النص المفهرس

صفحات 601-620

الركوع
ثم كان له إذا فرغ من القراءة؛ سكت سكتة (١)، ثم رفع يديه (٢)؛ على
الوجوه المتقدمة في (تكبيرة الافتتاح) ، وكبر، وركع.
(١) يدل على ذلك ما سبق من هديه /* في قراءة القرآن، وأنه كان يقف عند
كل آية. { وهذه السكتة قدرها ابنُ القيم وغيره بقدر ما يتراد إليه نَفَسُهُ}.
وقد جاء في ذلك حديث صريح من رواية سَمُرة بن جُنْدُب:
كان له سكتتان : سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من القراءة عند الركوع .
أنه
ولكنه ليس على شرطنا - كما سبق بيانه في (القراءة) -؛ فتركناه، واستغنينا عنه
بما ذكرنا من هديه
في القراءة .
وقد اتفق الشافعية على استخباب هذه السكتة - كما في «المجموع» (٣٩٥/٣)-،
واحتجوا على ذلك بحديث سَمُرة هذا. قال الترمذي (٣١/٢):
ادوبه يقول أحمد، وإسحاق، وأصحابنا. قال عبدالله بن أحمد: سألت أبي عن
السكنتين ... )) إلخ. ثم قال النووي:
وقال الشيخ أبو محمد في ((التبصرة)):
ژوي أن رسول الله ټګ﴾ تھی عن الوصال في الصلاة . وفسّروہ علی وجھین:
أحدهما: وصل القراءة بتكبيرة الركوع . يكره ذلك ؛ بل يفصل بينهما .
والثاني: ترك الطمأنينة في الركوع والاعتدال، والسجود والاعتدال؛ فيحرم أن
يصل الانتقال بالانتقال، بل يسكن للطمأنينة)). انتهى.
٠٠
والحديث الذكور غريب، أورده الغزالي في «الإحياء»، وقال مخرجه العراقي (١٣٩/١):
(عزاء رَزِين إلى الترمذي، ولم أجده عنده).
(٢) اعلم أنه قد تواتر هذا الرفع عنه عمله، وكذا الرفع عند الاعتدال من الركوع؛
٦٠١

الركوع
رواه جمع من الصحابة ، فنسوق أحاديث من صحت الأسانيد إليهم، ثم نذكر مذاهب
العلماء في ذلك :
أولاً : عبدالله بن عمر رضي الله عنه . وله عنه طرق :
الأول : عن الزهري عن سالم بن عبدالله عنه :
أن رسول الله ؛ كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة ، وإذا کبَّر للرکوع،
وإذا رفع رأسه من الركوع ؛ رفعهما كذلك ... الحديث .
وقد مضى بنحوه في (الرفع عند تكبيرة الإحرام) [ص١٩٣].
أخرجه البخاري (١٧٤/٢ و١٧٥ و١٧٦) من ((صحيحه)) وفي ((جزء رفع اليدين))
(ص٥ و٧ و١٦ و٢٠)، ومسلم (٦/٢ - ٧)، وأبو داود (١١٤/١ - ١١٥)، والنسائي
(١٤٠/١ و١٥٨ و١٦١ و١٦٢ و١٦٥)، والترمذي (٣٥/٢) - وقال: ((حسن صحيح)) -،
والدارمي (٢٨٥/٢)، وابن ماجه (٢٨١/١)، ومالك (٩٧/١)، وعنه محمد (٨٧)،
والدارقطني (١٠٧ - ١٠٨)، والطحاوي (١٣١/١)، والبيهقي (٢٣/٢ و٢٦ و٦٩ و٨٣)،
وأحمد (٨/٢ ١٨ و٤٧ و٦٢ و١٤٧)، والطبراني في ((الصغير)) (ص٢٤٠) من طرق
عنه .
وقد تابعه جابر الجُعْفي: عند الطحاوي ، وأحمد (٤٥/٢) قال: سمعت سالم بن
عبدالله به مختصراً .
وزاد أحمد (١٣٣/٢ - ١٣٤)، وأبو داود، والدارقطني في رواية عن الزهري :
ويرفعهما في كل ركعةٍ وتكبيرةٍ كَبَّرها قبل الركوع ، حتى تنقضي صلاته .
وإسنادها صحيح على شرط الشيخين .
الطريق الثاني : عن عبيدالله عن نافع :
٦٠٢

الركوع
أن ابن عمر كان إذا دخل في الصلاة؛ كبر، ورفع يديه ، وإذا ركع ؛ رفع يديه ، وإذا
قال : سمع الله لمن حمده؛ رفع يديه ، وإذا قام من الركعتين ؛ رفع يديه .
ورفع ذلك ابن عمر إلى نبي الله
أخرجه البخاري في (صحيحه)) (١٧٦/٢) وفي ((رفع اليدين)) (١٦)، وأبو داود
(١١٨/١)، والبيهقي (١٣٦/٢).
وقد تابعه عبدالله - وهو المُکَبَّر - العمري عن نافع .
أخرجه البخاري (٢٠) .
وتابعه أيوب عن أبي تَمِيمةَ .
أخرجه البخاري (١٧)، والبيهقي (٢٤/٢ و٧٠)، وأحمد (١٠٠/٢) من طريق
حماد بن سلمة عنه به . وعلقه في ((الصحيح)) ، دون قوله : وإذا قام من الركعتين .
وكذلك رواه موسى بن عُقبة: عند البيهقي (٧٠/٢ - ٧١)، وعلقه البخاري .
وصالح بن كيسان : عند أحمد (١٣٢/٢)، وقد مضى لفظه [ص١٩٣].
الطريق الثالث : عن محمد بن جعفر: ثنا شعبة عن الحكم قال :
رأيت طاوساً حين يفتتح الصلاة يرفع يديه ، وحين يركع ، وحين يرفع رأسه من
الركوع . فحدثني رجل من أصحابه ؛ أنه يحدثه عن ابن عمر عن النبي :
أخرجه أحمد (٤٤/٢) .
ورجاله رجال الشیخین ؛ غیر شیخ الحکم ؛ فلم يسم .
ورواه البيهقي (٧٤/٢) من طريق آدم بن أبي إياس : ثنا شعبة به . لكنه قال :
عن ابن عمر عن عمر عن النبي
٦٠٣

