النص المفهرس
صفحات 961-980
القنوت في الصلوات الخمس للنازلة
ابن إسحاق؛ على ما في ((البداية)) (٧٢/٤) ..
وذلك يفيد أنه * لم يقنت قبل هذه الواقعة ، وليس كذلك ؛ فقد ورد أنه قنت
أيضاً في غزوة أحد؛ كما روى البيهقي في ((المعرفة)) - على ما في («نصب الراية))
(١٢٩/٢) - عن عمر بن حمزة عن سالم عن ابن عمر قال :
صلى رسول الله مه صلاة الصبح يوم أحد، فلما رفع رأسه من الركعة الثانية ؛ قال :
((سمع الله لمن حمده. اللهم ! العن أبا سفيان ، وصفوان بن أمية ، والحارث بن
هشام)) . فنزلت : ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ .
قلت : ومن هذا الوجه أخرجه الترمذي (١٦٦/٢ - طبع بولاق) ، لکن لیس فیه ذکر
الصلاة ، وزاد في آخره :
فتاب الله عليهم ؛ فأسلموا ، فحَسُنَ إسلامهم . وقال :
«حدیث حسن)) .
ثم رواه هو، والطحاوي في ((المشكل)) (٢٣٦/١) من طريق ابن عجلان عن نافع
عن ابن عمر بنحوه . وقال :
«حسن صحيح)) .
وقد أخرجه البخاري في (غزوة أحد) من («صحيحه» (٢٩٣/٧) ، والطحاوي أيضاً ،
وأحمد (١٤٧/٢) عن الزهري عن سالم عن أبيه :
أنه سمع رسول الله تَ إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر؛ يقول :
((اللهم! العن فلاناً وفلانا))، بعدما يقول: ((سمع الله لمن حمده ، ربنا! ولك
الحمد)). فأنزل الله عز وجل: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾، إلى قوله: ﴿فإنهم
ظالمون ﴾ .
٩٦١
٠
القنوت في الصلوات الخمس للنازلة
و((كان يقنت في الصلوات الخمس كلها(١)(٢).
فليس فيه التصريح أن ذلك كان في أُحُد ، وكأن البخاري - بإيراده الحديث في
قصة أحد - أشار إلى رواية البيهقي المصرحة بذلك. قال الحافظ في ((الدراية))
(ص١١٧) :
((ويؤيد ذلك حديث أنس : أن الآية نزلت يوم أحد ؛ بعد أن شُجَّ وجهه
((
قلت : هذا أخرجه البخاري (٢٩٢/٧) تعليقاً ، ووصله مسلم (١٧٩/٥)، والترمذي
(١٦٦/٢)، والطحاوي (٢٨٩/١) وفي ((المشكل)) أيضاً (٢٣٦/١ - ٢٣٧). قال في
((الفتح)) (١٨٣/٨):
((وطريق الجمع بينه وبين حديث ابن عمر: أنه ﴿ دعا على المذكورين بعد ذلك
في صلاته ، فنزلت الآية في الأمرين معاً؛ فيما وقع له من الأمر المذكور، وفيما نشأ عنه
من الدعاء عليهم ، وذلك كله في أُحُد» .
(١) فيه أن السنةَ في قنوت النازلة الدعاءُ في الفرائض الخمس ، وهو الصحيح
من مذهب الشافعية - کما في «المجموع» (٤٩٤/٣ و٥٠٥)۔۔، وهو ثابت عند علمائنا
الحنفیة ۔ کما نقل ذلك الشیخ أنور الكشميري في «فیض الباري» (٣٠٢/٢) -. قال
النووي :
((وأما غير المكتوبات ؛ فلا يقنت في شيء منهن)) .
(٢) هو من حديث ابن عباس رضي الله عنه بمعناه . وقد سبق لفظه قريباً
[ص٩٥٩].
وله شاهد من حديث البراء بن عازب :
كان لا يصلي صلاة مكتوبة إلا قنت فيها .
أن النبي
٩٦٢
القنوت في الصلوات الخمس للنازلة
أخرجه الدارقطني (١٧٧)، والبيهقي (١٩٨/٢)، والطبراني، والحازمي (٦٣)(*)
من طريق محمد بن أنس عن مُطَرِّف بن طَريفٍ عن أبي الجهم عنه .
وهذا إسناد حسن، ورجاله - كما قال الهيثمي (١٣٨/٢) : - ((موثقون)). وأما قول
ابن القيم (١٠٢/١):
((لا تقوم به حجة)) . فمردود ؛ لأنه ليس عليه حجة .
وهو عند مسلم (١٣٧/٢)، وأبي داود (٢٢٧/١)، والنسائي (١٦٤/١)، والترمذي
(٢٥١/٢) وصححه، والدارمي (٣٧٥/١)، والطحاوي (١٤٢/١)، والبيهقي (١٩٨/٢)،
والطيالسي (١٠٠)، وأحمد (٢٨٠/٤ و٢٨٥) من طريق أخرى عن البراء بلفظ:
كان يقنت في الصبح والمغرب . وقال أحمد :
(«ليس يُروى عن النبي ﴿ أنه قنت في المغرب إلا في هذا الحديث ، وعن علي
قوله)» .
