النص المفهرس
صفحات 881-900
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله)) (١)
فمن علم ما ذكر من الفرق بين توحيد الربوبية ، وتوحيد الألوهية ، وجمع بينهما في
اعتقاده وعمله ؛ فهو الذي تحقق بمعنى لا إله إلا الله ، وهو الذي يستحق أجر قائلها ،
وتنفعه من دهره يوماً ما - كما جاء في الأحاديث النبوية -.
وهذا بحث عظيم قد أُلِّفَتْ فيه كتب ، ورسائل شتى ؛ لأهميته ، وخطورة شأنه ،
فمن شاء التوسع في ذلك؛ فليراجع ((تطهير الاعتقاد من أدران الإلحاد)» للإمام الصنعاني
- وغالب ما كتبناه مأخوذ عنه -، و((تجريد التوحيد)» للمقريزي، و((حجة الله البالغة)»،
وكتب شيخي الإسلام ابن تيمية وابن القيم .
(١) اعلم أن هذه الشهادة قد جمعت له
إلا إذا
صفتين لا يتم إيمان المرء به عليه
تحقق بمعناهما .
اه عبداً لله تعالى ، كغيره من عباده تعالى ، فهو مثلهم من هذه
الأولى : كونه
:
الناحية ، كما قال تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم﴾. وقال
((إنما أنا بشر مثلكم؛ أنسى كما تنسون، فإذا نسيت؛ فذكروني))(١). وقال
((لا تُطْروني، كما أَطْرَتِ النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد. فقولوا: عبد الله
ورسوله»(٢) .
منزلة فوق التي أنزله الله
ولذلك فلا يجوز لمسلم يشهد هذه الشهادة أن ينزله
** ، كما قال في الحديث :
تعالى فيها ؛ فإن ذلك مما لا يرضاه
(«أنا محمد بن عبدالله ، عبدالله ورسوله ، والله ! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي
التي أنزلني الله عز وجل))(٣) . ولا أن يمدحه إلا بما مدحه الله به ، أو بما صحت به
(١ و٢) متفق عليهما .
(٣) رواه أحمد في «المسند» (١٥٣/٣ و٢٤١ و٢٤٩) بسند صحيح على شرط مسلم .
٨٨١
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
الأحادیث والأخبار ، فمدحه
بمثل قول بعضهم :
فإن من جودك الدنيا وضَرّتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فهذا القول مما يتنافى مع الشهادة بالعبودية لمحمد تَ ل ، وهو القائل - كما حكاه الله
تعالى في القرآن الكريم -: ﴿ولو كنتُ أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني
السوء﴾. وهو القائل الجارية التي كانت تندب من قتل يوم [بدر]، ثم قالت: وفينا نبي
يعلم ما في غد. فقال النبي # * :
((لا تقولي هكذا ، وقولي كما كنت تقولین))(١) .
.٠
ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حديث لها في ((الصحيحين)) :
((ومن حدثكم أن محمداً تَ﴿ كان يعلم ما في غد ؛ فقد أعظم على الله الفرية)).
٤: إنه يعلم ما في غد؛ فما بال من يقول : إنَّ من
فإذا كان هذا شأن من قال عنه
بعض علومه علمَ اللوح والقلم؟! فلا جَرَم أن حَذَّرَنا ﴿﴿ من الغلو في مدحه وتعظيمه ؛
:
فإنه سبب هلاك الأمم قبلنا كما قال
(إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم)) (٢).
رسولاً اصطفاه الله تعالى ، وخصه بالوحي
وأما الصفة الأخرى: فهي كونه ﴾
وأطلعه على بعض المغيبات، وذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله تنمية ، وصح عنه من
التشريعات والإخبار بالمغيبات ، سواء كان ذلك موافقاً لعقلك ، أو بعيداً عن فهمك
وعقلك ، يجب الإیمان بذلك کله ، فمن لم یکن هذا موقفه معه ټپ؛ ؛ فهو لم يؤمن حق
الإيمان بأن محمداً رسول الله ، فما تنفعه هذه الشهادة ، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ،
(١) رواه البخاري .
(٢) رواه مسلم .
٨٨٢
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
[وهو بين ظهرانَيْنَا (١)، فلما قُبِضَ؛ قلنا: السلام على النبي](٢).
وذلك ما یفیده قوله تعالى : ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتی یُحگِّموك فیما شجر بینھم ثم
لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ . وقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن
ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾ . ولا شك أن إيمانك
وتصديقك بما جاء به محمد من الأمور التشريعية والغيبية - ولو كانت بعيدة عن
متناول عقلك -؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن :
﴿الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدئ للمتقين . الذین يؤمنون بالغيب ﴾ . فقف أيها
المؤمن ! عند نص الشارع الحكيم ، ولا تُغالٍ فيه ، ولا تفرط ؛ بل وسطاً بين ذلك ؛ لتكون
من الناجين عند رب العالمين .
(فائدة): قال الشيخ علي القاري في ((المرقاة)) (٥٥٧/١):
((والمنقول أن تَشَهُّدَه عليه الصلاة والسلام، كتَشَهُّدِنا. وأما قول الرافعي: المنقول
كان يقول في تشهده : وأشهد أني رسول الله . فمردود؛ بأنه لا أصل له)).
أنه
(١) بفتح النون، وسكون التحتانية، ثم نون. أصله: (ظهرنا). والتثنية باعتبار
المتقدم عنه والمتأخر؛ أي : كائن بيننا . والألف والنون زيادة للتأكيد ، ولا يجوز كسر النون
الأولى. قاله الجوهري وغيره. كذا في «الفتح)).
