النص المفهرس
صفحات 301-320
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
((ويقال : إن عبدالرحمن بن إسحاق تابع معمراً ، وعبدالله ربما روى عن الزهري ، ثم
أدخل بينه وبين الزهري غيره، ولا نعلم أن هذا من صحيح حديثه أم لا» .
قلت : وقد وقعت هذه الزيادة عند أبي داود أيضاً ؛ في حديث سفيان عن الزهري .
أخرجه من طريق قتيبة بن سعيد وابن السّرْح قالا : ثنا سفيان به .
وما أدري أهي محفوظة أم لا؟! وأيما كان ؛ فهي زيادة صحيحة ؛ لمجيئها من طرق :
فمنها : عن أبي سعيد الخدري قال :
أمرنا نبينا ا أن نقرأ بـ: ﴿فاتحة الكتاب) ، وما تيسر.
أخرجه البخاري في ((جزئه)) (٣)، وأبو داود (١٣٠/١)، والبيهقي (٦٠/٢)،
وأحمد (٣/٣ و٤٥ و٩٧) من طريق قتادة عن أبي نضرة عنه .
وهذا إسناد صحيح؛ كما قال الحافظ في ((التلخيص)) (٣١٤/٣)، وقال في ((الفتح))
(١٩٣/٢) :
(سنده قوي)). وقال النووي في ((المجموع)) (٣٢٩/٣):
((صحيح على شرط البخاري ومسلم)) .
قلت : بل على شرط مسلم وحده؛ فإن أبا نضرة - واسمه: المنذر بن مالك - إنما
أخرج له البخاري تعليقاً .
ورواه أبو حنيفة في («المسند» (١٣)، وعنه أبو يوسف في ((الآثار)) رقم (٦) من طريق
آخر عن أبي نضرة ، وكذا ابن ماجه (٢٧٧).
ومنها : عن أبي هريرة قال :
أمرني رسول الله فيه أن أنادي :
٣٠١
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
لا صلاة إلا بقراءة ﴿فاتحة الكتاب﴾ ؛ فما زاد .
أخرجه أبو داود أيضاً، وكذا البخاري [في ((جزئه))] (٣ و٩ و١٠ - ١١ و٢٦)،
والحاكم (٢٣٩/١)، والدارقطني (١٢١ و١٢٢)، وأحمد (٤٢٨/٢)، والبيهقي (٣٧/٢
و٥٩) من طرق عن جعفر بن ميمون : ثنا أبو عثمان النَّهْدي عنه به . وقال الحاكم:
((صحيح لا غبار عليه ؛ فإن جعفر بن ميمون العبدي من ثقات البصريين ، ويحيى
ابن سعيد لا يحدث إلا عن الثقات)» . ووافقه الذهبي .
قلت : جعفر هذا: تكلم فيه البخاري ، وأحمد ، وغيرهما ، وفي («التقريب)):
((صدوق يخطئ)) . لكن حديثه هذا يقوى بمتابعة غيره له ؛ فقد أخرجه الطبراني في
(«الأوسط)) - كما في ((نصب الراية)) (٣٦٧/١) - من طريق الحجاج بن أرطاة عن
عبدالكريم عن أبي عثمان به ؛ دون قوله : فما زاد .
والحجاج: مدلس ، وقد عنعنه، وهو في ((مسند أبي حنيفة)) (١٣) عن عطاء بن
أبي رباح عنه به .
هذا ، وأما اللفظ الآخر المذكور في الأصل ؛ فهو رواية للدارقطني من طريق زياد بن
أیوب ۔ أحد الأثبات - عن سفيان . وقال :
«إسناد صحيح)) .
وتابعه على ذلك العباس بن الوليد النّرْسِي ؛ أحد شيوخ البخاري .
أخرجه الإسماعیلی - کما في «الفتح» (١٩٢/٢) -، وصححه ابن القطان - كما في
((التلخيص)» (٣٠٩/٣) -.
وله شاهد من حديث أبي هريرة ، ويأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى [ص ٣١٠].
٣٠٢
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب)؛ فهي خداج، هي
خداج، هي خداج(١)؛
(١) أي : ناقصة ، وقد أكد ذلك بقوله
:
((غير تمام)) . قال ابن عبدالبر :
((والخداج: النقصان والفساد. من ذلك قولهم: أخدجت الناقة وخدجت : إذا
ولدت قبل تمام وقتها ، وقبل تمام الخلق ، وذلك نتاج فاسد)» .
فالحديث دليل على فساد صلاة من لم يقرأ ﴿الفاتحة﴾ ؛ وإنْ قرأ فيها بغيرها من
القرآن . ويدل على ذلك أيضاً الحديث الذي قبله ؛ فإنه نفى الصلاة بترك ﴿الفاتحة﴾ ،
والظاهر أن المراد : نفي كلها لا كمالها؛ لما سيأتي . ثم قال ابن عبدالبر:
((وقد زعم من لم يوجب - أي : يفرض - قراءة ﴿فاتحة الكتاب﴾ في الصلاة أن
قوله : ((خداج)). يدل على جواز الصلاة ؛ لأنه النقصان ، والصلاة الناقصة جائزة .
وهذا تحكم فاسد ، والنظر يوجب أن لا تجوز الصلاة ؛ لأنها صلاة لم تتم ، ومن خرج
من صلاته قبل أن يتمها؛ فعليه إعادتها)). ا هـ من ((الاستذكار))؛ نقلاً من ((التعليق
المجد)» (٩٣).
