النص المفهرس
صفحات 361-380
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
حنيفة : أن رفع اليدين عند الركوع وغيره مفسد للصلاة ! وبناءُ بعض مشايخنا عليها
عَدَمَ جواز الاقتداء بالشافعية !
وكلاهما من الأقوال المردودة التي لا يحل ذكرها إلا للقدح فيها؛ وإن ذُكرا في كثير
من الكتب الفقهية لأصحابنا الحنفية ! وقد أوضحت ذلك في رسالتي ((الفوائد البهية
في تراجم الحنفية))؛ فلتطالع ، وليت شعري ! هل يقول عاقل بفساد الصلاة بما ثبت فعله
ـ* وجماعة من أکابر أصحابه؟!
عن النبي
ولو فرضنا أنه لم يثبت؛ لا من النبي {﴾ ولا من أصحابه ، أو ثبت وصار منسوخاً؛
فغايته أن يكون خلاف السنة ، أو مكروهاً تنزيهاً ، أو تحريماً ، وهو لا يستلزم فساد الصلاة
به ، بل لو فرضنا أنه حرام حرمة قطعية ؛ لا يلزم منه فساد الصلاة أيضاً ؛ فليس ارتكاب
كل حرام في الصلاة مفسداً لها ، ما لم يكن منافياً للصلاة ، ومن المعلوم أن قراءة القرآن
في نفسها ليست بمنافية للصلاة ؛ بل الصلاة ليست إلا الذكر والتسبيح والقراءة». قال :
(«فكيف يصح الحكم بفساد الصلاة بها ، وكون ذلك مكروهاً أو حراماً بما لاح من
الدلائل لا يستلزم ذلك؟!
وإني - والله ! - لفي تعجب شديد من صنيع الذين نقلوا هذا القول في كتبهم
ساكتين عليه ، ولم يحكموا بكونه غلطاً مردوداً ، وغاية ما قالوا : إن عدم الفساد أصح .
ولم يحكموا بكونه صحيحاً ، وكون ما يخالفه غلطاً صريحاً ، وغاية ما استدل أصحاب
هذا القول الواهي بعض آثار الصحابة ؛ کأثر :
((من قرأ خلف الإمام؛ فلا صلاة له))(١).
(١) أخرجه ابن حبان في «الضعفاء))، وابن الجوزي من طريقه ، واتهم فيه أحمد بن علي بن
سليمان. كذا في «الدراية)) (٩٥)، وقال البخاري (٦):
((لا يصح).
٣٦١
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
وستعرف أنه مما لا يحتج به ، ولا يستقيم الاستدلال به . وما ذكره السَّرَخْسِي ومن
تبعه: أن فساد الصلاة مذهبُ عدة من الصحابة(١) . يقال له: أي صحابي قال بهذا؟!
. (١) ومثل هذه المبالغة قول صاحب ((الهداية)):
((ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام ، وعليه إجماع الصحابة)). وإن العاقل المنصف ليعجب كل العجب
من مثل هذه العبارات والمبالغات ! فإنها تدل على أحد شيئين :
الأول : التعصب الذي يعمي ويصم .
والثاني : الجهل بكتب الحديث ، وعدم الاشتغال بمطالعتها ، حتى ولو كانت من كتب الحديث
المذهبية ؛ ككتاب ((شرح معاني الآثار)) للطحاوي ؛ فإنه قد ذكر فيه الخلاف بين الصحابة في هذه
المسألة ! ولعل ذلك هو منشأ قول بعض مشايخنا : علم الحديث صنعة المفاليس !
وأيَّ الأمرين كان؛ فهو عظيم بالنسبة لهؤلاء الأئمة الذين هم القدوة لمن بعدهم . ومثل ذلك في
الغرابة قول صاحب ((العناية شرح الهداية)):
((وقوله: ((وعليه إجماع الصحابة)). قيل: فيه نظر؛ لأن منهم من يقول بوجوب قراءة
﴿الفاتحة﴾. وأُجِيبَ بأن المراد به إجماع أكثر الصحابة ؛ فإنه روي عن ثمانين نفراً من كبار الصحابة
منع المقتدي عن القراءة خلف الإمام)» . ثم قال :
((وليس بشيء؛ لأن هذا المقدار ليس أكثر الصحابة . وموضع الغرابة تعيين هذا العدد بما ليس له
مستند؛ فأين النص بذلك؟! ومن الذي اتصل بهذا العدد من الصحابة فأخبروه عن رأيهم في
ذلك؟!)) .
وقد نقل هذا القول أيضاً العيني وغيره . قال أبو الحسنات (١٦٠):
((وهذا وأمثاله، وإن ذكره كبار الفقهاء ؛ لكن أكثرهم ليسوا بمحدثين ، ولم يسندوها بأسانيد معتبرة
في الدين ، ولا عَزَوْها إلى المخرجين المعتبرين؛ فكيف يطمئن به في إثبات أمر من أمور الدين؟!». اهـ.
