النص المفهرس
صفحات 681-700
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه
وعَلَّلَ الأمرَ بذلك في حديث آخر بقوله :
((فإنه من وافق قوله قول الملائكة(١)؛ غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه)) (٢).
٠٠
(١) قال الحافظ ابن حجر: فيه إشعار بأن الملائكة تقول ما يقول المأموم.
وقال ابن عبدالبر: الوجه عندي في هذا - والله أعلم - تعظيم فضل الذكر ، وأنه
يحط الأوزار، ويغفر الذنوب ، وقد أخبر الله عن الملائكة أنهم يستغفرون للذين آمنوا ،
فمن كان منه من القول مثل هذا بإخلاص ، واجتهاد ، ونية صادقة ، وتوبة صحيحة ؛
غفرت ذنوبه إن شاء الله تعالى . قال: ومثل هذه الأحاديث المشكلة المعاني البعيدة
التأويلِ عن مخارج لفظها واجبٌ رَدُّها إلى الأصول المجتمع عليها. كذا في ((التنوير)).
(٢) هو من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ثم قال:
((إذا قال الإمام: (سمع الله لمن حمده). فقولوا: (اللهم ربنا لك الحمد).
فإنه ... )) الحديث .
أخرجه مالك (١١١/١)، ومن طريقه البخاري (٢٢٥/٢ -٢٢٦)، ومسلم (١٧/٢)،
و{ أبو عوانة [١٧٩/٢]}، وأبو داود (١٣٥/١)، والنسائي (١٦٢/١)، والترمذي
(٥٥/٢)، والطحاوي (١٤٠/١)، والبيهقي (٩٦/٢) - كلهم عن مالك - عن سُمَيِّ مولى
أبي بكر عن أبي صالح السَّمَّان عنه .
وأخرجه أحمد (٤١٧/٢) من طريق سهيل عن أبيه به نحوه ، وفيه :
((اللهم ربنا ! ولك الحمد)) . بزيادة الواو .
وإسناده صحيح على شرط مسلم .
وله عند مسلم (٢٠/٢)، و{أبي عوانة [١٠٩/٢]} طريق أخرى روياه عن شعبة
عن يعلى بن عطاء : سمعتُ أبا علقمة : سمعت أبا هريرة به نحو حديث مالك.
٦٨١
=
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ الأول والثاني
وكان يرفع(١) يديه عند هذا الاعتدال على الوجوه المتقدمة في تكبيرة
الإحرام ، ويقول وهو قائم - كما مر آنفاً -:
١ - ((ربنا! ولك الحمد)). وتارةً يقول:
٢ - ((ربنا! لك الحمد)). بدون الواو.
وكذلك أخرجه الطحاوي (١٤٠/١)، والطيالسي، وأحمد. وفي رواية له (٤٦٧/٢)
مثل رواية سهيل المذكورة . وقد تقدم لفظه بتمامه في (القيام) [ص٨٧] .
وسنده سند مسلم .
(١) وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك عن جمع من الصحابة - وقد بلغوا
العشرين - في (الرفع عند الركوع) ، وذكرنا أقوال العلماء في هذه المسألة ، وأسماء من
ذهب إلى مشروعية ذلك من الحنفية، فراجعه إن شئت [ص ٦٠١ - ٦٢٢] .
١ - هو رواية في حديث أبي هريرة المذكور فيما سبق . ويشهد له أحاديث:
منها : عن ابن عمر في ((الصحيحين)) وغيرهما . وقد مضى في (رفع اليدين) .
ومنها: عن عائشة: عند البخاري (٤٢٧/٢)، ومسلم (٢٨/٣)، والطحاوي
(١٤١/١) وغيرهم في حديث صلاة الكسوف .
ومنها : عن أبي سعيد الخدري في رواية عنه - كما يأتي ..
٢ - هو رواية من حديث أبي هريرة المار سابقاً.
وله شواهد :
منها : عن حذيفة . وقد ذُكر لفظه بتمامه في (القراءة في صلاة الليل) .
ومنها : عن أبي سعيد : عند مسلم وغيره - کما يأتي -.
٦٨٢
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ الثالث
وأحياناً يقول :
٣ - ((اللهم ربنا! ولك الحمد)). تارة بالواو.
٣- إن إنكار ابن القيم في ((الزاد)) (٧٨/١) لصحة هذه الرواية الجامعة بين:
(اللهم !) و: (الواو)؛ ذهولٌ منه لا يجوز أن يُغتر به ؛ لثبوتها في ((البخاري)) وغيره ؛
ولذلك تعجب منه الزرقاني في ((شرح المواهب)» (٣١٨/٧)، ورد عليه الحافظ في ((الفتح))
(٢٢٥/٢) .
وقد أخرجها البخاري (٢٢٤/٢)، وأحمد أيضاً (٤٥٢/٢) من طرق عن ابن أبي
ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال :
إذا قال: ((سمع الله لمن حمده))؛ قال :
كان النبي
((اللهم ربنا ! ولك الحمد)).
وقد وجدت له طريقاً أخرى أخرجها النسائي (١٦٢/١)، وأحمد (٢٧٠/٢) عن
عبدالرزاق قال : ثنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال :
كان رسول الله ◌َ، إذا رفع رأسه من الركوع ؛ قال :
((اللهم ربنا ! ولك الحمد)).
