النص المفهرس

صفحات 41-60

!
٠٠
الحديث السابع عشر:
عن الحسن بن يحيى الخُشَني أن النبيِ وَّ قال:
((ليلةَ أُسري بي صُلِّيَ في موضع مسجد دمشق)).
قلت: حديث ضعيف معضل؛ لأن الخشني هذا ليس
بصحابي، ولا تابعي، فإنه مات بعد التسعين والمائة، كما
قال الحافظ في ((التقريب))، ولذلك قال ابن عساكر في
((تاريخه)) بعد أن ساقه:
((وهذا منقطع)).
وفيه علة أخرى، وهو أن الخشني كثير الخطأ، وساق
له الذهبي في ((الميزان)) أحاديث منكرات، قال ابن حبان في
بعضها :
((باطل موضوع)).
وأورده ابن الجوزي في ((الموضوعات))، فلا يبعد أن
يكون هذا منها. والله أعلم .
(تنبيه): نص الحديث في ابن عساكر:
((أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليلة أُسْرِيَ به صلى
٤١

:
في موضع مسجد (دمشق))) .
وهذا مغاير - كما ترى - لنص الكتاب. والظاهر أن فيه
تحريفاً.
الحديث الثامن عشر:
عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رسول الله
((ستكون دمشقُ في آخرِ الزمانِ أكثرَ المدنِ أهلاً،
وهي تكونُ لأهلها معقلاً، وأكثرَ أبدالاً، وأكثرَ مساجدَ،
وأكثرَ زهاداً، وأكثرَ مالاً، وأكثرَ رجالاً، وأقلَّ كفاراً. ألا
وإن مصرَ أكثرُ المدنِ فراعنةً، وأكثرُ كفوراً، وأكثرُ
ظلماً، وأكثرُ رياءً، وفجوراً، وسحراً، وشراً، فإذا
عمرت أكتافُها بعثَ الله عليهم الخليفةَ الزائدَ البنيانِ،
والأعورَ الشيطانَ، والأخرمَ الغضبانَ، فويلٌ لأهلِها من
أتباعِه وأشياعِه، ثم قرأَ رسولُ الله وَّ: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُم
بِما كَفَروا وهلْ نُجازِي إلا الكَفورَ﴾(١)، فإذا قُتِل ذلك
(١) سبأ: الآية ١٧ .
٤٢

- -
الخليفةُ بالعراقِ؛ خرجَ عليهم رجلٌ مربوعُ القامة، أسودُ
الشعر، كتُّ اللحيةِ، برَّاقُ الثنايا، فويلٌ لأهلِ العراقِ من
أشياعِه المراقِ، ثم يخرجُ المهديُّ منَّا أهلَ البيت، فيملأ
الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ... )). وذكر باقي الحديث.
قلت: حديث منكر، تفرد بروايته محمد بن إبراهيم،
وهو محمد بن أحمد بن إبراهيم بن هشام بن يحيى بن يحيى
أبو عبد الله الغساني، نسب في رواية المصنف إلى جده،
ونسب إلى أبيه في رواية ابن عساكر من طريق أخرى عنه،
نقلها السيوطي في ((الحاوي)) (٢ / ٤٦٤)، وترجم له ابن
عساكر، ولم يذكر له تعديلاً، فهو مجهول الحال، وسائر رواة
الحديث ثقات غيره، فالحمل فيه عليه، ويظهر من أحاديثه
التي يرويها عن الثقات أنه منكر الحديث، كهذا الحديث،
والحديث الآتي بعده.
٦ ٦ ٢
T
غير أن حديثه هذا فيه جملة صحيحة ثابتة عن النبي
صلى الله عليه وآله وسلم، وهي خروج المهدي.
والأحاديث في ذلك كثيرة جداً، وأشهرها حديث عبد
الله بن مسعود مرفوعاً:
١٠
٤٣
٠ ١

