النص المفهرس

صفحات 121-140

السترة ووجوبها
ذُكِرَ عندها ما يقطع الصلاة : الكلب والحمار والمرأة ، فقالت عائشة :
قد شبّهتمونا بالحمير والكلاب، والله! لقد رأيت رسول الله عزله يصلي، وإني على
السرير بينه وبين القبلة مضطجعة ، فتبدولي الحاجة ، فأكره أن أجلس فأوذي رسول
الله ◌َّةُ؛ فَأَنْسَلُّ من عند رجليه . وفي رواية :
فَأَنْسَلُّ من قبل رِجْلَي السرير حتى أَنْسَلَّ من لحافي . زاد أحمد والبيهقي :
كراهية أن أستقبله بوجهي .
وهي عند البخاري ، دون قوله : بوجهي . وهو رواية لأحمد .
وله عنده (٢٠٠/٦) طريق ثالث عن ابن جريج قال: أخبرني عطاء عن عروة بن
الزبير أخبره : أن عائشة أخبرته قالت :
كان النبي ◌ُّ يصلي، وأنا معترضة على السرير بينه وبين القبلة .
قلت : أبينهما جُدُرُ المسجدِ؟ قالت :
لا ؛ في البيت إلى جُدُرِه .
وسنده صحيح على شرط الستة . قال النووي في ((شرح مسلم)):
(استدلت به عائشة رضي الله عنها والعلماء بعدها على أن المرأة لا تقطع صلاة
الرجل ، وفيه جواز صلاته إليها ، وكره العلماء أو جماعة منهم الصلاة إليها لغير
النبي تَّ؛ لخوف الفتنة بها، وتذكّرها، واشتغال القلب بها بالنظر إليها .
وأما النبي ◌َّا؛ فمنزّه عن هذا كله في صلاته، مع أنه كان في الليل ، والبيوت
يومئذ لیس فیها مصابيح )» .ا هـ .
قلت : وقضية المصابيح هي من حديث لعائشة . سيأتي في فصل خاص قبل (الركوع) .
وأما الاستدلال بحديثها هذا على أن المرأة لا تقطع صلاة الرجل مطلقاً ؛ ففيه نظر؛
١٢١

السترة ووجوبها
وكان ◌َ﴿ٍ لا يدَع شيئاً يمر بينه وبين السترة؛ فقد ((كان مرة يصلي؛ إذ
جاءت شاة تسعى بين يديه ، فَسَاعَاهَا (١) حتى ألزق بطنه بالحائط، [ومرت
من ورائه]»(٢) .
لأن الأحاديث الواردة بقطع الصلاة بالأشياء المذكورة في هذا الحديث إنما المراد مرورها
أمام المصلي - کما یأتی قریباً -، وحديث عائشة ليس فيه أنها كانت تمر بين يديه
حتى يكون معارضاً لتلك الأحاديث؛ بل في رواية للنسائي - على ما في ((الفتح))
(٤٦٧/١) - من طريق شعبة عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عنها في هذا الحديث :
... فأكره أن أقوم فأمر بين يديه ؛ فأنسل انسلالاً . قال الحافظ :
((فالظاهر أن عائشة إنما أنكرت إطلاق كون المرأة تقطع الصلاة في جميع الحالات،
لا المرور بخصوصه» . اهـ .
فثبت أن لا تعارض بين حديث عائشة وبين الأحاديث المشار إليها . ويأتي تخريجها
قريباً إن شاء الله تعالى .
(١) أي: سابقها . وهي مفاعلة من السعي.
(٢) أخرجه الطبراني في «الكبير» {٣/١٤٠/٣} عن عمرو بن حَكَّام، والحاكم في
((المستدرك)) (٢٥٤/١) عن موسى بن إسماعيل، وابن خزيمة (١/٩٥/١) =
[٨٢٧/٢٠/٢] عن الهيثم بن جميل ؛ ثلاثتهم عن جرير بن حازم عن يعلى بن حكيم
والزبير بن الخِّرِّيتِ عن عكرمة عن ابن عباس :
أن النبي :{﴾ كان يصلي ... فذكره . واللفظ للطبراني . وقال الحاكم:
((صحيح على شرط البخاري)). ووافقه الذهبي . وهو كما قالا .
وله طريق أخرى ؛ أخرجه البيهقي (٢٦٨/٢) عن يحيى بن أبي بكير: ثنا شعبة
عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن صهيب البصري عن ابن عباس به نحوه .
١٢٢