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين .
وله شواهد :
منها : عن ابن عمر في رواية عنه من حديثه المتقدم في (رفع اليدين) .
أخرجها الدارمي (٣٠٠/١).
ومنها: عن أبي سعيد الخدري: عند البيهقي (٩٤/٢). ويأتي قريباً إن شاء الله
تعالى .
٦٨٣
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ الثالث
وقد ثبتت هذه الرواية من حديث أبي هريرة أيضاً من طرق عنه أمْراً بها ، وكذا من
حديث أبي سعيد الخدري ، وأبي موسى الأشعري . وقد سبق تخريجها قريباً .
وروى البيهقي (٩٦/٢) القول بها عن علي بن أبي طالب من طريق أبي إسحاق
عن الحارث عنه .
وبالجملة ؛ فمجيء هذه الرواية من هذه الطرق المختلفة عن هؤلاء الصحابة مما يبعد
القول بعدم صحتها - كما فعل ابن القيم - كلَّ البعد .
وأما قول الشوكاني - بعد أن حکی كلام ابن القيم (٢١٠/٢) -:
(«وأقول : قد ثبت الجمع بينهما في ((صحيح البخاري)) في (باب صلاة القاعد) من
حديث أنس بلفظ :
((وإذا قال: (سمع الله لمن حمده). فقولوا: (اللهم ربنا! ولك الحمد))). وقد
تطابقت على هذا اللفظ النسخ الصحيحة من ((صحيح البخاري))) .
كذا قال ! ولم أجده بهذا اللفظ في شيء من النسخ المطبوعة ، وإنما هو في الباب
المذكور (٤٦٧/٢) بلفظ :
((ربنا! ولك الحمد)) .. بدون: ((اللهم!)).
وكذلك ورد في (باب إنما جعل الإمام ليؤتم به) من («صحيحه)) (١٤٣/٢)، وعليه
مشى الحافظ في ((شرحه))، ولم يُشِرْ أدنى إشارة إلى هذه الزيادة من حديث أنس.
وكذلك ورد الحديث بدون الزيادة في «صحيح مسلم» (١٨/٢)، و((سنن أبي داود)»
(٩٨/١)، والنسائي (١٦٢/١)، والترمذي (١٩٤/٢)، والدارمي (٣٨٧/١)، وابن ماجه
(٣٧٤/١)، ومالك (١٥٥/١) وغيرهم .
وقد مضى الحديث في (الصلاة قاعداً) . فلعل النُّسخَ التي أشار إليها الشوكاني
٦٨٤
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ الرابع
وتارة بدونها :
٤ - ((اللهم ربنا ! لك الحمد)).
نُسخَت عن نسخة شاذة غير صحيحة . والله أعلم .
ثم قال الحافظ في شرح حديث أبي هريرة :
((قوله: (اللهم ربنا!): ثبت في أكثر الطرق هكذا، وفي بعضها بحذف: ((اللهم!))،
وثبوتها أرجح ، وكلاهما جائز، وفي ثبوتها تکریر النداء ؛ کأنه قال : يا الله ! يا ربنا !
قوله : (ولك الحمد) : كذا ثبت زيادة الواو في طرق كثيرة ، وفي بعضها - كما في
· الباب الذي يليه - بحذفها . قال النووي : المختار لا ترجيح لأحدهما على الآخر. وقال
ابن دقيق العيد : كأن إثبات الواو دال على معنى زائد؛ لأنه يكون التقدير مثلاً: (ربنا!
استجب ولك الحمد)؛ فيشتمل على معنى الدعاء ، ومعنى الخبر)).
٤ - هو رواية من حديث أبي هريرة المتقدم آنفاً من طريق ابن أبي ذئب عن سعيد
المقبري عنه .
أخرجه بهذا اللفظ الطيالسي (٣٠٥)، والطحاوي (١٤١/١)، والبيهقي (٩٥/٢).
وله شواهد :
منها : عن علي بن أبي طالب في حديثه الطويل في أذكار الصلاة . وقد مضى في
(الاستفتاح) .
أخرجه بهذا اللفظ مسلم، والترمذي، والطحاوي (١٤٠/١)، والدارقطني (١٣٠)،
والبيهقي ، والطيالسي .
ورواه أبو داود، والترمذي (٥٣/٢)، وأحمد، وكذا مسلم في رواية ، وابن نصر
(٧٦) ، والدارقطني أيضاً في رواية بلفظ :
٦٨٥
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ الرابع
((ربنا ! ولك الحمد)).
وكذلك رواه الدارمي (٣٠١/١) ؛ إلا أنه لم يذكر فيه (الواو).
ومنها : عن عبد الله بن أبي أوفى .
أخرجه مسلم (٤٦/٢ - ٤٧)، وأبو داود (١٣٥/١)، وابن ماجه (٢٨٦/١)، وأحمد
(٣٥٣/٤ و٣٥٤ و٣٨١)، والطحاوي (١٤٠/١ - ١٤١)، والبيهقي (٩٤/٢).