(٢) قال الحافظ رحمه الله تعالى (٤٧/١١):
في حياة النبي
(«هذه الزيادة ، ظاهرها أنهم كانوا يقولون: السلام عليك أيها النبي ! - بكاف الخطاب -
ـ*، فلما مات النبي تَله؛ تركوا الخطاب ، وذكروه بلفظ الغَيْبة؛ فصاروا
يقولون: السلام على النبي)). وقال في موضع آخر (٢٥٠/٢) :
((قال السبكي في ((شرح المنهاج)) - بعد أن ذكر هذه الرواية من عند أبي عوانة
وحده -: ((إن صح هذا عن الصحابة ؛ دلَّ على أن الخطاب في السلام بعد النبي
٨٨٣
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
غير واجب ، فيقال: السلام على النبي)).
قلت : قد صح بلا ريب ، وقد وجدت له متابعاً قوياً ؛ قال عبدالرزاق : أخبرنا ابن
جريج : أخبرني عطاء :
أن الصحابة كانوا يقولون والنبي ﴿﴿ حي: (السلام عليك أيها النبي!)، فلما
مات؛ قالوا : (السلام على النبي) .
وهذا إسناد صحيح .
وأما ما روى سعيد بن منصور من طريق أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أبيه :
أن النبي ﴿ علمهم التشهد ... فذكره. قال : فقال ابن عباس :
إنما كنا نقول : السلام عليك أيها النبي ! إذ كان حياً . فقال ابن مسعود :
هكذا عُلِّمْنا ، وهكذا نُعَلِّم .
فظاهرٌ أن ابن عباس قاله بحثاً ، وأن ابن مسعود لم يرجع إليه ، لكن رواية أبي معمر
أصح { (يعني: رواية البخاري)}؛ لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ، والإسناد إليه - مع
ذلك - ضعيف)) .
وقد نقل كلامَ الحافظ هذا جماعةٌ من العلماء المحققين ؛ أمثال : القسطلاني في
شرحه على البخاري ، والزرقاني في ((المواهب اللَّدُنِّية)) وفي شرحه على ((الموطأ))،
وعبدالحي اللكنوي في ((التعليق الممجد))، وارتضوه؛ حيث إنهم أقروه {ولم يتعقّبوه
بشيء} .
هذا؛ والظاهر أن الصحابة رضي الله عنهم لم يصيروا إلى القول : (السلام على
النبي) - بلفظ الغَيْبَةِ - إلا بتوقيف من النبي ﴿﴿؛ إذ لا مجال للاجتهاد أو القياس في
مثل هذا المقام ؛ بل هو عين الابتداع في الدين ، وحاشا الصحابة من ذلك ، لاسيما ابن
٨٨٤
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
مسعود رضي الله عنه ، الذي اشتهر من بينهم بشدة محاربته للبدع - مهما كان نوعها -،
وقصته في إنكاره على الذين كانوا يذكرون الله مجتمعين ، ويعدون التسبيح والتحميد
بالحصى أشهر من أن تذكر ، وهو القائل رضي الله عنه :
اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كُفِيْتُم ، عليكم بالأمر العتيق .
ولذا كان يأخذ على أصحابه الواو في التشهد. كما رواه الطحاوي (١٥٧/١)،
والبزار في «مسنده)) بإسناد صحيح .
فمن كان هذا شأنه من التحري في الاتباع؛ كيف يعقل أن يتصرف فيما عَلَّمه
رسول الله ﴾ إياه من التشهد بدون إذن منه؟! هذا غير معقول .
أضف إلى ذلك أنه ليس منفرداً بذلك عن الصحابة ؛ بل قد نقل هو نفسه - وهو
الثقة العدل - ذلك عن الصحابة بدون خلاف بینھم ، فمن تبعهم على ذلك ؛ فـ ﴿أولئك
على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون﴾ .
{ويؤيده: أن عائشة رضي الله عنها كذلك كانت تعلمهم التشهد في الصلاة:
((السلام على النبي)) .
رواه السراج في «مسنده)) (ج٢/١/٩)، والمخلص في ((الفوائد)) (ج١/٥٤/١١)
(٠
بسندین صحیحین عنها
٠
(*) قال الشيخ رحمه الله في مقدمة ((صفة الصلاة)) المطبوع (ص١٧ - ٢٥/ط المعارف):
(وقد كنت وقفت على رسالة صغيرة للشيخ عبدالله الغماري، أسماها: ((القول المقنع في الرد
على الألباني المبتدع))! لا تتجاوز صفحاتها أربعاً وعشرين صفحة من الحجم الصغير ! تعرض فيها للرد
عليَّ في بعض ما كنت رددت عليه بالحق ، وبالتي هي أحسن ؛ ما وقع له من أخطاء حديثية في =
٨٨٥
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
= تعليقاته على رسالة الشيخ العلامة العز بن عبدالسلام: ((بداية السول في تفضيل الرسول))؛ التي
حققتها من بعده ، وعلقت عليها تعليقات مفيدة ، بينت في بعضها جهل الشيخ الغماري بهذا العلم ،
وتقصيره في تخريج الأحاديث ، وبيان مراتبها صحةً أو ضعفاً ، وتقليده للترمذي في التحسين ؛ لعجزه
عن التحقيق ، وتجويده لبعض الأحاديث الضعيفة ، فألف هو رسالته المذكورة تشفياً وانتقاماً بالباطل ،
والتي يليق بها أن تسمى بـ: (القول المقذع) ؛ لكثرة ما فيها من السباب والشتائم والنبز بالألقاب مع
البهت والافتراء ؛ مما كنت بينت بعض ذلك في مقدمة المجلد الثالث من ((الأحاديث الضعيفة» (ص٨
- ٤٤) ...
