النص المفهرس

صفحات 21-40

ثالثاً : ان عيسى هذا قد ورد الحديث عنه بالإثبات
كما رواه الثقات، اخرجه عنه الضياء المقدسي في («الأحاديث
المختارة)) ( ق ١٢٤(٢) من طريق إبراهيم بن الحسين ثنا
عيسى بن مينا به بلفظ: ((فقلت له سنة ؟ قال: نعم)).
فجزم بالإثبات ولم يشك ، وقال المقدمي عقبها :
((رواه الترمذي عن محمد بن اسماعيل عن سعيد بن أبي
مريم عن مهد بن جعفر وقال: حديث حسن)). وأقره .
وابن الحسين هذا هو ان ديزل وهو ثقة مأمون كما
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي . (١)
فهذا دليل واضح على ان رواية عيسى مثل رواية غيره
في الجزم بالإثبات . والظاهر ان اسماعيل القاضي نفسه هو
الذي لم يضبط الرواية عن عيسى جيداً ، وإن كان أشار في
الوقت ذاته إلى أنها هي الراجحة عنده بقوله (( .. احسبه))
وذلك من دقته في الرواية ، رحمه الله تعالى .
رابعاً : أنه قد خالف في ذلك جماعة من الثقات كلهم
جزموا في روايتهم عن محمد بن جعفر . أن أنساً قال :
((نعم)) بدون أي مك، وهؤلاء الثقات هم:
(١) شذرات (١٧٧/١ ).
- ٢١ -

الأول : عثمان بن سعيد الدارمي وهو ثقة ثبت حافظ
إمام ، (٢) ولفظ حديثه ... عن محمد بن كعب قال:
أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر ، وقد
رحلت دابته ولبس ثياب السفر ، وقد تقارب غروب الشمس،
فدعا بطعام فأكل منه ، ثم ركب ، فقلت له سنة ?
قال : نعم .
أخرجه البيهقي في سننه الكبرى (٢٤٧/٤) .
الثاني: إسماعيل بن اسحاق بن سهل ، وهو صدوق كما قال
ابن أبي حاتم (١٥٨/١/١)، ولفظه مثل لفظ حديث
الدرامي تماما .
أخرجه الدارقطني ( ص ٢٤١)، وقد عزاه إليه الشيخ
نفسه عن العراقي ، وهو من عجائبه ، فإنه سكت عنه مع
أنه صحيح الإسناد ، وآثر عليه رواية الشك مع ضعفها
ونكارتها وعدم صلاحيتها للمعارضة لو صحت كما سبق !
الثالث: محمد بن اسماعيل وهو الإمام البخاري صاحب
الجامع الصحيح » .
أخرجه عنه الترمذي (١ \١٥٢) وهو وإن لم يكن قد
ساق لفظه فإنه قد أحال فيه على لفظ حديث عبد الله بن جعفر
(٢) شذرات (١٧٦/٢) .
- ٢٢ -

المصرح بالإثبات، وذلك بقوله عقبه: ((نحوه)) مشيراً بذلك
إلى أنه مثله في المعنى .
فهذا القول من الترمذي وإِن كان لا يقتضي أن رواية
البخاري لفظها مثل لفظ حديث عبد الله بن جعفر كما قال
العراقي ، فإنه لا ينفي أن يكون مثلها في المعنى ، بل هو
نص على اتحادهما في المعنى، كما هو مبين في علم ((مصطلح
الحديث)) (١) .
وإذا كان من الأمور المسلمة أن الألفاظ قوالب للمعاني ،
وأن المعاني هي المقصودة بالذات ، فلا يضرنا بعد ذلك اتفقت
الألفاظ أو اتحدت ، ولهذا اتفق جمهور العلماء على جواز
رواية الحديث بالمعنى بتفصيل مذكور في محله من هذا العلم :
((المصطلح))، وقالوا: ((ينبغي لمن يروي حديثاً بالمعنى بأن
بقول: أو كما قال، أو نحو هذا» .
فلو كانت رواية البخاري مثل رواية ابن مينا في المعنى لم
يجز الفول عقبها ((نحوه)) لأنها ليست مثلها في المعنى ، بخلاف
رواية عبد الله بن جعفر فإنها متحدة في المعنى مع رواية البخاري
ولذلك جاز للترمذي - وهو من أئمة هذا العلم - أن يقول
عقبها ((نحوه)) أي نحو حديث ابن جعفر في اللفظ ومثله في المعنى.
(١) أنظر مقدمة علوم الحديث لابن الصلاح (ص ١٩٩) طبع حلب.
- ٢٣ -