((لا تذهبُ الدنيا حتى يملكَ رجلٌ من أهل بيتي
يواطىءُ اسمه أسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت
جوراً وظلماً)).
رواه أبو داود (٢ / ٢٠٧)، والترمذي (٢ / ٢٧)،
وأحمد (١ / ٣٧٦ و٣٧٧ و٤٣٠ و٤٤٨)، والطبراني في
((الكبير)) و ((الصغير)) (ص٢٤٥) من طريق زر بن حبيش عنه.
وقال الترمذي :
((حسن صحيح))، وصححه الذهبي في ((التلخيص))
(٤ / ٤٤٢).
ورواه ابن ماجه (٢ / ٥١٧)، والحاكم (٤ / ٢٦٤)
من طريق أخری عن ابن مسعود نحوه، وإسناده حسن.
ورواه أبو داود، وأحمد (٢ / ٧٧٣) من حديث علي،
وإسناده صحيح .
ورواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم (٤ / ٥٥٧)،
وأحمد (٣ / ١٧ و٢٧ و٣٦) من حديث أبي سعيد
الخدري. وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي، وهو
٤٤

!
كما قالا .
وقد أخطأ ابن خلدون خطأً واضحاً، حيث ضعف
أحاديث المهدي جُلّها، ولا غرابة في ذلك؛ فإن الحديث
لیس من صناعته .
والحق أن الأحاديث الواردة في المهدي فيها الصحيح
والحسن وفيها الضعيف والموضوع، وتمييز ذلك ليس سهلاً
إلا على المتضلع في علم السنة ومصطلح الحديث، فلا تعبأ
بکلام من یتکلم فیما لا علم له به .
٤٫٠
٤٥

الحديث التاسع عشر:
سمعت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول:
سمعت رسول اللّه مثل وسأله رجل عن الأمارات(١) بدمشق،
فقال :
(بها جبلٌ يقالُ له: (قاسيون)، فيه قَتَلَ ابنُ آدَمَ
أخاه، وفي أسفلِه من الغرب ولدَ إبراهيمُ، وفيه آوى
عيسى ابن مريم وأمه من اليهود، وما من عبدٍ أتى معقل
روح الله فاغتسلَ وصلَّى ودعا لم يردَّ الله خائبا)).
فقال رجل: يا رسول الله! صفه لنا، قال:
((هو بالغوطة، مدينة يقال لها: دمشق، وأزيدُكم
أنه جبلٌ كلَّمه الله، وفيه وُلدَ أبي إبراهيمُ، فمن أتى ذلك
الموضع فلا يعجزُ في الدعاءِ)).
فقال رجل: يا رسولَ الله! أکان لیحیی بن زكريا
معقلاً؟ قال :
((نعم. احترسَ فيه يحيى بنُ زكريا من هذَّار، رجلٌ
من عادٍ، في الغارِ الذي تحتَ دمِ ابنِ آدمَ المقتولِ ، وفيه
(١) الأمارة: العلامة .
٤٦

!
احترس إلياسُ النبي عليه السلامُ من ملك قومِه، وفيه
صلَّى إبراهيمُ وموسى وعيسى وأيوبُ، فلا تعجزوا في
الدعاءِ فيه، فإن الله عزَّ وجلَّ أنزلَ عليّ: ﴿ادْعوني
أَسْتَجِبْ لِكُم﴾(١)).
فقال رجل: يا رسولَ اللهِ! ربُّ يسمعُ الدعاءَ أم
كيف ذلك؟ فأنزل الله عزَّ وجلَّ: ﴿وإذا سأَلَكَ عِبادي
عني فإِنِّي قَرِيبٌ أُجيبُ دعوةَ الدَّاعِ إذا دَعانٍ﴾(٢).
:٠
قلت: حديث منكر، ظاهر النكارة، رجاله كلهم
ثقات، غير محمد بن أحمد بن إبراهيم؛ وهو مجهول الحال
كما بينا في الحديث قبله .
وفيه علَّة أخرى؛ فإن فيه الوليد بن مسلم عن ابن
جريج عن عروة، والوليد وابن جريج - على جلالتهما -
مدلسان، وقد عنعنا .
(١) المؤمن: الآية ٦٠ .
(٢) البقرة: الآية ١٨٦ .
٤٧