وقد ذهب إلى فرضية ﴿الفاتحة﴾، وأنه لا يجزئ غيرها: مالك، والشافعي،
وأحمد، وجمهور العلماء؛ من الصحابة والتابعين ومن بعدهم - كما في ((المجموع))
(٣٢٧/٣) -، واحتجوا بهذا الحديث ، وبالحديث الذي قبله ، وقالوا :
إن المراد به : نفي ذات الصلاة أو صحتها ، لا: كمالها ، وأيدوا ذلك باللفظ الآخر :
((لا تجزئ)) . فنفى إجزاءها ؛ وهو المراد .
وخالف في ذلك أبو حنيفة ، ومحمد فقالا بوجوب قراءة ﴿الفاتحة﴾ ؛ لا فرضيتها -
بناءً على اصطلاحهم في التفريق بين الواجب والفرض -، وقالوا بصحة الصلاة بتركها ،
٣٠٣
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
وأجابوا عن الحديث بأن المراد به : نفي الكمال ؛ أي : لا صلاة كاملة .
وأجاب الجمهور بأنه خلاف الحقيقة ، وخلاف الظاهر والسابق إلى الفهم ، وأجابوا
أيضاً عن الحديث الثاني بما ذكرناه عن ابن عبدالبر - وسمعت الجواب عنه -، وقالوا :
إن فرض القراءة التي لا تصح الصلاة إلا بها : ثلاث آيات قصيرات . وفي رواية عن
أبي حنيفة: آية واحدة؛ ولو نحو قوله تعالى: ﴿ثم نظر﴾. واحتجوا على ذلك بقوله :
﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ .
وفي هذا الاستدلال نظر من وجوه :
الأول : أن الآية وردت في قيام الليل ؛ لا في تقدير القراءة - كما هو المتبادر من
سياق الآية -؛ قال تعالى: ﴿إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه
وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤوا ما
تيسر من القرآن ... ) الآية .
ويدل لذلك أيضاً سبب نزولها؛ وهو ما أخرجه مسلم (١٦٨/٢ - ١٦٩)، وابن نصر
(٢ - ٣) وغيرهما في حديث عن سعد بن هشام بن عامر - عن عائشة - قال:
قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن قيام رسول الله ﴿﴿ ؟ فقالت:
ألست تقرأ: ﴿يا أيها المزمل﴾؟ قلت: بلى. قالت:
فإن الله عز وجل افترض قيام الليل في أول هذه السورة ؛ فقام نبي الله
وأصحابه حولاً ، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهراً في السماء حتى أنزل الله في آخر
هذه السورة التخفيف ؛ فصار قيام الليل تطوعاً بعد فريضة ... الحديث.
فعلى هذا؛ فمعنى الآية : فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل ؛ عبر عن الصلاة
بالقراءة، كما عبر عنها بسائر أركانها . قاله الآلوسي الحنفي في ((روح المعاني)).
٣٠٤
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
فالآية من إطلاق الجزء وإرادة الكل ، وهذا منه كثير في نصوص الشرع ؛ كقوله
تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ أي : صلاة الفجر. ثم قال الآلوسي:
((وقيل: الكلام على حقيقته ؛ مِنْ طلب قراءة القرآن بعينها . وفيه بُعْدٌ عن مقتضى
السياق)» . اهـ.
وقال ابن نصر رحمه الله (٦) :
((وقد احتج بعض أصحاب الرأي في إيجاب القراءة في الصلوات المكتوبات (بهذه
الآية) ؛ فأسقطوا فرض قراءة ﴿الفاتحة) متأولين لهذه الآية، فقالوا: إنما عليه أن يقرأ مما
تيسر من القرآن، ولا عليه أن لا يقرأ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾. ثم ناقضوا ؛ فقالوا : لا بد أن
يقرأ بثلاث آيات فصاعداً، أو بأية طويلة نحو: آية الدين ، أو آية الكرسي ، فإن قرأ بأية
قصيرة نحو: ﴿مُدْهَامَّتَان﴾، و﴿لم يلد﴾؛ لم يجز، وليست هذه الآية من القراءة في
الصلوات المكتوبات في شيء ؛ إنما أنزلت الآية - على ما أعلمتك - بقيام الليل ، وإنما
أخذت القراءة في الصلوات المكتوبات عن النبي ◌َّا ؛ كما أخذ عدد الركوع ، والسجود ،
وسائر ما في الصلاة عن النبي عليه السلام، ويقال لهم:
خبرونا عمن لم يتيسر عليه قراءة شيء من القرآن في الصلاة ، ولم يخفّ؛ هل
توجبون عليه أن يتكلف مقدار ما حددتم ؛ من قراءة ثلاث آيات ، أو آية طويلة ؛ وإن ثقل
ذلك عليه ، ولم يتيسر؟! فإن قالوا : نعم . قيل : من أين أوجبتم عليه قراءة ما لم يتيسر
عليه ، وإنما أمره الله بقراءة ما تيسر في زعمكم؟! ويلزمكم أن تجيزوا للمصلي إذا افتتح
الصلاة أن يقول: (ألف) ويركع، ويقول: لم يتيسر علي أكثر من ذلك . فإذا أجازوا
ذلك؛ خالفوا السنة ، وخرجوا من قول أهل العلم)». ا هـ [بتصرف].