فإذا تبين هذا، فالاسترواح حينئذ إلى أن اللفظ مختلف
مما لا يجدي ، ما دام أن المعنى واحد !
على أن قول الترمذي ((نحوه)) لا ينفي الاتفاق بين
الروايتين في بعض ألفاظ الحديث ، فإذا ثبت أن لفظ حديث
مهد بن جعفر على الإثبات برواية الثقتين المذكورين ، فالأقرب
أنه هو المراد برواية البخاري هذه، وليس رواية ابن ميناء
الضعيف. إذ الأصل في روايات الثقات الاتفاق لا الاختلاف ،
إلا لدليل وهو هنا معدوم ، فثبت من ذلك أن رواية البخاري
كرواية الثقتين قبله وهو المراد .
الرابع : يحيى بن أيوب العلاف. وهو صدوق كما قال
الحافظ ابن حجر وغيره .
أخرج حديثه الطبراني في «المعجم الأوسط)) (٢/٩٨/١
من الجمع بينه وبين المعجم الصغير ) .
وهو وإن كان قد خالف من قبله في بعض الحديث
كما سيأتي تحقيقه ، فقد تابعهم على رواية الحديث على الصواب
في باقيه ، فكان في ذلك حجة على صحة رواية الإثبات .
. فقد اتفق هؤلاء الثقات الأربعة جميعاً على أن رواية
مهد بن جعفر الثقة لهذا الحديث على الإثبات ، وانها في
ذلك مثل رواية عبد الله بن جعفر سواء ، فإِذا تذكرت أن
- ٢٤ -

عيسى بن ميناء قد خالفهم عنه في هذه الرواية - على التفصيل
الذي سبق بيانه - وأنه ضعيف لم يجز بوجه من الوجوه
ترجيح روايته على روايتهم ، والجزم بأن روايته هي لفظ
رواية محمد بن جعفر كما فعل العراقي - سامحه الله - بل العكس
هو الصواب، كما لا يخفى على ذوي الألباب . ذلك لأن
من المقرر في علم الحديث أن الثقة إذا خالف في حديثه
من هو أحفظ منه أو أكثر عدداً فحديثه ناذ ، وإذا
كان المخالف ضعيفاً فحديثه منكر، (١) فلو أن ابن مينا كان
ثقة لكان حديثه هذا اذاً مردوداً ، فكيف وهو ضعيف !!
فلا منك في أن حديثه منكر مرفوض !
وهنا نقف قليلًا لنتساءل : هل اطلع فضيلة الشيخ الحبشي
على رواية هؤلاء الثقات ، أم خفيت عليه ؟
الجواب عن الأمر الرابع
٤ - وأما الأمر الرابع، وهو الاختلاف فيه على سعيد بن
أبي مريم ، فالجواب عنه يمكن أن يؤخذ من الفصل السابق ،
ولكن لا بد من ايضاحه فأقول :
(١) أنظر ((تدريب الراوي)) (ص ١٥١ - ١٥٢) طبع المكتبة
العلمية بالمدينة المنورة .
- ٢٥ =