الركوع
ثم قال البخاري في «جزئه»:
((وزاد وكيع عن العُمري عن نافع عن ابن عمر عن النبي
أنه كان يرفع يديه إذا ركع ، وإذا سجد». قال البخاري :
((والمحفوظ ما روى عبيد الله، وأيوب ، ومالك، وابن جريج، وعِدَّة من أهل الحجاز
وأهل العراق عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه في رفع الأيدي عند الركوع ، وإذا رفع
رأسه من الركوع. ولو صح حديث العُمّري عن نافع عن ابن عمر؛ لم يكن مخالفاً
للأول ، فلو ثبت ؛ لاستعملنا كليهما ، وليس هذا من الخلاف الذي يخالف بعضهم
بعضاً؛ لأن هذه زيادة في الفعل ، والزيادة مقبولة ؛ إذا ثَبَتَ».
قلت : وهذه الزيادة صحيحة ثابتة من غير طريق العمري هذا، وهو ضعيف ؛ لسوء
حفظه . وسيأتي ذكر طرقها في موضعها إن شاء الله تعالى .
ثانياً: عن مالك بن الحُوَيرث . وله عنه طريقان :
الأول : عن أبي قلابة عنه . بنحو حديث ابن عمر في رواية حماد.
أخرجه البخاري (١٧٥/٢)، ومسلم وغيرهما. وقد مضى لفظه في (رفع اليدين عند
الإحرام) .
الطريق الثاني : عن نَصْر بن عاصم عنه .
أخرجه مسلم وغيره ، ومضى أيضاً .
وقد أخرجه الطيالسي أيضاً (١٧٦).
ثالثاً : عن وائل بن حُجْرٍ.
أخرجه مسلم وغيره ، وقد مر لفظه هناك ، وذكرنا له طرقاً .
٦٠٤

الركوع
وقد أخرجه البخاري في ((جزئه)) (٦ و٩ و١٠ و١١ و١٩).
رابعاً: عن أبي حُميد الساعدي. في عشرة من أصحاب رسول الله :﴿؛ منهم أبو
قتادة ، قال أبو حميد :
أنا أعلمكم بصلاة رسول الله عمله. قالوا: فلم؟ فوالله ! ما كنتَ بأكثرنا له تبعاً ، ولا
أقدمنا له صحبة ! قال: بلى. قالوا : فاعرض . قال :
کان رسول الله ټہ إذا قام إلى الصلاة؛ یرفع یدیه حتى يحاذي بهما منکبیه ، ثم
یکبر حتى يقرّ كل عظم في موضعه معتدلاً ، ثم يقرأ ، ثم يكبر؛ فيرفع يديه حتى
يحاذي بهما منكبيه ، ثم يركع ، ويضع راحتيه على ركبتيه ، ثم يعتدل ؛ فلا يَصُبُّ رأسه
ولا يُقْنع ، ثم یرفع رأسه ، فيقول:
(«سمع الله لمن حمده). ثم يرفع يديه حتى يحاذي بهما مِنْكَبَيْهِ معتدلاً ، ثم يقول :
«الله أكبر» . ثم يهوي إلى الأرض ؛ فیجافی یدیه عن جنبیه ، ثم يرفع رأسه ، ویشي
رجله اليسرى ؛ فيقعد عليها ، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد ، ويسجد ، ثم يقول :
((الله أكبر)». ويرفع، ويثني رجله اليسرى؛ فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى
موضعه ، ثم یصنع في الأخرى مثل ذلك .
ثم إذا قام من الركعتين ؛ کبر ، ورفع یدیه حتی یحاذي بهما منکبیه ؛ کما کبر عند
افتتاح الصلاة . ثم يصنع ذلك في بقية صلاته ، حتى إذا كانت السجدة التي فيها
التسليم؛ أَخْرَ رجله اليسرى ، وقعد متوركاً على شقه الأيسر.
قالوا : صدقت؛ هكذا كان يصلي ﴿) .
أخرجه البخاري في ((جزئه» (٥)، وأبو داود واللفظ له، وغيرهما - كما سبق قبيل
(وضع اليمنى على اليسرى) -.
٦٠٥
، ٠