قلت: وهذا الإلزام الأخير لهم أن يجيبوا عنه بقولهم : إن قول المصلي: (ألف) .
ليس بقراءة عرفاً ؛ فلا تشمله الآية ، فلا يلزمنا ما ذكرتَ .
٣٠٥
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
وأما الإلزام الذي قبله ؛ فهو إلزام قوي ، لا جواب لهم عليه .
الوجه الثاني : سلمنا - جدلاً - أن الآية واردة في تقدير القراءة - كما زعموا -؛
فمن أين لهم تقدير ذلك بآية ، أو ثلاث آيات؟ فلو عارضهم معارض ، فقدرها بأيتين ، أو
بأربع ، أو بست؛ فبماذا يجيبونه؟ وما الفرق بينه وبينهم؟! والنظر الصحيح يقتضي - بناء
على هذا التسليم - أن المفروض ما تيسر من القراءة ؛ بدون تحديد ، وذلك يختلف
باختلاف المصلين، فمن كان ميسوراً عليه أن يقرأ بسورة (البقرة﴾ - مثلاً -؛ فيفترض
عليه أن يقرأ بها . وهذا مما لا يقولون به .
الوجه الثالث: أن يقال: هَبُّوا أن ما فهمتموه من الآية صحيح ؛ فغاية ما تفيد
فرضيةَ القراءة ، لا ركنيتها ؛ فمن أين لكم القول بركنيتها ، المستلزم لبطلان الصلاة
بتركها؟!
:
فإن قالوا : هو قوله
((لا صلاة إلا بقراءة)) .- أخرجه مسلم (١٠/٢) وغيره من حديث أبي هريرة -.
قلنا : هذا مطلق ، قيده أبو هريرة في أحاديثه الأخرى - وقد مضت -؛ فلا حجة لكم فيه .
ولعله من أجل هذا ذهب بعض علمائنا الحنفية إلى أنها ليست بركن ؛ ومنهم الغزنوي
صاحب «الحاوي القدسي» ۔ کما في «البحر الرائق» (٣٠٨/١ ، ٣٠٩) ۔ ثم نقول - وهو -:
الوجه الرابع : قد تبين مما سلف أنهم قيدوا الآية بآرائهم ، ولم يدعوها مطلقة ،
وإلا ؛ لزمهم ما ذكرنا . فحينئذٍ يقال :
إذا كان ولا بد من تقييدها ؛ فتقييدها بالنص الصحيح الثابت عنه ◌َ﴾ خير من
تقييدها بالرأي المحض . وقولهم : إن ذلك لا يجوز؛ لأنه خبر آحادي ، ولا يجوز الزيادة به
على القرآن . لا يفيدهم شيئاً ؛ لأننا نقول :
٣٠٦
ركنية ﴿الفاتحة) وفضائلها
إن هذا الخبر ليس شيئاً زائداً على القرآن؛ بل هو بيان له ، وقد قال تعالى: ﴿وأنزلنا
إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم﴾ .
ثم إن سلمنا أنه زيادة على القرآن ؛ فما الدليل على أنه لا يجوز الزيادة عليه بالخبر
الصحيح ؟!
وأعتقد أن الحنفية هم أول من خالف هذه القاعدة التي قرروها بأنفسهم ؛ فكم من
أحكام زادت على القرآن ، اعتماداً على الحديث الصحيح ؛ بل وعلى الرأي المحض في
كثير من المواقف ؛ ولا يتسع المقام لضرب الأمثلة على ذلك (*)
ثم إنما ينفعهم قولهم ذلك لو أنهم لم يزيدوا على الآية بآرائهم ، أما وقد فعلوا ؛ فما
أوردوه علينا وارد عليهم من باب أولى - كما لا يخفى -؛ على أنا نقول - وهو -:
الوجه الخامس : إننا لا نُسَلّم أن الحديث أحادي ؛ فقد ذكرنا له طرقاً كثيرة عن
جمع من الصحابة يخرج بها قطعاً من كونه خبراً أحادياً ؛ وإنما قال ذلك الفقهاء ، وإنما
يؤخذ بقولهم فيما هو اختصاصهم من الفقه ، وأما أقوالهم في الحديث ؛ فليست بحجة ،
لاسيما إذا كانوا من الفقهاء الجامدين على الفقه الذين يحتجون بأحاديث ضعيفة ؛ بل
موضوعة - كأغلب فقهاء الحنفية -، ولا سيما إذا كان قولهم مخالفاً لقول بعض أئمة
الحديث ، وعلى الأخص إذا كان هذا أمير المؤمنين في الحديث - وهو الإمام البخاري -؛
فقد نص على أن هذا الحديث متواتر؛ فقال في ((جزء القراءة)) (٤) :
((وتواتر الخبر عن رسول الله ◌َ له: ((لا صلاة إلا بقراءة ﴿أم القران))))).
وحينئذٍ يجوز الزيادة بهذا الخبر على القرآن؛ على قواعد الحنفية أنفسهم .
وقد ذكّرتني بعض هذه القواعد إيراداً آخر يرد عليهم ، وهو :
(*) كتب الشيخ رحمه الله بخطه هنا: ((يراجع ((إعلام الموقعين))).
