النص المفهرس
صفحات 141-160
السترة ووجوبها / الصلاة تجاه القبر
على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها (١)(٢).
وما رواه عقبة بن عامر مرفوعاً :
((لأن أمشي على جمرة، أو سيف، أو أَخْصِفَ نعلي برِجْلي؛ أحب إليَّ من أن
أمشي على قبر مسلم ، وما أبالي أَوَسَطَ القبور قضيت حاجتي ، أو وسط السوق!)) .
أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح .
وقد أغرب بعض الأئمة ؛ فَأَوَّلَ الجلوس على القبر بالجلوس لغائط أو بول ! وهو
تأويل ضعيف أو باطل - كما قال النووي -، وقد بين بطلان ذلك ابن حزم في
((المحلى)) (١٣٦/٥) من وجوه؛ فراجعها فيه. وقال الشافعي في ((الأم)) (٢٤٦):
((وأكرهُ وطْءَ القبر والجلوس والاتكاء عليه ، إلا أن لا يجد الرجلُ السبيل إلى قبر
ميِّتِه إلا بأن يطأه ؛ فذلك ضرورة ، فأرجو حينئذ أن يسعه إن شاء الله)).
قلت : إن كان القصد من الوصول إلى قبر الميت لأجل الزيارة فقط ؛ فليس ذلك
بضرورة يُستحل بها ما تقدم من الوعيد الشديد ؛ لأن الزيارة تتحقق من بعيد ، وليس من
شرطها الوصول إلى القبر نفسه ؛ ولذلك قال أبو حنيفة رحمه الله :
(«لا يوطأ القبر إلا لضرورة ، ويزار من بعيد ، ولا يَقْعُد ، وإن فعل ؛ يكره)).
كذا في ((رد المحتار)) (٨٤٦/١) نقلاً عن ((خزانة الفتاوى)).
وظاهر قوله : ((يكره)): أنه كراهة تحريم؛ لأنها المراد عند الإطلاق ، وهو الموافق لما سبق
من الأحاديث . والله أعلم . وللبحث تتمة ؛ يراجع في ((التعليقات الجياد)).
(١) أي: مستقبلين إليها . لما فيه من التعظيم البالغ؛ لأنه من مرتبة المعبود، فجمع
بين النهي عن الاستخفاف بالتعظيم، والتعظيم البليغ. كذا في ((الفيض)» للمناوي . ثم
قال في موضع آخر :
١٤١
السترة ووجوبها / الصلاة تجاه القبر
«فإن ذلك مكروه . فإن قصد إنسان التبرك بالصلاة في تلك البقعة ؛ فقد ابتدع في
الدين ما لم يأذن به الله ، والمراد كراهة التنزيه)) . قال النووي :
((كذا قال أصحابنا . ولو قيل بتحريمه - لظاهره - لم يبعد ، ويؤخذ من الحديث النهي
عن الصلاة في المقبرة؛ فهي مكروهة كراهة تحريم)). ١ هـ. وفي ((الأم)) (٢٤٦/١) :
((وأكره أن يُبنى على القبر مسجد ، وأن يُسَوِّى ، أو يصلى عليه وهو غير مسوى ، أو
يصلى إليه)). قال :
((وإن صلى إليه ؛ أجزأه، وقد أساء، أخبرنا مالك: أن رسول الله نَّه قال:
((قاتل الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)))) . قال :
((وأكره هذا السُّنة والآثار، وأنه كره - والله تعالى أعلم - أن يعظم أحد من المسلمين
- يعني : يتخذ - قبره مسجداً، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعد)).
انتهى .
والحديث الذي ذكره عن مالك مُعضَلاً حديث صحيح جداً؛ جاء في
(«الصحيحين)) وغيرهما عن جمع من الصحابة ؛ منهم : عائشة ، وابن عباس ، وأبو
هريرة ، وزيد بن ثابت ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وأسامة بن زيد .
وفي الباب عن : عائشة أيضاً ، وجندب بن عبد الله البجلي ، وابن مسعود ، وأبي
سعيد الخدري ، وعطاء بن يسار مرسلاً .
وقد خرجتُ أحاديثهم ، وسقت ألفاظهم في ((التعليقات الجياد)» ، وبينت فيه ما
يستفاد منها من المسائل المهمة التي غفل عنها أكثر المسلمين ؛ فوقعوا في الغلو في
الأولياء والصالحين ، وتعظيمهم تعظيماً خارجاً عن حدود الشرع والدين ، وقد قال ابن
حجر الهيتمي الفقيه في ((الزواجر عن اقتراف الكبائر)) (ص١٢١) :
١٤٢
السترة ووجوبها / الصلاة تجاه القبر
((قال بعض الحنابلة : قَصْدُ الرجل الصلاةَ عند القبر متبركاً بها عَيْنُ المحاداة لله
ولرسوله ، وإبداع دين لم يأذن به الله؛ للنهي عنها ، ثم إجماعاً؛ فإن أعظم المحرمات
وأسباب الشرك الصلاة عندها ، واتخاذها مساجد ، أو بناؤها عليها . والقول بالكراهة
لَعْنُ فاعِلِهِ ،
محمول على غير ذلك؛ إذ لا يُظَنُّ بالعلماء تجويزُ فعلٍ تواتر عن النبي
ويجب المبادرة لهدمها ، وهدم القباب التي على القبور، إذ هي أضر من مسجد الضرار؛
لأنها أُسست على معصية رسول الله عَ ليه؛ لأنه نهى عن ذلك، وأمر ◌َ ه بهدم القبور
المشرفة ، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره)). انتهى ما في
(الزواجر)).