وفي الباب عن ابن عباس ، وأبي سعيد - كما يأتي قريباً إن شاء الله تعالى -. قال
النووي في «المجموع» (٤١٨/٣) - بعد أن ذكره بهذا اللفظ والألفاظ الثلاثة التي قبله -:
((وكله في ((الصحيح)). قال الشافعي والأصحاب: كله جائز)). ثم قال :
((قال صاحب ((الحاوي)) وغيره: يستحب للإمام أن يجهر بقوله : (سمع الله لمن
حمده) ؛ ليسمعَ المأمومون ، ويعلموا انتقاله ، كما يجهر بالتكبير ، ويسر بقوله: (ربنا ! لك
الحمد) ؛ لأنه يفعله في الاعتدال ، فأسر به ؛ كالتسبيح في الركوع والسجود . وأما
المأموم؛ فيُسِرُّ بهما، كما يُسِرُّ بالتكبير، فإن أراد تبليغَ غيره انتقالَ الإمامِ - كما يبلغ
التكبيرَ -؛ جهر بقوله : (سمع الله لمن حمده) ؛ لأنه المشروع في حال الارتفاع ، ولا يجهر
بقوله : (ربنا ! لك الحمد) ؛ لأنه إنما يشرع في حال الاعتدال».
قلت : وفي جهر الإمام بالتسميع حديث أبي سعيد الخدري :
أنه جهر بالتكبير حين افتتح الصلاة ... الحديث. وفيه: وحين قال: ((سمع الله لمن
حمده)) ... الحديث . وفيه : هكذا رأيت رسول الله يصلي .
وقد مضى في (التكبير) . ولكنه ليس صريحاً في ذلك ؛ لاحتمال أن يكون المراد :
وجهر بالتكبير حين قال : «سمع الله لمن حمده)). ويعني به : التكبير للهُويّ إلى السجود،
ويحتمل أن المراد: وجهر حين قال : «سمع الله لمن حمده)). أي: به . والله أعلم .
٦٨٦
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ الخامس
{ وكان يأمر بذلك ، فيقول:
((إذا قال الإمام: (سمع الله لمن حمده). فقولوا: (اللهم ربَّنا ! لك
الحمد) ؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة؛ غُفر له ما تقدم من ذنبه))(٥)}.
وكان تارةً يزيد على ذلك إما :
٥ - ((ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد)).
وإما :
(*) سبق تخريجه (ص٦٨١)، وتقدم في (القيام) (ص٨٧).
٥ - هو من حديث عبدالله بن أبي أوفى قال :
كان رسول الله ﴿﴿ إذا رفع ظهره من الركوع؛ قال :
((سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ! لك الحمد، ملء السماوات ... )). إلخ دون الزيادة (*).
أخرجه مسلم (٤٦/٢ - ٤٧)، وأبو عوانة (١٧٧/٢) ، وأبو داود ، وابن ماجه ،
والطحاوي ، والبيهقي ، وأحمد - كما سبق قريباً - ؛ رووه كلهم - حاشا الطحاوي - عن
الأعمش عن عبيد بن الحسن عنه .
وقد تابعه قيس بن الربيع : عند الطيالسي - كما يأتي ..
وكذلك تابعه مِسْعَر: عند أحمد (٣٥٥/٤ و٣٥٦)، لكن لم يقل :
إذا رفع ظهره من الركوع .
(*) يعني: قوله: «اللهم! طهرني بالثلج والبرد، والماء البارد. اللهم ! طهرني من الذنوب
والخطايا؛ كما ينقى الثوبُ الأبيض من الوسخ (وفي لفظ: الدرن. وفي آخر: الدَّنَس))).
وهذه زيادة كان الشيخ قد أثبتها في المتن ، ثم ضرب عليها ، وقال :
(ضربنا عليه؛ لأنه ليس في شيء من طرقه أنه كان يقوله بعد الركوع، وإنما هو مطلق)). وقد
أثبتناه ؛ لما له من تعلق بالتخريج كما سيمر معك .
٦٨٧
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ الخامس
وكذلك أخرجه الطحاوي عن شعبة : أخبرني عبيد بن حسن به .
وكذلك أخرجه مسلم ، وأحمد في رواية .
وأخرجه الطيالسي (١١٠) قال: ثنا شعبة وقيس عن عُبيد بن الحسن به . قال أبو
داود :
يقول هذا إذا رفع رأسه من الركوع)). ثم
((قال قيس في حديثه : كان رسول الله
قال أبو داود :
((قال شعبة : وسمعت مَجْزأة بن زاهر يقول: سمعت ابن أبي أوفى يذكر هذا الدعاء
وزاد فيه : «اللهم ! طهرني ... )» إلخ .
وكذلك أخرجه مسلم ، والبخاري في ((الأدب المفرد)» (٩٩).
٣
وتابعه عنده (٩٨) إسرائيل عن مَجْزَأَة، وأحمد (٣٥٤/٤) عن شعبة به مرفوعاً
مصرحاً به . لكنه مطلق أيضاً ؛ ليس فيه تقييده بما بعد الركوع .
وروى النسائي (٧٠/١) منه هذه الزيادة .
وتابعه عنده رقبة عن مجزأة ، والترمذي (٢٧١/٢ - طبع بولاق) من طريق أخرى.