كذا قال . وهو ذهول عن حديث ابن عباس - وقد أخرجه هو نفسه في ((المسند))،
کما سبق۔. وعن حديث أنس قال :
كان القنوت في المغرب والفجر .
أخرجه البخاري (٢٢٧/٢ و٣٩٤)، والطحاوي (١٤٣/١)، والبيهقي (١٩٩/٢).
وقد وهم الحافظ ؛ حیث عزاه لمسلم .
وفي الباب عن أبي هريرة قال :
.. قال : فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الآخرة
والله ! لأُقَرَّنّ بكم صلاة رسول الله
(*) وعزاه الشيخ رحمه الله في ((الصفة)) المطبوع للسراج .
٩٦٣
القنوت في الصلوات الخمس للنازلة
لكنه «كان لا يقنت فيها إلا إذا دعا لقوم، أو دعا على قوم))(١)، فربما قال:
من صلاة الظهر، وصلاة العشاء الآخرة ، وصلاة الصبح ؛ فيدعو للمؤمنين ، ويلعن الكافرين .
أخرجه البخاري (٢٢٦/٢)، ومسلم (١٣٥/٢)، وأبو داود (٢٢٧/١)، والنسائي
(١٦٤/١)، والدارقطني (١٧٨)، والبيهقي (١٩٨/٢)، وكذا الطحاوي (١٤٢/١)،
وأحمد (٢٥٥/٢ و٣٣٧ و٤٧٠) من طريق أبي سلمة عنه . قال الحافظ :
«وظاهر الحديث أن جمیعه مرفوع)» .
قلت : ویشهد له الأحاديث التي قبله .
(١) هو من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .
أخرجه الخطيب البغدادي في كتاب ((القنوت)) من حديث محمد بن عبدالله
الأنصاري : ثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عنه .
وهذا سند صحيح؛ كما قال الحافظ في ((الدراية)) (١١٧) وفي ((الفتح)) (١٨٢/٨)،
وعزاه فيه (٣٩٣/٢) وفي ((التلخيص)) (٤١٨/٣ و٤٣٨) لابن خزيمة في «صحيحه»
{[وهو فيه] (٢/٧٨/١) = [٦٢٠/٣١٤/١]}.
وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال :
ـ﴿ لا يقنت في صلاة الصبح، إلا أن يدعو لقوم أو على قوم.
كان رسول الله
أخرجه ابن حبان عن إبراهيم بن سعد عن الزُّهري عن سعيد وأبي سلمة عنه . قال
الحافظ :
(إسناده صحيح)) .
قلت : وهو في ((صحيح البخاري)) بهذا الإسناد بنحوه - وقد سبق في أول الفصل
[ص٩٥٤] . .
٩٦٤
القنوت في الصلوات الخمس للنازلة
وذكّر الحديثين في ((نصب الراية)) (١٣٠/٢)، ثم قال:
((قال صاحب ((التنقيح)): وسند هذين الحديثين صحيح . وهما نص في أن القنوت
مختص بالنازلة)» .
قلت : ولذلك أنصف الحافظ ابن حجر ؛ حيث قال :
((ويؤخذ من جميع الأخبار أنه تم كان لا يقنت إلا في النوازل . وقد جاء ذلك
صريحاً). ثم ساق الحديثين . قال ابن القيم (٩٧/١):
القنوت فيها - يعني: صلاة الصبح - دائماً ، ومن المحال أن
«ولم یکن من هديه
رسول الله # كان في كل غداة بعد اعتداله من الركوع يقول: ((اللهم! اهدني فيمن
هدیت ... )) إلخ، ویرفع بذلك صوته ، ويُؤَمِّن علیه أصحابه دائماً إلى أن فارق الدنيا ، ثم
لا یکون ذلك معلوماً عند الأمة ، بل یضیعه أکثر أمته ، وجمهور أصحابه ، بل کلهم
حتى يقول من يقول منهم : إنه مُحْدَثٌ)) . قال:
((ومن المعلوم بالضرورة أن رسول الله بت لو كان يقنت كل غداة ، ويدعو بهذا
الدعاء ، ويؤمِّن الصحابة ؛ لكان نَقْلُ الأمة لذلك كله كنقلهم لجهره بالقراءة فيها ،
وعددها ، ووقتها ، وإن جاز عليهم تضييع أمر القنوت ؛ جاز عليهم تضييع ذلك ، ولا فرق !
وبهذا الطريق علمنا أنه لم يكن هديه الجهر بالبسملة كل يوم وليلة خمس مرات
دائماً مستمراً؛ ثم يُضَيِّع أكثر الأمة ذلك ، ويخفى عليها! وهذا من أمحل المحال ، بل لو
كان ذلك واقعاً ؛ لكان نقله كنقل عدد الصلوات ، وعدد الركعات ، والجهر والإخفات ،
وعدد السجدات ، ومواضع الأركان ، وترتيبها . والله الموفق .