فأفاد كلام المناوي والحنبلي أن قصد الصلاة إلى القبر وعنده محرم ، وأنه تشريع لم
يأذن به الله ، ومع ذلك ترى كثيراً من الناس - حتى بعض المشايخ - يقصدون مقامات
الأولياء والصالحين للصلاة عندها ، والتبرك بها ، وإذا قيل لهم في ذلك ؛ قالوا : إنما
الأعمال بالنيات ، ونياتنا طيبة ، وعقائدنا سليمة ! ولئن صدقوا في ذلك ؛ فما هو
بمنجيهم من المؤاخذة عند الشارع الحكيم ؛ لأنه إنما بنى الأحكام على الظواهر ، والله
يتولى السرائر .
ولقد أنكر رسول الله زه على من خاطبه بقوله : ما شاء الله وشئت يا رسول الله !
فقال عليه الصلاة والسلام :
«جعلتني لله نداً ؟! قل : ما شاء الله وحده)) .
ولقد كان رسول الله تم يعلم أن ذلك الرجل ما قصد أن يجعله شريكاً مع الله ، وهو
- رضي الله عنه - ما آمن به ◌َّهم إلا فراراً من الشرك؛ فكيف يجعله شريكاً لله؟!
كان تٍَّ يعلم ذلك منه، وإنما أنكر عليه ما سمعه من لسانه حتى يُقَوِّمَهُ مرة؛ فلا يتكلم
مرة أخرى بما يوهم الشرك والضلال .
١٤٣
السترة ووجوبها / الصلاة تجاه القبر
فمالٍ لهؤلاء الناس يأتون أعمالاً منكرة ، ظاهرها شرك وضلال ، ثم يبررون ذلك
بقصدهم الحسن في زعمهم؟! والله يعلم أن كثيراً من هؤلاء قد فسدت عقائدهم ،
وداخَلَها الشرك من حيث يشعرون أو لا يشعرون ؛ ذلك جزاؤهم بما كسبوا ، وجعلوا
أحاديثه عليه الصلاة والسلام وراءهم ظهرياً .
(٢) هو حديث صحيح. أخرجه مسلم (٦٢/٣)، وأبو داود (٧١/١)، والنسائي
(١٢٤/١)، والترمذي (١٩٥/١ - طبع بولاق)، {وابن خزيمة (٢/٩٥/١) = [٧٩٤/٨/٢]}،
والطحاوي (٢٩٦/١)، والبيهقي (٤٣٥)، وأحمد (١٣٥/٤) من حديث أبي مَرْئَد
الغَنَوي مرفوعاً به . ولفظ النسائي ، والطحاوي :
((لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها)). وهو رواية لمسلم ، وأحمد .
وله شاهد من حديث ابن عباس :
أخرجه المقدسي من طريق الطبراني بسنده عن عبدالله بن كيسان عن عكرمة عنه
بلفظ :
((لا تصلوا إلى قبر، ولا تصلوا على قبر)) . قال المقدسي:
((وعبد الله بن كيسان : قال فيه البخاري : منكر الحديث . وقال أبو حاتم الرازي :
ضعيف . وقال النسائي: ليس بالقوي . إلا أنَّا لما رأينا ابن خزيمة والبستي أخرجاله ؛
أخرجناه)» .
{ وانظر كتابيَّ: ((تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد))، و((أحكام الجنائز
وبدعها))} .
١٤٤
[اللباسُ في الصلاة]
يدخل في الصلاة بما تيسر عليه من الثياب ، فلم یکن يتخذ
و کان
لها ثوباً خاصاً؛ إلا صلاة الجمعة - كما سيأتي -؛ فكان تارة ((يصلي في
حُلّة حمراء))(١) (وهي (٢) ثوبان: إزار، ورداء) ، وكان يأمر بهما؛ فيقول :
(١) كما قال أبو جحيفة :
خرج رسول الله عليه في حلة حمراء مشمراً ، فصلى إلى العنّزَةِ بالناس ركعتين ،
ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العَنّزةِ .
أخرجه البخاري (٣٨٦/١ و٢١٠/١٠)، ومسلم (٥٦/٢)، وأبو داود (٨٦/١)،
والنسائي (١٢٥/١) وترجم له: (الصلاة في الثياب الحُمْر)، والترمذي (٣٧٥/١)
وصححه ، وأحمد (٣٠٨/٤) عن عون بن أبي جُحيفة عن أبيه به .
وفي الحديث دلالة على جواز لبس الثياب الحمراء ، وهو مذهب الشافعية وغيرهم،
وهو الصواب إن شاء الله تعالى ، ولا يصح شيء من الأحاديث في النهي عن لباس
الأحمر، وتأويل الحلة الحمراء بأنها ذات خطوط حمر - كما فعل ابن القيم في ((الزاد))
(٤٨/١ و١٧٢) وفي غيره - خلاف الظاهر - كما بينه الشوكاني -.