٣٠٧
ركنية ﴿الفاتحة) وفضائلها
الوجه السادس : جاء في أصول الحنفية أن الفرض : ما ثبت بدليل قطعي الثبوت ،
قطعي الدلالة . فإذا لم يوجد أحد الشرطين ؛ لم يثبت الفرض ، بل يثبت به الواجب
عندهم . والذي يهمنا في هذا المقام انتفاء الشرط الثاني .
ومن الأمثلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَصَلٌّ لربك وانحر﴾. فقد أمر تعالى
بالنحر ، فهو بظاهره يفيد فرضية النحر ، ولكنَّ العلماء المفسرين اختلفوا في هذا النحر؛
فذهب بعضهم إلى أنه نحر مطلق ؛ شكراً لله على ما أعطاه من الخير الكثير، وذهب
آخرون إلى أنه النحر في عيد الأضحى؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَصَلٌ﴾؛ أي: صلاة
العيد . وبهذا قال الحنفية ؛ فأوجبوا النحر في عيد الأضحى ، ولم يقولوا بفرضيته ؛ لهذا
الاختلاف الذي جعل مفهوم الآية ظني الدلالة ، لا قطعيَّها .
وبناء عليه نقول : إن قوله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾. هو ظني الدلالة؛
لما سبق - مع أن الصحيح خلاف ما فهم الحنفية -، فلا يستقيم حينئذ الاحتجاج بها
على فرضية القراءة ؛ بل تدل على وجوبها ، فقد سلمت الآية من التعارض مع الحديث ،
ووجب الأخذ به على ظاهره، وهم لم يأخذوا به ؛ خشية التعارض ، وهو الذي دفعهم
إلى تأويله بأن المراد به: نفي الكمال - كما سبق -. وقد قال أبو الحسن السندي الحنفي
في «حاشيته على ابن ماجه)):
((وأما الكمال ؛ فقد حقّق الكمال(*) ضعفه ؛ لأنه مخالف ، لا يصار إليه إلا بدليل ،
والوجود في كلام الشارع يحمل على الوجود الشرعي ؛ دون الحسي . فمؤدى الحديث
نفي الوجود الشرعي للصلاة ، التي لم يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب) ؛ فتعين نفي
الصحة . وما قاله أصحابنا أنه من حديث الآحاد - وهو ظني ، لا يفيد العلم ؛ وإنما يوجب
الفعل -؛ فلا يلزم منه الافتراض .
(*) هو الكمال ابن الهُمام ، فتنبه .
٣٠٨
ركزية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
ففيه : أنه يكفي في المطلوب أنه يوجب العمل بمدلوله ، لا بشيء آخر ، ومدلوله
عدم صحة صلاة لم يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ ، فوجوب العمل به ؛ يوجب القول
بفساد تلك الصلاة ، وهو المطلوب .
فالحق أن الحديث يفيد بطلان الصلاة إذا لم يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب) . نعم؛
يمكن أن يقال: قراءة الإمام قراءة المقتدي ؛ إذا ترك ﴿الفاتحة)، وقرأها الإمام)) انتهى.
وهذا تحقيق بديع من السندي رحمه الله(١) .
هذا ، وقد ألزم الحنفية مخالفيهم من الجمهور القولَ بفرضية زيادة شيء من القرآن
على ﴿الفاتحة)؛ بدليل الزيادة المتقدمة: ((فصاعداً). فقالوا :
إذا كان الحديث أفاد ركنية ﴿الفاتحة﴾؛ فكذلك هذه الزيادة وما في معناها تفيد
ركنية الزيادة عليها .
وأُجِيبَ بأن هذه الزيادة وردت لدفع توهُم قَصْر الحكم على ﴿الفاتحة﴾ . قال
البخاري في ((جزء القراءة)) (٢) :
(١) والعجب من علمائنا الحنفية ما استجازوا تقييد إطلاق الآية الكريمة بقوله عليه الصلاة والسلام:
((لا صلاة إلا بـ: ﴿فاتحة الكتاب))).
مع أنه متفق على صحته ، بينما خصصوا عمومها بقوله عليه الصلاة والسلام:
«من كان له إمام ؛ فقراءة الإمام له قراءة)) .
مع کونه حديثاً مختلفاً في صحته - كما سيأتي ..
فإن قيل : إنما استجازوا هذا؛ لأن عمومها ظني ؛ بسبب أنه خُصَّ منه البعض ، وهو: (المدرك في
الركوع) إجماعاً .
فالجواب : أن هذا الإجماع غير صحيح ؛ فقد خالف فيه جمع من الشافعية - كما هو مذكور في المطولات -.
ثم على التسليم به ؛ فالإطلاق المفهوم من الآية هو ظني أيضاً؛ غير متفق عليه - كما سبق -؛
فيجوز حينئذٍ تقييده بالظني من السنة ؛ فتأمل .
٣٠٩
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
غير تمام))(١)
((هو نظير قوله: ((تقطع اليد في ربع دينار؛ فصاعداً))). وادعى ابن حبان،
والقرطبي ، وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد عليها. قال الحافظ (١٩٣/٢):
((وفيه نظر ؛ لثبوته عن بعض الصحابة ، ومن بعدهم فيما رواه ابن المنذر وغيره ،
ولعلهم أرادوا أن الأمر استقر على ذلك ، وقد قال أبو هريرة رضي الله عنه :
وإن لم تزد على ﴿أم القرآن﴾؛ أجزأت، وإن زدت؛ فهو خير)) .