وكان مما تعرض لإنكاره علي - في ذلك (القول المقذع) ! - وشغب به علي ونسبني بسببه إلى
قلة الفهم، والضعف في الاستنباط ؛ ما سيأتي في الكتاب (ص١٦١) [هو هنا (ص٨٨٤ - ٨٨٥)]
من حمل قول ابن مسعود في التشهد :
فلما قُبض (يعني: النبي ◌َ﴿﴿أ)؛ قلنا: السلام على النبي؛ أن هذا كان بتوقيف منه ؛
فسود الغماري خمس صفحات (ص١٣ - ١٨)؛ ليثبت - بزعمه - من وجوه كثيرة أن ذلك كان
اجتهاداً من ابن مسعود ومن وافقه !!
ولما كانت هذه المقدمة لا تتسع لمناقشتها واحدة واحدة ؛ فلا بد من إيجاز الكلام عليها ببيان
يجتثها من أصولها كلها ، ويجعلها هباءً منثوراً بإذنه تعالى ، وفي الوقت نفسه فيه فائدة هادية - إن شاء
الله تعالى - لكل حريص على اتباع الحق ، وإيثاره على ما وجد عليه الآباء ، أو الجمهور من الناس ،
فأقول :
من الواضح جداً أنه لا يعقل أن يتوجه من كان دون الصحابة علماً وتُقيّ وخوفاً من الله تعالى ،
؛ ﴿وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى﴾؛ لا يعقل أبداً
وإيماناً بقوله تعالى في حق نبيه
: :
أن يتوجه إلى تعلیم من تعاليمه
كقوله: «السلام عليك أيها النبي !)). فيغيره؛ فيجعله: ((السلام على النبي)) !
أو إلى تعليمه : السلام على أهل القبور: «السلام عليكم أهل الديار ... )). فيجعله: ((السلام
على أهل القبور ... )) !
فكيف يعقل أن يرتكب مثل هذا التغيير أصحاب النبي نظامه ، وبخاصة منهم عبدالله بن مسعود
الذي اشتهر من بينهم بشدة محاربته للبدع - مهما كان نوعها -؛ وقصة إنكاره على الذين كانوا
يجتمعون في المسجد حلقات ، وفي وسط كل حلقة رجل يقول لمن حوله : سبحوا كذا ، كبروا =
٨٨٦
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
= كذا ... إلخ، وأمام كل واحد منهم حصى يعد به التسبيح والتكبير ... إلخ؛ أشهر من أن تذكر.
(انظر ((ردي على الشيخ الحبشي))).
وقوله رضي الله عنه :
اتبعوا ولا تبتدعوا ؛ فقد كفيتم ، عليكم بالأمر العتيق .
ونحو ذلك مما هو مأثور عنه ، ومذكور في محله ، وبخاصة أنه ثبت عنه رضي الله عنه أنه :
كان يأخذ على أصحابه الألف والواو في التشهد إذا علمهم .
كما رواه ابن أبي شيبة (٢٩٤/١)، والطحاوي (١٥٧/١)؛ بسند صحيح عنه .
صيغة السلام عليه في التشهد ؛ قد قالوا
ثم إن الصحابة الذين هم على علم بتعليم النبي
بعد أن مات
((السلام على النبي)).
كما رواه عبد الرزاق بسنده الصحيح عن عطاء بن أبي رباح - كما قال الحافظ ابن حجر على ما
سيأتي في الكتاب (ص١٦٢) [وقد تقدّم هنا (ص ٨٨٤)] -.
ولما كان مثل هذا النص قاصمة ظهر الغماري ومن كان على شاكلته من أهل الأهواء ؛ فقد كابر
على عادته وأعله بقوله (ص١٤) :
((عنعنه ابن جريج كما في ((مصنف عبدالرزاق)) (ج٢ ص٢٠٤) ، وابن جريج مدلس ؛ فلا يقبل
ما عنعنه)).
والجواب من وجهين :
الأول : نعم؛ ابن جريج مدلس ، ولکن قد صح عنه أنه قال :
((إذا قلتُ: قال عطاء؛ فأنا سمعتهُ منه ، وإن لم أقل: (سمعتُ)).
فإذا قيل: في قوله: ((عن عطاء)) أنه كقوله: «قال عطاء))؛ فلا يضر عدم تصريحه بالسماع
- كما هو الظاهر -، ولعل هذا من الأعذار في إخراج الشيخين لحديثه المعنعن عن عطاء .
والآخر : أن الغماري تجاهل - كما هي عادته في طمس الحقائق - أن ابن جريج قال في رواية
الحافظ عن عبدالرزاق: «أخبرني عطاء». فزالت شبهة تدليسه ؛ ولذلك صححه الحافظ .
فكان على الغماري : إما أن يسلم بهذا كله ، وإما أن يجيب عن ذلك بما يدفع التصحيح ، ولكنه
لم يصنع شيئاً من ذلك ؛ بل لجأ إلى المثل العامي (الهرب نصف الشجاعة) !
=
٨٨٧
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
= والظاهر أن العنعنة في «المصنف) هي من الأخطاء الكثيرة التي وقعت في أصله ؛ كما يبدو لمن
يدقق في تعليقات محققه الشيخ الأعظمي عليه . ومن الغرائب أن محققه علق عليه بقوله :
(«كنز العمال ٤٦٦٨/٤)). كذا قال ، ولم يزد . وذلك هو التحقيق !
