه سرق كتاب ((العقل)) من ميسرة بن عبد ربه
(١٤) جاء فيه: ((ابن أبى شريح)) و: ((ابن محذم))، وجاء فى طبعة دار الشعب (٣٦٤/٥)
على الصواب .
- ٢٨ -
:

الفارسى - الوضَّاع -، وركب له أسانيد لنفسه . وقال الحافظ (١٨١١)،
((متروك، وأكثر كتاب ((العقل)) الذى صنفه موضوعات)). قلت: ونسبته
فى هذا الإسناد: ((مقدسياً)) لا أدرى ما وجهها، فإنه ثقفى بكراوى بصرى،
ثم بغدادى. وأما شيخه - كثير بن معبد - ، فهو القيسى . قال الذهبى
(٤١٠/٣): ((لا يكاد يُعرف. ضعفه الأزدى)). وأقره الحافظ فى ((اللسان))
(٤٨٤/٤) وزاد: ((وقال: لا أعلم له حديثا مسنداً)). قلت: وأعضل أمره
على محققى ((تفسير ابن كثير)) ((ط. دار الشعب))، فقالوا: ((كذا ولم نجده
( !! ). ولعله كثير بن سعيد، المترجم فى ((الجرح)) لابن أبى حاتم:
(١٥٢/٢/٣) ( !! ). وكثير هذا، هو ابن سعد بن رومان، و: ((ابن سعيد )
تحريف كما نبه المعلق على ((ثقات ابن حبان)) (٣٥٠/٧). وقد اتفق
البخارى وابن أبى حاتم وابن حبان على أنه يروى عن أبيه عن ابن عمر ، وعنه
محمد بن مطرف ، ولم يزيدوا .
( تنبيه) : وقد أورد الإمام السيوطى رحمه الله الحديثين والأثر فى رسالته :
((الدر المنظم فى الاسم الأعظم)) من كتابه ((الحاوى فى الفتاوى)) (٣٩٧/١) -
مع حديث عزاه للنسائى والحاكم عن فضالة بن عبيد رضى الله عنه مرفوعا :
((دعوة ذى النون فى بطن الحوت ﴿لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من
الظالمين )، لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له )) - مستدلاً بها
لمن ذهب إلى أن دعوة ذى النون هى اسم الله الأعظم . وقد علمت ما فى
الحديثين - أو قل : الطريقين - والأثر من المطعن . أما ما عزاه لفضالة بن عبيد ،
فلم أجده عند النسائى فى: (( عمل اليوم والليلة )) والحاكم - ولا عند غيرهما -
إلا من حديث سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه . ثم وجدت الحافظ المنذرى
رحمه الله - بمحض القدر - يورد فى ((الترغيب)) (٨٣٠/٢-٨٣١) حديث
فضالة بن عبيد رضى الله عنه ، قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم قاعد إذا جاء رجل فصلى، فقال: اللهم اغفر لي وارحمنى ، فقال
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : عجلت أيها المصلى ، إذا صليت فقعدت
- ٢٩ -

فاحمد الله بما هو أهله وَصلُ عَلَّ ثم ادعه ، قال : ثم صلى رجل آخر بعد ذلك
فحمد الله ، وصلى على النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فقال له النبى صلى
الله عليه وعلى آله وسلم: أيها المصلى، ادعُ تُجَبْ)). ثم أورد عقبه (٨٣١/٢)
حديث سعد رضى الله عنه مرفوعا: (( دعوة ذى النون إذ دعاه وهو فى بطن
الحوت : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ، فإنه لم يدع بها رجل
مسلم فى شىء قط إلا استجاب الله له)). وعزاه للترمذى، قال: ((واللفظ له))
والنسائى والحاكم، وقال: ((صحيح الإسناد ))، فسبق إلى قلبى أن هذا منشأ
وهم السيوطى عفا الله عنه ، إما انتقال بصر ، أو وهم فى العزو بسبب الاعتماد
على الذاكرة ، فالله أعلم .
ثم إن دلالة حديث سعد - باللفظة الصحيحة لا المنكرة - ليست قطعية ،
إذ يفهم من الحديث أن الدعاء بهذه الدعوة مستجاب ، ولا يلزم - بالضرورة -
أن تكون متضمنة للاسم الأعظم ، فقد يكون هناك سبب آخر سوى هذا ، نظير
قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - فيما فى ((صحيح البخارى)) و ((السنن))
وغيرها عن عبادة بن الصامت رضى الله عنه: (( من تعارَّ من الليل ، فقال:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شىء قدير ،
سبحان الله، والحمد لله ، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا
بالله ، فدعا استجيب له ، فإن هو عزم ، ثم قال : رب اغفر لي ، غفر له .