أخرجه الشيخان وغيرهما . وهذا موقوف ؛ لكن قال الحافظ (٢٠٠/٢) :
(وله حكم الرفع)) .
قلت : وقد روي مرفوعاً ۔ کما سبق -، ويؤيد ذلك أن أبا هريرة ممن روى هذه الزيادة
- کما سبق ۔ ؛ فهو أدری بمرویه من غيره .
وتأید ذلك بحديث ابن عباس :
: صلى ركعتين ، لم يقرأ فيهما إلا بـ: ﴿فاتحة الكتاب) .
أن رسول الله
أخرجه البيهقي (٦١/٢)، وأحمد (٢٨٢/١)، وكذا ابن خزيمة ، وأبو يعلى،
والطبراني في «الكبير)) من طريق حنظلة السدوسي عنه .
وهو ضعيف ، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين .
(١) هو من حديث أبي هريرة ، وقد ورد عنه من طرق :
الأول : عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب : أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن
زهرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله عنه يقول :... به .
أخرجه مالك (١٠٦/١) عنه، ومن طريقه أخرجه مسلم (٩/٢ - ١٠)، وأبو عَوَانة
(١٢٦/٢)، والبخاري في ((جزء القراءة)) (٨) وفي ((أفعال العباد)) (٧٤) ، وأبو داود
٣١٠
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
(١٣٠/١)، والنسائي (١٤٤/١)، وابن ماجه (٤١٦/٢)، والطحاوي (١٢٧/١)، وكذا
محمد في («موطئه)) (٩٣)، والبيهقي (٣٩/٢)، وأحمد (٤٦٠/٢) ؛ كلهم عن مالك به .
ثم أخرجه البخاري في ((جزئه)) (٨ و٩)، والترمذي (١٥٧/٢ - طبع بولاق) ، وابن
ماجه (٢٧٦/١)، والطيالسي (٣٣٤)، وأحمد (٢٥٠/٢ و٢٨٥ و٤٨٧) من طرق أخرى
عن العلاء به .
وللعلاء شیخ آخر فیه ، وهو :
الطريق الثاني: أخرجه مسلم، والبخاري (٣ و٨ و٩ و٢٢)، والشافعي (٩٣)،
والطحاوي، {وأبو عوانة [١٢٧/٢]}، والبيهقي، وأحمد (٤٥٧/٢ و٤٧٨) من طرق عنه
عن أبيه عن أبي هريرة به .
هذا ، وأخرجه ابن خزيمة في ((صحيحه)) ، وعنه ابن حبان في ((صحيحه)) عن وهب
ابن جرير : ثنا شعبة عن العلاء به بلفظ :
((لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بـ: ﴿فاتحة الكتاب))).
وإسناده صحيح - كما قال النووي (٣٢٩/٣) -؛ لكن قال ابن حبان :
((لم يقل في خبر العلاء هذا: ((لا يجزئ)). إلا شعبة، ولا عنه إلا وهب بن جرير)).
قلت : هو عند البخاري ، والطحاوي ، وأحمد من طرق عن شعبة بلفظ الجماعة ؛ بل
رواه الطحاوي عن وهب وسعيد بن عامر قالا : ثنا شعبة به مثله . اهـ.
فلم يسق لفظه ، وإنما أحال على حديث مالك .
فهذا اللفظ شاذ .
ثم أخرجه مسلم ، {وأبو عوانة [١٢٧/٢]}، والترمذي، والبيهقي من طريق أبي
أُويس : أخبرني العلاء قال : سمعت من أبي ، ومن أبي السائب - وكانا جليسَيْ أبي
٣١١
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
هريرة - قالا : قال أبو هريرة : ... به .
الطريق الثالث : أخرجه البخاري (٩) ، وأحمد (٢٩٠/٢) عن محمد بن عمرو عن
عبدالملك بن المغيرة بن نوفل عنه .
وهذا إسناد جید .
الطريق الرابع : بلفظ غريب عن محمد بن عبدالله بن عبيد بن عُمَير عن عطاء عنه
مرفوعاً :
((من صلى صلاة مكتوبة وراء الإمام؛ فليقرأ بـ: ﴿فاتحة الكتاب) في سكتاته ،
ومن انتهى إلى ﴿أم القرآن﴾ ؛ فقد أجزأه)).
أخرجه الحاكم (٢٣٨/١)، والدارقطني (١٢٠)، وضعفه بقوله :
«محمد بن عبدالله بن عبيد : ضعيف)) .
ثم إن للحديث شواهد من حديث عبد الله بن عمرو ، وعائشة ، وجابر .
١ - أما حديث ابن عمرو: فأخرجه البخاري (٣) ، وابن ماجه (٢٧٨/١) ، وأحمد
(٢٠٤/٢ و٢١٥) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
وسنده حسن .
وأخرجه الدارقطني (١٢١) من طريق محمد بن عبدالله بن عبيد بن عمير عن
عمرو بن شعيب به بلفظ :
((من صلى صلاة مكتوبة أو تطوعاً؛ فليقرأ فيها بـ: ﴿أم الكتاب﴾، وسورة معها ،
فإن انتھی إلی ﴿أم الكتاب﴾ ؛ فقد أُجزئ ، ومن صلی صلاة مع إمام یجھر؛ فليقرأ بـ:
﴿فاتحة الكتاب﴾ في بعض سكتاته؛ فإن لم يفعل؛ فصلاته خداج؛ غير تمام)). قال
الدارقطني أيضاً :
٠
٣١٢
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
(«محمد هذا : ضعيف)).