-
الحديث العشرون :
قال معاوية رضي الله عنه: سمعت رسول الله
وسأله رجل عن دمشق؟ قال:
صَلى الله
وَستَلا
«بها جبلٌ يقال له: قاسيون)).
وذكر قريباً من الحديث الأول.
قلت: حديث منكر، وهو الذي قبله؛ إلا أن بعض
الرواة خالفوا في الإِسناد، فذكروا معاوية مكان علي، ومداره
على محمد بن أحمد بن إبراهيم، وقد علمت حاله.
٤٨

--
الحدیث الواحد والعشرون :
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول
اللّه الله يقول:
((اجتمعَ الكفار يتشاورون في أمري، فقال النبي
رَّ: يا ليتني بالغوطةِ، بمدينةٍ يقالُ لها: دمشقُ ، حتى
آتيَ الموضعَ ؛ مستغاثَ الأنبياءِ، حيث قَتلَ ابنُ آدم أخاه،
فأسألُ الله أن يهلكَ قومي، فإنهم ظالمون. فأتاه جبريلُ،
فقالَ: يا محمد! ائتِ بعضَ جبالٍ مكةً، فأو إلى بعض
صلىالله
غاراتِها، فإنها معقِلُك من قومِك. قال: فخرجَ النبي
وسيلة
وأبو بكر رضي الله عنه حتى أتيا الجبلَ، فوجدا غاراً كثيرَ
الدَّوابِّ، فجَعَلَ أبو بكرٍ رضيَ الله عنه يُمَزِّقُ رداءَهُ، ويَسُدُّ
الثغورَ والثقبَ، والنبي ◌ََّ يقولُ: اللهم لا تنساها لأبي
بكر ... )) وذكر الحديث بطوله .
قلت: حديث منكر؛ مداره على رجل لم يسم، رواه
عن وهب بن منبه عنه .
وحديث هجرة النبي ◌َّ مشهور مستفيض من وجوه
شتى، وليس في شيء منها ما في هذا الحديث من تمنِّه وَّ
٤٩

أن يكون بالغوطة، ليأتي مستغاث الأنبياء، فيدعو على قومه!
ولست أشك أن هذا القدر منه مكذوب موضوع على رسول
اللّه وَسَّ، فقد عَلِمَ كل مُطلع على السُّنَّة أنه لم يكن من هديه
عليه السلام تتبع آثار الأنبياء، والدعاء عندها، بل هذا مما
نهى عنه الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره .
وقد ورد عنه ذلك في ثلاث قصص:
١ - عن ابن سويد قال: خرجت مع أمير المؤمنين عمر
ابن الخطاب من مكة إلى المدينة، فلما أصبحنا صلى بنا
الغداة، ثم رأى الناس يذهبون مذهباً، فقال: أين يذهب
هؤلاء؟ قيل: يا أمير المؤمنين !مسجد صلّى فيه رسول الله
مَّر، هم يأتون يصلون فيه. فقال:
((إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، يتبعون آثار
أنبيائهم فيتخذونها كنائس وبيعاً، من أدركته الصلاة في هذه
المساجد فليصلِّ، ومن لا فليمض، ولا يتعمدها)).
رواه سعيد بن منصور في ((سننه))، وابن وضاح
القرطبي في ((البدع والنهي عنها)) (ص٤١ و ٤٢) بإسناد
صحيح على شرط الشيخين .
٥٠

٢ - عن نافع: أن الناس كانوا يأتون الشجرة، فقطعها
عمر.
رواه ابن وضاح (ص٤٢ - ٤٣)، ورجال إسناده ثقات،
وروى عنه شيخه عيسى بن يونس مفتي أهل طرطوس أنه :
((قطَّعها لأن الناس كانوا يذهبون فيصلون تحتها،
فخاف عليهم الفتنة)).
٣ - ما وقع في عهده رضي الله عنه من تعمية قبر دانيال
فيما رواه أبو خلدة خالد بن دينار، قال ما مختصره: حدثنا أبو
العالية قال :
((لما فتحنا تُسْتَر؛ وجدنا في بيت مال الهُرْمُزان سريراً
عليه رجل ميت، قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا
بالنهار ثلاثة عشر قبراً متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوَّینا
القبور كلها لنعميه على الناس لا ينبشونه. قلت: وما يرجون
منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير،
فيمطرون. قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال
له: دانیال)).
رواه ابن إسحاق في ((مغازيه))، ورواه غيره على وجوه
٥١