الركوع
وسنده صحيح على شرط مسلم - كما قال النووي (٤٠٧/٣ و٤٤٣) -. وضعفه
الطحاوي (١٣٤/١) بأمرين:
الأول : ضعف عبدالحميد هذا(*)
والثاني : أن محمد بن عمرو بن عطاء لم يسمعه من أبي حميد ؛ بينهما رجل
مجهول .
وهذا ليس بشيء :
أما أولاً؛ فإن عبدالحميد هذا قد وثقه جمهور الأئمة ؛ كأحمد ، وابن معين
وغيرهما ، ومن ضعفه - كيحيى بن سعيد -؛ لم يأتٍ بحجة ، بل ظاهر ما نقل عنه من
التضعيف أنه لكونه كان يرى القدر. وهذا ليس بعلة قادحة - كما لا يخفى -. ومثله
قول ابن حبان :
((ربما أخطأ)). فمن ذا الذي لا يخطئ ولو قليلاً؟! ولذا أخرج له مسلم ، وكفى به توثيقاً .
وأما ثانياً؛ فإن محمد بن عمرو قد صرح بسماعه من أبي حميد - كما سبق -؛ فلا
يُلتفت بعد ذلك إلى القول بأنه لم يسمعه منه، واحتجاج الطحاوي بما أخرجه (١٥٣/١)
من طريق عَطَّاف بن خالد قال : ثني محمد بن عمرو بن عطاء قال : ثني رجل أنه وجد عشرة
من أصحاب النبي هي جلوساً ... فذكر نحو حديث أبي عاصم سواء . لا يفيده شيئاً؛
لأن عَطّف بن خالد فيه كلام ، ولم يحتج به أحد ((الصحيحين)) . وقد قال ابن حبان :
((يروي عن الثقات ما لا يشبه حديثهم. لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما يوافق فيه
الثقات)). وفي ((التقريب)):
((صدوق يخطئ)).
(*) يعني: الراوي عن محمد بن عمرو بن عطاء. انظر (ص ٨٣٠)
٦٠٦

الركوع
وقد خالفه من هو أوثق منه ؛ منهم : عبدالحميد هذا ، ومنهم : محمد بن عمرو بن
حُلْحَلة عند البخاري (٢٤٣/٢) وغيره . وسيأتي لفظه إن شاء الله تعالى.
نعم؛ أخرجه أبو داود (١١٧/١)، وكذا الطحاوي (١٥٣/١ و٤٠٥/٢) من طريق
الحسن بن الحُرِّ: ثني عيسى بن عبدالله بن مالك عن محمد بن عمرو بن عطاء عن
عباس - أو : عياش - بن سهل الساعدي :
٤-، وفي المجلس أبو
أنه کان في مجلس فیہ أبوه ۔ وکان من أصحاب النبي
هريرة ، وأبو حُميد الساعدي ، وأبو أُسَيد ... بهذا الخبر، يزيد وينقص .
فقد تابع عَطّفاً عيسى بنُ عبدالله هذا، وزاد عليه أن سَمَّى الرجل المبهم ، ولكن
عيسى بن عبدالله : قال ابن المديني :
((مجهول)». ولذا قال في ((التقريب)»:
«مقبول» . فثبت بذلك أنه لم تصح الرواية عن محمد بن عمرو بن عطاء عن عباس
ابن سهل ؛ وعليه فلا يصح أن تكون رواية عيسى عن محمد هذا من (المزيد في متصل
الأسانيد) - كما ذهب إليه الحافظ (٢٤٤/٢) -؛ لعدم ثبوت عدالة عيسى هذا .
نعم ؛ لرواية عباس بن سهل أصل ، لكن من غير طريق محمد المذكور .
فقد أخرجه البخاري في ((جزئه)) (٥ -٦)، وأبو داود، وابن ماجه (٢٨٣)،
والطحاوي من طريق فُلَيح بن سليمان : ثني عباس بن سهل قال : اجتمع أبو حميد،
وأبو أُسَيد ، وسهل بن سعد ، ومحمد بن مسلمة ، فذكروا صلاة رسول الله
إ، فقال
أبو حميد : ... الحديث بنحوه .
٠
وقد أخرج الترمذي (٤٥/٢ - ٤٦) قطعة منه - كما يأتي في (صفة الركوع) -، وصححه .
وهذا سند صحيح على شرطهما . وفُليح إنما يُخشى من سوء حفظه .
٦٠٧

الركوع
وقد تابعه محمد بن إسحاق: عند البخاري ، وابن خزيمة ، وصرح هذا بسماع ابن
إسحاق من عباس - كما في ((الفتح)) ..
خامساً: عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بنحو حديث ابن عمر من الطريق
الثاني .
أخرجه البخاري (٣ ٦) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزِّتَاد عن موسى بن عُقبة
عن عبدالله بن الفضل عن عبدالرحمن بن هُرْمُز الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عنه .
وهذا سند حسن .
وقد أخرجه أبو داود وغيره ، وسبق تخريجه في (الرفع)، وصححه أحمد - كما تقدم
هناك _.
سادساً: عن أنس بن مالك :
أن رسول الله * كان يرفع يديه إذا دخل في الصلاة ، وإذا ركع .
أخرجه ابن ماجه (٢٨٤/١)، والبخاري (٦)، والدارقطني (١٠٨)، والمقدسي في
(«الأحاديث المختارة)) من طريق عبدالوهاب الثَّقَفي: ثنا حُميد عنه . زاد الدارقطني
والمقدسى :
وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد. قال في ((الزوائد)):
(«إسناده صحيح، رجاله رجال («الصحيحين)). إلا أن الدارقطني أعلّه بالوقف،
وقال: لم يروه عن حميد مرفوعاً غير عبدالوهاب، والصواب من فعل أنس . وقد رواه ابن
خزيمة ، وابن حبان في ((صحيحيهما)))).
قلت : وكذلك صَوْبَ الطحاوي (١٣٤/١) أنه موقوف .
سابعاً : عن جابر مثله . دون قوله : وإذا سجد .
٦٠٨