وله كذلك طريق أخرى أخرجه الإمام أحمد (٣٨١/٤) عن ليث عن مُدْرِك عن
عبدالله بن أبي أوفى :
أن رسول الله ێ+ كان يدعو ؛ فيقول :
«اللهم ! طهرني بالثلج ... » إلخ . وزاد :
((وباعد بيني وبين ذنوبي ؛ كما باعدت بين المشرق والمغرب ، اللهم ! إني أعوذ بك
من قلب لا يخشع ، ونفس لا تشبع ، ودعاء لا يسمع ، وعلم لا ينفع ، اللهم ! إني أعوذ
بك من هؤلاء الأربع ، اللهم ! إني أسألك عيشة نقية، وميتة سوية، ومردّاً غيرَ مُخز)) .
٦٨٨
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ الخامس
وليث هو: ابن أبي سليم ، وفيه كلام . ومدرك هو: ابن عمارة بن عُقبة ، روى عنه
جمع ، وذكره ابن حبان في (الثقات))، وهو من رجال ((التعجيل)).
فقد ظهر بهذه الطرق أن قوله: ((اللهم ! طهرني ... )). لم يأت ولو في طريق واحد
أنه کان یقوله بعد الركوع .
فعليه : فإيراده فيما يقال بعد الركوع - كما فعل ابن القيم في ((زاد المعاد))، وغيره
في غيره - ليس بجيد . فتنبه .
وللحدیث شاهد من حديث ابن عباس :
* كان إذا قال: «سمع الله لمن حمده)). قال:
أن النبي
(اللهم ربنا ! لك الحمد ملء السماوات ... )) إلخ.
أخرجه مسلم (٤٨/٢)، و{أبو عوانة [١٧٦/٢]}، والنسائي (١٦٢/١)، والطحاوي
(١٤٠/١)، والبيهقي (٩٤/٢)، وأحمد (٣٧٠/١) من طرق عن هشام بن حسان : ثنا
قيس بن سعد عن عطاء عنه .
وأخرجه أحمد (٢٧٠/١) من طريق حماد - يعني: ابن سلمة - عن قيس بن سعد
عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به .
وكذلك أخرجه أيضاً (٢٧٥/١ و٣٣٣) من طرق أخرى عن سعيد بن جبير به .
ثم أخرجه مسلم، {وأبو عوانة [١٧٧/٢]] ، والبيهقي من طريق هُشيم بن بَشِير
عن هشام بن حسان به بزيادة :
((أهل الثناء والمجاد، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك
الجد)» .
٦٨٩
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ السادس
٦ - ((مالْءَ (١) السماوات، و[مِلْءَ] الأرض، و[مِلْءَ] ما بينهما، ومِلْءَ ما
شئت من شيء بعد))(٢).
وله شاهد من حديث ابن مسعود .
أخرجه الطبراني في ((الكبير)) من طرق في بعضها: أشعث بن سَوَّار، وفي
الأخرى : محمد بن أبي ليلى ، وفي كل منهما ضعف .
(١) بكسر الميم، وبنصب الهمزة بعد اللام ورفعها . واختلف في الراجح منهما،
والأشهر النصب. كما قال النووي. قال العلماء: معناه: حمداً لو كان أجساماً؛ لملأ
السماوات والأرض . وقال السندي :
(تمثيل وتقريب. والمراد تكثير العدد، أو تعظيم القدر. ((وملء ما شئت من شيء
بعد)»: كالعرش والكرسي ونحوهما مما في مقدور الله تعالى)).
(٢) روى ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حديثه الطويل المتقدم
[ص٢٤٢]، والزيادتان عند مسلم، والترمذي ، وابن نصر، والبيهقي في رواية ،
والطيالسي . والأولى فقط عند أبي داود، والدارقطني. والثانية عند الدارمي. قال
الترمذي ۔۔ بعد أن ساق الحدیث ۔:
((والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ، وبه يقول الشافعي؛ قال : يقول هذا في
المكتوبة والتطوع . وقال بعض أهل الكوفة : يقول هذا في صلاة التطوع ، ولا يقولها في
صلاة المكتوبة)).
إ ، وهو قول الإمام أحمد
قلت : والصواب ما قاله الشافعى ؛ لثبوت ذلك عنه
وإسحاق بن راهويه ؛ فقد قال إسحاق بن منصور المروزي في ((مسائله)):
((قلت - يعني لأحمد -: إذا رفع رأسه من الركوع يزيدُ على ((ربنا! ولك الحمد))؟
قال: إذا كان وحده ؛ يقول: ((ملء السماوات، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء
٦٩٠
۔۔
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ السادس
بعد)). وإذا كان خلف الإمام فقال الإمام: ((سمع الله لمن حمده)). وقال من خلفه : ((ربنا!
ولك الحمد)). وإن شاء قال: ((اللهم ربنا! ولك الحمد)) . قال إسحاق - يعني: ابن راهويه -:
كما قال - يعني : أحمد -، ولكن من خلفه يقولون مثل ما قال الإمام: ((ربنا! ولك
الحمد)) إلى قوله: ((ما شئت من شيء بعد)). وإن مدَّ إلى: ((منك الجد)) إذا كان إماماً؛
أحب إلي في المكتوبة والتطوع» . اهـ.