السترة ووجوبها
و((صلى صلاة مكتوبة ، فضم يده، فلما صلى ؛ قالوا : يا رسول الله !
أَحَدَثَ في الصلاة شيء؟ قال :
((لا ؛ إلا أن الشيطان أراد أن يمر بين يدي ، فَخَنَقْتُه ، حتى وجدت بَرْدَ
لسانه على يدي .
وايم الله ! لولا ما سبقني إليه أخي سليمان؛ لارْتُبِطَ إلى سارية من
سواري المسجد ، حتى يَطِيْفَ به ولْدَانُ أهل المدينة(١)، [فمن استطاع أن لا
وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم .
وقد أخرجه أبو داود (١١٣/١)، وأحمد (١١٣/١، ٢٩١) من طرق عن شعبة به ،
بدون ذکر صهيب البصري في إسناده .
وله طريق ثالث؛ أخرجه ابن ماجه (٣٠٤/١)، وأحمد أيضاً (٢٤٧/١) عن يحيى
أبي الْمُعَلَّى العطار عن الحسن العُرَني قال:
ذكر عند ابن عباس ما يقطع الصلاة ؛ فذكروا الكلب ، والحمار ، والمرأة . فقال :
ما تقولون في الجَذيِ؟ إن رسول الله كان يصلي .. . الحديث نحوه .
ورجاله ثقات . إلا أنه منقطع بين الحسن بن عبد الله العُرني وابن عباس - كما أفاده
الإمام أحمد وغيره ..
وأما الزيادة ؛ فهي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .
وسنده حسن . وسيأتي لفظه وتخريجه في مكان آخر قبيل (الركوع) إن شاء الله تعالى .
(١) قال النووي في «شرح مسلم)» :
((فيه دليل على أن الجن موجودون ، وأنهم قد يراهم بعض الآدميين . وأما قول الله
تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيْلُهُ مِن حَيْثُ لا تَرَوْنَهُم﴾؛ فمحمول على الغالب ، فلو كانت
١٢٣

السترة ووجوبها
يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل)))))(١) .
٤ ما قال من رؤيته إياه ، ومن أنه كان يربطه ؛ لينظروا
رؤیتهم محالاً ؛ لما قال النبي ټ﴾.
كلهم إليه ، ويلعب به وِلْدَانُ أهل المدينة .
قال القاضي : وقيل : إن رؤيتهم على خلقهم وصورهم الأصلية ممتنعة ؛ لظاهر الآية ،
إلا للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ومن خُرِقَتْ له العادة ، وإنما يراهم بنو
آدم في صور غير صورهم ؛ كما جاء في الآثار.
قلت : هذه دعوى مجردة ؛ فإن لم يصح لها مستند؛ فهي مردودة)). اهـ. كلام
النووي .
{ وهو من الأحاديث الكثيرة التي يكفر بها طائفة القاديانية؛ فإنهم لا يؤمنون بعالم
الجن المذكور في القرآن والسنة ، وطريقتهم في رد النصوص معروفة ، فإن كانت من
القرآن؛ حرفوا معانيها؛ كقوله تعالى: ﴿قل أوحي إليَّ أنه استمع نفر من الجن﴾.
قالوا: ((أي: من الإنس))! فيجعلون لفظة: ((الجن)) مرادفة للفظة: ((الإنس))؛ كـ ((البشر))!
فخرجوا بذلك عن اللغة والشرع ، وإن كانت من السنة ؛ فإن أمكنهم تحريفها بالتأويل
الباطل ؛ فعلوا ، وإلا ؛ فما أسهل حكمهم ببطلانها؛ ولو أجمع أئمة الحديث كلهم والأمة
من ورائهم على صحتها ؛ بل تواترها ! هداهم الله} .
(١) أخرجه الدارقطني (١٤٠)، وأحمد (١٠٤/٥ -١٠٥)، والطبراني في «الكبير»
من طرق عن سِمَاك بن حرب سمع جابر بن سمرة يقول :
صلاة مكتوبة ... الحديث . واللفظ للدارقطني .
صلينا مع رسول الله
وإسناده صحيح على شرط مسلم . والزيادة المذكورة لأحمد بسند حسن عن أبي
سعيد الخدري .
وفي الباب عن جمع من الصحابة سيأتي الإشارة إلى أحاديثهم في المكان المزبور آنفاً .
١٢٤