الركو
أخرجه ابن ماجه (٢٨٤/١) من طريق إبراهيم بن طَهْمان عن أبي الزبير عنه . قال
في ((الزوائد)):
((رجاله ثقات)). وكذا قال الحافظ في ((الدراية)) (٨٦).
قلت: وهم من رجال ((الصحيح)). قال في ((نصب الراية)) (٤١٤/١ - ٤١٥):
((وأخرجه البيهقي في ((الخلافيات)) عن سفيان الثوري عن أبي الزُبير به . ثم أخرجه
عن إبراهيم بن طَهْمان به. قال: هكذا رواه ابن طَهْمان، وتابعه زياد بن سُوْقَة. وهو
حديث صحيح ، رواته عن آخرهم ثقات)) . اهـ.
قلت : لكن أبا الزُبير مدلس، وقد عنعن ، ولعله لذلك اقتصر الحافظ على قوله :
((ورجاله ثقات)» - كما سبق -، ولم يصححه ؛ إلا أن يكون صرح بالتحديث في بعض
الطرق عند البيهقي . والله أعلم.
ثامناً: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:
هلی أُریکم صلاة رسول الله ټ﴾ ؟ فکبر ، ورفع یدیہ ، ثم کبر ، ورفع يديه للركوع ، ثم
قال : ((سمع الله لمن حمده) . ثم رفع يديه .
ثم قال : هكذا فاصنعوا ، ولا يرفع بين السجدتين .
أخرجه الدارقطني (١٠٩) من طريق النِّضْر بن شميل، وزيد بن الحُبّاب عن حماد
ابن سَلّمة عن الأزرق بن قيس عن حطّن بن عبدالله عنه .
قلت : وهذا سند صحيح . وهكذا رواه النضر وزيد عن حماد مرفوعاً .
وخالفهما ابن المبارك؛ فرواه عن حماد به موقوفاً على أبي موسى .
أخرجه البيهقي - كما في «نصب الراية» (٤١٥/١) ..
٦٠٩

الركوع
تاسعاً : عن أبي هريرة . وقد تقدم في (تكبيرة الإحرام) [ص١٩٣].
وسنده ضعيف ، لكن له طرق تقويه ، وقد ذكرتها في (الرفع عند الهوي إلى
السجود) . فراجعها .
عاشراً : عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال :
صليت خلف رسول الله ##، فكان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ، وإذا ركع ، وإذا رفع
رأسه من الركوع .
أخرجه البيهقي (٧٣/٢) ، وقال :
((رواته ثقات)). وأقره ابن التركماني في ((المنتقى).
فهؤلاء عشرة من الصحابة . يُضاف عليهم عشرة - أو تسعة - آخرون؛ وهم الذين
جاء ذكرهم في حديث أبي حميد الرابع ، وقد وافقهم جمع آخر من الصحابة ، أعرضنا
عن تخريج أحاديثهم ؛ لأنها لا تخلو من مقال .
ولم يصح ما يخالف هذه الأحاديث ، إلا ما رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه
قال :
ألا أصلي لكم صلاة رسول الله تَّ؟ قال علقمة :
فصلی ؛ فلم يرفع يديه إلا أول مرة .
أخرجه أحمد (٣٨٨/١)، وكذا أبو داود (١٢٠/١)، والترمذي (٤٠/٢)، والنسائي
(١٥٨/١)، والطحاوي (١٣٢/١)، والبيهقي (٧٨/٢)، وابن حزم في ((المحلى)) (٨٧/٤)
من طرق عن وكيع : ثنا سفيان عن عاصم بن كُلَيب عن عبدالرحمن بن الأسود عن
علقمة عنه .
٦١٠

الركوع
وهذا سند صحیح . رجاله رجال مسلم . وقد حسنه الترمذي ، وصححه ابن حزم ،
وخالفهم آخرون فضعفوه ؛ كابن المبارك ، والدارقطني ، وابن حبان وغيرهم .
والحق أنه صحيح ثابت ، لا مطعن في إسناده ، وإن كان يستغرب من ابن مسعود
رضي الله عنه أن تخفى عليه هذه السنة مع قِدَم صحبته للنبي
ومع ذلك ؛ فليست هي أول سنة عملية خفيت عليه ، بل لها أمثلة أخرى :
منها : سنة الأخذ بالركب في الركوع ؛ فكان رضي الله عنه ينكرها ، ويذهب إلى
التطبيق ، مع ثبوت أنه منسوخ ۔ کما یأتي بیانه قریباً -؛ ولذلك أجمع العلماء على رد ما
رواه من التطبيق .
واختلفوا في العمل بحديثه هذا؛ فذهب جمهور علماء الإسلام؛ فقهاؤهم
ومحدثوهم في سائر الأقطار والأمصار إلى ترك العمل به ، والأخذ بالأحاديث المذكورة
الْبِتَةِ للرفع في هذين الموضعين عند الركوع والرفع منه ، وهو مذهب مالك في آخر قوله ،
{وهو الذي مات عليه رحمه الله - كما رواه ابن عساكر (٢/٧٨/١٥) - } ، والشافعي،
وأحمد وغيرهم . وخالفهم أكثر علماء الكوفة ، ومنهم الإمام أبو حنيفة وأصحابه ؛
فأعرضوا عن هذه الأحاديث ، وأخذوا بحديث ابن مسعود هذا .
وجرى بسبب هذا الخلافِ بين الفريقين نزاعٌ طويل بين أتباعهم ومقلديهم ؛ كل
ینتصر لإمامه ، وما ذهب إليه . والأمر عندي أهون من ذلك؛ فقد ثبت الرفع عنه
بالتواتر - كما رأيت -، حتى قال ابن القيم في رسالة («الصلاة)) (٢٠٩):
((إنه صح ذلك عنه ثم﴾؛ كما صح التكبير للركوع، بل الذين رووا عنه رفع اليدين
هنا أکثر من الذين رووا عنه التكبير» . اهـ.
٦١١
۔