وبالرجوع إلى هذا الرقم وجدت الأثر فيه كما في ((الفتح)): عن ابن جريج: أخبرني عطاء ...
من رواية عبدالرزاق ؛ فكان على الأعظمي أن ينبه على هذه الفائدة ؛ ليسد الطريق على من قد يستغل
هذه العنعنة ، كما فعل الغماري! ولكن ما يدويني .. لعل الأعظمي تعمد ذلك؛ لأنه خلاف مذهبه !
ويشترك مع الغماري في اتباع الهوى والإعراض عن الحجة والدليل عند مخالفة المذهب !
ثم رجعت إلى ((الجامع الكبير)) للسيوطي الذي هو أصل ((الكنز))؛ فوجدته مطابقاً له . وبذلك
ثبت هذا الأثر ، وقامت الحجة على الغماري المغمور بالهوى ، والعياذ بالله تعالى .
ومن كبره وبطره للحق - وحكمه معروف عند أهل الحديث ! - أنني لما أيدت قول ابن مسعود وأنه
بأثر عائشة أنها كانت تعلمهم التشهد فى الصلاة :
بتوقيف منه
السلام على النبي . كما يأتي معزواً لمصدرين مخطوطين ما رآهما الغماري ولا في المنام ! لم يزد
علی قوله (ص١٥) :
((وهذا الكلام يدل على جهل عريض (!) وقد أغرب بعزو أثر عائشة إلى (السراج) و(المخلص)
خلص الله الألباني من جهله ، مع أنه في (مصنف ابن أبي شيبة) و(مصنف عبدالرزاق)).
قلت : فليتأمل القارئ المنصف وقاحة هذا المغمور؛ كيف يرميني بالجهل لمجرد أَنْ جئته من
مصدرين لا يعرفهما ، ثم يخرس عن الجواب عن التأييد الذي كان الواجب عليه أن يقبله ، ويخضع
للحق الذي معي ، أو يجيب عنه بجواب علمي إن كان عنده؟! وهيهات هيهات ؛ إذ لو كان ؛ لما وقع
في مثل هذه الجهالة التي يترفع عنها حتى السُّوقة ! فالله المستعان .
ومن خبائته وتدليساته على قرائه قوله (ص١٥) :
(روى الطبراني بإسناد صحيح عن الشعبي قال: كان ابن مسعود يقول بعد ((السلام عليك أيها
النبي ! ورحمة الله وبركاته)): ((السلام علينا من ربنا)). [قال :]
(«فهذه الجملة زادها ابن مسعود اجتهاداً منه، فكذلك تغيير صيغة السلام من الخطاب إلى الغيبة
اجتهاداً (!) منه)).
قلت : والجواب من ستة وجوه :
٨٨٨
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
= الأول: أن يقال لك: أثبت العرش ثم انقش؛ فإن هذا الأثر لا يصح عن ابن مسعود رضي الله
عنه ! بل هو محکي عنه - كما يأتي -.
وقولك: («بإسناد صحيح عن الشعبي» .
فيه تدليس خبيث على عامة القراء الذين لا ينتبهون لما في قولك هذا من التدليس ؛ فهلا قلت :
إسناده صحيح عن ابن مسعود؟! لم تقل ذلك؛ لأنك تعلم - إن شاء الله - أن الشعبي - واسمه : عامر
ابن شراحيل - لم يسمع من ابن مسعود - كما قال ابن أبي حاتم ، والدارقطني ، والحاكم ، والمزي
والعلائي ، وابن حجر، وغيرهم - وهذا هو السر في اقتصار الهيثمي في («مجمع الزوائد» (١٤٣/٢) -
بعد أن عزاه للطبراني (وهو فيه ٩١٨٤/٢٧٦/٩) [على قوله] -:
«ورجاله رجال ((الصحيح))).
فلم يصححه ؛ لأن هذا القول منه ومن غيره لا يعني أنه صحيح - كما نبهت عليه في غير ما
موضع من كتبي -؛ لهذا لجأتَ إلى التدليس على القراء ، ولم تقل : إسناده صحيح عن ابن مسعود .
ولو فعلتَ؛ لافْتَضَحْتَ!
الثاني: هب - جدلاً - أنه صح عن ابن مسعود؛ فهذا قد يفيدك - لو كان وحده - في سلام
الغيبة ؛ فيكون اجتهاداً منه ، فأين أنت من سائر الصحابة الذين وافقوه وفيهم السيدة عائشة؟! أفكلهم
اجتهدوا وتجرأوا على تغيير النص؟! وأنت وحدك عرفت النص ولزمته؟! مع أنك خالفت نصوصاً
كثيرة ، منها زيادتك (السيادة) في الصلاة الإبراهيمية !
لا شك أن الذي يحملك على مثل هذا التناقض إنما هو الهوى! والله المستعان .
الثالث: هب أنهم كلهم اجتهدوا ؛ أفكلهم أخطأوا ، وأنت ومن على شاكلتك أصابوا؟!
الرابع : قولك : ((فهذه الجملة زادها ... )) .
خطأ محض ؛ لأن الجملة - عند البلاغيين والنحويين - كل كلام اشتمل على مُسْنَدٍ ومُسْنَد إليه ،
وهنا لا شيء من ذلك سوی :
((من ربنا)) .
فهل هذه جملة عند (العلامة الغماري) الذي رشح نفسه - بل فرض نفسه - مجدد هذا القرن
في بعض رسائله الأخيرة؟! أم هو من باب التدليس أيضاً على القراء ، وإيهامهم أن ابن مسعود زاد في
التشهد جملة تامة! وحاشاه من أن يزيد في تعليمه * - ولو حرفاً واحداً -، كيف وهو ينكره على
أصحابه ۔ کما سبق - ؟!