٢ - وأما حديث عائشة: فأخرجه البخاري (٣ و٧)، وابن ماجه (٢٧٧/١)،
والطحاوي (١٢٧/١)، وأحمد (٢٧٥/٦) عن محمد بن إسحاق قال : ثني يحيى بن
عباد بن عبدالله بن الزبير عن أبيه عنها .
وإسناده حسن أيضاً .
ورواه الطبراني في ((الصغير)) (ص٥١) من طريق أخرى عنها .
وفيه ابن لهيعة .
٣ - وأما حديث جابر: فأخرجه الدارقطني (١٢٤) عن يحيى بن سلام: ثنا مالك
ابن أنس : ثنا وَهْب بن كيسان عنه بلفظ :
((كل صلاة لا يقرأ فيها بـ: ﴿أم الكتاب﴾؛ فهي خداج ، إلا أن يكون وراء إمام)). وقال :
(يحيى بن سلام: ضعيف . والصواب: موقوف)).
قلت: كذلك رواه في ((الموطأ)) (١٠٥/١) موقوفاً، ومن طريقه رواه البيهقي
(١٦٠/١)، ثم قال :
«هذا هو الصحيح عن جابر من قوله ؛ غیر مرفوع ، وقد رفعه یحیی بن سلام وغيره
من الضعفاء عن مالك ، وذاك مما لا يحل روايته على طريق الاحتجاج به)) . وتعقبه ابن
التركماني بقوله :
((قلت: ذكر البيهقي في ((الخلافيات)): أنه رُوي عن إسماعيل بن موسى السُّدِّي
أيضاً عن مالك مرفوعاً .
وإسماعيل : صدوق . وقال النسائي : ليس به بأس . وقال ابن عدي : احتمله الناس
ورووا عنه ، وإنما أنكروا عليه الغلو والتشيع)». اهـ.
٣١٣
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
ويقول: «قال الله تبارك وتعالى: قسمت الصلاة (١) بيني وبين عبدي
نصفين : فنصفها لي ، ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل» . وقال رسول
:
اللّه صَلَ اله
((اقرؤوا: يقول العبد: ﴿الحمدُ لله ربِّ العالمين)؛ يقول الله تعالى:
حمدني عبدي. ويقول العبد: ﴿الرحمن الرحيم﴾؛ يقول الله تعالى :
أثنى عليَّ عبدي . ويقول العبد : ﴿مالك يوم الدين﴾؛ يقول الله تعالى:
(١) أي: ﴿الفاتحة﴾، وهو من إطلاق الكل، وإرادة الجزء؛ { تعظيماً}، قال في
«شرح مسلم)) :
(«قال العلماء: المراد بالصلاة هنا: ﴿الفاتحة)، سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها
- كقوله : ((الحج عرفة)) -؛ ففيه دليل على وجوبها بعينها في الصلاة؛ قال العلماء:
والمراد قسمتها من جهة المعنى؛ لأن نصفها الأول : تحميد الله تعالى ، وتمجيد ، وثناء عليه
وتفويض إليه ، والنصف الثاني : سؤال ، وتضرع ، وافتقار.
واحتج القائلون بأن البسملة ليست من ﴿الفاتحة ﴾ بهذا الحديث ، وهو من أوضح ما
احتجوا به ؛ قالوا: لأنها سبع آيات بالإجماع: فثلاثٌ - في أولها -: ثناءٌ؛ أولها :
﴿الحمد لله﴾، وثلاثَ: دعاءً؛ أولها: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾، والسابعة:
متوسطة ؛ وهي: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾. قالوا: ولأنه سبحانه وتعالى قال :
((قسمت الصلاة بيني، وبين عبدي نصفين: فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب
العالمين﴾ ... )). فلم يذكر البسملة، ولو كانت منها؛ لذكرها)). اهـ.
ثم ذكر النووي جواب الشافعية عن الحديث بما لا يُقْنع ، وقد ذكرها الشوكاني
(١٧٤/٢) ، ثم قال :
((ولا يخفى أن هذه الأجوبة؛ منها ما هو غير نافع، ومنها ما هو ضعيف)).
٣١٤
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
وقد ذكر الزيلعي في ((نصب الراية)) أقوال العلماء في البسملة؛ فقال (٣٢٧/١):
(«والمذاهب في كونها من القرآن ثلاثة : طرفان ، ووسط :
فالطرف الأول : قول من يقول : إنها ليست من القرآن إلا في سورة ﴿النمل) ؛
كما قال مالك ، وطائفة من الحنفية ، وقاله بعض أصحاب أحمد ؛ مدعياً أنه مذهبه ،
ناقلاً لذلك عنه .
والطرف الثاني : قول من يقول : إنها آية من كل سورة ، أو بعض آية ؛ كما هو
المشهور عن الشافعي ، ومن وافقه .
والقول الوسط ؛ أنها من القرآن حيث كتبت ، وأنها مع ذلك ليست من السور ؛ بل كتبت
آية في كل سورة ، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة؛ كما تلاها النبي تُ﴾ حين
أنزلت عليه: ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾. رواه مسلم من حديث المختار بن فُلفُل عن أنس:
أنه عليه الصلاة والسلام أغفا إغفاءة ، ثم استيقظ ، فقال :
((نزلت عليَّ سورة آنفاً ثم قرأ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم . إنا أعطيناك
الكوثر ... ))) إلى آخرها .