أو قال : فقام فتوضأ وصلى ، قبلت صلاته )) لفظ البيهقى. وقول أبى نعيم فى
((الحلية)) (١٥٩/٥): ((صحيح متفق عليه من حديث عمير بن هانىء
والأوزاعى )) إن كان يقصد الاتفاق الاصطلاحى ، فهو وهم ، لأنه من أفراد
البخارى . والله أعلم . فالمقصد - كما يقول كثيراً صاحب القلم السيال والسحر
الحلال ، الإِمام ابن قيم الجوزية روَّح الله روحه - أن حديث سعد - من طريقيه
الضعيفين -: ((صريح غير صحيح))، وباللفظة الثابتة من مجموع الطرق :
((صحيح غير صريح)). والعلم عند الله تعالى .
وكنت سأورد حديثاً صحيحاً يرويه أبو أمامة الباهلى رضى الله عنه استدل
- ٣٠ -

أحد رواته به على أن الاسم الأعظم هو: ((الحى القيوم))، ولكن استوقفنى
كلام متين جداً للإمام الطحاوى رحمه الله فى ((مشكل الآثار)) - بخصوص
اختلاف الأحاديث فى تعيين الاسم الأعظم . ولما كان ما أسطره الآن لا يتعلق
بتقرير حكم ولا تصحيح معنى ، فلا جناح عَلَّ فى الاكتفاء بهذه الإِشارة إن
شاء الله تعالى ، وهو سبحانه المستعان .
٢
- ٣١ -

الحديث السادس :
((أفضل الحسنات، تكرمة الجلساء)).
ضعيف جداً، أو موضوع. رواه القضاعى فى (( مسند الشهاب))
(١٢٨٥)، قال: (( أخبرنا أحمد بن منصور التسترى ، أنبا القاضى أبو بكر محمد
ابن يحيى بن إسماعيل الضبعى الأهوازى ، ثنا الحسن بن زياد أبو عبد الله الكوفى ،
ثنا ابن أبى بشر حدثنى وكيع عن الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله بن
مسعود ... ))، فذكره مرفوعا. ولم أقف على من يُدعى: ((أحمد بن منصور
التسترى))، فالظاهر أنه محرف من: ((محمد بن منصور ... ))، أحد شيوخ
القضاعى الكذابين كما قدمنا فى ((تبييض الصحيفة)) (٢٧،٥). والرجلان فوقه
لم أقف لهما على ترجمة ، وابن أبى بشر - الراوى عن وكيع - لم يتبين لى من
هو ؟ ولم أجهد نفسى فى تعيينه إذ لا جدوى من وراء ذلك فى وجود الكذاب
المذكور . وقد عهدنا عليه الرواية عن المجهولين - كما فى الحديثين المشار إليهما
آنفا - ، فلعل هؤلاء أيضا من مخيلته ، عامله الله تعالى بما يستحق . وقد قال
الشيخ حمدى السلفى حفظه الله فى تحقيق ((مسند الشهاب)) - تعليقا على هذا
الحديث -: (( الحسن بن زياد اللؤلئى كذبه غير واحد ، فالحديث موضوع))
اهـ. كذا قال - عفا الله عنه - ظناً منه أن الحسن بن زياد الكوفى الذى فى هذا
الإسناد ، هو اللؤلئى صاحب الإمام أبى حنيفة رحمه الله ، وليس به لأمرين :
الأول: أن اللؤلئى كنيته أبو على، كما قال الخطيب رحمه الله فى ((تاريخ
بغداد )» (٣١٤/٧) . وهذا کنیته أبو عبد الله ، کما فى الإسناد .