السترة ووجوبها
وكان ◌َطاء يقول :
((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس ، فأراد أحد أن يجتاز
بين يديه ؛ فليدفع في نحره ، [وليدرأ ما استطاع] {(وفي رواية: فليمنعه،
مرتين)}، فإن أبى؛ فليقاتله(١)؛ فإنما هو شيطان))(٢).
(١) قال السيوطي في ((تنوير الحوالك)):
((هو عندنا على حقيقته ، وهو أمر ندب ، وقال ابن العربي: المراد بالمقاتلة : المدافعة.
وعند الإسماعيلي :
((فإن أبى؛ فليجعل يده في صدره ، وليدفعه)) . (فإنما هو شيطان) ؛ أي : فعله فعل
الشيطان ، أو المراد شيطان من الإنس ، وفي رواية الإسماعيلي :
==
((فإن معه الشيطان)))).
قلت : ويشهد لهذه الرواية رواية ابن عمر المذكورة آنفاً ، وهي تؤيد قول من قال :
المعنى : فإنما الحامل له على ذلك الشيطان . والله أعلم .
(٢) أخرجه البخاري (٤٦١/١ - ٤٦٣ و٢٥٩/٦)، ومسلم (٥٧/٢ - ٥٨)، وأبو داود
(١١١/١)، والنسائي (١٢٣/١)، والدارمي (٣٢٨/١) عن مالك - وهو في «الموطأ)» (١٧٠/١) -،
والطحاوي (٢٦٦/١)، {وابن خزيمة (١/٩٤/١) = [١٥/٢ و٨١٧/١٦ و٨١٨]}،
والبيهقي (٢٦٧/٢)، وأحمد (٣/ ٣٤ و٤٣ و٤٩ و٥٧ ٦٣ ٩٣) من طريق أبي صالح
السمان وعبدالرحمن ابن أبي سعيد الخدري ؛ كلاهما عن أبي سعيد مرفوعاً به . واللفظ
لمسلم من رواية أبي صالح ، والزيادة لابن أبي سعيد ، {والرواية الأخرى لابن خزيمة}.
وله طريق ثالثة عند أبي داود ، وأحمد (٨٢/٣ -٨٣) عن أبي أحمد الزبيري : ثنا
مَسَرَّة بن معبد : ثني أبو عبيد صاحب(*) سليمان قال :
(*) كذا الأصل؛ تبعاً لـ ((المسند))، والصواب: (حاجب).
١٢٥

السترة ووجوبها
رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائماً يصلي معتماً بعمامة سوداء ، مُرْخ طرفها من
خلف ، مصفِّراً اللحية ، فذهبت أمرُّ بين يديه ، فردني . ثم قال : ثني أبو سعيد
الخدري :
أن رسول الله ﴿﴿﴿ قام فصلى صلاة الصبح وهو خلفه ، فقرأ، فالتبست عليه القراءة ،
فلما فرغ من صلاته ؛ قال :
((لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي ، فما زلت أخنقه ؛ حتى وجدت برد لعابه بين
أصبعي هاتين - الإبهام والتي تليها -، ولولا دعوة أخي سليمان؛ لأصبح مربوطاً بسارية
من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة ، فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين
القبلة أحد؛ فليفعل)).
وهذا إسناد حسن . رجاله رجال مسلم، غير مَسرَّة بن معبد؛ قال في ((التقريب)):
«صدوق له أوهام)) .
والحديث أخرجه ابن ماجه (٣٠٤/١)، وكذا أبو داود ، والبيهقي من طريق ابن
عجلان عن زيد بن أسلم عن عبدالرحمن بن أبي سعيد عن أبيه مرفوعاً بلفظ :
((إذا صلى أحدكم ؛ فليصلِّ إلى سترة ، وليدن منها ، ولا يدع أحداً يمر بین یدیه ، فإن
جاء أحد يمر ؛ فليقاتله ، فإنه شيطان)) .
وابن عجلان : فيه مقال .
وله شاهد من حديث ابن عمر بلفظ :
((إذا كان أحدكم يصلي؛ فلا يدع أحداً يمر بين يديه ، فإن أبى ؛ فليقاتله ، فإن معه
القرين)).
١٢٦٠