والإنصاف الذي يرتضيه العالم المنصف : أنه جهر وأسر ، وقنت وترك ، وكان إسراره
أكثر من جهره ، وتركه القنوت أكثر من فعله ، وإنما قنت عند النوازل ؛ للدعاء لقوم،
٩٦٥
القنوت في الصلوات الخمس للنازلة
وللدعاء على آخرين ، ثم تركه لما قدِمَ من دعا لهم وتخلّصوا من الأسر ، وأسلم من دعا
عليهم وجاؤوا تائبين ؛ فكان قنوته لعارض ، فلما زال ؛ ترك القنوت)) . قال :
((ولم يكن يخصه بالفجر ، بل كان أكثر قنوته فيها ؛ لأجل ما شرع فيها من الطول ،
ولاتصالها بصلاة الليل ، وقربها من السَّحَر، وساعة الإجابة ، وللتنزّل الإلهي ، ولأنها
الصلاة المشهودة ؛ التي يشهدها الله وملائكته ، أو ملائكة الليل والنهار - كما روي هذا
وهذا في تفسير قوله تعالى: ﴿إن قرآن الفجر كان مشهوداً﴾ .)).
(تنبيه) : وأما حديث أنس :
ما زال رسول الله ﴾ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا .
فحديث ضعيف ، لا يصح . وإن صححه الحاكم والنووي !
فهو ضعيف من قبل أبي جعفر الرازي - راويه - عن الربيع عن أنس . وقد بسط
الكلام عليه ابن القيم في «الزاد» (٩٩/١ - ١٠٠)، والحافظ في ((التلخيص)) (٤١٧/٣ -
٤١٨) وغيرهما .
(فائدة): قال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في تعليقه على ((الترمذي)»
(٢٥٢/٢) :
((وقد ترك الناس القنوت في النوازل التي تنزل بالمسلمين ، وما أكثرها في هذه
العصور في شؤون دينهم ودنياهم ! حتى صاروا - من تفرقهم وإعراضهم عن التعاون حتى
بالدعاء في الصلوات؛ صاروا - كالغرباء في بلادهم ، وصارت الكلمة فيها لغيرهم !
والقنوت في النوازل بالدعاء للمسلمين ، والدعاء على أعدائهم ثابت عن النبي
في الصلوات كلها بعد قوله : ((سمع الله لمن حمده)) في الركعة الآخرة)).
٩٦٦
القنوت في الصلوات الخمس للنازلة
((اللهم! أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي
ربيعة ، اللهم ! اشدد وطأتك على مضر، واجعلها سنين كسني يوسف ،
[اللهم! العن لِحْيَانَ ورِعْلاً وذكوانَ، وعُصَيَّة عصت الله ورسوله]))(*)
ثم ((كان يقول - إذا فرغ من القنوت -:
((الله أكبر)). فيسجد))(١)
(*) انظر تخريجه مفصلاً فيما سبق (ص٩٥٤ - ٩٥٦).
(١) هو من حديث أبي هريرة.
أخرجه النسائي، وأحمد - كما سبق [ص٩٥٥] -، {والسراج (١/١٠٩)، وأبو
يعلى في ((مسنده)) بسند جيد} .
٩٦٧
القنوت في الوتر
القنوت في الوتر
يقنت في ركعة الوتر أحياناً ، ويجعله قبل الركوع))(١).
و«کان
(١) هو من حديث أُبَيّ بن كعب:
أن رسول الله
کان یوتر ؛ فیقنت قبل الركوع .
أخرجه النسائي (٢٤٨/١) {وفي ((السنن الكبرى)) (ق ١/٢١٨ - ٢) = [٤٤٨/١/
١٤٣٢ و١٠٥٧٠/١٨٤/٦]}، وابن ماجه (٣٥٩/١)، والضياء المقدسي في ((المختارة)» من
طريق علي بن ميمون قال: ثنا مَخْلَد بن يزيد عن سفيان عن زُبَيد عن سعيد بن
عبدالرحمن بن أبزی عن أبيه عنه .
وهذا إسناد جيد. رجاله رجال الشيخين؛ غير علي بن ميمون ، وهو ثقة - كما في
«التقریب» - .
وقد تابعه فِطْرُ بن خلیفة ، ومِسْعَرُ بن کِدَام عن زبيد .
أخرجه عن الأولِ الدارقطنيُّ (١٧٥)، و{البيهقي [٤٠/٣]}.
وعن الآخرِ البيهقيُّ (٤٠/٣)، وذكرهما أبو داود تعليقاً.
وبذلك يصير الإسناد صحيحاً .