وفي أمثال هؤلاء الفقهاء قال الشيخ علي القاري في ((موضوعاته)) (ص ٨٥) :
((حديث: ((من قضى صلاة من الفرائض في آخر جمعة من شهر رمضان؛ كان ذلك جابراً لكل
صلاة فاتته في عمره إلى سبعين سنة)). باطل قاطعاً ؛ لأنه مناقض للإجماع، على أن شيئاً من
العبادات لا يقوم مقام فائتة سنوات. ثم لا عبرة بنقل ((النهاية))، ولا بقية شراح ((الهداية))؛ فإنهم
ليسوا من المحدثين ، ولا أسندوا الحديث إلى أحد من المخرّجين)).
٣٦٢
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
وأي مخرج خرج هذا؟! وأي راو روی هذا؟! ومجرد نسبته إلیھم ۔ حاشاهم عنه - من دون
سند مسلسل محتج برواته مما لا يعتد به !
وقريب من هذا القول : قول الحرمة ، ووجوب ترك القراءة ؛ فإنه مجرد دعوى لا بد
من دليل وتعليل ، ولا يختاره - بل ولا يذكره - إلا مثل الكيداني الذي عد الإشارة في
التشهد من المحرمات! وقد رد عليه علي القاري المكي في رسالته: ((تزيين العبارة
بتحسين الإشارة)) ورسالة: ((التزيين بالتدهين)) رداً بليغاً، وحقق ثبوت الإشارة - بل
سنيتها - بالدلائل الواضحات .
وأما القول بالكراهة التحريمية ؛ فهو الذي ذهبت إليه جماعة غفيرة من الحنفية ،
واستدلوا عليها بدلائل سيأتي ذكرها ، مع ما لها وما عليها؛ بحيث يتنبه الجاهل ،
ويَنْشَطُ الفاضل الكامل .
وأحسن هذه الأقوال : هو القول الثالث ، وهو - وإن كان ضعيفاً رواية ؛ لكنه - قوي
دراية - كما ستقف عليه - )) .
ثم ذكر أدلتهم في ذلك (ص ٧٤ - ١٥٩) ، وناقشها ، وبين ما لها وما عليها ، وأقواها
سنداً - بعد الآية الكريمة : ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ حديثُ أبي هريرة
في المنازعة ، ثم حديثه: ((وإذا قرأ؛ فأنصتوا))، ثم هذا الحديث الذي نحن بصدد الكلام
عليه - وقد بينا ونقلنا عنه أيضاً أن كل ذلك لا يدل على المنع من القراءة في السرية ؛ إلا
إن كان فيها تخليط وتشويش -، ثم بقية الأحاديث - وأكثرها ضعيفة الأسانيد ؛ مع أنها
كلَّها لا تدل على الحرام -. ثم قال :
«فظهر أن قول أصحابنا بكفاية قراءة الإمام ، وعدم افتراض القراءة للمأموم في غاية
القوة ، وكذا قولهم بكراهة القراءة مع قراءة الإمام في الجهر؛ بحيث يخل بالاستماع ، أو
بالحرمة ، ووجوب السكوت عند ذلك ، في نهاية الوثاقة)). قال :
٣٦٣
نسخ القراءة وراء الإمام في الجهرية
((فإذن ؛ ظهر حقَّ الظهور أن أقوى المسالك التي سلك عليها أصحابنا هو مسلك
استحسان القراءة في السرية ، كما هو رواية عن محمد بن الحسن ، واختارها جمع من
فقهاء الزمن)) . قال :
((وهذا هو مذهب جماعة من المحدثين - جزاهم الله يوم الدين -، ومن نظر بنظر
الإنصاف ، وغاص في بحار الفقه والأصول ، متجنباً الاعتساف؛ يُسلِّم تسليماً يقينياً أن
أكثر المسائل الفرعية والأصلية التي اختلف العلماء فيها ، فمذهب المحدثين فيها أقوى من
مذاهب غيرهم . وإني كلما أسير في شعب الاختلاف ؛ أجد قول المحدثين فيه قريباً من
حقاً ، ونُوَابُ
الإنصاف ، فلله درهم! وعليه شكرهم! كيف لا، وهم ورثة النبي ثّ
شرعه صدقاً ، حشرنا الله في زمرتهم ، وأماتنا على حبهم وسيرتهم)). اهـ.
*
٣٦٤
وجوب القراءة في السرية
وُجُوبُ القراءةِ في السِّرِّيَّةِ
وأما في السرية ؛ فقد أقرهم على القراءة فيها ، فقال جابر:
((كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بـ: ﴿فاتحة
الكتاب﴾ وسورة، وفي الأخريين بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾))(*).
وإنما أنكر التشويش عليه بها ، وذلك حين ((صلى الظهر بأصحابه ؛ فقال :
((أيُّكم قرأ: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾؟)).
فقال رجل : أنا ، [ولم أُرِدْ بها إلا الخير] . فقال
((قد عرفت أن رجلاً خَالَجَنْها))(١) .
(*) انظر تخريجه (ص٣٦٩).