والظاهر أنه سقط من جواب الإمام أحمد شيء من الكلام ، ولعل ما في «مسائل
أبي داود )) عنه يتمه ويوضحه . قال أبو داود (٣٣ - ٣٤):
(«سمعت أحمد سئل: ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع مع الإمام؟ قال: إذا قال
الإمام: ((سمع الله لمن حمده، ربنا! ولك الحمد، ملء السماوات ، وملء الأرض ،
وملء ما شئت من شيء بعد)). يقول من خلفه: ((ربنا! لك الحمد)). وإن شاؤوا: ((اللهم
ربنا ! لك الحمد) . لا یزیدون علی ذلك» . قال أبو داود :
(«وسمعته سئل عن إمام رفع رأسه فأطال القيام؟ قال : لا يقول من خلفه إلا: ((ربنا!
ولك الحمد). ثم قال أبو داود :
«قلت لأحمد مرة أخرى : أدعو بدعاء ابن أبي أوفى إذا رفعت رأسي من الركوع؟
قال : إذا كنت تصلي وحدك؛ تقوله ، أو يكون الإمام يقوله . قلت : في الفريضة؟ قال :
نعم)) . اهـ .
فكلام أحمد متفق مع كلام إسحاق والشافعي في استحباب ذلك في المكتوبة ،
لكن أحمد كان يمنع المؤتم من ذلك ، ولعله خشية أن تفوتَه متابعة الإمام بسبب ذلك ،
ولكنه رجع أخيراً إلى استحباب ذلك ؛ إذا كان الإمام يطيل القيام ، ويقول ذلك ، وهذا
هو الحق ؛ لعموم قوله
٦٩١
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ السابع
وتارة يضيف إلى ذلك قوله :
٧ - ((أهل(١) الثناء والمجد ، لا مانع لما (٢) أعطيت، ولا معطي لما (٢) منعت،
ولا ينفع ذا الجدّ (٣) منك الجَدُّ)) .
((صلوا كما رأيتموني أصلي)) . وقوله :
((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) .
ثم ما تقدم في رواية المروزي: ((وإن شاء قال: ((اللهم ربنا! ولك الحمد))). كذا في
النسخة الظاهرية ، وأخشى أن تكون الواو زائدة؛ فقد قال أبو داود في ((مسائله)) (٣٤):
((قلت لأحمد: إذا قال: ((اللهم!)) لا يقول - يعني: الواو في: ((ربنا! ولك الحمد)) -؟
قال : نعم)) .
فهذا نص صريح منه في أنه لا يرى الجمع بين: ((اللهم !» و: (الواو) ، ولعل ذلك
مستند ابن القيم في إنكار ذلك ، وقد سبق الرد عليه ، وبيان الروايات الواردة في الجمع
بينهما .
٧ - هو من حديث ابن عباس رضي الله عنه في رواية لمسلم، {وأبي عوانة}،
والبيهقي . وقد سبق قريباً .
(١) بالنصب على الاختصاص والمدح، أو بتقدير: يا أهل الثناء! أو بالرفع بتقدير:
أنت أهلُ الثناء . و(المجد) : العظمة ، ونهاية الشرف.
(٢) (ما) هنا: يعم العقلاء وغيرهم . كما قال السندي .
(٣) بالفتح على الصحيح المشهور - كما قال النووي -. وهو الحظ والغنى، والعظمة
والسلطان ؛ أي : لا ينفع ذا الحظ في الدنيا بالمال والولد، والعظمة والسلطان منك حظُّه؛
أي: لا ينجيه حظّه منك، وإنما ينفعه وينجيه العمل الصالح؛ كقوله تعالى: ﴿المال
والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك﴾ .
٦٩٢
هـ
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ الثامن
وتارة تكون بإضافة :
٨ - ((ملء السماوات، وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد،
٨ - هو من حديث أبي سعيد الخدري قال :
إذا رفع رأسه من الركوع ؛ قال :
کان رسول الله
((ربنا ! لك الحمد ملء السماوات ... )) إلخ.
أخرجه الدارمي (٣٠١/١)، وعنه مسلم (٤٧/٢)، {وأبو عوانة [١٧٦/٢]}،
والبيهقي (٩٤/٢)، وأبو داود (١٣٥/١)، والنسائي (١٦٣/١)، والطحاوي (١٤١/١)،
وابن نصر (٧٧) ، والبيهقي أيضاً، وأحمد (٨٧/٣)؛ كلهم - إلا ابن نصر - عن سعيد بن
عبدالعزيز عن عطية بن قيس عن قَزَعَةَ عنه . وأما ابن نصر ؛ فقال : عن سُوید بن
عبد العزيز : ثني بُريد ابن أبي مريم عن قَزَعَةَ به .
والزيادتان عند الدارمي ، ومسلم ، وابن نصر . والأخرى منهما عند أبي داود ،
{وأبي عوانة }.
:
وللحديث شاهد من حديث شَرِيك عن أبي عمر - وهو المَنْبِهي - قال: سمعت أبا
جُحَيفة يقول :
وهو في الصلاة ؛ فقال رجل : جد فلان في
ذکرت الحدود عند رسول الله
الخيل . وقال آخر: جد فلان في الإبل . وقال آخر: جد فلان في الغنم . وقال آخر:
صلاته ، ورفع رأسه من آخر الركعة ؛
جد فلان في الرقيق . فلما قضى رسول الله
قال :
((اللهم ربنا !لك الحمد ... )) إلخ. دون قوله: ((أهل الثناء)) إلى قوله: ((وكلنا لك
عبد» . وزاد :
صوته بالجد ؛ ليعلموا أنه ليس كما يقولون .