وله إسناد آخر عن سعيد بن عبدالرحمن : عند الدارقطني - {ومن طريقه البيهقي
(٣٩/٣)} - قال: ثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث: ثنا المُسَيِّب بن واضح: ثنا
عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن قتادة - قال أبو بكر بن سليمان : ربما قال
المسيب: عن عَزْرَة (في الأصل [عند الدارقطني]: عروة. وهو تصحيف) ، وربما لم يقل -
عن سعيد بن عبدالرحمن بن أبزى به .
وهذا سند صحيح أيضاً .
وقد أخرجه ابن نصر (١٣١) : ثنا إسحاق : أخبرنا عيسى بن يونس به ؛ دون قوله:
٩٦٨
القنوت في الوتر
ولا يخصه بنازلة(١).
(عن عزرة) .
وكذلك علقه أبو داود . ثم أعله بأن جماعة رووه عن سعيد بن أبي عروبة ، وآخرين
عن زبيد ، لم يذكروا القنوت .
وهذه علة غير قادحة ؛ لأن الذين زادوا القنوت جماعة أيضاً ثقات ؛ فيجب قبول
زيادتهم - كما تقرر في المصطلح -؛ ولذلك قد صحح الحديث جمع . قال الحافظ في
((التلخيص)) (٢٤٩/٤) :
* كان يقنت قبل الركوع . رواه أبو داود ،
((حديث أبي بن كعب: أن النبي ◌ِّ
والنسائي ، وابن ماجه ، وأبو علي بن السَّكّن في «صحيحه» . ورواه البيهقي من حديث
أبي بن كعب ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وضعفها كلها ، وسبق إلى ذلك أحمدُ بن
حنبل ، وابنُ خزيمة ، وابنُ المنذر؛ قال الخلال عن أحمد: لا يصح فيه عن النبي
شيء، ولکن عمر كان يقنت)) .
وقد ضعف الحديث أيضاً أبو بكر بن العربي ؛ فقال :
(لم يصح)). فتعقبه الحافظ العراقي بقوله :
(بل هو صحيح أو حسن)) - كما في ((النيل)) (٣٨/٣) ..
ويقويه تلك الشواهد التي أشار إليها الحافظ ، وهي وإن كانت ضعيفة الأسانيد؛
فبعضها يقوي بعضاً {وهو مخرج في ((الإرواء)) (٤٢٦)}(*).
(١) وكذلك كان لا يخصه بالنصف الأخير من رمضان. والحجة في ذلك: أن
الأحاديث الواردة فيه مطلقة غير مقيدة - كما رأيت -، ومثلها حديث الحسن بن علي
(*) وعزاه الشيخ رحمه الله في ((الصفة)) المطبوع لابن أبي شيبة (١/٤١/١٢)، وأحمد،
والطبراني، وابن عساكر (٢/٢٤٤/٤)؛ قال: ((بسند صحيح)).
٩٦٩
القنوت في الوتر
رضي الله عنه قال : علمني رسول الله ـ
كلمات أقولهن في قنوت الوتر :
((اللهم ! اهدني فيمن هديت ... )) الحديث .
وهو صحيح الإسناد - كما يأتي -، وهو مطلق أيضاً؛ ليس فيه شيء من القيود .
وقد اعتضدت هذه المُطْلَقات بأعمال الصحابة ؛ فقد روى ابن نصر (١٣١) عن
عمر ، وعلي ، وابن مسعود القنوتَ في الوتر في السَّنَّةِ كلها . قال الترمذي :
((وهو قول أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري ، وابن المبارك ، وإسحاق ، وأهل
الكوفة)» .
C.
واعلم أنه إنما قلنا : كان يقنت أحياناً ؛ لأننا تتبعنا الأحاديث الواردة في إيتاره
- وهي كثيرة -؛ فوجدنا أكثرها لا تتعرض لذكر القنوت مطلقاً - كأحاديث عائشة ، وابن
عباس وغيرهما -، ومقتضى الجمع بينها وبين حديث أَبَي وما في معناه أن يقال : إنه
كان يقنت أحياناً ، ويدع أحياناً، إذ لو كان يقنت دائماً؛ لما خفي ذلك على أكثر
الصحابة الذين رووا إيتاره 8 ، وذلك يدل على أن القنوت ليس بالأمر الحتم ؛ بل هو
سنة ، وعليه جمهور العلماء من الصحابة ، والتابعين ، ومن بعدهم، وهو مذهب أبي
يوسف ، ومحمد ؛ خلافاً لأستاذهما أبي حنيفة ؛ فإنه قال بوجوبه .
وقد اعترف المحقق ابن الهمام في ((فتح القدير» (٣٠٦/١ و٣٥٩ و٣٦٠) بأن القول
بوجوبه ضعيف لا ينهض عليه دليل ، {وهذا من إنصافه وعدم تعصبه} . فراجع كلامه
في ذلك ؛ فإنه نفيس . ومثل هذا التصريح لا تكاد تجده في كتب علمائنا .