السترة ووجوبها
وكان ﴿﴿ يقول :
«لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي(١) ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين (٢)
أخرجه مسلم ، وابن ماجه ، والطحاوي ، والبيهقي ، وأحمد (٨٦/٢)، وعزاه المنذري
(١٩٤/١) لابن ماجه بإسناد صحيح، وابن خزيمة في ((صحيحه))؛ فقصّر.
(١) أي : أمامه بالقرب منه . واختلف في ضبط ذلك؛ فقيل: إذا مر بينه وبين
مقدار سجوده . وقيل : بينه وبينه قدر ثلاثة أذرع . وقيل : بينه وبينه قدر رمية بحجر .
ووقع عند السراج من طريق الضحاك بن عثمان عن أبي النضر:
((بين يدي المصلي والمصلى))؛ أي: السترة. كذا في ((تنوير الحوالك))، و((الفتح))
(٤٦٣/٢ و٤٦٥) .
1
(٢) هكذا الرواية بالإبهام . وقال الراوي أبو النضر:
لا أدري قال : أربعين يوماً ، أو شهراً ، أو سنة .
وهذا يدل على أن في أصل الحديث تعيين المعدود ، ولكن الراوي هو الذي شك .
ووقع في ((مسند البزار)) من طريق سفيان بن عيينة عن أبي النضر:
((أربعين خريفاً)). قال المنذري - وتبعه الهيثمي (٦١/٢) -:
((ورجاله رجال ((الصحيح))).
قلت : لكنه معلول . فقد أخرجه ابن ماجه ، وكذا أحمد ، وابن أبي شيبة ،
وسعيد بن منصور وغيرهم من الحفاظ عن ابن عيينة عن أبي النضر على الشك أيضاً .
وزاد فیه :
أو ساعة . قال الحافظ :
١٢٧

السترة ووجوبها
خيراً له من أن يمر بين يديه (١) (٢).
((فيبعد أن يكون الجزم والشك وقعا معاً من راوٍ واحدٍ في حالة واحدة ، إلا أن يقال:
لعله تذکر في الحال ؛ فجزم . وفيه ما فيه)). اهـ.
وفي حديث أبي هريرة الآتي قريباً تعيين العدد بمئة عام .
ولکنہ ضعیف ۔ کما علمت ۔.
(١) قال النووي في ((شرح مسلم)):
(«معناه: لو يعلم ما عليه من الإثم ؛ لاختار الوقوف أربعين على ارتكاب ذلك الإثم .
ومعنى الحديث: النهي الأكيد، والوعيد الشديد في ذلك)). وقال في ((المجموع))
(٢٤٩/٣) :
((إذا صلى إلى سترة ؛ حَرُمَ على غيره المرور بينه وبين السترة ، ولا يحرم وراء
السترة . وقال الغزالي: يكره ، ولا يحرم . والصحيح ؛ بل الصواب أنه حرام . وبه قطع
البغوي والمحققون ، واحتجوا بهذا الحديث)). وقال الحافظ - بعد أن ذكر كلامه في
«مسلم» ۔:
((ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر)) .
(٢) أخرجه البخاري (٤٦٣/٢ - ٤٦٤)، ومسلم (٥٨/٢)، ومالك (١٧٠/١)، وعنه
الإمام محمد (١٤٨)، وكذا أبو داود (١١١/١)، والنسائي (١٢٣/١)، والترمذي
(١٥٨/٢)، والدارمي (٣٢٩/١)، والطحاوي في ((مشكل الآثار)) (١٨/١)، والبيهقي
(٢٦٨/٢)، وأحمد (١٦٩/٤)؛ كلهم عن مالك.
وابن ماجه (٣٠٢/١)، ومسلم أيضاً، والطحاوي عن سفيان الثوري ؛ كلاهما عن
أبي النضر مولى عمر بن عبيدالله عن بسر بن سعيد :
١٢٨
١

السترة ووجوبها
في المار
أن زيد بن خالد أرسله إلى أبي جُهَيْم يسأله : ماذا سمع من رسول الله
بين يدي المصلي؟ فقال أبو جُهيم: قال رسول الله عَليه ... فذكره . وقال الترمذي :
((حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم؛ کرهوا المرور بين يدي
المصلي ، ولم يروا أن ذلك يقطع صلاة الرجل)) .
وللحديث شاهد من رواية أبي هريرة مرفوعاً بلفظ :
(لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضاً (زاد في رواية: وهو يناجي
ربه) ؛ كان لأن يقوم مئة عام خير له من الخطوة التي خطاها)».
أخرجه ابن ماجه ، والطحاوي ، وأحمد (٣٧١/٢) من طريق عبيدالله بن
عبدالرحمن بن موهب عن عمه عنه .
وهذا إسناد ضعيف؛ عبيدالله هذا: مختلف فيه ؛ فوثقه ابن معين في رواية ،
وضعفه في أخرى . وفي ((التقريب)):
((ليس بالقوي)).
وعمه ـ اسمه : عبيدالله بن عبدالله بن موهب ؛ فهو -: مجهول عند الشافعي ،
وأحمد وغيرهما . وفي («التقريب)):
((مقبول)) .
وأما ابن حبان ؛ فوثقه على قاعدته ! وقد أخرج الحديث هو وشيخه ابن خزيمة في
((صحيحيهما))؛ كما في ((الترغيب)) (١٩٤/١)، وصَحِّحَ إسناد ابن ماجه. وقد علمت
ما فيه .
١٢٩