لم يقل أحد من روى هذا الحديث عن ابن أبي مريم
أو غيره ثقة كان أو ضعيفا أن القصة وقعت في (( يوم يشكون)»
الذي هو قبيل رمضان إلا يحيى بن أبوب العلاف المتقدم ،
خلافاً لرواية الثقات الآخرين الذين ذكروا قبله وهم عثمان
الدارمي واسماعيل بن اسحاق، والبخاري ، فهؤلاء كلهم
قالوا عن ابن أبي مريم : ان القصة كانت فى رمضان .
وكذلك قال عيسى بن مينا عن محمد بن جعفر ، وكذلك
قال الدراوردي وعبد الله بن جعفر عن زيد بن أسلم عن
محمد بن المنكدر . وكذلك قال ابن مجبر عن ابن المنكدر .
فاتفاق هؤلاء كلهم على ذلك خلافاً لرواية العلاف أكبر دليل
على ضعف روايته وشذوذها .
وأما استرواح الشيخ إلى متابعة خالد بن نزار لابن أبي
مريم فما لا يقام له وزن عند من بعلم ، ذلك لأن خالداً
نفسه فيه ضعف من قبل حفظه كما يشير إلى ذلك قول
الحافظ فيه ((صدوق يخطىء)). ثم إن الراوي عنه المقدام
ابن داود وواه جداً، قال النسائي: ((ليس بثقة)). فهل يعتمد
عالم بالقواعد الحديثة عنده ذرة من الانصاف بهذه المتابعة ،
وهذه حال صاحبها ، والراوي عنها ، مع ما فيها من المخالفة
الصريحة لما رواه الثقات الاثبات ?!
- ٢٦ -

ومن ذلك يتبين أن لا اثر لهذا الاختلاف على ابن مريم
في صحة الحديث ، وأن الافطار فيه إنما كان في رمضان
من أجل السفر، لا قبله من أجل يوم الشك .
وبذلك يسقط آخر ما تشبت به الشيخ في تضعيفه للحديث ،
ويتضح لكل ذي عينين صحة الحديث باللفظ الذي رواه
الترمذي صدر به الشيخ مقاله !
وإن من الأمور التي لا ينقضي العجب منها تصريح الشيخ
في رسالته («التعقب)) (ص ٢١) أنه ليس لمثله وظيفة التصحيح
والتضعيف، ثم تراه في هذا المقال يصرح بتضعيف ما تتابع العلماء
على تصحيحه ، من الترمذي إلى ابن القيم ، مع تأييد القواعد
الحديثية لذلك !
شهادة القرآن للحديث
هذا ومن المعلوم عند المشتغلين بالسنة ، أن الحديث
الذي ورد من طريق فيه ضعف غير شديد أنه يقوى بمجيئه
من طريق أخرى أو بوجود شاهد له ولو مثله في الضعف ،
فكيف إذا كان الحديث صحيح الاسناد وكان له شاهد من
القرآن الكريم فضلًا عن السنة المطهرة، فانه والحالة هذه
لا يشك من له أدنى إلمام بهذا العلم في صحة الحديث ولو
- ٢٧ -

كان ضعيف الاسناد فكيف إذا كان صحيح الاسناد لذاته ،
فلا ريب انه بذلك يزداد قوة على قوة .
وحديثنا هذا من هذا القبيل، فانه صحيح الاسناد ،
كما اثبتنا ذلك بتحكيم قواعد هذا العلم عليه ، مع الاستئناس
بأقوال العلماء الذين سبق ذكرهم ممن صححوه ، وله شاهد
من القرآن الكريم والسنة .
أما القرآن فهو قول الله تبارك وتعالى : ( فمن كان
مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ) ، فإن قوله
( على سفر ) يشمل من تأهب للسفر ولما يخرج ، وقد صرح
الإمام القرطبي في تفسيره ((الجامع لأحكام القرآن)) كما سيأتي
أن ذلك مقتضى الآية ، وهذا واضح لا منك فيه عند المنصفين
العارفين إن شاء الله تبارك وتعالى .
شاهد للحديث من السنة
أما الشاهد من السنة، فهو ما أخرجه أحمد (٣٩٨/٦)
من طريق منصور الكلبي عن دحية بن خليفة رضي الله عنه
أنه خرج من قريته الى قريب من قرية عقبة في رمضان ،
ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس ، وكره آخرون أن يفطروا ،
قال: فلما رجع إلى قريته ، قال : والله لقد رأيت اليوم
٠- ٢٨ -