أخر، وفي بعضها أن الدفن كان بأمر عمر.
ومن هذا الباب ما ورد عن علي بن الحسين رضي الله
عنهما أنه رأى رجلاً يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي وَالخلال
فيدخل فيها فيدعو. فنهاه فقال :
ألا أحدثكم حديثاً سمعته من أبي عن جدي عن
رسول الله وَالر؟ قال:
((لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، فإن
تسليمكم يبلغني أينما كنتم)).
رواه الضياء المقدسي في ((الأحاديث المختارة))،
ورواه أبو يعلى في ((مسنده))، وفي إسناده رجل من أهل البيت
مستور، وبقية رجاله ثقات، وهو صحيح بطرقه وشواهده، وقد
خرجتها في ((تحذير الساجد)) (٩٨ - ٩٩).
ففي هذه الآثار النهي عن قصد قبور الأنبياء، وتتبع
آثارهم للصلاة والدعاء عندها، وذلك سداً للذريعة، وخشية
الغلو فيهم المؤدي إلى الشرك بالله تعالى، ولذا لم يكن ذلك
من فعل السلف الصالح رضي الله عنهم، بل قال شيخ
الإِسلام في ((اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب
٥٢

الجحيم» (ص١٨٦ - ١٨٧) ما ملخصه :
((كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين
الأولين من المهاجرين والأنصار؛ يذهبون من المدينة إلى
مكة حجاجاً وعُمَّاراً ومسافرين، ولم ينقل عن أحد منهم أنه
تحرَّى الصلاة في مُصَليات النبي ◌ََّ، ومعلوم أن هذا لو كان
عندهم مستحباً؛ لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته، وأتبع
لها من غيرهم ... أيضاً فإن تحري الصلاة فيها ذريعة إلى
اتخاذها مساجد ... وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارع
قد حسم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس
.وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، فإذا كان قد
نهى عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سداً
للذريعة، فكيف يستحب قصد الصلاة والدعاء في مكان
اتفق قيامهم فيه أو صلاتهم فيه من غير أن يكونوا قصدوه
للصلاة فيه والدعاء فيه؟ ولو ساغ هذا لاستحب قصد جبل
حراء والصلاة فيه، وقصد جبل ثور والصلاة فيه، وقصد
الأماكن التي يقال: إن الأنبياء قاموا فيها؛ كالمقامين اللَّذَين
بطريق جبل (قاسيون) بدمشق، الّذين يقال: إنهما مقام
إبراهيم وعيسى، والمقام الذي يقال: إنه مغارة دم قابیل،
٥٣
:

وأمثال ذلك من البقاع التي بالحجاز والشام وغيرهما .
ثم ذلك يفضي إلى ما أفضت إليه مفاسد القبور، فإنه
يقال: إن هذا مقام نبي، أو قبر نبي، أو ولي، بخبر لا يعرف
قائله، أو بمنام لا تعرف حقيقته، ثم يترتب على ذلك اتخاذه
مسجداً، فيصير وثناً يعبد من دون الله تعالى : شرك مبني
على إفك، والله سبحانه يقرن في كتابه بين الشرك والكذب،
كما يقرن بين الصدق والإِخلاص، ولهذا قال النبي ◌َّ في
الحديث الصحيح :
((عدلت شهادة الزور بالإِشراك بالله مرتين. ثم قرأ قول
اللهِ تعالى: ﴿فَأَجْتَنِبوا الرِّجْسَ مِن الأوْثَانِ وَاجْتَنِبوا قولَ الزُّورِ
حُنَفاءَ لله غيرَ مُشْركِينَ بِهِ﴾(١))(٢).
(١) الحج: الآيتان ٣٠ و٣١.
(٢) قلت: في تصحيح هذا الحديث نظر؛ فإن في إسناده جهالة
واضطراباً، واستغربه الترمذي كما بينته في ((الأحاديث الضعيفة))
(١١١٠). وأزيد هنا فأقول:
قد رواه الطبراني في ((الكبير)) (٩ / ١١٤ / ٨٥٦٩) من طريق وائل
ابن ربيعة عن ابن مسعود موقوفاً عليه، وإسناده حسن كما قال الهيثمي (٤ /
٢٠١)، فهذا هو أصل الحديث موقوف، أخطأ في رفعه بعض المجهولين، =
٥٤