وطوّل رسول الله
٦٩٣
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ التاسع
أهل الثناء والمجد ، أحق (١) ما قال العبد - وكلنا لك عبد ـ [اللهم !] لا مانع
لما أعطيت ، [ولا معطي لما منعت]، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ».
وتارة يقول في صلاة الليل :
٩ - ((لربي الحمد، لربي الحمد)). يكرر ذلك؛ حتى كان قيامه نحواً
من ركوعه الذي كان قريباً من قيامه الأول ، وكان قرأ فيه سورة (البقرة﴾ .
أخرجه ابن ماجه (٢٨٦/١ - ٢٨٧)، والطحاوي (١٤١/١) بنحوه .
وأبو عمر هذا : مجهول - كما في ((التقریب)) وغيره -؛ تفرد عنه شريك هذا - وهو :
ابن عبدالله -؛ كما في «الميزان» وغيره .
(١) مبتدأ خبره: ((اللهم! لا مانع ... )) إلخ. واعترض بينهما: ((وكلنا لك عبد)).
قال النووي :
((وإنما يعترض ما يعترض من هذا الباب ؛ للاهتمام به ، وارتباطه بالكلام السابق ،
وتقديره هنا: أحق قول العبد : لا مانع لما أعطيت ... ، وكلنا لك عبد. فينبغي لنا أن
نقوله .
وفي هذا الكلام دليل ظاهر على فضيلة هذا اللفظ؛ فقد أخبر النبي # - الذي لا
ينطق عن الهوى - أن هذا أحق ما قاله العبد ، فينبغي أن نحافظ عليه ؛ لأن كلنا عبد ،
ولا نهمله ، وإنما كان أحق ما قاله العبد ؛ لما فيه من التفويض إلى الله تعالى، والإذعان
له ، والاعتراف بوحدانيته ، والتصريح بأنه لا حول ولا قوة إلا به ، والحث على الزهادة
في الدنيا ، والإقبال على الأعمال الصالحة)).
٩ - هو من حديث حذيفة رضي الله عنه: عند أصحاب ((السنن)) وغيرهم. وقد
مضى لفظه بتمامه في آخر نوع من (أدعية الاستفتاح)، {وهو مخرج في ((الإرواء))
(٣٣٥)}.
٦٩٤
الركوع / الاعتدال منه ، وما يقولُ فيه / اللفظ العاشر
١٠ - ((ربنا! ولك الحمد؛ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ، [مباركاً
١٠ - هو من حديث رفاعة بن رافع قال :
كنا يوماً نصلي وراء رسول الله مصلٍ ... الحديث.
أخرجه مالك (٢١٤/١)، وعنه البخاري (٢٢٧/٢ -٢٢٨)، وأبو داود (١٢٣/١)،
والنسائي (١٦٢/١)، والبيهقي (٩٥/٢)، وأحمد (٣٤٠/٤) - كلهم عن مالك - عن
نُعَيم بن عبد الله المُجْمِر عن علي بن يحيى الزَّرقي عن أبيه عنه .
وكذلك أخرجه الحاكم (٢٢٥/١) عن مالك ، وقال :
(صحيح. ولم يخرجاه)). ووافقه الذهبي. وقد وهما في الاستدراك على البخاري .
وله طريق أخرى - وفيها الزيادة - عند أبي داود، والنسائي (١٤٧/١)، والترمذي
(٢٥٤/٢ - ٢٥٥)، والبيهقي عن رفاعة بن يحيى بن عبدالله بن رِفاعة بن رافع الزَّرَقي
عن عم أبيه مُعاذ بن رفاعة عن أبيه بلفظ :
: ، فعطست؛ فقلت : الحمد لله ؛ حمداً كثيراً طيباً مباركاً
صلیت خلف رسول الله
فيه، مباركاً عليه؛ كما يحب ربنا ويرضى. فلما صلى رسول الله عَ ليه؛ انصرف فقال:
((من المتكلم في الصلاة؟)). فلم يتكلم أحد . ثم قالها الثانية :
((من المتكلم في الصلاة؟)). فلم يتكلم أحد . ثم قالها الثالثة :
((من المتكلم في الصلاة؟)).
فقال رفاعة بن رافع ابن عفراء: أنا يا رسول الله !... الحديث. والباقي نحوه . وقال
الترمذي :
((حديث حسن)). وهو كما قال . وفيه زيادات ليست في الأول ، كما أن في هذا أن
ذلك كان بعد العطاس ، وفي ذلك أنه كان بعد الركوع ، وقد جمع الحافظ بينهما بأن
العطاس كان وقع بعد الرفع من الركوع .
٦٩٥
الركوع / الاعتدال من الركوع ، وما يقولُ فيه / اللفظ العاشر
عليه(١) ؛ كما يحب ربنا ويرضى])).
قاله رجل كان يصلي وراءه عام بعدما رفع ه رأسه من الركعة وقال:
(«سمع الله لمن حمده))، فلما انصرف رسول الله تَ ◌ّةٍ؛ قال :
((من المتكلم آنفاً؟)). فقال الرجل: أنا يا رسول الله ! فقال رسول
:糖
الله عَ
وللحديث شواهد :
منها : عن عامر بن ربيعة : عند أبي داود بنحو حديث رفاعة بن يحيى .