=
٨٨٩
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
= الخامس : لا شك أن هذه الزيادة منكرة لا يجوز نسبتها إلى ابن مسعود رضي الله عنه؛ لما تقدم
بيانه من انقطاع إسنادها ، ولمنافاتها لما عرف عنه من الحرص على الاتباع ، ونهيه الشديد عن
الابتداع ، ومن ذلك إنكاره على من زاد في التشهد :
((وحده لا شريك له)» - كما سيأتي [هنا (ص٩٠٣)] -. وقوله رضي الله عنه :
اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة .
السادس : ذكر الغماري أن البيهقي روى في «سننه» عن عائشة قالت :
: التحيات لله ... إلى آخره . ونقل عن النووي أنه قال:
هذا تشهد النبي
((إسناده جيد، وهو يفيد أن تشهد النبي ؛ مثل تشهدنا، وهي فائدة حسنة)).
وأقول : أما أن إسناده جيد؛ فليس بجيد؛ لأن فيه صالح بن محمد بن صالح التمَّار، وهو غير
معروف العدالة ، أورده البخاري في ((التاريخ)) (٢٩١/٢/٢)، وساق له إسناداً من روايته عن أبيه عن
سعد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه : قال النبي في سعد بن معاذ :... قال البخاري :
ــ ... وهذا
((وخالفه شعبة عن سعد عن أبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد عن النبي
أُصح)) .
ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً ، على أن المخالفة المرجوحة تتردد بينه وبين أبيه محمد بن صالح،
وهو ثقة ، في حفظه كلام ؛ فیمکن أن تكون المخالفة منه ، ويمكن أن تكون من ابنه صالح .
وعلى كل حال فهو مجهول ، لا ينبغي تجويد إسناد مثله ، وبخاصة أن الحافظ ابن حجر قد أعلّ
حديث عائشة هذا بالوقف؛ تبعاً للدارقطني. فانظر ((التلخيص)) (٥١٤/٣).
وقول النووي :
(( ... مثل تشهدنا)). يعني: تشهد الشافعية الذي اختاروه من رواية ابن عباس، وليس كما
قال ؛ لأن تشهدهم فيه :
(«المباركات)) .
وهذا غير موجود في حديث عائشة هذا؛ بل هو كحديث ابن مسعود بالحرف الواحد .
نعم ؛ قبل هذه الرواية عند البيهقي رواية أخرى عن عائشة موقوفة فيها :
(الزاكيات)) .. مكان: ((المباركات)». وفيها أيضاً:
((السلام على النبي))؛ بصيغة الغَيْبة !
٨٩٠
=
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
ففيها ردّ لشغب الغماري ومرواغته - لو كان فيه بقية من إنصاف واعتراف بالحق - .
=
ومما ذكرنا يتبين للقراء تدليس آخر للشيخ الغماري ؛ إذ لا علاقة لكلام النووي بما نحن فيه ؛ لأن
النووي رحمه الله - على ما في كلامه من الخطأ - لم يكن في صدد ترجيح لفظ: ((السلام عليك)) في
(التشهد) على لفظ: ((السلام على النبي))، كما يلبّس الغماري على قرائه؛ وإنما هو في صدد ترجيح
تشهد ابن عباس علی تشهد ابن مسعود .
تشهد المصلي ؛ فقد
والأمر عندي في هذا واسع، فبأي صيغة من الصيغ الثابتة عن النبي ◌ِّل
أصاب السنة ، وإن كان تشهدُ ابن مسعود أصحَّ روايةً باتفاق العلماء ؛ لاتفاق الرواة له على روايته بلفظ
واحد دون زيادة حرف أو نقص ، ومن ذلك تفصيله رضي الله عنه بين ما كان الصحابة يقولونه في
حال حياته في السلام عليه بلفظ الخطاب ، وما كانوا يقولونه بعد وفاته بلفظ الغيبة ؛ بتوقيف
ء؛ ولذلك كانت السيدة عائشة تعلمهم التشهد بلفظ الغيبة - كما تقدم -.
منه ##
وهذه المسألة ونحوها مما لا يمكن معرفة الصواب فيها إلا بالرجوع إلى ما كان عليه السلف
الصالح، وبخاصة أصحاب النبي ◌ِ﴿ منهم؛ تُلحّ دائماً في دروسنا ومحاضراتنا أنه لا يكفي إذا دعَونا
الناس إلى العمل بالكتاب والسنة أن نقتصر على هذا فقط في الدعوة ؛ بل لا بد من أن نضم إلى ذلك
جملة : (على منهج السلف الصالح) أو نحوها ؛ لقيام الأدلة الشرعية على ذلك ، وهي مذكورة في غير
هذا الموضع .
لا بد من ذلك ، وخصوصاً في هذا العصر، حيث صارت الدعوة إلى الكتاب والسنة (موضة)
العصر الحاضر ، ودعوة كل الجماعات الإسلامية ، والدعاة الإسلاميين - على ما بينهم من اختلافات
أساسية أو فرعية -، وقد يكون فيهم من هو من أعداء السنة عملياً ، ومن يزعم أن الدعوة إليها يفرق
الصف ! عياذاً بالله منهم .
أسأل الله تعالى أن يحيينا على السنة ، وأن يميتنا عليها ؛ متبعين لمن أثنى الله تبارك وتعالى عليهم
بقوله : ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم . ورضوا
عنه وأعدّ لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم﴾ .