السترة ووجوبها / ما يقطع الصلاة
ما يَقْطَعُ الصّلاةَ
وكان يقول :
((يقطع صلاةَ الرجل إذا لم يكن بين يديه كآخرة الرحل : المرأةُ
[الحائض}(١)، والحمار، والكلب الأسود». قال أبو ذر:
قلت: يا رسول الله ! ما بالُ الأسود من الأحمر؟ فقال :
((الكلب الأسود شيطان)(٢).
(١) قال السندي رحمه الله تعالى:
(«يحتمل أن المراد : ما بلغت سن المحيض ؛ أي : البالغة، وعلى هذا فالصغيرة لا
تقطع . والله تعالى أعلم)) . اهـ.
(٢) أخرجه مسلم (٥٩/٢)، وأبو داود (١١٢/١)، والنسائي (١٢٢/١)، والترمذي
(١٦١/٢)، والدارمي (٣٢٩/١)، وابن ماجه (٣٠٣/١)، والطحاوي (٢٦٥/١)، {وابن
خزيمة (٢/٩٥/١) = [٢٠/٢ - ٨٣٠/٢١]]، والطبراني في «الصغير)) (ص٣٨ و ١٠٣
و٢٣٩)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (١٣٢/٦)، والطيالسي (ص٧١)، وأحمد (١٤٩/٥
و١٥١ و١٥٥ و١٦٠ و١٦١)، والبيهقي أيضاً (٢٧٤/٢) من طرق عن حميد بن هلال عن
عبدالله بن الصامت عن أبي ذر قال :
قال رسول الله ... فذكره . واللفظ لشعبة عن حميد ، وزاد :
قلت: ما بال الكلب الأسود؟ قال: ابن أخي ! سألت رسول الله ﴿ كما سألتني؟ فقال:
((الكلب الأسود شيطان))(*) .
(*) وانظر تحقيقاً حديثياً وفقهياً رائعاً ماتعاً حول هذا الحديث في ((السلسلة الصحيحة))
(٣٣٢٣) .
١٣٠

السترة ووجوبها / ما يقطع الصلاة
وأما الزيادة ؛ فهي عند أحمد (١٦٤/٥) من طريق أخرى عن علي بن زيد بن
جُدعان عن عبدالله بن الصامت بلفظ :
أحسبه قال :
((والمرأة الحائض)).
وابن جدعان : فيه ضعف .
لكن له شاهد من حديث ابن عباس مرفوعاً :
((يقطع الصلاة الكلب الأسود، والمرأة الحائض)).
أخرجه أبو داود ، والنسائي، وابن ماجه، والطحاوي ، والبيهقي ، وأحمد (٣٤٧/١)
من طريق شعبة : ثنا قتادة قال : سمعت جابر بن زيد يحدث عن ابن عباس ... رفعه .
وهذا سند صحيح على شرط الشيخين ، وصححه النووي (٢٥٠/٣).
وقد رواه غير شعبة عن قتادة موقوفاً على ابن عباس ، ولا يضر ذلك ؛ فإن شعبة ثقة
ثبت حافظ .
وله طريق آخر عند أبي داود ، والطحاوي ، والبيهقي من وجوه عن معاذ بن هشام : ثنا
أبي عن يحيى عن عكرمة عن ابن عباس - قال: أحسبه أسند ذلك إلى النبي {﴿﴿ - قال:
(«يقطع الصلاة الكلب ، والحمار، والمرأة الحائض، واليهودي ، والنصراني ،
والمجوسي ، والخنزير بحجر». قال :
((ويكفيك إذا كانوا منك على قدر رمية بحجر؛ لم يقطعوا صلاتك)).
كما
وإسناده صحيح على شرط البخاري . لكنه مشكوك في رفعه إلى النبي
ترى .
١٣١