وسنده ضعيف. وأما العراقي؛ فقال في («تخريج الإحياء)) (١٨٣/٢):
«وإسناده جيد» !
ومنها : عن ابن عمرو : عند البزار .
وعن ابن عمر: عند الطبراني في ((الكبير)» بنحو حديث مالك.
وإسناد كل منهما ضعيف .
وعن وائل بن حُجْر ، وليس فيه ذكر الركوع ولا العطاس .
رواه النسائي، وأحمد (٣١٧/٤). ورجاله ثقات رجال مسلم ، لكنه منقطع .
(١) قال الحافظ :
((يحتمل أن يكون تأكيداً - يعني: لقوله: مباركاً فيه . قال : -، وهو الظاهر . وقيل :
الأول : بمعنى الزيادة . والثاني : بمعنى البقاء . قال : وأما قوله : (كما يحب ربنا ويرضى)؛
ففيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد)). اهـ.
وفي الحديث هذا الذكر في هذا الموضع ، ويستحب أن يضم إليه ما سبق من الأنواع
مما كان يقوله عليه الصلاة والسلام على اختلاف الأحوال ؛ إذا كان يريد إطالة هذا القيام ؛
٦٩٦
الركوع / الاعتدال من الركوع ، وما يقولُ فيه / اللفظ العاشر
(لقد رأيت بضعة(١) وثلاثين ملكاً يَبْتَدِرُوْنَها٢)؛ أيهم يكتبها أولا٢ً))).
اتباعاً للسنة - كما ذكرنا فيما تقدم ، ويأتي قريباً -. وقد قال النووي في ((الأذكار)):
((يستحب أن يجمع بين هذه الأذكار كلها، فإن اقتصر؛ فعلى: ((سمع الله لمن
حمده ، ربنا ! لك الحمد)) . فلا أقل من ذلك)).
قلت: وهو بهذا الكلام يخالف لما هو الأصح من مذهب الشافعية ؛ وهو أن الصلاة
تبطل بإطالة هذا الاعتدال ؛ لأنه رکن قصیر عندهم . ولکن النووي رحمه الله لیس
بالإِمَّعة ، بل شأنه شأن المحققين المنصفين من العلماء ؛ يدورون مع الحق حيث دار ؛ غير
متحيزين لفئة ، ولا متعصبين لمذهب ؛ بل يتبعون ما صح عندهم من السنة المحمدية .
وقد ذكر في «المجموع)» (١٢٦/٤ - ١٢٧) الخلاف في هذه المسألة ، ثم عقب ذلك بذكر
حديث حذيفة في صلاة النبي ◌َّل في الليل ، وفيه :
أنه قرأ في ركعة بـ: ﴿البقرة﴾ و﴿النساء﴾ و﴿آل عمران﴾، ثم ركع نحواً من
قیامه . ثم قال :
(سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد)). ثم قام قياماً طويلاً قريباً مما ركع. ثم قال .
النووي :
((وفيه التصريح بجواز إطالة الاعتدال بالذكر، والجواب عنه صعب على من منع
الإطالة؛ فالأقوى جوازها بالذكر)» . اهـ.
وإلى هذا ذهب المحقق ابن دقيق العيد . کما سيأتي كلامه في ذلك قريباً ...
(١) فيه رد على من زعم - كالجوهري - أن البضع يختص بما دون العشرين. كذا في ((الفتح)).
(٢) أي : يَسْتَبِقُون في كتابتها؛ يريد كل منهم أن يسبق صاحبه في ذلك ،
قاصدين (أيهم يكتبها أولاً)؛ أي: سابقاً ، وقبل الآخرين . وضمير التأنيث لهذه الكلمات .
(٣) روي بالنصب على الحال ، وروي بالضم على البناء ؛ لقطعه عن الإضافة .
٦٩٧
الركوع / إطالة القيام منه ، ووجوب الاطمئنان فيه
إطالةُ هذا القيام ، ووجوبُ الاطمئنان فيه
يجعل قيامه هذا قريباً من ركوعه - كما تقدم (١)؛ بل ((كان
وكان:
(١) هو من حديث البراء بن عازب. وقد سبق أواخر (الركوع) تخريجه
[ص٦٦٧]. قال في ((الفتح)):
((قال ابن دقيق العيد : هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل ، وحديث
أنس - يعني : الآتي بعده - أصرح في الدلالة على ذلك ، بل هو نص فيه ؛ فلا ينبغي
العدول عنه لدليل ضعيف ؛ وهو قولهم : لم يُسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع
والسجود . ووجهُ ضعفهِ أنه قياس في مقابلة النص ، وهو فاسد .
وأيضاً؛ فالذكر المشروع في الاعتدال أطول من الذكر المشروع في الركوع؛ فتكرير
((سبحان ربي العظيم) ثلاثاً يجيء قدر قوله: ((اللهم ربنا! ولك الحمد ؛ حمداً كثيراً طيباً
مباركاً فيه)). وقد شُرع في الاعتدال ذكر أطول - ثم ذكر ما تقدم من حديث أبي سعيد
الخدري وغيره - .