الركوع
فثبوت ذلك لا ینکړه إلا جاهل . وقد اعترف بذلك علماؤنا ، لكنهم ذهبوا إلى أنها
منسوخة ، واحتجوا على ذلك بحديث ابن مسعود . ولا يخفى أن القواعد الأصولية
المتفق عليها بين الحنفية ومخالفيهم تأبى القول بالنسخ؛ لأنهم قالوا : إنه لا يجوز القول
بالنسخ ما أمكن الجمع بين المتعارضين . وهو ممكن هنا من وجهين :
كان يرفع أحياناً ، أو في غالب الأوقات ، وبدع أحياناً .
الأول: أن يقال: إنه ﴾
الثاني : أن يقال: المثبِتُ مقدم على النافي . وهي قاعدة أصولية أيضاً . وقال
البخاري في «جزئه)» (٧) :
(«فإذا روى رجلان عن محدث، قال أحدهما: رأيته يفعل . وقال الآخر: لم أره .
فالذي قال : رأيته فعل . فهو شاهد . والذي قال : لم يفعل . فليس هو بشاهد؛ لأنه لم
يحفظ الفعل . وهكذا قال عبدالله بن الزبير لشاهدين شهدا أن لفلان على فلان ألف
درهم بإقراره . وشهدا أنه لم يقر بشيء : يعمل بقول الشاهدين ، ويسقط ما سواه .
وكذلك قال بلال: رأيت النبي ( صلى في الكعبة . وقال الفضل بن العباس: لم
يصل . وأخذ الناس بقول بلال ؛ لأنه شاهد، ولم يلتفتوا إلى قول من قال: لم يصل.
حین لم یحفظ)» . اهـ.
فهكذا قول من قال من الصحابة: إنه # رفع يديه . مقدم على قول من قال: لم
يرفع . لأنه لم يحفظ ما حفظوه ، لا سيما وهم جمع ، وذاك فرد ؛ وهو ابن مسعود .
واستبعاد علمائنا رحمهم الله أن يخفى عليه ذلك لا يُجديهم نفعاً؛ لأن للمعارض
أن يعكس ذلك ؛ فيقول : وأبعد من ذلك أن يكون ابن مسعود علم النسخ الذي تدعونه ،
ويخفى ذلك على جمهور الصحابة ، وفيهم بعض الخلفاء الراشدين ، فكانوا يعملون
بالمنسوخ في زعمكم ، ويروونه للأمة لتعمل به؛ لا سيما ابن عمر رضي الله عنه الذي
٦١٢

الركوع
کان إذا رأى رجلاً لا یرفع یدیه إذا ركع وإذا رفع ؛ رماه بالحصی . کما رواه البخاري (٨)
ي قد ترك ذلك ؛ لما فعلوا ذلك . على أن ما
بسند صحيح(١). فلو كان رسول الله
استبعده علماؤنا وفروا منه قد وقعوا فيه ؛ فإنهم رووا التطبيق عن ابن مسعود ، ثم تركوه
إلى الأخذ بالأخذ بالركب ؛ لأحاديث وردت في ذلك .
والغريب أن هذه الأحاديث - التي ردوا بها تطبيق ابن مسعود - لا تبلغ قوتها قوة
أحاديث الرفع - المعارضة لحديث ابن مسعود الفرد في ترك الرفع .. أفلا قالوا: إنه
يستبعد أن يخفى على ابن مسعود الأخذ بالركب . فتركوا ذلك ؛ لتركه له ، وأخذوا بما
رواه من التطبيق؟! كلا؛ لم يفعلوا ذلك ، وأخذوا بالأحاديث الأخرى المعارضة لحديث
ابن مسعود؛ فأصابوا ، فكان عليهم أن يأخذوا أيضاً بأحاديث الرفع ، ويتركوا حديث ابن
مسعود في تركه . وهذا إلزام قوي لا مناص لهم من الأخذ به ؛ لولا غَلَبة التقليد على
أُکثر الناس !
(١) ورواه عبد الله بن أحمد في ((مسائل أبيه)) (ص٧٠)، والدارقطني (١٠٨)، وزاد الأول:
وأمره أن يرفع يديه . وقال :
«سمعت أبي يقول: يروى عن عقبة بن عامر أنه قال في رفع اليدين في الصلاة:
له بكل إشارة عشر حسنات)).
قلت: رواه الطبراني في المعجم الكبير» (٨١٩/٢٩٧/١٧) بلفظ:
إنه يكتب في كل إشارة يشيرها الرجل بيده في الصلاة، لكل إصبع حسنة أو درجة.
وإسناده حسن . وكذا قال الهيثمي (١٠٣/٢).
ثم خرجته في («الصحيحة» (٣٣٨٦).
{ قلت: ويشهد له الحديث القدسي :
(« ... ومن حَمَّ بحسنة، فعملها؛ كتبت له عشر حسنات؛ إلى سبع مئة)).
رواه الشيخان. انظر ((صحيح الترغيب)) (١٨)].
٦١٣