(١) هو من حديث عمران بن حصين.
أخرجه مسلم (١١/٢ - ١٢)، وأبو عوانة، والبخاري في ((جزئه)) (٩ و١٠ و١١ و٢٢)، وأبو
داود (١٣٢/١)، والنسائي (١٤٦/١)، والدارقطني (١٥٥)، والبيهقي (١٦٢/٢)، والطيالسي
(١١٤)، وأحمد (٢٢٦/٤ و٤٣١ و٤٤١)(*) من طرق عن قتادة عن زرارة بن أوفى عنه .
وصرح قتادة بسماعه من زرارة في رواية لمسلم وغيره ، والزيادة له وللنسائي .
وتابعه خالد الحَذَّاء عن زرارة: عند الإمام أحمد (٤٣٣/٤). وزاد البخاري ، وأبو
داود ، والدارقطني ، وغيرهم :
قال شعبة : فقلت لقتادة : كأنه كرهه؟ فقال : لو كرهه ؛ لنهى عنه .
وهذه الزيادة الصحيحة تدل على بطلان ما زاده الحجاج بن أرطاة عن قتادة في آخر
الحديث بلفظ :
(*) وعزاه الشيخ رحمه الله في ((الصفة)) المطبوع للسراج أيضاً.
٣٦٥
وجوب القراءة في السرية
وفي حديث آخر :
«كانوا يقرؤون خلف النبي
، [فيجهرون به] ، فقال :
((خلطتم عليَّ القرآن))).
فنهاهم عن القراءة خلف الإمام .
أخرجه الدارقطني (١٢٤ و١٥٥)، وكذا البيهقي، وكما بأنها وهم من الحجاج؛
قال الدارقطني :
«وحجاج: لا يحتج به)) .
وللحدیث شواهد :
منها : عن عبد الله بن مسعود قال :
قال النبي ◌َ﴿ لقوم كانوا يقرؤون القرآن ، فيجهرون به :
«خَلَطْتُم عليَّ القرآن».
أخرجه البخاري في ((جزئه)) من طريق النضر قال : أنبأنا يونُس عن أبي إسحاق عن
أبي الأحوص عنه .
وأخرجه أحمد (٤٥١/١) من طريق أبي أحمد الزبيري - وكذا الطحاوي (١٢٨/١) -:
ثنا يونس بن أبي إسحاق به بلفظ :
كانوا يقرؤون خلف النبي تٍَّ ؛ فقال :
((خَلَطْتُم عليَّ القرآن)» .
وذكره بهذا اللفظ الهيثمي في ((المجمع)) (١١٠/٢)، ثم قال :
((رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال ((الصحيح))). يعني: ((صحيح
مسلم)) ؛ فقد احتج بهم جميعاً .
٣٦٦
وجوب القراءة في السرية
وإسناده عندي حسن ؛ إن كان يونس سمعه من أبيه قبل أن يختلط . وابنه يونس : صدوق
يهم قليلاً - كما في ((التقريب)) .. وقد علقه البخاري في ((أفعال العباد)) (٩٤) مجزوماً به .
ومنها : عن أبي هريرة
أن عبدالله بن حُذافة صلى ، فجهر بالقراءة ؛ فقال له رسول الله
((يا ابن حذافة! لا تُسْمِعني، وأسمع الله عز وجل» .
أخرجه البيهقي (١٦٢/٢)، وأحمد (٣٢٦/٢)، وابن نصر (٥٣) عن النعمان بن
راشد عن الزهري عن أبي سلمة بن عبدالرحمن عنه .
وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم ، غير أن النعمان بن راشد فيه ضعف ؛
كما قال النسائي ، وفي ((التقريب)):
«صدوق سيِّئ الحفظ)).
فهو إسناد حسن. وأما قول العراقي - فيما نقله الشوكاني (٥٠/٣) -:
((صحيح)). فغير صحيح . وفي ((المجمع)) :
، فلما انصرفت ؛ قال :
((وعن جَهْرٍ قال: قرأت خلف النبي تَّ
((جهرُ! أَسْمِعْ ربك، ولا تُسْمِعني)) .
رواه الطبراني في «الكبير»، وفيه عبد الله بن جهر: لم أجد من ذكره)) .
ثم ذكره في موضع آخر (٢٦٥/٢) مثل الرواية الأولى ، ثم قال :
((رواه أحمد، والبزار، والطبراني في «الكبير))؛ إلا أنه قال: عن أبي سلمة : أن
عبدالله بن حذافة . ورجال أحمد رجال ((الصحيح))) .
قوله - في حديث عمران -: ((خالجنيها))؛ أي : نازَعَنِيها . وأصل (الخَلْج) : الجذب
٣٦٧
وجوب القراءة في السرية
والنزع - كما في ((النهاية)) .. وقال الخطابي:
((وإنما أنكر عليه محاذاته في قراءة السورة، حتى تداخلت القراءتان وتجاذَبَتا)). وقال
النووي في ((شرح مسلم)) :
«ومعنى هذا الكلام : الإنكار علیه في جهره ، أو رفع صوته ، بحیث أسمع غيره ، لا
عن أصل القراءة ؛ بل فيه أنهم كانوا يقرؤون بالسورة في الصلاة السرية ، وفيه إثبات
قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم .
وهكذا الحكم عندنا ، ولنا وجه شاذ ضعيف: أنه لا يقرأ المأموم السورة في السرية ،
كما لا يقرؤها في الجهرية! وهذا غلط ؛ لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات ، وهنا لا
يسمع؛ فلا معنى لسكوته من غير استماع، ولو كان في الجهرية بعيداً عن الإمام لا
يسمع قراءته ؛ فالأصح أنه يقرأ السورة ؛ لما ذكرناه)) . اهـ.
فثبت من ذلك أنه ◌َه أقرهم على القراءة في هذه الصلاة ، وهي سرية ؛ فدلَّ على
استحباب القراءة في السرية وراء الإمام. وفيها من الفضل قوله {خدام:
((من قرأ حرفاً من كتاب الله ؛ فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول :
﴿الم﴾ حرف، ولکن (ألف) حرف، و(لام) حرف، و(میم) حرف» .
أخرجه الترمذي (١٤٩/٢ - ١٥٠) من طريق أيوب بن موسى قال: سمعت
محمد بن كعب القُرَظي قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول : ... فذكره مرفوعاً . وقال:
((حسن صحيح)) .
قلت : وهو على شرط مسلم . ثم قال :
((ويروى من غير هذا الوجه عن ابن مسعود . ورواه أبو الأحوص عن ابن مسعود ؛
رفعه بعضهم ، ووقفه بعضهم)) .
قلت : رواه من هذا الوجه الدارمي (٤٢٩/٢) من طريق سفيان عن عطاء بن
٣٦٨
وجوب القراءة في السرية
السائب عن أبي الأحوص به موقوفاً .
وإسناده صحيح أيضاً ، ولا يضر كونه موقوفاً ؛ لأنه من طريق غير الطريق الأول ، بل
هو قوة له - كما لا يخفى .. {وهو مخرج في «الصحيحة)) (٦٦٠)}(*).
وهو نص عام يشمل القراءة في الصلاة وخارجها ، وشموله لها من باب أولى .
فليس من المعقول إذن أن تتسنى للمصلي فرصة ينال فيها هذا الفضل العظيم ، ثم
يضيعها ، ويشغل باله بالتفكير بأمور لا تليق بالصلاة وجلالها .
{ وأما حديث: ((من قرأ خلف الإمام؛ مُلىَ فوه ناراً».
فموضوع ، وبيانه في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (٥٦٩)}.
وما يدل على استحباب القراءة في السرية للمقتدي : قول جابر بن عبدالله رضي
الله عنه :
كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾
وسورة ، وفي الأخريين بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ .
أخرجه ابن ماجه (٢٧٨/١). قال السندي :
«في ((الزوائد)) : قال المزي :
موقوف . ثم قال :
هذا إسناد صحيح ، رجاله ثقات .
وقد يقال : الموقوف في هذا الباب حكمه الرفع ، إلا أن يقال : يمكن أنهم أخذوا ذلك
من العمومات الواردة في الباب ؛ فلا تدل قراءتهم على الرفع)). اهـ.
(*) وعزاه الشيخ رحمه الله في ((الصفة)) المطبوع إلى {الحاكم بسند صحيح، ورواه الآجري في
((آداب حملة القرآن)»}، وفي إدراجهما أعلاه تفصيل لا مجال له .
٣٦٩
وجوب القراءة في السرية
وقال :
((إن المصلِّي يناجي ربه؛ فلينظر بما يناجيه به . ولا يجهرْ بعضكم على
بعض بالقرآن (١) (٢)
(١) قال الباجي :
((لأن في ذلك أذى ومنعاً من الإقبال على الصلاة ، وتفريغ السرِّلها، وتَأَمُّلَ ما
یناجي به ربه من القرآن» . قال :
((إذا كان رفع الصوت بقراءة القرآن ممنوعاً حينئذ لأذى المصلين ؛ فبغيره من الحديث
وغيره أولى . قال ابن عبدالبر: وإذا نهي المسلم عن أذى المسلم في عمل البر ، وتلاوة
القرآن؛ فأذاه في غير ذلك أشد تحريماً» .
(٢) هو من حديث البَيّاضي - واسمه: فروة بن عمرو -.
أخرجه مالك (١٠١/١ - ١٠٢)، ومن طريقه البخاري في ((أفعال العباد)) (٩٣)
- وله فيه متابع عن محمد -، وأحمد (٣٤٤/٤) عن يحيى بن سعيد عن محمد بن
إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي حازم التَّمَّار عنه :
خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة؛
أن رسول الله
فقال : ... فذكره .
وهذا إسناد صحيح ، رجاله رجال الشيخين إلى البياضي .