=
ثم قال مثل هذا القول في الكتاب المذكور (ص٢٠٣
- ٢٠٤). ثم قال (ص٢٠٨ - ٢٠٩):
((وقد صنف طائفة من الناس مصنفات في فضائل بيت
المقدس، وغيره من البقاع التي بالشام، وذكروا فيها من
الآثار المنقولة عن أهل الكتاب، وعمن أخذ عنهم ما لا يحل
للمسلمين أن يبنوا عليه دينهم. وأمثل من يُنقل عنه تلك
الإِسرائيليات كعب الأحبار، وكان الشاميون قد أخذوا عنه
كثيراً من الإِسرائيليات، وقد قال معاوية رضي الله عنه :
((ما رأينا في هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب أمثل من
كعب، وإن كنا لنبلو عليه الكذب أحياناً)).
٦٠
وقد ثبت في ((الصحيح))(١) عن النبي ◌َّ- أنه قال:
= وقد فاتني التنبيه على ذلك سابقاً، وهذا من فوائد هذه الطبعة، والحمد لله
الذي بنعمته تتم الصالحات .
(١) قلت: هذا الإِطلاق يعني أنه في أحد ((الصحيحين)) بهذا
التمام، وهو سهو، فإنه إنما رواه البخاري من حديث أبي هريرة دون قوله:
((فإما أن يحدثوكم ... )) إلخ. وهو مخرج في ((الصحيحة)) (٤٢٣)، وإنما
رواه بهذه الزيادة نحوها أبو داود وغيره من طريق أخرى، وهو مخرج في
المصدر المذكور برقم (٢٨٠٠).
٥٥

((إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم؛
فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق
فتكذبوه)» .
ومن العجب أن هذه الشريعة المحفوظة المحروسة مع
هذه الأمة المعصومة التي لا تجتمع على ضلالة؛ إذا حدث
بعض أعيان التابعين عن النبي وَل# بحديث، كعطاء بن أبي
رباح، والحسن البصري، وأبي العالية ونحوهم، وهم من
خيار علماء المسلمين، وأكابر أئمة الدين؛ توقف أهل العلم
صَلَى الله
وست
في مراسيلهم ... وهؤلاء ليس بين أحدهم وبين النبي
إلا رجل أورجلان أو ثلاثة مثلاً ... فكيف بما ينقله كعب
الأحبار وأمثاله عن الأنبياء، وبين كعب وبين النبي الذي ينقل
عنه ألف سنة وأكثر وأقل!؟ وهو لم يسند ذلك عن ثقة بعد
ثقة، بل غايته أن ينقل عن بعض الكتب التي كتبها شيوخ
اليهود، وقد أخبر الله عن تبديلهم وتحريفهم، فكيف يحلّ
لمسلم أن يصدق شيئاً بمجرد هذا النقل؟ بل الواجب أن لا
يصدق ذلك ولا يكذبه إلا بدلیل يدل على كذبه، وهکذا أمرنا
النبي صل18 .
وفي هذه الإِسرائيليات مما هو كذب على الأنبياء أوما
٥٦