وهذا قول ابن المبارك ، وداود ، وأتباعه ، وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل ، وبه
قال جماعة من الحنفية ، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة .
وهذا قول المحققين من أهل العلم ؛ فإن في هذا القول الجمعَ بين الأدلة ، وكتابتها
سطراً مفصولاً عن السورة یؤید ذلك ، وعن ابن عباس :
كان النبي ◌ّ لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه: ﴿بسم الله الرحمن
الرحيم﴾ . وفي رواية : لا يعرف انقضاء السورة .
رواه أبو داود والحاكم ، وقال :
٣١٥
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
((صحيح على شرط الشيخين))) اهـ. مختصراً .
وحديث ابن عباس هذا في ((السنن)) (١٢٦/١)، و((المستدرك)) (٢٣١/١) من طريق
سفيان عن عمرو عن سعيد بن جبير عنه باللفظ الأول ؛ إلا أن الحاكم قال :
ختم .. بدل : فصل .
وهذا سند صحيح على شرطه ؛ كما قال الحاكم . وأقره الذهبي .
ثم أخرجه الحاكم، ومن طريقه البيهقي (٤٣/٢) عن الوليد بن مسلم: ثنا ابن
جريج : ثنا عمرو به بلفظ :
كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ .
فإذا نزلت ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ؛ علموا أن السورة انقضت .
ولم يذكر في روايته سعيد بن جبير في الإسناد ، ثم قال :
((صحيح على شرطهما)) . وهو كما قال .
ثم رواه بلفظ ثالث ؛ لكن فيه ضعف .
وهذا القول - وهو كونها من القرآن آية مستقلة ، وليست من ﴿الفاتحة﴾ (*) - هو
الذي ينبغي أن يأخذ به المسلم؛ لإجماع الصحابة رضي الله عنهم على إثباتها في
المصاحف جميعاً في أوائل السور - سوى ﴿براءة﴾ - بخط المصحف؛ بخلاف الأعشار،
وتراجم السور؛ فإن العادة كتابتها بحمرة ، ونحوها . قال النووي (٣٣٦/٣) :
(«فلو لم تكن قرآناً ؛ لما استجازوا إثباتها بخط المصحف من غير تمييز؛ لأن ذلك
يحمل على اعتقاد أنها قرآن؛ فيكونون مُغَرِّرين بالمسلمين ، حاملين لهم على اعتقاد ما
(*) ثم صرح الشيخ رحمه الله بكونها من ﴿الفاتحة﴾ لكن لا يجهر بها في الصلاة، في
*)) (ص١٥/ط١ - المعارف). وانظر ((الصحيحة)) (١١٨٣).
((تلخيص صفة صلاة النبي
٣١٦
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
مَجَّدَني (١) عبدي. يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نستَعِينُ﴾؛ [قال]: فهذه
بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. يقول العبد: ﴿اهْدنا الصِّراطَ
الْمُسْتَقِيمَ. صراطَ الذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوبِ عليهِمْ ولا الضَّالِّين﴾؛
[قال]: فهؤلاء(٢) لعبدي، ولعبدي ما سأل))(٣).
ليس بقرآن قرآناً ؛ فهذا مما لا يجوز اعتقاده في الصحابة رضي الله عنهم . قال أصحابنا :
هذا أقوى أدلتنا في إثباتها)) .
قلت: وهو كما قالوا ، ولكنه لا يدل على ما ذهبوا إليه من كونها آية من ﴿الفاتحة ﴾
- كما لا يخفى -، وقد بسط القول في هذا الموضوع العلامة أحمد محمد شاكر في
تعليقه على ((الترمذي)) بتحقيق وإنصاف. فراجعه (١٩/٢ - ٢٥)؛ فإنه مهم.
(١) أي : عظمني .
(٢) فيه دليل على أن: ﴿اهدنا﴾، وما بعده ، إلى آخر السورة: ثلاث آيات ، لا
آيتان. وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من ﴿الفاتحة﴾ أم لا ؛ فمذهب
الشافعية وغيرهم أنها آية من ﴿الفاتحة﴾ - كما سبق -، و: ﴿اهدنا﴾، وما بعده:
آيتان . ومذهب مالك وغيره - ممن يقول أنها ليست من ﴿الفاتحة ﴾ - يقول : ﴿اهدنا﴾ وما
بعده : ثلاث آيات ؛ بدليل هذه الرواية . واحتج الأولون برواية مسلم :
((هذا لعبدي)) . وقد عرفت الحق في ذلك مما ذكرنا قريباً .
(٣) هو من تمام حديث أبي هريرة الذي قبله (١) [ص٣١٠]، وقد تقدم تخريجه ،
وبيان طرقه ، وهذه التتمة إنما جاءت من الطريقين الأولين عند الشيخين وغيرهما ،
والسياق للإمام مالك ، والزيادتان من مسلم وغيره .
(١) {وله شاهد من حديث جابر: عند السهمي في ((تاريخ جرجان)) (١٤٤)}.
٣١٧
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
وكان ◌َرُ يقول :
((ما أنزل الله عز وجل في التوراة ، ولا في الإنجيل مثل ﴿أم القرآن﴾؛
وهي السبع المثاني [والقرآن العظيم الذي أوتيته](١)(٢).