الثانى : أن اللؤلؤى متقدم بطبقتين عن هذا ، فإنه من أقران وكيع . وهذا
يروى عن رجل عن وكيع . ومن غير الممكن للحافظ القضاعى رحمه الله ، المتوفى
(٤٥٤ هـ ) أن يكون بينه وبين الحسن بن زياد اللؤلئى، المتوفى (٢٠٤) رجلان
فقط. وهذا بَيِّن جداً لا خفاء فيه. والحديث فى ((الجامع الصغير)) (١٢٤٩)
مرموزاً لضعفه ، وقد أطال الحافظ المناوى عفا الله عنه فى شرحه جداً فى
- ٣٢ -

((الفيض)) (٣٢/٢)، ثم لم يتكلم على إسناده بشىء! أما الشيخ الألبانى
حفظه الله، فقطع بوضعه فى ((ضعيف الجامع)) (٣١٤/١)، وأحال على
((الضعيفة)) (٢٨٣٤) .
. ( ورُوِى ) موقوفا على ابن عباس رضى الله عنهما بإسناد واه عند أبى سعد
السمعانى رحمه الله فى (( أدب الإملاء والاستملاء)) ( ص ١٢٦ ) من طريق
الحافظ ابن حبان رحمه الله عن عمر بن محمد الهمدانى عن محمد بن سهل بن
عسكر وسعيد بن كثير بن عفير ثنا الفضل بن المختار ( فى الأصل : المفضل ،
وهو خطأ) عن أبى جَمْرة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: (( إن من أفضل
الحسنات ، تكرمة الجلساء)) .
وهذا إسناد ضعيف جداً ، الفضل بن المختار هو البصرى ، نزيل مصر .
قال ابن أبى حاتم فى ((الجرح)) (٦٩/٧): ((سألت أبى عنه، فقال: هو
مجهول، وأحاديثه منكرة، يحدث بالبواطيل)). وقال العقيلى فى ((الضعفاء
الكبير)) (٤٤٩/٣) والأزدى: ((منكر الحديث)) زاد الآخر: ((جداً)).
وقال ابن عدى فى ((الكامل)) (٢٠٤٢/٦): ((وعامته - يعنى عامة حديثه -
مما لا يتابع عليه إما إسناداً، وإما متناً)). وساق له الذهبى فى ((الميزان))
(٣٥٨/٣-٣٥٩) أربعة أحاديث، قال عقبها: ((فهذه أباطيل وعجائب)). وختم
ترجمته بخامس قال عقبه: ((وهذا يشبه أن يكون موضوعا. والله أعلم)) اهـ.
قلت : فلعل هذا أيضا موضوع على ابن عباس . والله أعلى وأعلم .
- ٣٣ -

الحديث السابع :
((اللهم إنى ضعيف ، فقو فى رضاك ضعفى، وخذ إلى الخير بناصيتى ،
واجعل الإِسلام منتهى رضائى، اللهم إنى ضعيف فقونى ، وذليل فأعزنى ، وفقير
فارزقنى )» ضعيف جداً أو موضوع .
رواه ابن أبى شيبة (٢٦٨/١٠) وعنه الحاكم (٥٢٧/١) - باختصار بعضٍ من
أوله - من طريق محمد بن فضيل عن العلاء بن المسيب عن أبى داود الأودى
عن بريدة رضى الله عنه قال : قال لى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
((ألا أعلمك كلمات من أراد الله به خيراً علمه إياهن ثم لم ينسه إياهن أبداً ؟
قال: قل .... ))، فذكره .
وقال الحاكم: ((هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه)). فتعقبه الذهبى
بقوله: (( قلت: أبو داود الأعمى متروك الحديث)) . ورواه أيضا الطبرانى فى
((الأوسط)) قال الهيثمى (١٨٢/١٠): ((وفيه أبو داود الأعمى ، وهو ضعيف
جداً)). وأورد بعضه السيوطى فى ((الجامع)) (٦١٣٧) معزواً للحاكم عن بريدة.
وقال فى ((ضعيف الجامع)) (١٢٣/٤): ((موضوع)). قلت: والعجب من
قول الحاكم - عفا الله عنه - ((صحيح الإسناد)) مع أنه هو القائل فى أبى داود
هذا: ((روى عن بريدة وأنس أحاديث موضوعة))! كما قدمنا فى ((التبييض))
(٣٩). وقد رواه أبو داود هذا على لون آخر، فعند الطبرانى فى ((الكبير)) من
حديث عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما قال: (( لقينى رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم فقال : ألا أعلمك كلمات من أراد الله به خيراً علمه إياهن ؟
قلت : بلى يا رسول الله . قال : قل : اللهم إنى ضعيف ، فقو فى رضاك ضعفى ،
وإنى ذليل فأعزنى، وإنى فقير فأغننى)). قال الهيثمى (١٧٩/١٠): ((وفيه أبو
داود الأعمى ، وهو متروك )) اهـ. قلت : ولا أدرى إن كان قد رواه عن ابن
عمرو رأساً أم بواسطة ، ولا إن كان فى الطريق إليه ضعف ، أم السند ثابت
٣٤.٠ -

إليه، فإن أحاديث: ((ابن عمرو)) من (( المعجم الكبير )) وقعت فى أحد الأجزاء
المفقودة ، والله المستعان .