وله شاهد : رواه عبد الرزاق : ثنا مَعْمَر عن إسماعيل بن أمية عن أبي سلمة بن
عبدالرحمن عن أبي سعيد الخدري قال :
اعتكف رسول الله ◌َ في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة ، وهو في قُبّةٍ له ؛
فكشف الستور ، وقال :
٣٧٠
وجوب القراءة في السرية
((ألا إن كلكم مناج ربه ؛ فلا يؤذين بعضكم بعضاً ، ولا يرفعن بعضكم على بعض
بالقراءة». أو قال: ((في الصلاة)).
أخرجه أحمد (٩٤/٣)، وأبو داود (٢٠٩/١).
وهذا أيضاً صحيح على شرط الشيخين .
وقد صحح الحدیثین ابنُ عبدالبر .
وصحح حديث أبي سعيد النوويُ أيضاً في ((المجموع)) (٢٩٢/٣)، والحاكم
(٣١١/١) على شرطهما، ووافقه الذهبي .
وأخرجه أحمد (٦٧/٢ و١٢٩) من طريق محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن
رجل يدعى : (صدوع) - وفي نسخة : (صدقة) - عن ابن عمر به نحوه .
وذكره في («المجمع» (٢٦٥/٢) ؛ فقال :
((رواه أحمد، والبزار، والطبراني في ((الكبير)»، وفيه محمد بن أبي ليلى، وفيه
كلام)» .
قلت: ولم يتفرد به ؛ قال أحمد (٣٦/٢): ثنا إبراهيم بن خالد: ثنا رَبَاح عن مَعْمَر .
عن صَدَقَة المكي به .
وهذا إسناد رجاله ثقات ، إلا أن علة الحديث صدقة هذا؛ فلم أعرفه (*) ، إلا أن
يكون صدقة بن عمرو المكي ؛ قال في «الميزان»:
«روی عن عطاء ، ولم یحدث عنه سوی الوليد بن مسلم)) .
وأورده في «التقريب)» تمييزاً ، وقال :
(*) هو: صدقة بن يسار الجزري؛ كما في ((تهذيب الكمال)) (١٥٥/١٣)، وهو ثقة من رجال
مسلم . انظر ((المشكاة)) (٢٧١/١)، و((صحيح أبي داود)) (٣٥٩/١).
٣٧١
وجوب القراءة في السرية
وكان يقول :
((من قرأ حرفاً من كتاب الله ؛ فله به حسنة ، والحسنة بعشر أمثالها ، لا
أقول: ﴿الم) حرف؛ ولكن: (ألف) حرف ، و(لام) حرف ، و(ميم)
حرف)) (*).
((مجهول من السادسة)).
لكن قد روى عنه معمر وابن أبي ليلى أيضاً ، وهذا يدل أنه غيره ؛ إذا صح كلام
الذهبي فيه . والله أعلم .
وروى أحمد أيضاً (٨٧/١ -٨٨ و٩٦ - ٩٧ و١٠٤)، وكذا أبو يعلى من طريق الحارث
عن علي رضي الله عنه :
أن رسول الله تَ نهى أن يرفع الرجل صوته بالقراءة قبل العشاء وبعدها؛ يغلّط
أصحابه وهم يصلون .
وإسناده ضعيف - كما قال ابن عبدالبر -؛ علته من الحارث هذا - وهو: الأعور -؛
ضعيف - كما في ((المجمع)) ..
(*) انظر تخريجه (ص ٣٦٨).
٣٧٢
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
التَّمِينُ ، وجَهْرُ الإمامِ به
ثم ((كان ﴿﴿ إذا انتهى من قراءة ﴿فاتحة الكتاب) ؛ قال :
(«آمين)). يجهر، ويمد بها صوته))(١)
(١) جاء في ذلك أحاديث :
الأول : عن وائل بن حُجُر ، وله طرق :
١ - عن سفيان الثوري عن سَلَمة بن كُهَيل عن حُجر بن عَنْبَس عنه قال :
كان رسول الله ﴿ إذا قرأ: ﴿ولا الضالين﴾؛ قال:
(«آمين)». ورفع بها صوته .
أخرجه البخاري في ((القراءة)) (٢٠)، وأبو داود (١٤٨/١)، والترمذي (٢٧/٢)،
والدارمي (٢٨٤/١)، والدارقطني (١٢٧)، والبيهقي (٥٧/٢)، وأحمد (٣١٦/٤) من
طرق عن سفيان به . وقال الترمذي وأحمد: و(مدّ) .. بدل: (ورفع) . وهي رواية
للبخاري ، والدارقطني ، والبيهقي . وقال الترمذي:
((حديث حسن)) - وكذا قال الحافظ في ((تخريج أحاديث الكشاف)) (٣) -،
والدارقطني :
(صحيح)). وهو كما قال ؛ فرجاله ثقات رجال الشيخين ، غير حُجر بن العَنْبَس ،
وهو ثقة مشهور - كما قال ابن معين -. وقال الحافظ في ((التلخيص)) (٣٤٨/٣) :
(رواه الترمذي، وأبو داود، والدارقطني، وابن حبان من طريق الثوري به)). قال :
((وسنده صحيح ، وصححه الدارقطني ، وأعله ابن القطان بحجر بن عنبس ، وأنه لا
يُعرف. وأخطأ في ذلك؛ بل هو ثقة معروف - قيل: له صحبة -، ووثقه يحيى بن معين
وغيره)) . ا هـ .