(١) قال الباجي :
((يريد قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم﴾. وسميت
السبع؛ لأنها سبع آيات . والمثاني ؛ لأنها تثنى في كل ركعة {أي: تعاد}. وإنما قيل
لها: (القرآن العظيم) على معنى التخصيص لها بهذا الاسم ، وإن كان كل شيء من
القرآن قرآناً عظيماً؛ كما يقال في الكعبة : (بيت الله) ، وإن كانت البيوت كلها لله ،
ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم له)). اهـ.
والحديث نص صريح في بيان المراد من الآية ، وهو ﴿الفاتحة﴾ ؛ فلا يلتفت بعد
ذلك إلى ما يخالفه من الأقوال مهما كان شأن قائله .
(٢) أخرجه النسائي (١٤٦/١)، والترمذي (١٩١/٢ - طبع بولاق)، وأحمد
(١١٤/٥) من طريق عبدالحميد بن جعفر عن العلاء بن عبدالرحمن بن يعقوب عن
أبيه عن أبي هريرة عن أبي بن كعب به مرفوعاً .
ثم أخرجه أحمد، وكذا الحاكم (٥٥٧/١ و٢٥٧/٢ - ٢٥٨ و٣٥٤) بهذا الإسناد
مطولاً بلفظ: قال: قال رسول الله عز له :
((ألا أعلمك سورة ما أنزل الله في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في
القرآن مثلها؟)) . قلت : بلى . قال :
((فإني أرجو أن لا أخرج من ذلك الباب حتى تعلمها)). ثم قام رسول الله تخليه،
فقمت معه ، فأخذ بيدي ، فجعل يحدثني حتى بلغ قرب الباب ، قال : فذكَّرته ؛ فقلت :
يا رسول الله ! السورة التي قلت لي؟ قال :
٣١٨
٠٠٠
ركنية ﴿الفاتحة) وفضائلها
(«فكيف تقرأ إذا قمت تصلي؟)) فقرأتُ بـ: ﴿فاتحة الكتاب﴾ . قال:
((هي هي، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم؛ الذي أوتيت بعد)). وقال الحاكم:
((صحيح على شرط مسلم)) . ووافقه الذهبي . وهو كما قالا . لكن اختلف فيه على
العلاء بن عبدالرحمن ؛ فرواه عنه عبدالحميد بن جعفر هكذا .
ورواه عبدالعزيز بن محمد : عند الترمذي .
ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني: عند البيهقي (٣٧٥/٢ - ٣٧٦).
وعبدالرحمن بن إبراهيم: عند أحمد (٤١٢/٢ - ٤١٣).
والنسائي من طريق روح بن القاسم.
وابن خزيمة من طريق حفص بن ميسرة - على ما في ((الفتح)) (١٢٨/٨) -؛ رووه
خمستهم عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة :
خرج على أبي بن كعب ... فذكره نحوه .
أن النبي
وكذا رواه إسماعيل بن جعفر: عند أحمد (٣٥٧/٢)، والطحاوي في ((المشكل))
(٧٨/٢) .
وكذا جهضم بن عبدالله : عنده .
ورجح الترمذي هذه الرواية ؛ فقال :
((وهذا أصح من حديث عبدالحميد بن جعفر، هكذا روى غير واحد عن العلاء بن
عبدالرحمن)) .
ورواه شعبة عن العلاء عن أبيه عن أبي بن كعب به مختصراً .
أخرجه الحاكم (٥٥٨/١).
٣١٩
ركنية ﴿الفاتحة﴾ وفضائلها
وخالف مالك ؛ فرواه عن العلاء: أن أبا سعيد مولى عامر بن كريز أخبره:
أن رسول الله ◌َ ◌ّه نادى أبي بن كعب ... الحديث .
ومن طريقه أخرجه الحاكم (٥٥٧/١ ٥٥٨/٢). وقال البيهقي (٣٧٦/٢):
((مرسل)) . يعني : منقطع بين أبي سعيد وأبي.
وزعم السيوطي في ((تنوير الحوالك)» أنه موصول ؛ فقد ذكر أن أبا سعيد سمعه من
أبي بن كعب ؛ قال :
((وصله من طريقه عنه الحاكم)) .
قلت : ولم أجده عند الحاكم موصولاً ، وإنما رواه في موضعين من طريق مالك مرسلاً
- كما تراه .. والله أعلم .
وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة .
فأخرجه الحاكم (٥٥٨/١) من طريق محمد بن إسحاق عن عبدالله بن أبي بكر عن
أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة :
نادی أبي بن كعب ... الحديث .
أن النبي
وإسناده حسن ، لولا عنعنة ابن إسحاق . قال الحافظ :
«وهو مما يقوي ما رجحه الترمذي)) .
قلت : والغريب أن الحاكم ساقه شاهداً في سماع أبي هريرة هذا الحديث من أبي
ابن كعب ! وإنما هو شاهد في سماعه إياه منه
وأخرجه البخاري (٣٠٧/٨) وفي («جزء القراءة)) (١٤)، وأبو داود (٢٣٠/١)،
والترمذي أيضاً ، والطحاوي ، والبيهقي ، وأحمد (٤٤٨/٢) عن ابن أبي ذئب : ثنا سعيد
المقبري عن أبي هريرة مختصراً مرفوعاً بلفظ :
٣٢٠