وأورد السيوطى الحديث بتمامه فى ((الجامع)) (٢٨٨٢) معزواً للطبرانى عن ابن
عمرو ، وأبى يعلى والحاكم عن بريدة. وفى ((ضعيف الجامع)) (٢٤٧/٢) -
أيضا -: ((موضوع)). وفى ((تخريج الإحياء)) (٩٩٥): (( ... وقال العراقى :
رواه الحاكم من حديث بريدة ، وقال: صحيح الإسناد)) اهـ. قلت ( القائل :
الزبيدى ): وكذلك رواه أبو يعلى، ورواه الطبرانى فى ((الكبير )) من حديث
عبد الله بن عمرو ، وفى الإِسناد أبو داود الأعمى ، وهو متروك ... )). قلت :
ومما يؤخذ على الإِمام العراقى روَّح الله روحه - وكذلك غيره - أنه يحكى
تصحيح الحاكم للحديث الواهى الإسناد ، ولا يتعقبه ، ويكون الإِمام الكبير الحافظ
الذهبى رحمه الله قد تعقبه وبيَّن شدة ضعفه . والمعتمد عند أهل التحقيق ألا يؤخذ
تصحيح الحاكم للأحاديث أمراً مسلماً به ، بل ينبغى أن يقابل قوله بما حكم عليه
الذهبى - فى ((تلخيص المستدرك)) - ، فمن بعده من أهل الشأن من إقرار لهذا
التصحيح أو تعقب . كذلك القول بتحسين ما سكت عنه - احتياطا -
متعَقَّب ، بل يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله كما حكاه العراقى نفسه - رحمه الله -
عن ابن جماعة رحمه الله. انظر ((الباعث الحثيث)) للعلامة أحمد شاكر رحمه الله
( ص ٢٦-٢٧ . ط . دار الكتب العلمية ) .
( هذا) والحديث مروى مقطوعاً على الحكم بن عتيبة الفقيه الكوفى
رحمه الله ، بإسناد واه أيضا عند عبد الرزاق (١٩٦٥١) عن معمر فى ((جامعه))
عن أبان - وهو ابن أبى عياش - عنه أنه كان يقول: (( ثلاث من يرد الله به
الخير يحفظهن ، ثم لا ينسيهن : اللهم إنى ضعيف فقوٌّ فى رضاك ضعفى ، وخذ
إلى الخير بناصيتى ، واجعل الإِسلام منتهى رضائى)). وأبان متروك الحديث ،
وكان الإمام شعبة بن الحجاج رحمه الله يكذبه ويقول: ((لأن أزنى أحبُّ إلَى
من أن أروى عن أبان بن أبى عياش )). وفى رواية: (( لأن أشرب من بول حمارٍ
حتى أروى ، أحب إلَى من أن أقول : حدثنى أبان بن أبى عياش)) هذا ، وكنت
- ٣٥ -

قد وقفت بعد كتابة ما تقدم على حديث بريدة عند الإمام الطحاوى رحمه الله
فى ((مشكل الآثار)) (٦٤/١-٦٥) من طريقين عن مندل بن على (وهو
العنزى ، أحد الضعفاء ) عن العلاء بن المسيب به ، وبوب عليه : ( باب بيان
مشكل ماروى عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم : اللهم قوِّ فى
طاعتك(١٥) ضعفى). ثم قال عقبه: (( فتأملنا هذين الحديثين عن رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فوجدنا الضعف لا يكون قوة أبداً ، ووجدنا
القوة لا تكون ضعفاً أبداً ، لأن كل واحد منهما ضد الآخر ، ولا يكون الشىء
ضداً لنفسه أبداً، إنما يكون ضداً لغيره ، وكان الضعف والقوة لا يقومان
بأنفسهما ، إنما يكونان حالين عن أبدان الحيوان من بنى آدم ومن سواهم ، فيعود
ما يحل فيه الضعف منهما الضعيف ، وما يحل فيه القوة منهما قوياً ، ( فعقلنا )
بذلك أن دعاءه صلى الله عليه وعلى آله وسلم عز وجل ( كذا ) أن يجعل ضعفه
قوة ، إنما مراده فيه ( كذا ) - والله أعلم - أن يجعل ما فيه الضعف منه وهو