على أنه قد ثبت أن النبي ◌َ ﴾ رأى على الحسن والحسين قميصين أحمرين ؛ فلم
ينكر ذلك ، وليس هذا موضع تفصيل ذلك ، وإنما أردنا الإشارة إليه ، فمن شاء التوسع
فيه ؛ فليراجع ((نيل الأوطار)) (٨٠/٢ - ٨٣)، وكذا ((التعليقات الجياد)).
(٢) تفسير (الحلة) بذلك هو الأشهر - كما قال الحافظ في ((الفتح)) (٢١٣/١٠) -.
وقيل :
هي : ثوبان ؛ أحدهما فوق الآخر. والرداء : هو الثوب أو البُرْدُ الذي يضعه الإنسان
على عاتقیه ، وبين كتفيه فوق ثيابه .
١٤٥
اللباسُ في الصلاة
((إذا صلى أحدكم ؛ فليأتزر وليرتَدِ))(١) .
حتى «نهى أن يصلي الرجل في سراويل وليس عليه رداء))(٢).
وإنما أراد به القادر على الرداء(٣)؛ كما قال عليه الصلاة والسلام:
((إذا صلى أحد كم ؛ فليلبس ثوبیه ؛ فإن الله أحق من يُزِینُ له ، فإن لم
يكن له ثوبان ؛ فليتزر إذا صلى ، ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال(٤)
(١) أخرجه الطحاوي (٢٢١/١)، والبيهقي (٢٣٥/٢) من طريق عبيد الله بن معاذ
قال : ثنا أبي قال : ثنا شعبة عن توبة العنبري سمع نافعاً عن ابن عمر مرفوعاً به .
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين .
(٢) أخرجه أبو داود (١٠٣/١)، والطحاوي (٢٢٤/١)، والحاكم (٢٥٠/١)، وعنه
البيهقي (٢٣٦/٢) عن أبي الُنيب عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:
نهى أن يصلي في لحاف لا يتوشح به ، ونهى أن يصلي الرجل ... إلخ.
وهذا سند حسن . وأما قول الحاكم وكذا الذهبي: إنه ((صحيح على شرط
الشيخين)) ! فمن أوهامهما؛ فإن أبا الُنِيْب - واسمه: عبيدالله بن عبدالله العَتكي - ليس
من رجالهما ، وهو صدوق يخطئ - كما في ((التقريب)) ..
(٣) قال الطحاوي :
((وهذا عندنا على الوجود معه لغيره ، فإن كان لا يجد غيره ؛ فلا بأس بالصلاة فيه ،
كما لا بأس في الثوب الصغير ؛ مُتّزراً به)) .
قلت : ويدل لذلك الأحاديث الآتية بعدُ.
(٤) قال الخطابي في ((المعالم)) (١٧٨/١):
١٤٦
اللباسُ في الصلاة
اليهود)(١) .
((اشتمال اليهود المنهي عنه هو: أن يجلل بدنه الثوب ويسبله ؛ من غير أن يشيل
طرفه» .
(١) أخرجه البيهقي (٢٣٥/٢ - ٢٣٦) عن أنس بن عياض عن موسى بن عقبة
- قال :... فذكره .
عن نافع عن عبد الله - ولا يرى نافع إلا أنه عن رسول الله:
وهذا سند صحيح على شرط الستة ؛ لولا التردد في رفعه .
لكن أخرجه الطحاوي (٢٢١) من طريق حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة عن
نافع عن ابن عمر قال :
.. فذكره بدون تردد فى رفعه .
:
قال رسول الله
وهذا صحيح أيضاً على شرط الشيخين .
وقد تابعه أيوب عن نافع به .
أخرجه أبو داود (١٠٣/١) : ثنا سليمان بن حرب : ثنا حماد بن زيد عنه .
وسنده صحيح أيضاً على شرطهما . وصححه النووي (١٧٣/٣).
وأخرجه البيهقي (٢٣٦) من طريق يوسف بن يعقوب القاضي : ثنا سليمان بن
حرب به ؛ إلا أنه تردد في رفعه .
ثم أخرجه كذلك من طريق أبي الربيع : ثنا حماد بن زيد به ؛ إلا أنه قال :
وأكثر ظني أنه قال: قال رسول الله ميزه . ثم قال:
((ورواه الليث بن سعد عن نافع؛ هكذا بالشك)).
ثم أخرجه من طريق سعيد - وهو : ابن أبي عَرُوبة - عن أيوب به مرفوعاً بدون
شك بلفظ :
١٤٧
اللباسُ في الصلاة
((إذا صلى أحدكم في ثوب ؛ فليشدَّه على حَقْوِهِ ، ولا تشتملوا اشتمال اليهود)).
وسنده صحيح .
وأخرجه الطحاوي - والسياق له -، وأحمد (١٤٨/٢) عن ابن جريج: قال : أخبرني
نافع :
أن ابن عمر رضي الله عنهما كساه وهو غلام ، فدخل المسجد ، فوجده يصلي
متوشحاً ، فقال : أليس لك ثوبان؟ قال : بلى . قال : أرأيت لو استعنت بك وراء الدار؛
أكنت لابسهما؟ قال: نعم. قال: فالله أحق أن تَزَيِّنَ له أم الناس؟ قال نافع : بل الله .