٧٠
هو منسوخ في شريعتنا ما لا يعلمه إلا الله .
٤
ومعلوم أن أصحاب النبي ◌ّ من السابقين الأولين،
والتابعين لهم بإحسان قد فتحوا البلاد بعد موت النبي وَل)
وسكنوا بالشام والعراق ومصر وغير هذه الأمصار، وهم كانوا
أعلم بالدين وأتبع له ممن بعدهم، وليس لأحد أن يخالفهم
فيما كانوا عليه، فما كان من هذه البقاع لم يعظموه أولم
يقصدوا تخصيصه بصلاة أودعاء أو نحوذلك، لم يكن لنا أن
نخالفهم في ذلك، وإن كان بعض من جاء بعدهم من أهل
الفضل والدين فعل ذلك، لأن اتباع سبيلهم أولى من اتباع
سبيل من خالف سبيلهم، وما من أحد نقل عنه ما يخالف
سبيلهم إلا وقد نقل عن غيره ممن هو أعلم وأفضل منه أنه
خالف سبيل هذا المخالف، وهذه جملة جامعة لا يتسع هذا
الموضع لتفصيلها، وقد ثبت في الصحيح: ((أن النبي وَ لَه
لما أتى بيت المقدس ليلة الإِسراء صلى فيه ركعتين))، ولم
يصل بمكان غيره، ولا زاره)).
f
٥٧
;٠

الحديث الثاني والعشرون:
عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله عنه أنه سمع
رسول الله آل يقول:
((ينزل عيسى ابن مريمَ عليهما السلامُ عند المنارة
البيضاء شرقيّ دمشقَ)).
قلت: حديث صحيح، وأخرجه الطبراني في
((المعجم الكبير)) (١ / ٢١٧ / ٥٩٠)، وابن عساكر (١ /
٢١٥ - ٢١٦) من طرق عن محمد بن شعيب: نا يزيد بن
عبيدة: حدثني أبو الأشعث عن أوس بن أوس الثقفي به .
قلت: وهذا إسناد صحيح، ومحمد بن شعيب هو ابن
شابور.
وقال الهيثمي (٨ / ٢٠٥):
((ورجاله ثقات)).
ويشهد له الحديث الآتي :
٥٨

الحديث الثالث والعشرون :
عن كيسان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَاله
يقول :
((ينزلُ عيسى ابنُ مريمَ عليهما السلامُ عندَ المنارةِ
البيضاء شرقيّ دمشقَ)).
قلت: إسناده صحيح ، ورواه ابن عساكر (١ / ٢١٦
- ٢١٧). وله شاهد يأتي بعد حديث، وآخر تقدم آنفاً.
الحديث الرابع والعشرون :
عن نافع بن كيسان صاحب رسول الله وَ الله قال: قال
رسول الله ◌َالچر:
((ينزلُ عيسى ابنُ مريمَ عليه السلامُ عندَ باب
الشرقيِّ)).
قلت: هو بهذا اللفظ منكر، وإسناده مسلسل
بالمجاهيل. والصواب فيه: ((عند المنارة البيضاء شرقي
دمشق))، كما في الحديثين قبله، دون ذكر الباب، وكذلك
هو في ((صحيح مسلم)) وغيره، وهو (الحديث الآتي):
٥٩
أ

الحديث الخامس والعشرون :
عن النواس بن السمعان الكلابي قال : سمعت رسول
اللّه ◌َل يقول :
((ينزلُ عيسى ابنُ مريمَ عليه السلامُ عندَ المنارةِ
البيضاء شرقيّ دمشقَ)).
حديث صحيح. أخرجه مسلم (٨ / ١٩٧)، وأبو داود
(٢ / ٢١٣)، وابن ماجه (٢ / ٥٠٨ - ٥١٢)، وكذا الترمذي
(٢ / ٣٧)، والحاكم (٤ / ٤٩٢ - ٤٩٤)، وأحمد (٤ /
١٨١)، وقال الترمذي :
((حديث حسن صحيح)). وقال الحاكم :
((صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي.
وقد وهما ؛ فإنما هو على شرط مسلم وحده؛ لأنه من
رواية يحيى بن جابر الطائي، ولم يخرج له البخاري في
((صحيحه))، وإنما أخرج له في ((الأدب المفرد))، فاشتبه
عليهما الأمر.
٦٠