بدنه - قوياً ، فهذا أحسن ما وجدنا فى تأويل هذا الحديث ، والله نسأله التوفيق ))
اهـ. قلت : ثَبِّت العرش - يا فقيه مصر ومفخرتها - ثم انقش ، فإن حال أبى
داود نفيع الأعمى لا يخفى على العميان ! فضلاً عن إمام بصير بالأسانيد والرجال
مثلك . وإذا لم يثبت الحديث ، بل لم يكن ضعفه محتملاً - على مذهب الآخذين
به فى الفضائل - ، فما كان من داع إلى إيراده فى هذا الكتاب أصلاً ، فضلاً
عن تأويل مُشكله إلا من باب الجواب عنه على افتراض ثبوته - دفعاً لاستشكال
من توهم صحته - وما أظن أحداً من أهل العلم قال بصحته - من السابقين
للإمام الطحاوى عفا الله عنه - وهنا نُكتة ، فإن الحاكم ولد فى السنة التى توفى
فيها الطحاوى (٣٢١) رحمة الله عليهما وعلى أئمة الهدى ومصابيح العلم . فلا
تعلق بتصحيح الحاكم أصلاً . ثم إن الإِمام محمد بن إدريس الشافعى القرشى
رحمه الله ، قد أنكر هذا الدعاء أصلاً - وهو من هو فى بزِّه أئمة اللغة فى زمانه
حتى عدُّوا كلامه لغة فى نفسه رحمه الله -، فقد روى البيهقى فى (( مناقب
(١٥) كذا، وفى الروايتين اللتين أوردهما - على الجادة -: ((اللهم قوِّ فى رضاك ضعفى)).
- ٣٦ -

الشافعى)) (١١٦/٢-١١٧) عن الربيع بن سليمان قال: دخلت على الشافعى
يوماً ، وهو عليل ، فقلت : كيف أصبحت يا أبا عبد الله ؟ قال : أصبحت والله
ضعيفا . قال : فقلت : قوى الله ضعفك ، فقال : ويحك يا ربيع ، إن قوى
الضعف منى قتلنى . فقلت : والله - جعلت فداك - ماأردت إلا الخير ، فكيف
أقول ؟ قال : قل : قوى الله قوتك، وأضعف ضعفك ... ))(١٦). فهذا الذى
ينبغى اعتماده والركون إليه ، فالعجب ممن يواجه بسقوط هذا الدعاء من جهة
إسناده ومتنه ، فيصر عليه تعللاً برأى أحد الدكاترة الأفاضل - ممن نظنهم من
الصداعين بالحق ولا نزكى على الله أحداً - ، وهذا التعلل من الآفات المستشرية
فى الساحة ، نسأل الله تعالى تخليصنا منها ومن غيرها . إنه سميع قريب . هذا ،
وهناك عشرات من الأدعية الجامعة الثابتة عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم
وأصحابه والذين اتبعوهم بإحسان رضوان الله عليهم جميعاً ، تغنى عن التشبث
بمثل هذا ، فنسأله تعالى أن ييسر للمسلمين من يذللها لهم . آمين .
استدراك :
ثم وجدت للحديث طريقيين واهيين جداً ، أحدهما عند ابن الأعرابى فى ((معجمه))
(١٠٦١) عن ابن عمر . وفيه غسان بن مالك ، تناوله أبو حاتم ، عن عنبسة بن
عبد الرحمن - متروك رمى بالكذب والوضع - عن محمد بن رستم الثقفى لم أجد
له ترجمة ولا ذكر - عنه . وفى المتن زيادة.
والثانية: ذكرها محقق ((المعجم)) من رواية ابن شاهين فى ((الأفراد)) (٢١/٥/ ب)
من حديث عائشة، وقال ابن شاهين: ((هذا حديث غريب فرد من حديث إبراهيم بن
سعد عن أبيه (يعنى عن القاسم عنها)، لا أعلم حدث به إلا القُدامى)). اهـ. قلت :
هو عبد الله بن محمد بن ربيعة القدامى أحد الهلكى ، كان يعمد إلى أحاديث الضعفاء
عن الزهرى فيجعلها عن مالك. وقال الحاكم و النقاش: ((روى عن مالك أحاديث
موضوعة)). قلت: وروايته هذا المتن بإسناد صحيح كالشمس من أكبر الأدلة على اتهامه.