فأخبره عن رسول الله {﴿ أو عن عمر رضي الله عنه - قال نافع : قد استيقنت أنه عن
أحدهما ، وما أُراه إلا عن رسول الله چان - قال:
((لا يشتمل أحدكم في الصلاة اشتمال اليهود - زاد أحمد: ليتوشح -، من كان له
ثوبان ؛ فلیّزر ، ولْیَرْتَدٍ ، ومن لم یکن له ثوبان؛ فليتزر ، ثم ليصلِّ)) .
ثم أخرجه أحمد (١٦/١) عن ابن إسحاق : ثني نافع به نحوه موقوفاً ، وفيه قال
نافع :
ولو قلت لك: إنه أسند ذلك إلى رسول الله له ؛ لرجوت أن لا أكون كذبت .
وهذا سند جید .
وبالجملة ؛ فالحديث صحيح مرفوعاً وموقوفاً ، ولا منافاة بينهما . والتردد الذي وقع
في بعض الروايات قد زال بقول بعضهم :
((وأكثر ظني أنه رفعه)). وبجزم البعض الآخر برفعه - كما سبق -. وقد جزم برفعه
عن نافع توبة العنبري - كما سبق قريباً -.
١٤٨
اللباسُ في الصلاة
وتارة ((في جُبَّة شامية ضيقة الكُمَّين)(١) ، حتى إنه ((لما أراد الوضوء ؛
ذهب يخرج يده من كُمِّها ليتوضأ؛ فضاقتْ عليه ، فأخرج يده من
أسفلها)(٢). وكان تحت الجبة قميص أو إزار.
(١) قال ابن القيم في ((الزاد)) (٤٩/١):
((وأما هذه الأكمام الواسعة الطوال التي هي كالأخراج؛ فلم يلبسها هو، ولا أحد
من أصحابه ألبتة ، وهي مخالفة لسنته ، وفي جوازها نظر؛ فإنها من جنس الخُيَلاء)).
قال الشوكاني (٩٠/٢):
((وقد صار أشهر الناس بمخالفة هذه السنة في زماننا هذا العلماء ؛ فيُرى أحدهم وقد
جعل لقميصه كمين ، يَصْلُحُ كل واحد منهما أن يكون جبة أو قميصاً لصغير من أولاده
أو يتيم ، وليس في ذلك شيء من الفوائد الدنيوية إلا العبث ، وتثقيل المؤنة على
النفس ، ومنع الانتفاع باليد في كثير من المنافع ، وتعريضه لسرعة التمزق ، وتشويه
الهيئة ، ولا الدينية إلا مخالفة السنة، والإسبال، والخيلاء)». اهـ.
(٢) أخرجه البخاري (٣٧٧/١)، ومسلم (١٥٨/١)، ومالك (٥٧/١) ، وأبو داود
(٢٤/١)، والنسائي (٣١/١ و٢٦/٥ و٣٢)، والبيهقي (٤١٢/٢)، وأحمد (٢٤٧/٤
و٢٥٠ و٢٥١) من طرق عن المغيرة بن شعبة قال :
خرج رسول الله هي ليقضي حاجته ، فلما رجع؛ تلقيته بالإداوة ، فصببت عليه ،
فغسل يديه ، ثم غسل وجهه ، ثم ذهب ليغسل ذراعيه ؛ فضاقت الجبة ؛ فأخرجهما من
تحت الجبة ، فغسلهما ، ومسح رأسه ، ومسح على خفيه ، ثم صلى بنا .
واللفظ لمسلم . وفي رواية له :
وعليه جبة شامية ضيقة الكمين . زاد في أخرى :
من صوف . وهي عند أبي داود ، وزاد .
١٤٩
اللباسُ في الصلاة
من جِبَاب الروم . وزاد مسلم في رواية (١٥٩/١):
فأخرج يده من تحت الجبة ، وألقى الجبة على منكبيه .
قال الشيخ علي القاري في «المرقاة)) (٣٦١/١):
«فيه دليل على أنه كان تحته إزار أو قميص ، وإلا؛ لظهرت العورة)). قال البيهقي :
((والجبة الشامية في عصر النبي تَّه من نسج المشركين ، وقد توضأ وهي عليه،
وصلی» . ثم روى عن الحسن قال :
((لا بأس بالصلاة في رداء اليهود والنصارى» .
وفي الحديث فوائد كثيرة ذكرها الحافظ في ((الفتح)) (٢٤٦/١) منها :
«جواز الانتفاع بثياب الكفار حتى يتحقق نجاستها ؛ لأنه
لبس الجبة الرومية ،
ولم يستفصل)) . انتهى .
فإن قيل : قد تقرر في الشرع النهي عن لبسة الكفار؛ كما قال عبدالله بن عمرو:
﴿ عليَّ ثوبين معصفرين ، فقال :
رأى رسول الله
((إن هذه من ثياب الكفار؛ فلا تلبسها)).
لباس الروم وهم من الكفار ، وقد
أخرجه مسلم (١٤٤/٦) وغیرہ ؛ فکیف لبس
نھی عن لباسهم ؟!