الركوع
وقد احتج بعض علمائنا بحجة أخرى على النسخ؛ وهو حديث جابر بن سمرة
مرفوعاً :
«ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمْسٍ؟! اسكنوا في الصلاة)).
أخرجه مسلم وغيره - كما سيأتي في آخر الكتاب [ص١٠٣٣ - ١٠٣٤] -.
والاحتجاج به من أعجب الأشياء - كما قال النووي (٤٠٣/٣) -؛ لأن الحديث لم
يرد في الرفع عند الركوع والرفع منه ؛ بل ورد في رفع الأيدي حالة السلام من الصلاة؛
عن ذلك - كما سيأتي
فإنهم كانوا يشيرون بها إلى الجانبين ، فنهاهم رسول الله
منصوصاً عليه في الحديث نفسه ..
وهذا لا خلاف فيه بين أهل الحديث ، ومن له أدنى اختلاط بأهل الحديث - كما
قال النووي أيضاً -. وقال البخاري في «جزئه)) (١٣):
((فأما احتجاج من لا يعلم بهذا الحديث ؛ فإنما كان هذا في التشهد لا في القيام)).
قال :
«ولا يحتج بهذا من له حظّ من العلم . هذا معروف مشهور ؛ لا اختلاف فیه ، ولو
كان كما ذَهَبَ إليه ؛ لكان رفع الأيدي في تكبيرة الافتتاح ، وأيضاً تكبيرات صلاة العيد
منهياً عنها؛ لأنه لم يستثن رفعاً دون رفع)) . قال :
(«فليحذر امرؤ أن يتقول على رسول الله
ما لم يقل . قال الله عز وجل :
﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم))). اهـ.
فقد تبين أن لا دليل لعلمائنا فيما ذهبوا إليه من النسخ. ومن اللطائف أن بعض
المتأخرين المنصفين منهم قد عكس ذلك عليهم ؛ ألا وهو أبو الحسن السندي الحنفي
"رحمه الله؛ حيث قال في ((حاشيته على ابن ماجه)) :
٦١٤

الركوع
((قول من قال بالنسخ قول بلا دليل ؛ بل لو فرض في الباب نسخ ؛ لكان الأمر
بعكس ما قالوا ، فإن مالك بن الحويرث ووائل بن حُجْر - من رواة الرفع - ممن صلى مع
آخر عمره؛ فروایتھما الرفعَ عند الركوع والرفع منه دليلٌ على تأخرِ الرفع ،
النبي
وبطلان دعوى النسخ ، فإن كان هناك نسخ ؛ فينبغي أن يكون المنسوخ ترك الرفع ، كيف
وقد روى مالك هذا جلسة الاستراحة ، فحملوها على أنها كانت في آخر عمره في سن
قصداً ؛ فلا تكون سنة ! وهذا يقتضي أن لا يكون
الكبر، فهي ليس مما فعلها النبي ◌َلـ
الرفع الذي رواه ثابتاً لا منسوخاً ؛ لكونه آخرَ عُمُرِه عندهم ، فالقول بأنه منسوخ قريب من
لمالك وأصحابه :
التناقض . وقد قال
«صلوا كما رأيتموني أصلي)) .
وبالجملة ؛ فالأقربُ القول باستنان الأمرين ، والرفع أقوى وأكثر)» . اهـ .
قلت : ولحديث ابن مسعود هذا ذهب ابن حزم إلى سُنِّيَّةٍ هذا الرفع المختلف فيه ،
قال (٨٨/٤) :
((ولولاه؛ لكان فرضاً على كل مُصَلٌّ أن يصلي كما كان - عليه الصلاة والسلام -
يصلي ، وكان - عليه الصلاة والسلام - يصلي رافعاً يديه عند كل خفض ورفع ، ولكن لما
صح خبر ابن مسعود ؛ علمنا أن رفع اليدين فيما عدا تكبيرة الإحرام سنة وندب
فقط)) . اهـ .
فجعلَ حديث ابن مسعود صارفاً للأمر في حديث مالك: ((صلوا ... )). من
الوجوب إلى السنية والاستحباب .
هذا ، والذي أعتقده أن أئمتنا الأولين - أبا حنيفة وغيره - لم تبلغهم تلك الأحاديث
: في رفع اليدين في الموضعين المذكورين ، ولو بلغتهم؛ لأخذوا بها ،
المتواترة عنه
وتركوا حديث ابن مسعود ؛ كما تركوا حديث التطبيق للأحاديث المعارضة لذلك . ويؤيد
٦١٥