أمراً ما كنت أظن أن أراه ! إِن قوماً رغبوا عن هدي
وأصحابه ! يقول ذلك للذين صاموا ، ثم
رسول الله محَلى الله
وسام
ملك
قال عند ذلك : اللهم اقبضني إليك .
وأخرجه أبو داود ( رقم ٢٤١٣).
قلت : ورجال إسناده ثقات محتج بهم في الصحيحين
غير منصور هذا، فقال فيه العجلى في ((كتاب الثقات)) (١):
((مصري تابعي ثقة)) ووثقه ابن حبان أيضاً فأورده في «الثقات))
(١٢٤/١)، لكن قال فيه ابن المديني وغيره: ((مجهول))،
وهذا هو الراجح عندي: أنه مجهول ، وهو معنى قول
الحافظ فيه: ((مستور)) ولكن ذلك لا يمنع عندنا ولا عند
الشيخ من الاستشهاد بحديثه، لأن ذلك هو الذي تقرر في
((المصطلح))، وإليك ما قاله الشيخ الحبشي نفسه في نحو هذه
المناسبة، قال في (( التعقب)) ( ص ٥ ) :
((فالجهالة من القسم الذي إذا تابع صاحبه غيره ممن
هو مثله أو فوقه انجبر ضعفه، وصار حديثه مقبولاً حسنا)).
وعليه فالحديث مقبول عند الشيخ ، أو يلزم أن يكون
مقبولاً عنده لأنه جاءمن طريق أخرى وهي طريق أنس ،
(١) رقم (١٣٧٥) من نسختي من ترتيب ثقات العجلي السبكي.
- ٢٩ -

هذا لو سلم له أنها ضعيفة ، فكيف وهي صحيحة على
ما سبق تحقيقه ?!
بل إن الشيخ يلزمه أن يقول بصحة اسناد الحديث
لذاته، إذا أراد أن لا يكون متناقضاً في تطبيق النهج
الذي سلكه في تصحيح بعض الأحاديث في رسالته المشار
اليها ! ذلك لأن الحديث ليس فيهم من يشك في عدالته غير
متصور الكلبي ، وقد وثقه ابن حبان ، كما سبق : وتوثيقه
عند الشيخ معتبر ، فقد وثق في رسالته ( ص ١٩و٢٣)
خزيمة وكنانه المجهولين، بناء على توثيق ابن حبان إياهما ،
وقال ( ص ٢٣و٢٦ ) في الجواب عن تجهيلنا اياهما تبعا
للحافظ الذهبي :
((إن جهالة الحال وجهالة العين ترتفع بتوثيق حافظ
من أئمة الجرح ، وقد وثقهما ابن حبان)) !
وإذ الأمر كذلك عند الشيخ ، فيلزمه القول بعدالة
منصور هذا ، وحينئذ فالحديث صحيح عنده لا علة فيه ،
وهذا أمر لازم لازب لا مفر للشيخ منه ، ولا يستطيع
أن يماري فيه ، إن كان طالباً للحق منصفا كما آمل .
ثم إن دلالة الحديث على مادل عليه حديث أنس من جواز
الإفطار المختلف فيه واضح كل الوضوح ، فان قوله : (( ثم إنه
- ٣٠ -