وأن يجعلنا ممن قال فيهم: ﴿والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين
سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم﴾» .
٨٩١
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
وكانوا قبل ذلك '[قبل أن يفرض التشهد (١)] يقولون:
(١) قال في ((التلخيص)) (٥٠٣/٣) :
((واستدل به على فرضية التشهد الأخير، ولقوله: ((قولوا)). وبوب عليه النسائي
(إيجاب التشهد) ، وساقه من طريق سفيان عن الأعمش ومنصور عن شَقِيق عن ابن
مسعود . قال ابن عبدالبر في ((الاستذكار)):
تفرد ابن عيينة بقوله : قبل أن يفرض)» .
قلت : ابن عيينة : ثقة حافظ ؛ فلا يضر تفرده . ولذلك صححه الحافظ ، وكذا
الدارقطني - كما يأتي -.
ويشهد لها ما تقدم مرفوعاً :
((لا صلاة إلا بتشهد)) .
ورواه الطبراني في «الأوسط)) من حديث علي بنحوه بلفظ :
((لا صلاة لمن لا تشهد له)). قال الهيثمي (١٤٠/٢) :
((وفيه الحارث، وهو ضعيف)).
ورواه البيهقي (١٣٩/٢) موقوفاً على عمر .
وسنده صحيح .
ثم إن الحديث لم يقيد التشهد بالأخير؛ فحصرُ دلالته على فرضية الأخير - كما
فعل الحافظ -؛ ليس كما ينبغي .
٨٩٢
.:
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
السلام على اللّه قَبْلَ(١) عباده، ٢[السلام علينا من ربنا]، السلام على
جبريل ، السلام على ميكائيل(٢)، السلام على فلان ٣[فلان] - [يعنون (٣)
الملائكة] -، فلما انصرف النبي ◌َّهه °[ذات يوم]؛ أقبل علينا بوجهه ، فقال :
([لا تقولوا: السلام على الله. فـ] إن الله هو السلام(٤)، فإذا جلس
أحدكم في الصلاة ؛ فليقل :
(«التحيات ... )) فذكره إلى آخره(٥) .
وقال بعد قوله : ((السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»:
(١) في ((صحيح البخاري)): بفتح القاف، وسكون الموحدة . ووقع في بعض النسخ
منه : بكسر القاف، وفتح الموحدة . ويؤيده - كما قال الشيخ علي القاري - ما وقع في
رواية للبخاري بلفظ : السلام على الله من عباده.
(٢) زاد الدارمي : السلام على إسرافيل . ولكني في شك من ثبوت هذه الزيادة ،
وأخشى أن تكون غير محفوظة .
(٣) وللإسماعيلي من رواية علي بن مسهر: فَنَعدُ الملائكة . ومثله للسراج من رواية
محمد بن فضيل عن الأعمش بلفظ: فنعدً من الملائكة ما شاء الله. كذا في ((الفتح)).
(٤) قال الشيخ علي القاري: ((لأن معنى السلام عليك هو: الدعاء بالسلامة من
الآفات؛ أي : سلمت من المكاره أو من العذاب ، وهذا لا يجوز لله تعالى ؛ فإن الله هو
السلام ؛ أي : هو الذي يعطي السلامة لعباده، فَأَنَّى يدعى له، وهو المدعو على الحالات؟!)) .
(٥) هو من حديث ابن مسعود أيضاً ، ولفظه :
كنا إذا صلينا مع النبي ◌َهه ؛ قلنا : ... فذكره بزيادة :
«ثم يتخير من الكلام ما شاء)». وسيأتي الكلام على هذه الزيادة في آخر الصلاة
إن شاء الله تعالى [ص٩٩٨ - ١٠٠٠، ١٠٠٢ - ١٠٠٣].
٨٩٣
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الأولى
((فإنه إذا قال ذلك ؛ أصابَ كلَّ عبد صالح في السماء والأرض))(١).
أخرجه البخاري (٢٤٨/٢ و٢٥٥ و١١/١١) والسياق له في رواية، ومسلم (١٤/٢)،
وأبو داود (١٥٢/١)، والنسائي (١٨٧/١)، والدارمي (٣٠٨/١)، وابن ماجه (٢٩٠/١ -
٢٩١)، والطحاوي (١٥٤/١ - ١٥٥)، والبيهقي (١٣٨/٢)، وأحمد (٣٨٢/١ و٤١٣
و٤٢٧ و٤٣١) من طرق عن الأعمش : ثني شقيق عنه .
والزيادة الثانية : تفرد بها أحمد في رواية .
وإسنادها صحيح على شرط البخاري .
والزيادة الثالثة : عند البخاري ، والدارمي ، وأبي داود ، وغيرهم .
والرابعة : عند ابن ماجه .
وإسنادها صحيح على شرطهما .
والزيادة السادسة : هي عند البخاري في رواية ، وكذا أبو داود ، وابن ماجه ، وأحمد .
وأما الزيادة الخامسة : فهي من رواية منصور عن شقيق .
أخرجها مسلم ، وأحمد (٤١٣/١).
وأما الزيادة الأولى : فهي من رواية سفيان بن عيينة عن منصور .
أخرجها النسائي (١٨٧/١)، والدارقطني (١٣٣)، وعنه البيهقي (١٣٨/٢). وقال
الدارقطني :
(«هذا إسناد صحيح)). وكذا قال الحافظ في ((الفتح)) (٢٤٩/٢). وهو على شرط الشيخين .
ثم الحديث له طرق أخرى عن أبي وائل: عند النسائي ، وأحمد ، وله عنده
(٤١٣/١) طريق آخر عن ابن مسعود نحوه .