على من زاد في الاعتدال
وقد تقدم في الحديث الذي قبله ترك إنكار النبي
ذكراً غير مأثور. ومن ثَمَّ اختار النووي جواز تطويل الركن القصير بالذكر ؛ خلافاً للمرجح
في المذهب)) . كما سبق قريباً . قال الحافظ :
((وقد أشار الشافعي في ((الأم)) (٩٨/١) إلى عدم البطلان؛ فقال في ترجمة (كيف
القيام من الركوع) : ولو أطال القيام بذكر الله ، أو يدعو ساهياً ، وهو لا ينوي به القنوت ؛
كرهتُ له ذلك ، ولا إعادة ... إلى آخر كلامه. فالعجب ممن يصحح ـ مع هذا - بطلان
الصلاة بتطويل الاعتدال ! وتوجيههم ذلك أنه (إذا أطيل؛ انتفت الموالاة) معترض بأن
معنى الموالاة : أن لا يتخلل فصل طويل بين الأركان بما ليس منها ، وما ورد به الشرع لا
یصح نفي کونه منها» . انتهى .
٦٩٨
الركوع / إطالة القيام منه ، ووجوب الاطمئنان فيه
يقوم أحياناً حتى يقول القائل: قد نسي(١)؛ [من طول ما يقوم]))(٢).
کان
وقولهم : لم يسن فيه تكرار التسبيحات ... إلخ . مخالف لما سبق أنه
يكرر فيه قوله: ((لربي الحمد، لربي الحمد)). فسقط اعتبار هذا القول والقياس عليه من
أصله ؛ فلا يلتفت إليه .
(١) أي : نسي وجوب الهوي إلى السجود . ويحتمل أن يكون المراد : أنه نسي أنه
في صلاة، أو ظن أنه وقت القنوت . من ((الفتح)).
(٢) هو من حديث أنس بن مالك . رواه ثابت عنه قال :
** يصلي بنا . فكان أنس يصنع
إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله
شيئاً لا أراكم تصنعونه ، كان إذا رفع رأسه من الركوع ؛ انتصب قائماً ، حتى يقول
القائل : قد نسي . وإذا رفع رأسه من السجدة ؛ مكث ، حتى يقول القائل : قد نسي .
أخرجه البخاري (٢٣٩/٢)، ومسلم (٤٥/٢)، والبيهقي (٩٨/٢ و١٢١) من طريق
حماد بن زيد عنه .
وقد تابعه حماد بن سلمة عنه .
أخرجه مسلم ، وأبو داود (١٣٦/١) ، وأحمد (٢٤٧/٣) من طرق عنه به ، وزاد أبو
داود في السند حميداً . قرنه مع ثابت .
وسليمان - وهو : ابن المغيرة - عنه نحوه .
أخرجه أحمد (٢٢٣/٣).
ومعمر عنده أيضاً (١٦٢/٣).
ورواه شعبة عنه مختصراً قال :
کان أنس يَنْعَتُ لنا صلاة النبي
؛ فكان يصلي ، وإذا رفع رأسه من الركوع ؛ قام
حتى نقول : قد نسي .
٦٩٩
الركوع / إطالة القيام منه ، ووجوب الاطمئنان فيه
وكان يأمر بالاطمئنان فيه ؛ فقال (للمسيء صلاته):
((ثم ارفع رأسك حتى تعتدل قائماً؛ [فيأخذ كل عظم مَأْخَذَه]))، (وفي
رواية: ((وإذا رفعت ؛ فأقم صلبك ، وارفع رأسك حتى ترجع العظام إلى
مفاصلها») وذکر له :
((أنه لا تتم صلاة لأحد من الناس إذا لم يفعل ذلك))(١). وكان يقول:
٠
أخرجه البخاري (٢٢٨/٢ - ٢٢٩)، والبيهقي (٩٧/٢)، والطيالسي (٢٧٢)،
وأحمد (١٧٢/٣)، والزيادة عندهما ، وهي عند الإسماعيلي أيضاً في ((مستخرجه على
البخاري)). {وهو مخرج في «الإرواء)» (٣٠٧)}.
(١) هو من حديث أبي هريرة، والزيادة وما بعدها من حديث رفاعة بن رافع. وقد
سبقا .
{والمراد بـ (العظام) هنا: عظام سلسلة الظهر وفقراته - كما تقدم قريباً في
(الاعتدال من الركوع ... ) .. و(المفاصل) جمع (مَفصِل): ملتقى كل عظمين في
الجسد. انظر ((المعجم الوسيط)).
(تنبيه): إن المراد من هذا الحديث بيِّن واضح ، وهو الاطمئنان في هذا القيام .
وأما استدلال بعض إخواننا من أهل الحجاز وغيرها بهذا الحديث على مشروعية
وضع اليمنى على اليسرى في هذا القيام؛ فبعيدٌ جدّاً عن مجموع روايات الحديث - وهو
المعروف عند الفقهاء بـ: (حديث المسيء صلاته) -؛ بل هو استدلال باطل ؛ لأن الوضع
المذكور لم يرد له ذكر في القيام الأول في شيء من طرق الحديث وألفاظه ؛ فكيف يسوغ
تفسير الأخذ المذكور فيه بأخذ اليسرى باليمنى بعد الركوع؟ هذا لو ساعد على ذلك
مجموع ألفاظ الحديث في هذا الموطن ؛ فكيف وهي تدل دلالة ظاهرة على خلاف
ذلك؟! ثم إن الوضع المذكور غير متبادر من الحديث ألبتة ؛ لأن المقصود بـ (العظام) فيه
٧٠٠