والجواب : إن الألبسة نوعان :
نوع منها مشترك بين جميع الأمم والأديان ، ليس شعاراً لبعضهم دون بعض . فهذا
مباح للمسلم لبسها مهما كان شكلها ومصدرها ، لا ضير على المسلم في ذلك ، وقد جاء
في «الدر المختار)»:
١٥٠
اللباسُ في الصلاة
((إن التشبه بأهل الكتاب لا يكره في كل شيء. وذكروا على ذلك عن هشام قال :
رأيت على أبي يوسف نعلين مخصوفين بمسامير، فقلت: أترى بهذا بأساً؟ قال : لا .
قلت : سفيان وثور بن يزيد كرها ذلك ؛ لأن فيه تشبهاً بالرهبان . فقال :
كان رسول الله ◌َّهه يلبس النعال التي لها شعر، وإنها من لباس الرهبان)). اهـ.
ومن هذا النوع كانت جبة النبي
الرومية فيما يظهر لنا .
وأما النوع الآخر ؛ فهو ما كان شعاراً لبعض الأمم الكافرة؛ يتميزون به عن غيرهم
من الأمم. فلا يجوز حينئذٍ لمسلم أن يقلدهم ، وأن يتشبه بهم في ذلك ؛ لما في ذلك من
تضعيف شوكة المسلمين ؛ بتقليل عددهم في الظاهر ، وتقوية أعدائهم عليهم بذلك ، وقد
تقرر في علم النفس - كما كنت قرأت في بعض الكتب والمجلات العصرية -: أن للظاهر
تأثيراً في الباطن . وذلك مشهود في بعض المظاهر ، وقد أشار إلى ذلك رسول الله
بقوله حينما كان يسوي الصفوف :
((لا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم)).
رواه أبو داود (١٠٧/١)، والنسائي (١٣٠/١)، وابن خزيمة في «صحيحه)).
وسنده صحيح عن البراء به . وعن النعمان بن بشير مرفوعاً :
((عباد الله ! لَتُسَوَّنَّ صفوفكم؛ أو ليخالفن الله بين وجوهكم)) .
أخرجه الشيخان ، وأصحاب ((السنن)) وغيرهم.
فجعل اختلاف الظواهر سبباً لاختلاف البواطن والقلوب، وعلى هذا النوع من
اللباس يُنَزَّل حديث ابن عمرو المذكور سابقاً ، ومثله قوله زاد :
((من تشبه بقوم؛ فهو منهم)) .
أخرجه أبو داود (١٧٢/٢ - ١٧٣)، وأحمد (٥٠/٢) من طريق عبدالرحمن بن ثابت
١٥١
اللباسُ في الصلاة
وكان أحياناً ((يصلي في بُرْدٍ له حضرميِّ مُتَوَشِّحَه، ليس عليه غيره»(١).
و((في ثوب واحد ؛ مخالفاً بين طرفيه ، يجعلهما على منكبيه (٢)(٣).
ابن ثوبان : ثنا حسان بن عطية عن أبي منيب الجُرَشي عن ابن عمر مرفوعاً به .
وهذا إسناد حسن - كما قال الحافظ في ((الفتح) (٢٢٢/١٠) -، وصححه شيخه
العراقي في «تخريج الإحياء)) (٢٤٢/١)، وسبقه إلى ذلك ابن حبان - كما في ((بلوغ
المرام» (٢٣٩/٤ - سبل السلام) ..
قلت: وقد أخرجه الطحاوي في (مشكل الآثار)) (٨٨/١) من طريق الوليد بن
مسلم : ثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية به .
وهذا سند صحیح إذا کان الأوزاعي سمعه من حسان ؛ فإن الوليد بن مسلم یدلس
تدليس التسوية ؛ لا سيما عن الأوزاعي .
وفي الباب أحاديث أخرى كثيرة في النهي عن التشبه بالكفار، ليس هذا موضع
روايتها؛ فليراجع لذلك كتاب ((اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم)) لشيخ
الإسلام ابن تيمية ، فإنه خير كتاب وقفنا عليه في هذا الموضوع .
(١) أحمد (٢٦٥/١)، والطحاوي .
(٢) قال الباجي :
((يريد أنه أخذ طرف ثوبه تحت يده اليمنى ، ووضعه على كتفه اليسرى ، وأخذ
الطرف الآخر تحت يده اليسرى ، فوضعه على كتفه اليمنى . وهذا نوع من الاشتمال
يسمى: التوشيح . ويسمى: الاضطباع . وهو مباح في الصلاة وغيرها ؛ لأنه يمكنه إخراج
يده للسجود وغيره دون كشف عورته)» . كذا في «تنوير الحوالك» .
(٣) قد جاء ذلك من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة ؛ حتى صار بذلك
١٥٢
اللباسُ في الصلاة
متواتراً تواتراً معنوياً ، وإليك بعضاً - أو كثيراً - من أحاديثهم:
١- عن عمر بن أبي سلمة قال :
رأيت رسول الله تَ ﴾ يصلي في ثوب واحد ، مشتملاً به في بيت أم سلمة ، واضعاً
طرفيه على عاتقيه .