هذا ، وکون قنوت الوتر قبل الركوع هو مذهب الجنفیة ، وهو الحق الذي لا ريب
خلافه ، وهو المروي عن عمر بن الخطاب ، وابن مسعود في
فيه؛ إذ لم يصح عنه
((قيام الليل)) (١٣٣).
٩٧٠
القنوت في الوتر
ورواه الطبراني عن ابن مسعود بسند حسن - كما في ((المجمع)) (١٣٧/٢) -، وهو في
(«مصنف ابن أبي شيبة)) [٦٩١٠/٩٧/٢] بلفظ: عن علقمة:
أن ابن مسعود وأصحاب النبي 8 كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع .
وسنده حسن أيضاً - كما قال الحافظ في ((الدراية)) (١١٥) ..
وأما الحديث الذي رواه الحاكم (١٧٢/٣)، وعنه البيهقي (٣٨/٣ - ٣٩) عن الفضل
ابن محمد الشَّعْراني: ثنا أبو بكر عبدالرحمن بن عبدالملك بن شَيْبة الحِزَامي : ثنا ابن
أبي فُدَيك عن إسماعيل بن إبراهيم بن عُقبة عن عمه موسى بن عُقبة عن هشام بن
عروة عن أبيه عن عائشة عن الحسن بن علي قال :
علمني رسول الله ### في وتري إذا رفعت رأسي ، ولم يبق إلا السجود :
((اللهم ! اهدني فيمن هديت ... )) .
وكذلك أخرجه الطبراني في «الكبير)).
فهذا إسناد ضعيف . وقول الحاكم :
((صحيح على شرط الشیخین)) : وَهْمٌ - وإن وافقه علیه الأستاذ أحمد محمد شاكر
في تعليقه على ((المحلى)) (١٤٨/٤)، ولا أدري كيف خفي ذلك عليه -، وبيانه من
وجوه :
أولاً : إن أبا بكر عبدالرحمن بن شيبة لم يخرج له. مسلم شيئاً ، والبخاري إنما روی
له حديثين متابعة . ثم هو متكلم فيه ؛ قال أبو أحمد الحاكم :
((لیس بالمتین عندهم)) . وقال أبو بكر بن أبي داود :
((ضعيف)). وقال ابن حبان في ((الثقات)):
٩٧١
القنوت في الوتر
((ربما خالف)). وفي («التقريب)):
((صدوق يخطئ)) . فمن كان هذا حاله ؛ لا يقبل منه ما تفرد به دون الثقات .
ثانياً : إن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة هو من أفراد البخاري دون مسلم .
ثالثاً : إن محمد بن جعفر بن أبي كثير قد خالفه في إسناده ومتنه ؛ فقال : ثني
موسى بن عُقبة : ثنا أبو إسحاق عن بُرَيد ابن أبي مريم عن أبي الحَوْرَاء عن الحسن بن
علي قال :
علمني رسول الله ◌َ هؤلاء الكلمات في الوتر ... فذكرها؛ دون قوله :
إذا رفعت رأسي ، ولم يبق إلا السجود .
أخرجه الحاكم ، والطبراني أيضاً في ((الكبير)). وكذلك رواه غير ما واحد عن بُرَيد
- كما يأتي .. قال الحافظ في «الدراية)):
((وهو الصواب)). وقال في ((التلخيص)) (٤٣١/٣) :
(((تنبيه): ينبغي أن يُتأمل في هذه الزيادة ؛ فقد رأيت في الجزء الثاني من ((فوائد
أبي بكر أحمد بن الحسين بن مهران الأصبهاني)) في تخريج الحاكم له قال : ثنا محمد
ابن يونس المقري : ثنا الفضل بن محمد البيهقي: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة المدني
الحِزامي ... بسنده المتقدم ، ولفظه :
علمني رسول الله 8* أن أقول في الوتر قبل الركوع ... فذكره . وزاد في آخره :
((ولا منجا منك إلا إليك)))).
قلت : وبالجملة؛ فهذه الزيادة لا تصح(*)، سواء كان أصلها قبل الركوع ، أو بعده .
(*) ثم مال الشيخ رحمه الله إلى تحسينه. انظر «الإرواء)) (١٦٨/٢ - ١٦٩).
٩٧٢
القنوت في الوتر
وعَلَّم الحسَنَ بن علي رضي الله عنه أن يقول [إذا فرغ من قراءته في
الوتر (*) :
((اللهم ! اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، وتولّني فيمن
توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وَقِني شر ما قضيت، [فـ}(١) إنك تقضي
ولا يُقضى عليك. [و](١) إنه لا يذل من واليت، [ولا يَعِزُّ من عاديت}(٢)،
(*) الزيادة من ((صفة الصلاة)) المطبوع؛ أخرجها ابن منده في ((التوحيد)) بسند
حسن - كما يأتي قريباً ..
(١) قال الحافظ في ((التلخيص)) (٤٢٦/٣):
((وأسقط بعضهم الواو من قوله: ((وإنه لا يذل ... )). وأثبت بعضهم الفاء في قوله :
(فإنك تقضي)))).