٣٧٣
٩
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
وتابعه العلاء بن صالح الأسدي عن سلمة .
أخرجه الترمذي (٢٩/٢) .
وعلي بن صالح : عند أبي داود ، ولفظه :
فجھر بآمين .
وسنده صحيح .
وخالفهم شعبة عن سلمة ؛ فقال :
خفض بها صوته .
أخرجه الطيالسي (١٣٨)، وأحمد (٣١٦). قال الدارقطني :
«كذا قال شعبة . ويقال : إنه وهم فيه ؛ لأن سفيان الثوري ، ومحمد بن سلمة بن
كُھیل - وغيرهما - رَوَوْه عن سلمة ؛ فقالوا : ورفع صوته بآمين)) .
وهو الصواب . وكذا قال البخاري ، والترمذي ، والبيهقي وغيرهم ؛ أن الصواب : لفظ سفيان
وغيره ، وأن شعبة أخطأ فيه ؛ على أن أبا الوليد الطيالسي رواه عن شعبة بنحو رواية الثوري.
أخرجه البيهقي (٥٨١/٢) بلفظ: قال :
«آمین» . ۔ رافعاً بها صوته ۔۔ فرجع حديثه إلى حديث الثوري ، وهو الأصح - كما
قال الحافظ؛ وسبقه إلى ذلك ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) ([٣٩٦/٢]) ..
٢ - عن أبي إسحاق عن عبدالجبار بن وائل عن أبيه به بلفظ الأول.
أخرجه النسائي (١٤٠/١ و١٤٧)، وابن ماجه (٢٨١/١)، والدارقطني، والبيهقي،
وأحمد (٣١٨/٤) ، وقال :
يجهر . ثم قال الدارقطني :
٣٧٤
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
((هذا إسناد صحيح) .
قلت : کذا قال ! وهو منقطع ؛ فإن عبدالجبار لم يسمع من أبيه - كما سبق ذكره -.
٣ - قال أحمد (٣١٨/٤): ثنا أسود بن عامر: ثنا شَرِيك عن أبي إسحاق عن
علقمة بن وائل عن أبيه قال :
سمعت النبي
يجهر بأمين .
وأخرجه البيهقي .
وإسناده حسن .
الحديث الثاني : عن أبي هريرة ، وله عنه طريقان :
١ - عن بشر بن رافع عن أبي عبدالله ابن عم أبي هريرة عن أبي هريرة قال :
ترك الناس التأمين، وكان رسول الله تَّلهم إذا قال: ﴿غير المغضوب عليهم ولا
الضالين)؛ قال: ((آمين)). حتى يسمعها أهل الصف الأول؛ فيرتج بها المسجد .
أخرجه أبو داود ، وابن ماجه واللفظ له . قال الحافظ أبو زرعة (٢٦٨/٢) :
((وإسناده جيد)). وفيه نظر. قال الحافظ (٣٥٠/٣):
«وبشر بن رافع: ضعيف . وابن عم أبي هريرة : قيل: لا يعرف . وقد وثقه ابن حبان» .
٢ - عن إسحاق بن إبراهيم الزُّبيّدي: أخبرني عمرو بن الحارث: ثنا عبد الله بن
سالم عن الزُّبيدي قال : ثني الزُّهْري عن أبي سَلَمة وسعيد : أنَّ أبا هريرة قال :
كان رسول الله تَ﴿ إذا فرغ من قراءة ﴿أم القرآن﴾؛ رفع صوته فقال: ((آمين)).
أخرجه الدارقطني، والحاكم (٢٢٣/١)، والبيهقي. وقال الدارقطني :
((هذا إسناد حسن)). وأما الحاكم ؛ فقال :
٣٧٥
۔۔
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
(صحيح على شرط الشيخين)). ووافقه الذهبي . فوهما؛ لأن إسحاق بن إبراهيم
هذا لم يخرج له في ((الصحيحين))، وإنما روى له البخاري في ((الأدب المفرد)) خارج
((الصحيح))، ثم هو مختلف فيه ، وفي ((التقريب)):
«صدوق یھم کثیراً)) . فحديثه حسن - كما قال الدارقطني - بالطريق الذي قبله .
ويشهد له ويقويه : الطريق الثالث في :
الحديث الثالث: عن بحر السقاء عن الزهري عن سالم عن ابن عمر:
أن رسول الله ◌َي كان إذا قال: ﴿ولا الضالين﴾؛ قال :
(«أمين» . ورفع بها صوته .
وعن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي
نحوه .
أخرجه الدارقطني ، وقال :
(«بحر السقاء : ضعيف)) .