الركوع
ذلك أن أبا حنيفة رحمه الله لما سأله بعض المحدثين عن سبب تركه رفع اليدين؟ قال :
ـاء». في حكاية ذكرها علماؤنا في
«لأنه لم يصح فیه حدیث عن رسول الله
كتبهم ! فهل يعقل أن يقول عالم مثل أبي حنيفة هذا الجواب في حديث متواتر رواه
عشرون من الصحابة ، وعملوا به؟! كلا ، ثم كلا. ولكن عذره في ذلك أنها لم تبلغه ،
ولم يكن عنده علم بها؛ فجازله أن يقول: لم يصح فيه شيء. وبالتالي جازله ترك
العمل بها .
لكن إذا جاز ذلك لأبي حنيفة وأمثاله من المتقدمين ؛ فلن يجوز ذلك مطلقاً
للمتأخرين من أتباعه الذين اطلعوا على هذه الأحاديث الكثيرة ، وعلموا صحتها ، وأنه
لا ينهض شيء من الأخبار لمعارضتها ، فهم إذا تركوها تعصباً لأبي حنيفة ، وتقلیداً له؛
فهم مع مخالفتهم للسنة الثابتة عنه وليه ، مخالفون أيضاً لإمامهم؛ فإنه رضي الله عنه
لأمثال هؤلاء وجَّه تلك الأقوال المأثورة عنه رضى الله عنه ؛ کقوله:
«إذا صح الحدیث ؛ فهو مذهبي)) . وقوله :
((لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا)» . فإذا كان رضي الله عنه لا
يُحِل لأحد أن يفتي بقوله في مسألة إلا إذا عائم دليله فيها ؛ فكيف يجيز لأحد من
أتباعه أن يفتي فيها وقد علم ضعف ما استند إليه بالنسبة للأدلة الصحيحة الأخرى
- كما في مسألتنا هذه، وغيرها من المسائل الماضية والآتية ؟!
، ونرجو منه تعالى
فنحن نحمد الله سبحانه وتعالى أن وفقا لاتباع سنة نبيه
أن يجزي خير الجزاء الإمام أبا حتيفة وغيره من الأئمة الذين وجهونا هذا الاتجاه الحسن
تحو السنة ؛ بأمثال هذه الأقوال الجوهرية الثمينة .
فثبت بما ذكرنا أن من ترك السنة الثابتة لقول إمام ؛ فهو مخالف له ، وهو غير راض.
عنه . ولذلك خالفه في هذه المسألة غير ما واحد من أتباعه المتقدمين والمتأخرين . وأقدم
٦١٦

الركوع
من وقفنا عليه منهم هو عصام بن يوسف: أبو عِصْمة البلخي، تلميذ أبي يوسف رحمه
الله، المتوفى سنة (٢١٥)؛ فقد أوردوه في تراجم الحنفية، وذكروا أنه كان يرفع يديه عند
الركوع والرفع منه .
وعلّق على ذلك العلامة أبو الحسنات اللتوي في كتابه «الفوائد البهية)»:
(يُعلم منه بطلان رواية مكحول عن أبي حتيفة: ((أن من رفع يديه في الصلاة؛
فست صلاته)) - التي اغتر أمير كاتب الإتقاني بها -؛ فإن عصام بن يوسف كان من
ملازمي أبي يوسف ، وكان يرفع ، فلو كان لتلك الرواية أصل ؛ لعالم بها أبو يوسف
وعصام)) . ثم قال :
«ويُعلم أيضاً أن الحنفيّ لو ترك في مسألة مذهبة إمامه لقوة دليل خلافه؛ لا يخرج
به عن رِئقة التقليد، بل هوعين التقليد في صورة ترك التقليد ... » إلخ كلامه . وقد
ذكرناه بتمامه في (المقدمة)(*) ؛ فراجعه .
وأما المتأخرون؛ فهم كثيرون والحمد لله، لا سيما حنفية الهند؛ فإنهم - بارك الله
فيهم - أكثر المسلمين اليوم علماً وعملاً بالسنة ، وأقلهم تعصباً للمذهب ، إلا ما وافق
الحق منه . فمنهم: أبو الحسن السندي - وقد مضى كلامه في ذلك قريباً -. ومنهم :
ولي الله الدهلوي في ((حجة الله البالغة)) (٢ - ١٠)، وأبو الحسنات اللكنوي في ((التعليق
الْمُمَجَّد على موطأ محمد» (٨٩ - ٩١)، والشيخ محمد أنور الكشميري في كتابه «فيض
الباري)) (٢٥٧/٢) . ولولا خشية الإطالة ؛ لنقلت كلماتهم في ذلك، فاكتفينا بالإشارة
إليها ، وإلى مواضعها من كتبهم. فليراجعها من شاء .
وأقول أيضاً: إنه لم يَخْلُ قرن فيما مضى إلا ووجد فيه كثير من الحنفية يعملون
(*) صفحة (٣٦) .
٦١٧

الركوع
بالسنة وإن خالفت المذهب ، ولكن موانع - يعلمها أهل العلم - منعت من وصول أخبارهم
إلينا ، أو تظاهرهم بها أمام أتباعهم المتعصبين . وقد كان الشيخ صالح الحِمْصي رحمه الله
- وهو من علماء الحنفية - يرى سنية الرفع هذا ، ولكنه كان لا يفعل ذلك خوفاً من قيام
المتعصبين عليه ، كما صارحني بذلك رحمه الله .
ومما يؤيد هذا الرأي أنه وُجد في القرن الثامن من الهجرة بعض الأئمة الحنفية كان
يرفع يديه في كل تكبيرة وهو إمام ، فجاء في فتوى شيخ الإسلام ما ملخصه (٣٧٥/٢ - ٣٨٠) :
مسألة في رجل حنفي ؛ صلى في جماعة ، ورفع يديه في كل تكبيرة ، فأنكر عليه
فقيه الجماعة ، وقال له : هذا لا يجوز في مذهبك ، وأنت مبتدع فيه ، وأنت مذبذب ؛ لا
بإمامك اقتديت ، ولا بمذهبك اهتديت . فهل ما فعله نقصٌ في صلاته، ومخالفةٌ للسنة
ولإمامه ، أم لا؟
فأجاب رحمه الله تعالى بعد أن أثبت سنية الرفع عند الركوع والرفع منه ، ونفى
سنية الرفع مع كل تكبيرة - وتبعه على ذلك تلميذه ابن القيم ، ويأتي بيان خطئهما في
ذلك في محله إن شاء الله تعالى -، قال شيخ الإسلام :
((وإذا كان الرجل متبعاً لأبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد ، ورأى في بعض
المسائل أن مذهب غيره أقوى ، فاتبعه ؛ كان قد أحسن في ذلك ، ولم يقدح ذلك في
ممن يتعصب
دينه ولا عدالته بلا نزاع ؛ بل هذا أولى بالحق وأحب إلى الله ورسوله
، ویری أن قوله هو الصواب الذي ينبغي اتباعه دون قول
لواحد معین غير النبي
الإمام الذي خالفه ، فمن فعل هذا؛ كان جاهلاً ضالاً ، بل قد يكون كافراً ؛ فإنه متی
اعتقد أنه يجب على العامة تقليد فلان وفلان ؛ فهذا لا يقوله مسلم . ومن كان موالياً
للأئمة ، محباً لهم ، يقلد كل واحد منهم فيما يظهر أنه موافق للسنة ؛ فهو محسن في
ذلك ، بل هو أحسن حالاً من غيره ، ولا يقال لمثل هذا: مذبذب ؛ على وجه الذم ، وإنما
٦١٨