أفطر، وأفطر معه ناس)»، صريح أو كالصريح في أنهم خرجوا
من القرية صائمين ثم أفطروا . فلا يرد عليه ما أورده الشيخ على
حديث أبي بصرة من عدم دلالته على المطلوب في زعمه ، وكأنه
لذلك أعرض الشيخ عن ذكره فلم يتعرض له بجواب البتة
لأنه حجة عليه ! وهذا شيء نود أن ننزه الشيخ عنه ،
ولكن الأمر يحتاج إلى مساعدة منه !!
وحديث أبي بصره المشار إليه هو في الحقيقة شاهد ثان
للحديث وسيأتي الجواب عن كلام الشيخ عليه قريباً
إن شاء الله تعالى .
آثار صحيحة تشهد للحديث
هذا ، وان مما يزيد الحديث قوة أنه جاء عن طائفة
من الصحابة وغيرهم العمل بنحو ما فيه ، وخلاف ما ذهب
إليه المانعون من الإفطار بعد الخروج، فأنا أذكر ما وقفت
عليه من الروايات عنهم إتماماً للفائدة :
١ - عن اللجلاج قالوا ( كذا الأصل: ولعله: اللجلاج
وغيره قالوا ): كنا نسافر مع عمر رضى الله عنه ثلاثة
أميال فيتجوز في الصلاة ويفطر .
رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٢ / ٢/١٥١)
بإسناد حسن أو قريب منه .
- ٣١ -

٢- عن أنس بن مالك قال : قال لي أبو موسى :
ألم أنبأ أنك إذا خرجت خرجت صائماً ، واذا دخلت دخلت
صائماً ! فإذا خرجت فاخرج مفطرا. وإذا دخلت
فادخل مفطرا .
با
رواه الدار قطني ( ص ٢٤١) والبيهقي (٢٤٧/٤) باستاد
صحيح على شرط الستة .
٣- عن نافع عن ابن عمر أنه خرج في رمضان فأفطر .
رواه ابن أبي شيبة (١/١٥١/٢) باستاد رجاله ثقات .
٤ - عن ابن عباس قال: إِن شاء صام وإن شاء أفطر .
رواه ابن أبي شيبة في «باب ما قالوا في الرجل يدركه
رمضان فيصوم ثم يسافر))، (١/١٥١/٢) واسناده صحيح.
٥ - عن مغيرة قال: خرج أبو ميسرة (١) في رمضان
مسافراً فمر بالفرات ، وهو صائم ، فأخذ منه حسوة
فشربه وأفطر .
:
رواء أبن أبي شيبة (١/١٥١/٢) باسناد صحيح .
ثم روى هو (٢/١٥١/٢) والبيهقي (٢٤٧/٤) بسند آخر
عنه مختصراً وهو صحيح أيضاً
(١) اسمه عمرو بن شرحبيل الهمداني قال الحافظ: « ثقة عابد مخضرم
مات سنة ثلاث وستين » .
- ٣٢ -

٦ و ٧ - عن سعيد بن المسيب والحسن البصري قالا:
يفطر إن شاء .
رواه ابن أبي شيبة عقب الأثر الذي قبله وسنده صحيح .
وفي رواية عن الحسن البصري ((يفطر إن شاء في بيته
يوم يريد أن يخرج)) ذكرها القرطبي في تفسيره (٢٧٩/٢).
وبعد فإن حديثاً كهذا يشهد له القرآن والسنة والآثار
الصحيحة عن السلف وفيهم بعض الخلفاء الراشدين (١)
لخري ألا يكون موضع جدل وتردد في صحته ، مها قيل
(١) فأين أولئك الذين تقموا علينا دعوتنا إلى إحياء السنة الصحيحة
في ركمات التراويح، ونسبونا - زوراً وبهتانا - إلى الطعن في
الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسبب مخالفتنا لما يرومى
عنه من ركمات العشرين، مع انها لا تثبت عنه، بل الصحيح عنه
موافق لما ندعو إليه من السنة كما بيناه مفصلًا في ردنا عليهم في
(«صلاة التراويح» أقول: أين هؤلاء من إطباقهم على مخالفة محمر بن
الخطاب ومن معه من الأصحاب الكرام والسلف العظام في هذه المسألة ،
لا سيما والسنة الصحيحة معهم !! فالحمد لله الذي وفقنا لاتباع السنة هنا
وهناك، ونسأله المزيد من فضله وقوفيقه، كما نسأله أن يهدي المخالفين
إليها، وأن يحيينا ويميتنا عليها، وأن يحشرنا تحت لواء صاحبها
عليه الصلاة والسلام، ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى
الله بقلب سليم ) .
- ٣٣ -
م (٣)