قلت: وأكثر الرواة على إثبات الواو والفاء، وهي رواية {ابن أبي شيبة [٦٨٨٨/١
و٢٩٦٩٦]}، وابن خزيمة (١٠٩٥ و١٠٩٦)، والنسائي، والترمذي، والدارمي، والحاكم،
وأحمد. وصحح ذلك النووي في ((المجموع)» (٤٩٥/٣) ؛ فقال :
((الحديث الصحيح بإثبات الفاء والواو؛ هذا لفظه في رواية الترمذي وجمهور
المحدّثین» . قال :
((وتقع هذه الألفاظ في كتب الفقه مغيرة؛ فاعتّمِدْ ما حققتُه؛ فإن ألفاظ الأذكار
.《業
يُحافظ فيها على الثابت عن النبي :{
(٢) قال الحافظ (٤٣٢/٣):
(«هذه الزيادة ثابتة في الحديث؛ إلا أن النووي قال في ((الخلاصة)):
إن البيهقي رواها بسند ضعيف. وتبعه ابن الرَّفْعَة في ((المطلب))؛ فقال:
لم تثبت هذه الرواية .
٩٧٣
القنوت في الوتر
وهو معترض ؛ فإن البيهقي رواها من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن
بُريد ابن أبي مريم عن الحسن - أو الحسين - بن علي ؛ فساقه بلفظ الترمذي ، وزاد :
(ولا يعز من عاديت)).
وهذا التردد من إسرائيل إنما هو في الحسن أو في الحسين . وقال البيهقي :
كأن الشك إنما وقع في الإطلاق ، أو في النسبة .
قلت : يؤيد رواية الشك : أن أحمد بن حنبل أخرجه في (مسند الحسين بن علي) من
(«مسنده)) [٢٠١/١] من غير تردد؛ فأخرجه من حديث شريك عن أبي إسحاق ... بسنده.
وهذا - وإن كان الصواب خلافه ، والحديث من حديث الحسن ، لا من حديث أخيه
الحسين ؛ فإنه - يدل على أن الوهم فيه من أبي إسحاق ؛ فلعله ساء فيه حفظه ، فنسي
هل هو الحسن أو الحسين؟!
والعمدة في كونه الحسن على رواية يونس بن أبي إسحاق عن بريد ابن أبي مريم ،
وعلی رواية شعبة عنه - كما تقدم - .
ثم إن هذه الزيادة رواها الطبراني أيضاً من حديث شريك وزهير بن معاوية عن أبي
إسحاق ، ومن حديث أبي الأحوص عن أبي إسحاق)) .
قلت : ورواية يونس هي رواية أحمد في («المسند»، ورواها عنه أبو داود في ((مسائله)) (٦٨).
وقد أخرجها الطبراني في «الكبير» عنه أيضاً، وعن شعبة ؛ كلاهما عن بريد ابن
أبي مريم بهذه الزيادة .
وبالجملة ؛ فهي زيادة صحيحة ثابتة لا شك فيها ، {وفات ذلك النوويّ؛ فصرح
رحمه الله في ((روضة الطالبين)) (٢٥٣/١ - طبع المكتب الإسلامي) أنها زيادة من العلماء !
مثل زيادتهم : ((فلك الحمد على ما قضيت ، أستغفرك وأتوب إليك)» !
٩٧٤
القنوت في الوتر
تباركت ربنا وتعاليت ، [لا منجا منك إلا إليك](*)(١)
ومن الغريب أنه قال بعد ذلك بسطور :
((واتفقوا على تغليط القاضي أبي الطيب في إنكاره: ((لا يعز من عاديت))، وقد
جاءت في رواية البيهقي . والله أعلم» } .
(*) الزيادة من ((صفة الصلاة)) المطبوعة، وهي عند ابن منده في ((التوحيد))، وأبي
بكر الأصبهاني في «فوائده)» - كما يأتي -.
(١) هو من حديث الحسن بن علي نَفْسِه قال :
كلمات أقولهن في قنوت الوتر : ... فذكرها .
علمني رسول الله ﴾
أخرجه أبو داود (٢٢٥/١)، والنسائي (٢٥٢/١)، والترمذي (٣٢٨/٢)، والدارمي
(٣٧٣/١ - ٣٧٤)، وابن ماجه (٣٥٨/١)، وابن نصر (١٣٤)، والحاكم (١٧٢/٣)،
والبيهقي (٢٠٩/٢ و٤٩٧)، وأحمد (١٩٩/١)، والطبراني في «الكبير»، {وكذا ابن
أبي شيبة [٦٨٨٨/٩٥/٢]} من طرق عن بريد ابن أبي مريم عن أبي الحوراء عنه.
ورواه ابن خزيمة { (٢/١١٩/١) = [١٥١/٢ و١٠٩٥/١٥٢ و١٠٩٦]}، وابن حبان
في ((صحيحيهما))(*) - كما في ((نصب الراية)) (١٢٥/٢)، و((التلخيص)) (٤٢٥/٤) ..