(١٦) وهو فى ((آداب الشافعى ومناقبه)) (ص ٢٧٤) لابن أبى حاتم مفرقا على طريقين بنحوه .
ورواه أبو نعيم فى ((الحلية)) (١٢٠/٩) من طريقين عن الربيع بمعناه. وانظر حاشية
كتاب ابن أبى حاتم ، فقد ذهب ابن الجوزى إلى أن الإمام الشافعى أخذ بظاهر اللفظ
وأن الربيع تجوز والشافعى قصد الحقيقة ، وأراد مباسطة الربيع ، وإن كان دعاؤه صحيحاً .
- ٣٧ -

الحديث الثامن :
((اللهم هذه قسمتى فيما أملك ، فلا تلمنى فيما تملك ولا أملك)) ضعيف ،
مُعَلِّ بالإِرسال .
رواه الإمام أحمد (١٤٤/٦) وأبو داود (٤٩٢/١) والترمذى (٣٠٤/٢)
والنسائى (٦٣/٧-٦٤) والدارمى (٤٠٤/٢) وابن ماجه (١٩٧١) وابن أبى شيبة
(٣٨٦/٤-٣٨٧) وابن حبان (١٣٠٥- موارد) والحاكم (١٨٧/٢) والبيهقى
(٢٩٨/٧) والخطيب فى (الموضح)) (١٠٧/٢) من طرق كثيرة عن حماد بن
سلمة عن أيوب عن أبى قلابة عن عبد الله بن يزيد - رضيع عائشة - عنها
رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقسم بين نسائه
فيعدل، ثم يقول : .... )) الحديث. قال أبو داود: ((يعنى القلب)). وهذه
رواية عفان عند الإمام أحمد ، وبشر بن السرى عند الترمذى كلاهما عن حماد .
ورواية يزيد بن هارون عند أحمد والنسائي وابن ماجه وابن أبى شيبة وابن حبان :
((اللهم هذا فعلى)) - وهى مرجوحة بلا شك -، ولفظ غير هؤلاء: ((اللهم
هذا قسمی )) . وهذا إسناده رجاله كلهم ثقات لكنه مُعَلّ، ومع ذلك جرى
على ظاهره ابن حبان والحاكم فصححاه. وغفل محققاً(١٧) ((زاد المعاد))
(١٥١/١) فقالا: (( ... وصححه الحاكم، ووافقه الذهبى، وهو كما قالا)) إذ
كان يلزمهما عرض هذا الحديث على كتب ((العلل)) للتوثق من وجود الشرطين
الرابع والخامس من شروط صحة الحديث ، ألا وهما: ((السلامة من الشذوذ
فى السند والمتن، والسلامة من العلة القادحة فى السند والمتن )). وهما يستفيدان
كثيراً من جهد الشيخ ناصر حفظه الله - فى ((الزاد)) وغيره - ، دون أن ينسباه
إليه ، فيشاء العلى القدير أن يتخليا عن ذلك فى هذا الحديث المعلول خاصَّة .
(١٧) لم أكن قد تعرضت لهما - قبل التبيض النهائى للكتاب - ، ولكننى استخرت الله عز
وجل على حذف أو زيادة ما يوفقنى جل وعلا لحذفه أو زيادته ، وهو حسبى ونعم
الوكيل .
- ٣٨ -
٠

فيقعان فيما وقعا فيه . والحديث قد أعله جمع من الأئمة الحذاق كالترمذى
والنسائى - فلم يحكيا كلامهما أو ينشطا للتحقق من هذا الإِعلال - وأبو
زرعة وابن أبى حاتم ، وغيرهم كثيرون(١٨). وخلاصة الأمر أن ثلاثة من الحفاظ
الأثبات قد روؤه عن أيوب عن أبى قلابة عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم
مرسلاً - بإسقاط عبد الله بن يزيد وعائشة خلافا لحماد بن سلمة - ، هم :
حماد بن زيد ، وإسماعيل بن علية ، وعبد الوهاب الثقفى كما بينت بالتفصيل
فى ((تخريج الحقوق)) للشيخ ابن عثيمين حفظه الله (٢٠)، وذكرت هناك ما
يُغنى ، والله المستعان .