أخرجه البخاري (٣٧٣/١)، ومسلم (٦١/٢ -٦٢)، ومالك (١٥٨/١)، وأبو داود
(١٠٢/١)، والنسائي (١٢٤/١)، والترمذي (١٦٦/٢) وصححه، وابن ماجه
(٣٢٤/١)، والطحاوي (٢٢٢/١)، والبيهقي (٢٣٧/٢)، وأحمد (٢٦/٤ و٢٧) ؛ كلهم
عن هشام بن عروة عن أبيه .
إلا أبا داود ، ورواية لمسلم ، وللطحاوي ، وأحمد ؛ فعن أبي أمامة بن سهل ؛ كلاهما
عنه .
واللفظ لعروة عند البخاري وغيره . وفي لفظ :
متوشحاً .. بدل: مشتملاً. وقال أبو أمامة :
ملتحفاً مخالفاً بين طرفيه .
٢ - عن أم هانئ :
أن رسول الله ( صلى في بيتها عام الفتح ثماني ركعات في ثوب قد خالف بين
طرفيه .
أخرجه مالك (١٦٦/١)، وعنه البخاري (٣٧٣/١ و٢٠٩/٦ و٤٥٤/١٠)، ومسلم
(١٨٢/١ - ١٨٣ و١٥٨/٢)، ومحمد في ((موطئه)) (١١٦)، والنسائي (٤٦/١)،
والطحاوي (٢٢٢/١)، وأحمد (٣٤٣/٦)؛ كلهم عن مالك عن أبي النضر مولى عمر ابن
عبيدالله : أن أبا مرة مولى عقيل بن أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ به . واللفظ لمسلم .
١٥٣
اللباسُ في الصلاة
وأخرجه مسلم ، والطحاوي ، وأحمد (٣٤١/٦ و٣٤٢)، والطيالسي (٢٢٥) من طرق
أخری عن أبي مرة به .
٣ - عن جابر بن عبد الله قال:
رأيت رسول الله يصلي في ثوب واحد متوشحاً به .
أخرجه البخاري (٣٧٢/١)، ومسلم (٦٢/١)، والطحاوي (٢٢٣/١)، والبيهقي
(٢٣٧/٢)، والطيالسي (٢٣٨)، وأحمد (٢٩٤/٣ و٣١٢ و٣٢٦ و٣٤٣ و٣٥١ و ٣٥٢
و٣٥٦ و ٣٥٧ و٣٨٦ و٣٨٧ و٣٩١) من طرق عنه به . واللفظ لمسلم . وقال الطيالسي،
والبيهقي ، وأحمد :
مخالفاً بين طرفيه على عاتقه .
وفي رواية للطحاوي (٢٢٢/١) من طريق القعقاع بن حكيم قال :
دخلنا على جابر بن عبدالله وهو يصلي في ثوب واحد ، وقميصه ورداؤه في
المشجب ، فلما انصرف ؛ قال :
أما والله ! ما صنعت هذا إلا من أجلكم، إن النبي ◌َ ﴾ سئل عن الصلاة في ثوب
واحد؟ فقال :
«نعم ؛ ومتى يكون لأحدكم ثوبان؟!)) .
وسنده صحيح .
٤ - عن أبي سعيد الخدري مثله .
أخرجه مسلم ، وابن ماجه ، والبيهقي ، وأحمد (١٠/٣ و٥٩) من طريق أبي سفيان
عن جابر عنه .
وله في «المسند» (٣٧٩/٣) طريق آخر .
١٥٤
اللباسُ في الصلاة
٥ - عن عبد الرحمن بن كيسان عن أبيه قال :
رأيت النبي تَُّ يصلي الظهر والعصر في ثوب واحد مُتَلَيُّبَاً به .
أخرجه ابن ماجه ، وأحمد (٤١٧/٣).
وسنده محتمل للتحسين ، وجزم بحسنه البوصيري في ((الزوائد)).
وفي الباب عن جمع غير هؤلاء من الصحابة ، وقد أخرج أحاديثهم الهيثمي في
(المجمع)) (٤٨/٢ - ٥١)، فمن شاء؛ فليراجعها هناك.
وفي الباب عن أنس ، ويأتي حديثه قريباً ، وهو المذكور بعد هذا .
واعلم أن الالتحاف والتوشح بمعنى واحد ، وهو: المخالف بين طرفيه على عاتقيه .
وهو الاشتمال علی منکبیه ـ کما ذكره البخاري عن الزهري .. وذکر نحوه النووي في
«شرح مسلم)) .
وأما المُتَلَيِّبُ بالثوب : فهو أن يجمعه عند صدره ، يقال : (تَلَبِبَ بثوبه): إذا جمعه
عليه . قال النووي :
((وفي هذه الأحاديث جواز الصلاة في الثوب الواحد ، ولا خلاف في ذلك ؛ إلا ما
حكي عن ابن مسعود رضي الله عنه فيه . ولا أعلم صحته)) .
قلت : كأنه يشير إلى ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال :
لا تُصَلِّيَنَّ في ثوب واحد ؛ وإن كان أوسع ما بين السماء والأرض .
سكت عليه في ((الفتح)) . ولعل قول ابن مسعود هذا محمول على ما إذا كان عنده
ثوب آخر ؛ بدلیل حديثه الآخر :
وهو ما أخرجه عبدالله بن أحمد في «زوائده)) (١٤١/٥) من طريقين عن أبي مسعود
١٥٥
اللباسُ في الصلاة
الجريري عن أبي نضرة بن بقية قال : قال أبي بن كعب :
، ولا يعاب علينا .