في استاد، أو في متنه، لولا أن بعض الناس يتعصبون
لمذاهبهم مالا يتعصبون للشرع الثابت عن نبيهم ، اتباعاً لما
ألفوه ! فاللهم رحمتك وهداك .
٢ - فق الحديث ومن قال ..
إذا تبين أن الحديث صحيح بلفظ الإثبات ، فهو
حجة واضحة لما ذهب إليه الإمام اسحاق بن راهويه ، كما حكاه
الترمذي عنه(١) - وقد نقله الشيخ عنه - وفي كتاب ((المسائل))
لاسحاق بن منصور المروزي ( ق ١/٢٩ - ٢) ما نصه :
(( قلت ( يعني للإمام أحمد ): إذا خرج مسافراً متي
يفطر؟ قال: إذا برز عن البيوت ، قال اسحاق (يعني ابن راهويه):
بل حين يضع رجله فله الإفطار ، كما فعل ذلك أنس بن مالك،(٢)
وسن النبي صلى الله عليه ( كذا)، وإذا جاوز البيوت قصر)).
(١) ومن العجائب قول ابن العربي - كما يأتي - « أنه لم يقل به
إلا أحمد)) مع أن ذلك ورد في كتاب الترمذي الذي شرحه
ابن العربي نفسه فيحان من لا يسهو .
(٢) هذا يؤيد ما كنت رجعته ( ص ١٧ ) أن حديث أنس هذا
ينغبي أن يكون صحيحاً عند من قال به كأحمد واسحاق . وقد
كنت رجحت ذلك قبل أن أقف على هذا النص. فالحمد لله على توفيقه .
-٣٤ -
۔۔

اتباع ابن العربى للحديث خلافاً للمذهب
ولقد أنصف الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى ، فإنه
ذهب إلى العمل بالحديث في هذه المسألة خلافاً لكثير من
علماء المالكية ، وتبعه على ذلك القرطبي وغيره ، وسبقهم
إلى الجهر بذلك الحافظ ابن عبد البر ، فقال ابن العربي في
((عارضة الأحوذي)) (١٣/٤ - ١٦) تعليقاً على الحديث :
((وهذا صحيح، لم يقل به إلا أحمد بن حنبل، (!)
فأما علماؤنا ( يعني المالكية ) فمنعوا منه ، لكنهم اختلفوا إذا
أكل هل عليه كفارة أم لا ؟ فقال مالك في (( كتاب ابن
حبيب)): ((لا كفارة عليه)). وقال أشهب: ((نعم لأنه
منأول))، وقال غيرهم : عليه الكفارة . ويجب أن لا يكفر
لصحة الحديث .... وهو يقتضي جواز الفطر مع أهبة السفر)).
وقال القرطبي في تفسيره ((الجامع لأحكام القرآن))
(٢٧٨/٢ - ٢٧٩) بعد أن حكى الخلاف الذي ذكره ابن العربي :
(( قلت : قول أشهب في نفي الكفارة حسن ، لأنه
فعل ما يجوز له فعله ، والذمة بريئة ، فلا يثبت فيها شيء
إلا بيقين، ولا يقين مع الإختلاف ، ثم إنه مقتضى قوله
تعالى ( أو على سفر) وقال أبو عمر ( هو ابن عبد البر) :
هذا أصح أقاويلهم في هذه المسألة، ولو كان الأكل مع نية
- ٣٥ -