الحديث الرابع: عن إسماعيل بن مسلم عن أبي إسحاق عن ابن أم الحُصَين عن أمه :
أنها صلّت خلف رسول الله تَّة، فلما قال: ﴿ولا الضالين﴾؛ قال:
(«آمين)». فسمعته وهي في صف النساء .
رواه إسحاق بن راهويه في («مسنده)) - كما في ((نصب الراية)) (٣٧١/١) -،
والطبراني في ((الكبير)) - كما في ((المجمع)) (١١٤/٢) -، وقال :
((وإسماعيل بن مسلم المكي: ضعيف)).
وبالجملة ؛ فهذه الطرق يقوي بعضها بعضاً ، ولو لم يكن في الباب إلا حديث وائل ؛ لكفى .
وفيه مسائل :
الأولى : أنه يشرع التأمين للإمام . وهو مذهب الجمهور من العلماء ، وخالف في
٣٧٦
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
ذلك أبو حنيفة في رواية ؛ فقال :
((يُؤَمِّن مَن خلف الإمام ، ولا يؤمن الإمام)) .
ذكره تلميذه محمد في ((الموطأ» (١٠٣)، ثم خالفه ؛ فقال :
(ينبغي إذا فرغ الإمام من ﴿أم الكتاب﴾ أن يُؤَمّن الإمام ، ويؤمن من خلفه ،
ويجهرون بذلك)» . اهـ .
وقد روي عن مالك مثلُ ما ذكرنا عن أبي حنيفة ، وفي رواية عن مالك :
((لا يُؤَمِّن في الجهرية فقط)). وأحاديث الباب تَرُدُّ عليهما - كما قال الشوكاني
(١٨٦/٢) -، فلا جرم أن أطبقت كتب المتون على مخالفة هذه الرواية عن أبي حنيفة ؛ ففيها :
((ويُؤَمِّن الإمام والمأموم)) .
المسألة الثانية : أن الحديث دليل على أن السنة في حق الإمام أن يرفع صوته
بالتأمين . قال الترمذي :
((وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي :{ 18، والتابعين ، ومن
بعدهم ؛ يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ، ولا يخفيها ، وبه يقول الشافعي ، وأحمد ،
وإسحاق»(١) . اهـ.
(١) قال عبدالله بن أحمد في «مسائله)):
((سألت أبي عن الجهر بأمين؟ فقال: يُسمع من خلفه)». وقال إسحاق بن منصور المروزي في «مسائله)):
(«قال إسحاق بن راهويه: وأما الجهر بآمين ؛ فإنه سنة عن النبي ته ، وأصحابه من بعده؛ وذلك
ليوافق تأمينه تأمين الملائكة ، وهو على الإمام ألزم، وعليه أن يجهر جهراً يُسمع من يليه فقط، وإن زاد
على ذلك حتى يُسمع آخر الصفوف؛ فَحَسنّ أيضاً ، لما ذكر عن النبي ﴿ل أنه قال :
(آمين)). حتى أَسمعَ صف النساء ، وهو خلف الرجال . فلا بد من ذلك أَمَّ أو مأموم ، وإياك أن
ترائي الناس ، أو تدعه استحياء ، أو خوفاً من أن تُنسب إلى مكروه؛ فإن الله لا يستحيي من الحق)).
٣٧٧
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
وخالف في ذلك علماؤنا ؛ فقالوا :
((إنه يسر بالتأمين الإمامُ وغيره)). والحق أنه ليس لهم حجة في ذلك ؛ إلا حديث شعبة :
وخفض بها صوته . وقد علمت أنه خطأ، مخالف لمن هو أحفظ منه وأكثر عدداً ،
ومعارض لجميع الأحاديث التي ذكرناها؛ ولذلك لم يَسع ابنَ الهمام إلا أن قال (٣٠٧):
((ولو كان إليَّ في هذا شيء ؛ لوفّقْتُ بأن رواية الخفض يراد بها: عدم القرع العنيف ،
ورواية الجهر: بمعنى قولها في زير الصوت وذيله)) . ثم استدل على ذلك بحديث أبي هريرة :
فيرتج بها المسجد . قال :
((وارتجاجه : إذا قيل في اليم؛ فإنه الذي يحصل عنه دويٌّ - كما يشاهد في المساجد -؛
بخلاف ما إذا كان يقرع ، وعلى هذا فينبغي أن يقال على هذا الوجه : لا يقرع - كما
يفعله بعضهم - )» . اهـ .
وتأمل ما تحت قوله: ((ولو كان إليَّ في هذا شيء)). من الاحتياط في عدم التصريح
بمخالفة المذهب؛ مما لا نرضاه له ولأمثاله من محققي العلماء ، وقد جهر بالحق من
علمائنا أبو الحسنات اللكنوي ؛ حيث قال :
((والإنصاف أن الجهر قوي من حيث الدليل ، وقد أشار إليه ابن أمير حاج في
((الحلبة))؛ حيث قال :... ) فذكر كلامه . وفيه :
((ورجح مشايخنا ما للمذهب بما لا يعرى عن شيء لمتأمله)). انتهى .