(١) استدل به على أن الجمع المضاف، والجمع المحلى بالألف واللام يعم ؛ لقوله
أولاً :
٨٩٤
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الثانية
٢ - تشهد ابن عباس قال :
كان رسول الله ◌ُ يعلمنا التشهد، كما يعلمنا [السورة من] القرآن؛
فكان يقول :
((عباد الله الصالحين)) . ثم قال :
((أصاب كل عبد صالح)). واستدل به على أن للعموم صيغة ، قال ابن دقيق العيد :
وهو مقطوع به عندنا في لسان العرب، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسنة . قال :
والاستدلال بهذا فرد من أفراد لا تحصى، لا للاقتصار عليه. كذا في ((الفتح)).
٢ - وبه أخذ الشافعي وأتباعه . وفي ((الفتح)) (٢٥٢/٢):
((وقال الشافعي - بعد أن أخرج الحديث -: رويت أحاديث في التشهد مختلفة ،
وكان هذا أحب إليّ؛ لأنه أكملها . وقال في موضع آخر - وقد سئل عن اختياره تشهد
ابن عباس ؟ -: لما رأيته واسعاً ، وسمعته عن ابن عباس صحيحاً؛ كان عندي أجمع ،
وأكثر لفظاً من غيره ، وأخذت به غير معنّفٍ لمن يأخذ بغيره مما صح)).
والحديث أخرجه مسلم (١٤/٢)، { وأبو عوانة [٢٢٧/٢ و٢٢٨]}، وأبو داود
(١٥٤/١)، والنسائي (١٧٥/١)، والترمذي (٨٣/٢)، وابن ماجه (٢٩١/١ - ٢٩٢)،
والطحاوي (١٥٥/١)، والدارقطني (١٣٣)، والبيهقي (١٤٠/٢)، وأحمد (٢٩٢/١) من
طرق عن الليث بن سعد عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير وطاوس عنه .
والزيادة الأولى : هي عند مسلم ، وابن ماجه . وهي عند مسلم، {وأبي عوانة
[٢٢٨/٢]} وغيرهما من طريق آخر عن أبي الزبير - وقد مضى [ص٨٦٧] ..
والزيادة الأخرى : هي عند الجميع ؛ حاشا أحمد ، وكذا الطحاوي .
وأما الرواية الأولى: في تنكير «السلام)) في الموضعين؛ فهي عند الشافعي في
٨٩٥
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الثانية
((التحيات، المباركات، الصلوات، الطيبات الله(١)، السلام (وفي
رواية: سلام)(٢) عليك أيها النبي ! ورحمة الله وبركاته ، السلام (وفي
رواية: سلام) علينا، وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله،
و[أشهد] أن محمداً رسول الله (وفي رواية: عبده ورسوله)).
(الأم)) (١٠١/١)، والنسائي، والترمذي، والدارقطني، والبيهقي، وهي رواية
لأحمد .
وأما الرواية الأخيرة : فهي رواية النسائي ، وابن ماجه .
وإسنادهما صحيح ؛ إسناد مسلم .
والحديث صححه الترمذي ، والدارقطني .
(١) قال النووي في ((شرح مسلم)) :
((تقديره : والمباركات ، والصلوات ، والطيبات - كما في حديث ابن مسعود وغيره -،
ولكن حذفت الواو اختصاراً ، وهو جائز معروف في اللغة .
ومعنى الحديث : إن التحيات وما بعدها مستحقَّةٌ لله تعالى ، ولا تصلح حقيقتها
لغيره)) .
(٢) قال في ((المجموع)) - بعد أن ذكر الروايتين (٤٦٠/٣) -:
((واتفق أصحابنا على أن جميع هذا جائز، لكن الألف واللام أفضل ؛ لكثرته في
الأحاديث ، وكلام الشافعي ، ولزيادته ؛ فيكون أحوط ، ولموافقته سلام التحلل من
الصلاة)) .
٨٩٦
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الثالثة
٣ - تشهد ابن عمر:
عن رسول الله
أنه قال في التشهد :
((التحيات لله، [و] الصلوات، [و] الطيبات ، السلام عليك أيها النبي !
٣ - أخرجه أبو داود (١٥٣/١)، والطحاوي (١٥٤/١)، والدارقطني (١٣٤)،
والبيهقي (١٣٩/٢)، والضياء المقدسي في ((المختارة))؛ كلهم من طريق نصر بن
علي : ثني شعبة عن أبي بشر سمعت مجاهداً يحدث عن ابن عمر عن رسول الله
ـو به .
وهذا إسناد صحيح - كما قال الدارقطني، وكذا الحافظ في ((الفتح)) (٢٥١/٢) -،
وهو على شرط مسلم . والزيادتان عند الدارقطني ، والمقدسي ، وكذا البيهقي في نسخة .
ثم قال الدارقطني :
((وقد تابعه على رفعه ابن أبي عدي عن شعبة ، ووقفه غيرهما)). كذا قال . وخالفه
البيهقي ؛ حيث يقول :
ح ؛ فقال :
((ورواه ابن أبي عدي عن شعبة؛ فوقفه، إلا أنه رده إلى حياة النبي ﴾
كنا نقولها في حياته ، فلما مات؛ قلنا: السلام على النبي ورحمة الله . وكان محمد بن
إسماعيل البخاري يرى رواية سيف عن مجاهد عن أبي معمر عن عبدالله بن مسعود هي
المحفوظة ؛ دون رواية أبي بشر . والله تعالى أعلم)).