هالا القطر
الفريوجب عليه الكفارة، لأنه كان قبل خروجه ما أسقطها
عنه خروجه، فتأمل ذلك تجده كذلك، إن شاء الله تعالى).
ثم ذكر ابن عبد البر من قال بأنه لا يفطر وان عليه
الكفارة إن أفطر ، ثم قال :
((وليس هذا بشيء، لأن الله سبحانه قد أباح له الفطر
في الكتاب والسنة. وأما قولهم: (لا يفطر)» فإنما ذلك
استحباب لما عقده ، فإن أخذ برخصة الله كان عليه القضاء ،
وأما الكفارة فلا وجه لها، ومن أوجبها فقد أوجب ما لم
يوجبه الله ولا رسوله ير لي)».
وهذا هو الذي استظهره العلامة الصنعاني في «سبل السلام»
(٦٢٩/٢)، وهو الذي نقطع به لهذا الحديث الصحيح فإنه
نص في المسألة لا يقبل التأويل، مع تأيده بظاهر القرآن
والآثار الصحيحة عن السلف رضي الله عنهم .
ومما سبق يعلم أن القول بعدم جواز الإفطار ، وايجاب
الكفارة على المفطر مما لا دليل عليه في الشرع ، فعلى من
نصب نفسه الرد علينا وحاول تضعيف الحديث الصحيح
انتصاراً لمذهبه، أن يأتي بالدليل الذي يقنع به نفسه قبل
غيره بصحة ما ذهب إليه، وإلا فهو عندنا وكما بينا خلاف
ظاهر القرآن ، ونصوص الآثار الصحيحة ، وذلك كاف في
إثبات خطأه ولو كان الحديث عنده ضعيفاً .
- ٣٦ -

فليتأمل في هذا المنصفون على اختلاف مذاهبهم يتبين
لهم صواب ما ذكرنا. إن شاء الله تعالى، وهو ولي التوفيق.
وإن مما يحسن التنبيه إليه أن ذلك الموقف الطيب الذي
وقفه ابن العربي ومن معه من الحديث هو الذي يجب على
كل مسلم أن يتخذه تجاه هذا الحديث خاصة والأحاديث
الأخرى بصورة عامة ، ولو كانت على خلاف رأي الآباء
والشيوخ ، لأنه هو الموقف الوحيد الذي يتفق مع الإيمان
الصحيح، كما قال تعالى: ( فلا وربك لا يؤمنون حتى
يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفهم حرجاً
مما قضيت ويسلموا تسليما ) . فلا جرم أن الأمة أمروا بذلك
أتباعهم وألحوا عليهم بذلك ، في عبارات كثيرة مشهورة
عنهم ، وقد ذكرت الكثير منها في مقدمة كتابي
((صفة صلاة النبي يحريخ)). فمن شاء رجع إليه.
٣ - حديث أبي بصرة الفقاري
بقي علينا الكلام على حديث أبي بصرة الغفاري ،
لقد ذكر الشيخ أنه لا يكفي على المعتمد في صحة الحديث
سكوت أبي داود عليه ....
وجوابنا عن ذلك من وجوه :
- ٣٧ -

الأول: أن ما ذكره صحيح بالنسبة إلى العالم الناقد العارف
بطرق الجرح والتعديل، والتصحيح والتضعيف ، فإن مثل هذا
لا يقنعه سكوت أبي داود على الحديث ، لأنه يعلم يقيناً
أنه سكت عن أحاديث لا حصر لها وهي ضعيفة بينة الضعف
كما قرر ذلك العلماء ، کالنووي والعسقلاني وغيرهما ، وبينا
ذلك بأمثلة كثيرة في نقدنا لكتاب ((التاج الجامع للأصول
الخمسة)))) (١) فعلمه هذا يلزمه أن يرجع إلى السند ويحكم فيه
قواعد هذا العلم فيصحح أو يضعف ، وأما المقلد الذي
((ليس له وظيفة التصحيح والتضعيف)) مثل فضيلة الشيخ
باعترافه هو كما سبق نقله عنه ، فهذا لا بد له من الاعتداد
بسكوت أبي داود على الحديث حتى يقف على قول عالم
آخر هو أوثق منه عنده ضعف الحديث ، وأما هو نفسه
فلا يجوز له الإقدام على التضعيف بداهة لأنه لا علم له بذلك .
وهذا شيء واضح ما أظن عاقلاً منصفاً يجادل فيه .
١٠
فما بال الشيخ إذن لا يرضى بكون أبي داود الذي
يدل على أن الحديث صالح عنده ، بل يجتهد - مع أنه يعتقد
حرمته عليه ! - فيذهب إلى تضعيف الحديث كما يشير إلى
(١) بدأنا بنشر خلاصة نافعة عنه في مقالات متتابعة في مجلة «المسلون»
وقد صدر المقال الأول منه .
- ٣٨ -