والزيادة عند البيهقي ، والطبراني .
والحديث صحيح - كما قال النووي (٤٩٦/٣) -، ورجاله كلهم ثقات . وسكت عليه
الحاكم . واقتصر الترمذي على قوله :
«حدیث حسن» . وهو قصور .
وأما تضعيف ابن حزم له في ((المحلى)) (١٤٧/٤ - ١٤٨)؛ فمما لا يلتفت إليه ؛ لأنه
لا سلف له في ذلك ولا حجة .
(*) {وابن منده في («التوحيد)) (٢/٧٠) بسند آخر حسن}.
٩٧٥
القنوت في الوتر
وهناك زيادات في بعض الروايات لا تصح ؛ أحببت التنبيه عليها : فمنها ما عند
ابن ماجه من طريق شريك عن أبي إسحاق عن بريد :
(( ... سبحانك تباركت ... ).
وشريك : سيئ الحفظ .
وعزا هذه الزيادة الحافظ في ((التلخيص)) للترمذي. وهو وهم ، تبعه عليه الشوكاني
(٣٧/٣) ! وزاد أبو بكر بن مِهْران الأصبهاني (*) في آخره :
((لا منجا منك إلا إليك)). وهي ضعيفة لا تصح ( ** ) - كما سبق قريباً -.
(تنبيه) : زاد النسائي من طريق أخرى عن ابن وهب عن يحيى بن عبدالله بن سالم
عن موسى بن عُقبة عن عبدالله بن علي عن الحسن بن علي به ، قال في آخره :
((وصلّى الله على النبي الأمي)).
وهذا إسناد ضعيف . وإن قال النووي في ((المجموع)) (٤٩٩/٣) :
((صحیح أو حسن)) .
فقد تعقبه العلماء ، وبيَّنوا وهمه في ذلك؛ قال الحافظ في ((التلخيص)) (٤٣٠/٣)
- بعد أن نقل كلامه هذا ۔:
((قلت : وليس كذلك ؛ فإنه منقطع ؛ فإن عبدالله بن علي - وهو: ابن الحسين بن
علي - لم يلحق الحسن بن علي .
وقد اختلف على موسى بن عقبة في إسناده)). ثم بين هذا الاختلاف.
(*) {وابن منده في («التوحيد)) (ق٢/٧٠)}.
( ** ) انظر التعليق (ص٩٧٢).
٩٧٦
القنوت في الوتر
ثم ذكر أن يحيى بن عبدالله تفرَّدَ عن موسى بقوله: (عن عبدالله بن علي) ، وبزيادة
الصلاة فيه .
قلت : ويحتمل أن يكون عبدالله هذا هو غير عبدالله بن علي بن الحسين بن علي .
وقد أشار إلى هذا الحافظ في ((التهذيب)) (٣٢٥/٥) بقوله في ترجمة عبدالله هذا :
((وأما روايته عن الحسن بن علي ؛ فلم تثبُت ، وهي عند النسائي ، فإن كان هو
صاحب الترجمة ؛ فلم يدرك جده الحسن بن علي ؛ لأن والده علي بن الحسين لما مات
عمه الحسن رضي الله عنه ؛ كان دون البلوغ» .
وقال القسطلاني في ((المواهب))، وشارحه الزَّرْقاني (٣٤٧/٧) ؛ تعقباً على النووي :
«وهي زيادة غير ثابتة ؛ لأجل عبدالله بن علي ؛ لأنه غير معروف . وعلى تقدير أن
يكون هو عبدالله بن علي بن الحسين بن علي - وهو مقبول الرواية -؛ فهو منقطع ؛ لأنه لم
يسمع من جده الحسن بن علي. فقد تبين أنه ليس من شرط الحَسَنِ ؛ لانقطاعه أو
جهالة راويه ، ولم تنجبر الزيادة بمجيئها من وجه آخر ، وحينئذ فقد تبين شذوذها - على
ما لا يخفى -، بل ضعفها)) .
{ولذلك لم نوردها على طريقتنا في الجمع بين الزيادات ؛ وقوفاً منا عند شرطنا
المذكور في مقدمة الكتاب ، وقال العز بن عبدالسلام في ((الفتاوى)) (١/٦٦ - عام ١٩٦٢):
«ولم تصح الصلاة على رسول الله
في القنوت ، ولا ينبغي أن يُزاد على صلاة
رسول الله {﴾ شيء)).
وفي هذا القول منه إشارة إلى أنه لا يتوسع في القول بالبدعة الحسنة ؛ كما يفعل
بعض المتأخرين القائلين بها} .
نعم؛ كان أبو حليمة معاذ القاري يصلي على النبي ته في القنوت في رمضان؛
كما رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق - على ما في ((الجلاء)) (٢٥١) -.
٩٧٧
القنوت في الوتر
وإسناده صحيح . ورواه ابن نصر أيضاً (١٣٦).