الصلاة في الثوب الواحد سنة ؛ كنا نفعله مع رسول الله
فقال ابن مسعود :
إنما كان ذاك ؛ إذ كان في الثياب قلة ، فأما إذ وسع الله ؛ فالصلاة في الثوبين أزكى .
ورجاله ثقات رجال مسلم؛ لكن قال في ((مجمع الزوائد» (٤٩/٢):
((أبو نضرة: لم يسمع من أُبيِّ، ولا من ابن مسعود)).
قلت: قد وصله البيهقي (٢٣٨/٢) من طريق يزيد بن هارون : أبنا داود عن أبي
نضرة عن أبي سعيد قال :
اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في ثوب واحد ... الحديث بنحوه .
وهذا سند صحيح . قال البيهقي :
((وهذا يدل على أن الذي أمر به ابن مسعود في الصلاة في ثوبين استحباب لا
إيجاب)) . اهـ.
ويدل لما قاله ابن مسعود رضي الله عنه - من أن الاقتصار على الثوب الواحد إنما
كان وفي الثياب قلة - حديث جابر المتقدم عند الطحاوي ، ومثله حديث أبي هريرة
الآتي: «أَوَ لكلكم ثوبان؟)» . وما سنذكره من قول عمر في ذلك .
وکون الصلاة في الثوبین أُزکی وأفضل ۔ کما قال ابن مسعود ۔؛ مجمع علیہ - كما
حكاه النووي في (شرح مسلم)) -، ويدل لذلك الأمر بالارتداء والاتزار - كما في الحديث
السابق - .
١٥٦
اللباسُ في الصلاة
و ((آخر صلاة صلاها في ثوب قِطْريٌّ(١) متوشحاً به))(٢). وقال:
(١) هو ضرب من البرود؛ فيه حمرة ، ولها أعلام فيها بعض الخشونة . وقيل: هي
حُلل جِيَاد ، وتحمل من قبل البحرين . وقال الأزهري : في أعراض البحرين قرية يقال
لها : قَطَر ، وأحسب الثياب القِطْرِيَّةَ نسبت إليها ، فكسروا القاف للنسبة ، وخففوا . كذا
في ((النهاية)) . وقال العسقلاني :
((ثياب من غليظ القطن ونحوه)). نقله القاري في ((شرح الشمائل)).
(٢) هو من حديث أنس :
◌ِلّهِ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد بُرْدٍ مخالفاً بين طرفيه ،
أن رسول الله
فكانت آخر صلاة صلاها .
أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عن حميد عن ثابت عنه .
قاعداً [ص ٨٣ - ٨٤] .
وأخرجه الترمذي وغيره . وقد تقدم في صلاته
ورواه الترمذي في ((الشمائل» (١٣٦/١ -١٣٨)، وأحمد (٢٦٢/٣) من طريقين عن
حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد عن الحسن عن أنس بن مالك :
خرج وهو متكئ علی أسامة بن زيد ، عليه ثوب قطري قد توشح به ،
أن النبي
فصلَّی بھم .
وهذا إسناد على شرط مسلم .
ثم أخرجه أحمد (٢٥٧/٣ و٢٨١) قال: ثنا عفان: ثنا حماد بن سلمة قال: ثنا
حمید عن الحسن وعن أنس ۔ فیما یحسب حماد -:
أن رسول الله خرج یتوکا علی أسامة بن زيد ، وهو متوشح بثوب قطن قد خالف بین
طرفیه ، فصلى بالناس .
١٥٧
اللباسُ في الصلاة
(إذا صلَّى أحدُكم في ثوبٍ واحدٍ؛ فَلْيُخَالِفْ بين طَرفيه [على عاتِقَيْهِ]))(١).
وفي لفظ :
((لا يصلّي أحدُكم في الثوبِ الواحد ليس على عاتِقَيْه منه شيءٌ)) (٢).
وهذا أيضاً صحيح على شرط مسلم . وقد عزاه في ((المجمع)) (٤٩/٢) للبزار وحده ، وقال:
(رجاله رجال ((الصحيح)))! وهو ذهول منه عن كونه في ((مسند أحمد)).
وأخرجه الطيالسي (٢٨٥) ، لكنه شك ؛ هل هو عن أنس أو الحسن؟
(١) أخرجه البخاري (٣٧٥/١)، وأبو داود (١٠٢/١)، والبيهقي (٢٣٨/٢)،
وأحمد (٢٥٥/٢ و٤٢٧) من طرق عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن أبي هريرة
مرفوعاً به . واللفظ لأحمد ، والزيادة عند الجميع ما عدا البخاري ، وهي في ((مستخرج))
الإسماعيلي ، وأبي نعیم - كما في «فتح الباري)) ..
وله طريق آخر : رواه الطحاوي (٢٢٣/١) عن عبدالله بن عياش عن ابن هرمز عنه مرفوعاً .
وأما اللفظ الآخر؛ فأخرجه البخاري (٣٧٤/١ - ٣٧٥)، ومسلم (٦١/٢) ، وأبو
داود ، والنسائي أيضاً (١٢٥/١)، والدارمي (٣١٨/١)، والطحاوي، والبيهقي من طريق
أبي الزناد عن الأعرج عنه مرفوعاً به . ولفظ الدارمي والبيهقي :
((لا يصلین))؛ بزيادة نون التأكيد .