وقد أوردت هذا الحديث ههنا - بهذا الاختصار فى تخريجه - لأنه ( رُوِى )
معناه عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه ، ففى (( تفسير الطبرى ))
(٢٠٢/٥) من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة قال: ((ذُكِر لنا أن عمر
ابن الخطاب كان يقول : اللهم أما قلبى فلا أملك ، وأما سوى ذلك ، فأرجو
أن أعدِل)) . وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه بين قتادة وعمر ، بل هو فى الغالب
معضرُ ، فإن الغالب فيما يرويه قتادة بإسناده إلى عمر أن يكون بينهما فيه
رجلان - أو أكثر - لا سيما والرجل إليه المنتهى فى الحفظ والإتقان ، فلو كان
بينهما واحد - كأنس رضى الله عنه أو غيره - لصاح به قتادة إن شاء الله تعالى .
والأثر لم أقف له على طريق سوى هذه ، فالله أعلم .
(١٨) وقال الحافظ ابن رجب الحنبلى رحمه الله فى ((شرح علل الترمذى)) (ص ٣١١) ((وقد .
قال أحمد فى حديث أسنده حماد بن سلمة : أى شىء ينفع وغيره يرسله » كما نقله عنه
الشيخ مقبل بن هادي الوادعى حفظه الله فى مقدمة («الإلزامات والتتبع)) للدارقطنى (ص
١٣). وانظر بحثه حول: ((زيادة الثقة)) فيها، فإنه نفيس جداً. وهذا النص عن الإمام
أحمد لم أجده فى ((علله)) من رواية عبد الله ولا المروذى ، فلا أدرى أيقصد هذا الحديث
أم غيره .
- ٣٩ -

الحديث التاسع
:
(( اللهم لا تقتلنا بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك ، وعافنا قبل ذلك » ( دعاء
عند سماع الرعد والصواعق ). ضعيف. رواه الإمام أحمد (١٠٠/٢-١٠١)
والبخارى فى ((الأدب المفرد)) (٧٢١) - بلفظ: ((اللهم لا تقتلنا
بصعقك ... )) - وابن أبى شيبة (٢١٦/١٠) والترمذى (١٦٦/٥) والنسائى فى
((اليوم والليلة)) (٩٣٤) والدولابى فى ((الكنى والأسماء)) (١١٧/٢) وابن السنى
(٣٠٤) والطبرانى فى ((الكبير)) (٣١٨/١٢) و((الدعاء)) (٩٨١) من طرق عن
عبد الواحد بن زياد عن الحجاج بن أرطاة عن أبى مطر عن سالم بن عبد الله
عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان إذا سمع الرعد والصواعق
قال :(( ... )) فذكره .
ورواه النسائي (٩٣٣) والحاكم (٢٨٦/٤) - من طريقين عن عبد الواحد به -
بإسقاط الحجاج بينه وبين أبى مطر ، والصحيح : عن عبد الواحد عن حجاج
عنه كما فى ((التهذيب)) (٢٣٨/١٢). ولفظ النسائى فى الموضع المذكور أولاً:
((كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا سمع الرعد والبرق قال: اللهم
لا تقتلنا غضباً، ولا تقتلنا نقمة، وعافنا قبل ذلك))، كأنه - هكذا - من
تصرف سيار بن حاتم العنزى - راويه عن عبد الواحد عنده - فإن فى حفظه
شيئاً ، وهو صدوق له أوهام كما قال الحافظ رحمه الله (٢٧١٤) .
والحديث إسناده ضعيف ، حجاج بن أرطاة - وإن كان كثير التدليس - لكنه
صرح بالتحديث فى أكثر الطرق ، لكنه مختلف فيه اختلافاً محيراً ، ومال الحافظ
إلى جانب تليينه، فقال (١١١٩): ((صدوق كثير الخطأ والتدليس)).
وشيخه - أبو مطر - مجهول العين. قال الذهبى فى ((الميزان)) (٥٧٤/٤): ((لا
يُدرى من هو)) وقال فى ((المغنى)) (٨٠٨/٢): ((نكرة)). وقال فى
((الكاشف)) (٣٧٨/٣) - مشيراً إلى لين التوثيق الوارد فيه -: ((وثق))، فهو
- ٤٠ -