ومعاذ هذا: صحابي صغير - كما في ((التقريب)) -، وهو: ابن الحارث الأنصاري
النَّجَّاري ، أحد من أقامه عمر رضي الله عنه بمصلى التراويح .
{ وقد ثبت في حديث إمامةٍ أُبيّ بن كعب الناسَ في قيام رمضان أنه كان يصلي
على النبي تَ﴿ في آخر القنوت ، وذلك في عهد عمر رضي الله عنه .
رواه ابن خزيمة في «صحيحه» (١٠٩٧).
فهي زيادة مشروعة ؛ لعمل السلف بها ، فلا ينبغي إطلاق القول بأن هذه الزيادة
بدعة . والله أعلم} .
وأما الصلاة على النبي ◌َّه في قنوت الفجر؛ فلم يرد مطلقاً ، بل قال ابن القيم :
إنه ((نقل من قنوت الوتر إلى قنوت الفجر قياساً؛ كما نقل أصل هذا الدعاء إلى
قنوت الفجر)» .
قلت : لکن روي حديث بإسناد ضعيف :
أن رسول الله به كان إذا رفع رأسه من الركوع في صلاة الفجر في الركعة الثانية ؛
رفع يديه ، فيدعو بهذا الدعاء :
((اللهم ! اهدني فيمن هديت ... » إلخ .
أخرجه الحاكم في ((القنوت)) - خارج ((المستدرك)) - من طريق عبدالله بن سعيد
المقبري عن أبيه عن أبي هريرة .
وهذا إسناد ضعيف. وعزاه الحافظ (٤٣٢/٣) لـ ((المستدرك))؛ وهو وَهْمٌ . قال في
«الزاد)) (٩٨/١):
٩٧٨
القنوت في الوتر
((فما أَبْيَنَّ الاحتجاجَ به لو كان صحيحاً أو حسناً ، ولكن لا يحتج بعبد الله هذا ، وإن
كان الحاكم صحّح حديثه في ((القنوت)))). وقال الحافظ :
((قال الحاكم : صحيح . وليس كما قال ؛ فهو ضعيف ؛ لأجل عبد الله ، فلو كان ثقة ؛
لكان الحديث صحيحاً ، وكان الاستدلال به أولى من الاستدلال بحديث الحسن بن
علي الوارد في قنوت الوتر)) .
وهناك حديث آخر :
رواه البيهقي (٢١٠/٣) من طريق عبدالرحمن بن هُرْمُز عن بُريد ابن أبي مريم عن.
ابن عباس نحوه .
وهو معلول أيضاً؛ وعلته عبدالرحمن هذا؛ قال الحافظ (٤٢٩/٣):
((يحتاج إلى الكشف عن حاله)) . وقال ابن حبان :
((إن ذكر صلاة الصبح ليس بمحفوظ)) - كما في ((النيل)) (٣٧/٣) ..
إذا علمت أنه لم يصح حديث في القنوت بهذا الدعاء في الفجر؛ فالصواب الذي
يقتضیه النظر أن لا یکون لقنوت الفجر وِردٌ خاص راتب يواظب عليه ؛ بل يدعو بما
يناسب الحال والنازلة . وكذلك الشأن في بقية الصلوات الخمس .
ومن غرائب الفقه المتعارض أن ينقل هذا الدعاء من قنوت الوتر إلى قنوت الفجر
أيضاً - كما هو مذهب الشافعية -، وأن تترك الحنفية الدعاء به في الوتر ، ويأخذوا بالدعاء
الذي كان يقنت به عمر رضي الله عنه في قنوت الفجر ، وهو قوله :
اللهم ! إنا نستعينك ، ونستغفرك ... إلخ.
فنقلوه هم إلى الوتر ! فهؤلاء في طرف ، وأولئك في طرف آخر !
فإن قيل : فما حجتك في أن عمر رضي الله عنه كان يقنت به في الفجر؟
٩٧٩
القنوت في الوتر
قلت: هي ما أخرجه الطحاوي (١٤٥/١)، وكذا أبو داود في ((مسائله)) (٦٤ -
٦٥)، وابن نصر (١٣٤ - ١٣٦)، والبيهقي (٢١٠/٢ - ٢١١) من طرق متعددة:
أن عمر رضي الله عنه قنت في صلاة الغداة قبل الركوع - وفي رواية : بعد الركوع -
بذلك .
وصحح البيهقي بعض أسانيده .
وقد كان قنوت عمر رضي الله عنه بذلك للنوازل ؛ بدليل أنه كان يقول قبل هذا
الدعاء :
اللهم ! العن كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك ، ويكذبون رسلك ،
ويقاتلون أولياءك. اللهم ! خالف بين كلماتهم ، وزلزل أقدامهم ، وأنزل بهم بأسك الذي
لا ترده عن القوم المجرمين. بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم! إنا نستعينك ... إلخ.
أخرجه البيهقي وغيره .
وبدليل قوله في آخر الدعاء :
إن عذابك بالكفار ملحق .
*
٩٨٠