وكذلك أخرجه الشافعي في ((الأم)) (٧٧/١) من طريق مالك عن أبي الزناد ، ومن طريقه
أيضاً الدارقطني في ((غرائب مالك)) عن عبدالوهاب بن عطاء عنه - كما في ((الفتح)) -.
(٢) قال الخطابي :
((يريد أنه لا يتزر به في وسطه ويشد طرفيه على حَقويْه؛ ولكن يتزر به ، ويرفع
طرفيه ؛ فيخالف بينهما ، ويشده على عاتقه؛ فيكون بمنزلة الإزار والرداء)) . قال الشيخ
١٥٨
اللباسُ في الصلاة
علي القاري (٤٧٩/١) :
((والحكمة في ذلك أن لا يخلو العائق من شيء؛ لأنه أقرب إلى الأدب ، وأنسب
إلى الحياء من الرب، وأكمل في أخذ الزينة عند المطلب . والله أعلم)).
وظاهر النهي في هذه الرواية يفيد التحريم؛ كما أن ظاهر الرواية الأولى يفيد
الوجوب . وقد ذهب إلى ذلك جماعة من السلف ، ومنهم الإمام أحمد رضي الله عنه ،
والمشهور عنه : أنه لو صلى مكشوف العاتق مع القدرة على السترة ؛ لم تصح صلاته .
فجعله شرطاً. وهو مذهب ابن حزم في ((المحلى)) (٧٠/٤).
... وفي رواية أخرى عن الإمام أحمد : أنه تصح صلاته ، ولكن يأثم بتركه .
وذهب الجمهور - مالك، وأبو حنيفة ، والشافعي، وغيرهم - إلى أن النهي للتنزيه،
والأمر للاستحباب ؛ فلو صلى في ثوب واحد ساتراً لعورته ، ليس على عاتقه منه شيء؛
صحت صلاته مع الكراهة ، سواء قدر على شيء يجعله على عاتقه أم لا . قال النووي
في «شرح مسلم» :
«وحجة الجمهور قوله ټپ :
((فإن كان واسعاً ؛ فالتحِفْ به ، وإن كان ضيقاً؛ فاتَّزِرْ به))).
قلت : لست أدري ما وجه الاحتجاج بهذا الحديث على عدم الوجوب ؛ بينما هو
واضح الدلالة لمذهب أحمد وغيره ، وهو التفريق بين الثوب الواسع - فيجب الالتحاف به -،
وبين الضيّق - فلا يجب -، فكما أنه أمر بالائتزار به إن كان ضيقاً - وذلك واجب -؛
فكذلك أمر بالالتحاف به إذا كان واسعاً ؛ فهو واجب .
فهذا المذهب - وهو وجوب المخالفة بين طرفي الثوب - هو الأقوى من حيث الدليل
والبرهان ، وإليه مال البخاري - كما يدل تصرفه في ((صحيحه)) -؛ كما قال الحافظ ، قال :
١٥٩
اللباسُ في الصلاة
وقيَّد ذلك بالثوب الواسع ؛ فقال :
((إذا صلَّتَ وعليك ثوبٌ واحد ، فإن كان واسعاً؛ فالتحف به ، وإن
كان ضيقاً ؛ فاتزر به))(١) .
((وهو اختيار ابن المنذر وتقي الدين السبكي من الشافعية)).
قلت: وإليه ذهب الشوكاني في ((نيل الأوطار)) (٥٩/٢ - ٦١).
وأما بطلان الصلاة بترك ذلك ؛ فالحديث لا يدل إلا على بعض القواعد ؛ وبها نظر .
والله أعلم .
وبعض ثوبه علی زوجه ، کما یأتي
واحتج الجمهور بحجة أخرى ، وهي صلاته
ذلك قريباً ، وسنذكر هناك وجه الاستدلال بذلك ، والجواب عنه إن شاء الله تعالى .
(١) هو من حديث جابر بن عبدالله الأنصاري رضي الله عنه ، وقد جاء عنه من طرق :
الطريق الأول : عن فُلَيح بن سليمان عن سعيد بن الحارث قال :
دخلنا على جابر بن عبدالله وهو يصلي في ثوب واحد ملتحفاً به ، ورداؤه قريب ، لو
تناوله ؛ بلغه ، فلما سلّم ؛ سألناه عن ذلك؟ فقال :
إنما أفعل هذا ليراني الحمقى أمثالكم؛ فَيُفْشوا على جابر رخصةً رخصها رسول
الله ◌َ يٍ . ثم قال جابر:
خرجت مع رسول الله في بعض أسفاره ، فجئته ليلة وهو يصلي في ثوب واحد ،
وعليّ ثوب واحد ، فاشتملت به ، ثم قمت إلى جنبه . قال :
((جابرُ! ما هذا الاشتمال؟ إذا صليت ... )) فذكر الحديث .
أخرجه البخاري (٣٧٥/١ -٣٧٦)، والبيهقي (٢٣٨/٢)، وأحمد (٣٢٨/٣)
والسیاق له .
١٦٠