ذلك بقوله: ((لو صح ... )) دون أية حجة علمية ولا برهان
ولو تقليداً لإمام !!
الثاني : أنني أعتقد أن اللائق بطريقة الشيخ التي عرفناها
منه في ((التعقب الحثيث)) أن يذهب إلى القول بصحة هذا
الحديث لا إلى تضعيفه، وذلك لأن رجال إسناده عند ابي
داود ( رقم ٢٤١٢) واحمد (٣٩٨/٦) كلهم ثقات محتج
بهم في الصحيحين غير كليب بن ذهل ، وقد وثقه ابن حبان
(٢٥٣/٢) وقال الحافظ في ترجمته من ((القريب)):
((مقبول)). واما عبيد بن جبر، فقد مال الحافظ إلى ان
له صحبة، وذكره يعقوب بن سفيان في (( الثقات)) ، وقال
العجلي (رقم ٨٨٤): ((مصري تابعي ثقة)). وذكره ابن
حبات ايضاً في ((الثقات)) (١٤٠/١ ) إلا انه قال :
((هو مولى الحكم بن أبي العاص)). فلا أدري هو هذا أو
غيره . وعهدنا بالشيخ انه يعتقد بتوثيق ابن حبان المجهولين
كما سبق بيانه من كلامه ( ص ٣٠)، فلماذا إذن يضعف
الشيخ هذا الحديث ولا يصححه مع أنه صحيح على شرطه !! (١)
(١) وقال الشوكاني في ((نيل الأوطار»: (سكت عنه أبو داود
والمنذري وابن حجر في ((التلخيص)» ورجال أسناده ثقات)).
- ٣٩ -

لا أريد أن أقول: إنه يكيل بكيلين وأن نهجه في التصحيح
والتضعيف ليس هو على ما ثبت في «مصطلح الحديث))
وإن كان هو يصرح أنه ليس من أهل ذلك كما سبق نقله
عنه ، ولكن لعله حين يكون الحديث مخالفاً لمذهبه، لا ينشط
لتحقيق القول فيه على مقتضى علم الحديث - على قدر معرفته به -
خشية أن يتبين له صحته ، فيكتفي في تضعيفة بأي شيء عثر
عليه ولو كخيوط القمر ! وإذا كان الحديث موافقاً
لمذهبه لم ينشط أيضاً للنظر فيه مخافة أن يتبين له ضعفه ،
ويقنع في تصحيحه بأي قول وجده ولو كان خلاف القواعد
العلمية !!
وخلاصة القول : أن هذا الحديث صحيح على طريقة
الشيخ، وأما نحن فحسبنا فيه أنه شاهد تان لحديث أنس ،
وإن كان سنده فيه ما فى الشاهد الأول ، فتضعيف الشيخ
إِياء خطأ بين على جميع الاحتمالات . كما لا يخفى ، لأن
أقل أحواله انه حسن لغيره .
٤ - دلالة الحديث على ما دل عليه حديث أنس
وأما قول الشيخ : ان الحديث لو صح لم يكن فيه
حجة لأنه ليس فيه أنه خرج بعد الصبح فر كب ثم أكل فيحتمل
أنه خرج من بيته قبل الفجر ...
- ٤٠ -
!.