المسألة الثالثة : هل یجھر المؤتمون بها؟ فیه خلاف ؛ فذهب إسحاق ۔ کما سبق - إلى
أنهم يجهرون بها ، وهو مذهب الشافعي القديم؛ كما في ((الفتح)» (٢١٢/٢) وغيره قال:
((وعليه الفتوى . وقال الرافعي : قال الأكثر: في المسألة قولان؛ أصحهما أنه يجهر)) .
قلت : وقال النووي في ((صحيح مسلم)) :
٣٧٨
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
((وهو الصحيح من مذهبنا)). وإليه ذهب ابن القيم في «إعلام الموقعين)) (٧/٣)، وقال:
«قال الربيع : سئل الشافعي عن الإمام : هل يرفع صوته بآمين؟ قال : نعم ، يرفع بها من
خلفه أصواتهم . فقلت : وما الحجة؟ فقال : أنبأنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن عطاء :
كنت أسمع الأئمةَ : ابنَ الزبيرِ ومَنْ بعده يقولون : آمين. ومن خلفهم: آمين . حتى
إن للمسجد لَلجَّة)» .
قلت: هذا الأثر أخرجه البيهقي (٥٩/٢) من طريق الربيع .
ثم أخرج هو وابن حبان في كتاب ((الثقات)) - على ما في ((التعليق المغني)) - من
طريق مطرف عن خالد بن أبي نَوْف(*) - وفي البيهقي: أيوب . وهو تحريف - عن عطاء
قال :
أدركت مئتين من أصحاب النبي ◌ّ في هذا المسجد؛ إذا قال الإمام : ﴿غير
المغضوب عليهم ولا الضالين﴾؛ سمعت لهم رجة بـ (آمين).
ولكن في ثبوت هذين الأثرين نظر :
أما الأول : ففيه علتان :
الأولى : عنعنة ابن جريج ، وهو مدلس .
والثانية : ضعف مسلم بن خالد - وهو: الزنجي المكي الفقيه -؛ وقد ساق له الذهبي
في («الميزان»، والحافظ في ((التهذيب)) أحاديثَ مناكيرَ، ثم قال الذهبي :
«فهذه الأحاديث وأمثالها تُرَدُّ بها قوة الرجل، ويضعف)). وقال الحافظ في ((التقريب)):
((صدوق كثير الأوهام)) .
(*) في أصل الشيخ رحمه الله هنا وفي الصفحة الآتية: ((أنوف)). والصواب ما أثبتناه.
٣٧٩
القراءة / التأمين وجهر الإمام به
وأما الأثر الثاني : فعلته جهالة خالد بن أبي نوف ؛ فإنه لم يرو عنه إلا اثنان :
أحدهما : مطرف هذا - وهو: ابن طريف - ، والآخر: يونس بن أبي إسحاق . فهو في عداد
مجهولي العدالة ، وتوثيق ابن حبان له لا يفيد ؛ لما علم من تساهله في التوثيق . فظهر
من هذا البيان أنهما أثران لا يصلح الاحتجاج بهما ، ولعله من أجل ذلك رجع الشافعي
عن قوله القديم؛ فقال في الجديد: إن المؤتم لا يجهر بآمين. ونصه في ((الأم)) (٦٥/١):
(«فإذا فرغ الإمام من قراءة ﴿أم القرآن﴾؛ قال : آمين . ورفع بها صوته ؛ ليقتدي بها
من خلفه . فإذا قالها ؛ قالوها ، وأسمعوا أنفسهم ، ولا أحب أن يجهروا بها ، فإن فعلوا ؛
. فلا شيء عليهم)) . اهـ.
وبهذا نأخذ إن شاء الله تعالى ؛ لما سبق ، وأيضاً لم يذكر أحد من روى جهره
بالتأمين أن الصحابة كانوا يجهرون بها وراءه ، فلو كانوا يفعلون ذلك ؛ لنقلوه إلينا ، لا
سيما وأن الجهر بها خلاف الأصل. قال تعالى (٥٥/٧): ﴿ادعوا ربكم تضرعاً وخفية
إنه لا يحبُّ المعتدين﴾؛ فلا يجوز الخروج عن هذا الأصل إلا بدليل صحيح .
وقد خرَجنا عنه فيما يتعلق بجهر الإمام ؛ لثبوت ذلك عنه ◌َ الله ، فيبقى ما عداه
على الأصل . وبالله التوفيق .
ثم إني بعد كتابة ما تقدم رأيت ابن حزم قد أخرج الأثر في ((المحلى)) (٣٦٤/٣) إلى
عبدالرزاق عن ابن جريج قال :
قلت لعطاء : أكان ابن الزبير يؤمّن على أثر ﴿أم القرآن﴾؟ قال :
نعم ، ويؤمّن من وراءه حتى إن للمسجد للجة . قال عطاء :
وكان أبو هريرة يدخل المسجد وقد قام الإمام قبله ، فيقول ويناديه :
لا تسبقني بـ (آمين) .
٣٨٠