قلت : يحتمل أن يكون لمجاهد روايتان :
إحداهما : عن أبي معمر عن ابن مسعود . وقد مضت .
والأخری : عن عبدالله بن عمر .
أقول هذا؛ لأن أبا بشر هذا: ثقة، قد أخرجاله في ((الصحيحين)) عن مجاهد،
واسمه : جعفر بن إياس؛ فتوهيمه ليس بالهين، لا سيما وقد ثبت في «الموطأ)»
٨٩٧
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الثالثة
ورحمة الله - قال ابن عمر: زدت فيها(١) : وبركاته -، السلام علينا ، وعلى
عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله - قال ابن عمر: وزدت فيها(١):
وحده لا شريك له -، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله» .
(١١٣/١) أن تشهد ابن عمر كان بلفظ:
((السلام على النبي)).
وإسناده صحيح غاية . فهو شاهد آخر لحديث ابن مسعود المتقدم .
هذا ، ويؤيد قول البيهقي - أن ابن أبي عدي رواه عن شعبة موقوفاً - ما في
((التلخيص)» (٥١٤/٣) :
(«ورواه البزار عن نصر بن علي أيضاً، وقال : رواه غير واحد عن ابن عمر، ولا
أعلم أحداً رفعه عن شعبة إلا علي بن نصر. كذا قال ! وقول الدارقطني السابق يرد
عليه)) .
قلت : قد علمت أن البيهقي موافق للبزار في هذا القول ، وهو - أعني : البيهقي -
متأخر عن الدارقطني ، ولا بد أنه قد اطلع على كلامه ، فمخالفته له يدل على أن فيه
شيئاً ، فلعل الدارقطني وهم في ذلك ، أو أنه قد اختلفت الرواية في ذلك على ابن أبي
عدي ؛ رفعاً ووقفاً ؛ فوقف الدارقطني على الرواية المرفوعة من حيث فاتت البزار
والبيهقي ، وفيه بعد . والله أعلم .
(١) الظاهر أن هذه الزيادة لم يكن تلقاها ابن عمر منه ـ
مباشرة ؛ فزادها ، ليس
اختراعاً وابتداعاً لها من عند نفسه ، بل نقلاً عن غيره من الصحابة ، الذين رووا التشهد
عنه ◌َ بهذه الزيادة الأولى.
وأما الأخرى : فهي ثابتة في تشهد أبي موسى الآتي بعده ، ويشهد لهذا الاحتمال
٨٩٨
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الثالثة
ما رواه الإمام أحمد (٦٨/٢) قال: ثنا عَفّان: ثنا أَبَان بن يزيد: ثنا قتادة: ثني عبد الله
ابن بابي المكي قال :
صليت إلى جنب عبدالله بن عمر ، فلما قضى الصلاة ؛ ضرب بيده على فخذه ،
فقال :
ألا أعلمك تحية الصلاة كما كان رسول الله زين يعلمنا؛ فتلا عليَّ هؤلاء الكلمات .
يعني : قول أبي موسى الأشعري في التشهد .
هكذا أخرجه أحمد .
وإسناده صحيح على شرط مسلم .
وقد رواه الطحاوي (١٥٥/١) عن ابن مرزوق قال: ثنا عفان بن مسلم به . إلا أنه
قال: فتلا هؤلاء الكلمات . مثل ما في حديث ابن مسعود عن النبي عليه.
ورواية أحمد أصح عندي من رواية ابن مرزوق . فقد رجع أمر هاتين الزيادتين إلى
كونهما مرفوعتين إلى النبي ◌َّه؛ في حديث ابن عمر، لكنه لم يسمعهما منه
مباشرة ؛ بل بواسطة أبي موسى . هذا ما يقتضيه الجمع بين روايتي حديث ابن عمر .
والله أعلم .
٨٩٩
:
التشهد الأول / صيغ التشهد / الصيغة الرابعة
٤ - تشهد أبي موسى الأشعري قال :
:
قال رسول الله
(( ... وإذا كان عند القعدة؛ فليكن من أول قول أحدكم : التحيات ،
الطيبات ، الصلوات(١) لله ، السلام عليك أيها النبي ! ورحمة الله وبركاته ،
السلام علينا ، وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله [وحده لا
شريك له]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، [سبع كلمات هن تحية
الصلاة]».
٤ - أخرجه مسلم، {وأبو عوانة [٢٢٧/٢]}، وأبو داود ، والنسائي، والدارمي،
والطحاوي ، والدارقطني ، والبيهقي ، وأحمد من طرق عن قتادة عن يونس بن جُبير عن
حِطّان بن عبدالله الرِّقَاشي عنه. وهو قطعة من حديث سبق ذكره بطوله في (التأمين) .
والزيادة الأولى : هي عند أبي داود ، والنسائي في رواية لهما ، من طريق المعتمر بن
سليمان التيمي قال : سمعت أبي يحدث عن قتادة به .
وهذا سند صحيح على شرط مسلم . وكذلك أخرجها الدارقطني ، وقال :
((إسناد متصل حسن)). وقول الحافظ في ((الفتح)) (٢٥١/٢):
(ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم)) . وَهَمّ .
وأما الزيادة الأخرى : فهي عند ابن ماجه (٢٩٢/١) من طريق ابن أبي عدي : ثنا
سعيد بن أبي عَرُوبة وهشام بن عبدالله عن قتادة به .
وهي عند النسائي أيضاً من طريق خالد قال : ثنا سعيد عن قتادة به .
وهذا سند صحيح أيضاً على شرط مسلم .
(١) وفي لفظ: ((الزاكيات)) .. بدل: ((الصلوات)).
٩٠٠