الركوع
المذبذب المذموم الذي لا يكون مع المؤمنين ولا مع الكفار؛ بل يأتي المؤمنين بوجه ، ويأتي
الكفار بوجه ؛ كما قال تعالى في حق المنافقين : ﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم
وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً. مُذَبْذَبين بين
ذلك ... ) الآية)). قال :
(«ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين ؛ فهو بمنزلة من تعصب لواحد
بعينه من الصحابة دون الباقين ؛ كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة
وجمهور الصحابة ، وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي رضي الله عنهما. فهذه
طرق أهل البدع والأهواء ، فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه ؛ ففيه شبه من هؤلاء ،
سواء تعصب لمالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم .
ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلاً بقدره في العلم والدين ، وبقدر
الآخرين ؛ فيكون ظالماً جاهلاً ، والله يأمر بالعدل والعلم ، وينهى عن الجهل والظلم .
وهذا أبو يوسف ومحمد أتبع الناس لأبي حنيفة ، وأعلمهم بقوله ، وهما قد خالفاه
في مسائل لا تكاد تحصى ؛ لَمَّا تبين لهما من السنة والحجة ما وجب عليهما اتباعه ،
وهما مع ذلك معظِّمان لإمامهما ، لا يقال فيهما : مذبذبان ! بل أبو حنيفة وغيره من
الأئمة يقول القول ، ثم تتبين له الحجة في خلافه ؛ فيقول بها ، ولا يقال له : مذبذب .
- فإن الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان -؛ بل هذا مهتدٍ زاده الله هدى ، وقد قال
تعالى : ﴿وقل رب زدني علماً﴾ .
فالواجب على كل مؤمن موالاة المؤمنين ، وعلماء المؤمنين ، وأن يقصد الحق ، ويتبعه
حيث وجده ، ويعلم أن من اجتهد منهم فأصاب ؛ فله أجران ، ومن اجتهد منهم فأخطأ ؛
فله أجر لاجتهاده ، وخطؤه مغفور له . وعلى المؤمنين أن يتبعوا إمامهم إذا فعل ما يسوغ،
وليس لأحد أن يتخذ قول بعض العلماء شعاراً يوجب اتباعه ، وينهى عن غيره مما جاءت
٦١٩

الركوع
به السنة» . قال :
هوجمهور المتعصبين لا يعرفون من الكتاب والسنة إلا ما شاء الله ؛ بل يتمسكون
بأحاديث ضعيفة ، أو آراء فاسدة ، أو حكايات عن بعض العلماء والشيوخ، قد تكون
صدقاً ، وقد تكون كذباً ، وإن كانت صدقاً ؛ فليس صاحبها معصوماً . يتمسكون بنقلٍ
غيرٍ مصدَّق عن قائل غير معصوم ، ويَدَعون النقل المصدق عن القائل المعصوم ، وهو ما
نقله الثقات من أهل العلم، ودونوه في الكتب الصحاح عن النبي ◌ُّله؛ فإن الناقلين
لذلك مصدّقون باتفاق أئمة الدين ، والمنقول عنه معصوم ، لا ينطق عن الهوى؛ ﴿إن هو
إلا وحي يوحى)، قد أوجب الله تعالى على جميع الخلق طاعته وأتباعه ؛ قال تعالى:
﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يُحكَّمُوك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً
مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾، وقال: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة
أو یصیبهم عذاب اليم﴾».اهـ.
وقد تعمدت ذكر من ذهب من الحنفية إلى مشروعية الرفع، تنبيهاً للمتعصبين من
مشايخنا وأتباعهم ، وليعلموا أن هناك من علمائنا من يقول بذلك؛ فإن هؤلاء وأمثالهم
في كل عصر كثر؛ لحصرهم العلم والفقه في كتب معلومة ، حتى قال لي بعضهم : إن
علمنا - معشرَ الحنفية - محصور في كتابين فقط لا غير: ((حاشية الطحطاوي على مراقي
الفلاح)) و((حاشية ابن عابدين على الدر ... ))! ولقلة اطلاعهم على غيرها لا تكاد تجد
فيهم من يعرف غير ما فيها؛ كيف لا ، وكثيرون منهم يعدون قراءة كتب الحديث
ومطالعتها تضييعاً للوقت ! بل صارحني بعض المشايخ بقوله: (علم الحديث صنعة
المفاليس) ! فلا حول ولا قوة إلا بالله .
وقد بلغ ببعضهم التعصب في هذه المسألة إلى أن افترى على رسول الله
الكذب ! فذكر أنه قال عليه الصلاة والسلام:
٦٢٠