السترة ووجوبها / ما يقطع الصلاة
ثم ظهر لي فيه علة ؛ وهي عنعنة يحيى - وهو: ابن [أبي] كثير -؛ فإنه مدلس .
وفي الباب أحاديث أخرى :
فمنها : عن أبي هريرة مرفوعاً :
((يقطع الصلاة المرأة، والحمار، والكلب)).
أخرجه مسلم، وابن ماجه ، والبيهقي ، وأحمد (٢٩٩/٢ و٤٢٥) من طريقين عنه .
وزاد مسلم :
((ويقي ذلك مثلُ مُؤْخِرَة الرحل)) .
ومنها : عن عبدالله بن مُغَفَّل مرفوعاً مثله دون الزيادة .
رواه ابن ماجه، والطحاوي ، وأحمد (٥٧/٥) من طرق عن سعيد بن أبي عَرُوبة عن
قتادة عن الحسن عنه .
وهذا إسناد رجاله رجال الشيخين .
وعن أنس مثله .
أخرجه الخطيب في ((تاريخه)) (٤٩/٧)، وكذا البزار. قال الهيثمي (٦٠/٢):
«ورجاله رجال «الصحیح))) .
وعن الحكم بن عمرو الغفاري .
رواه الطبراني في «الكبير». ورجاله ثقات، غير عمر بن رُدّيح؛ ضعفه أبو حاتم ،
ووثقه ابن معین وابن حبان .
قلت : فهو إسناد حسن .
وعن عائشة بلفظ :
١٣٢
.

السترة ووجوبها / ما يقطع الصلاة
((لا يقطع صلاةً المسلم شيء ؛ إلا الحمار، والكافر، والكلب ، والمرأة». فقالت
عائشة : يا رسول الله ! لقد قُرِنَّا بدوابٌ سوء !
أخرجه أحمد (٨٤/٦ - ٨٥): ثنا أبو المغيرة قال: ثنا صفوان قال : ثنا راشد بن
سعد عنها به .
وهذا رجاله رجال مسلم ؛ غير راشد هذا، وهو ثقة كثير الإرسال - كما في
((التقريب)) -. فإن كان سمعه من عائشة؛ فالإسناد صحيح ، وإلا ؛ فمنقطع ضعيف .
وفي هذه الأحاديث دلالة على أن الكلب ، والمرأة ، والحمار يقطع الصلاة . والمراد
بالقطع: البطلان . قال الشوكاني (٩/٣):
((وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة ؛ منهم : أبو هريرة ، وأنس ، وابن عباس
في رواية عنه ، وحكي أيضاً عن أبي ذر، وابن عمر. وجاء عن ابن عمر أنه قال به في
الكلب . وقال به الحكم بن عمرو الغفاري في الحمار. ومن قال من التابعين بقطع الثلاثة
المذكورة : الحسن البصري ، وأبو الأحوص صاحب ابن مسعود .
ومن الأئمة : أحمد بن حنبل - فيما حكاه عنه ابن حزم الظاهري في ((المحلى))
(١١/٤) -، وحكى الترمذي عنه أنه يخصص بالكلب الأسود، ويُتوقف في الحمار والمرأة)).
قلت : في المسألة عن الإمام أحمد روايتان ؛ اتفقتا كلتاهما على أن الكلب الأسود
يقطع الصلاة ، واختلفتا في المرأة والحمار؛ فجزم في رواية بعدم القطع بهما ، وتردد في
الأخرى .
أما الأولى : فهي رواية ابنه عبدالله في ((مسائله)) قال :
((سألت أبي: ما يقطع الصلاة؟ قال: الكلب الأسود. قال : أنس يروي أنه يقطع
الصلاة الكلب ، والمرأة ، والحمار؟ قال : أما المرأة ؛ فأذهب إلى حديث عائشة :
١٣٣

السترة ووجوبها / ما يقطع الصلاة
يصلي ، وأنا معترضة بين يديه .
كان رسول الله
وإلی حدیث ابن عباس :
مررت بين يدي رسول الله عليه، وأنا على أتان . فقلت لأبي: إذا مر الكلب الأسود
بين يدي المصلي يقطعُ صلاته؟ قال : نعم . قلت له : يعيد؟ قال : نعم ؛ إن كان أسود)».
وأما الرواية الأخرى : فهي رواية إسحاق بن منصور المروزي في ((مسائله)) عن
أحمد وإسحاق . قال :
((قلت - يعني : لأحمد -: ما يقطع الصلاة؟ قال : ما يقطعها إلا الكلب الأسود
الذي لا أشك فيه ، وفي قلبي من (الحمار والمرأة) شيء. قال إسحاق: لا يقطع إلا
الكلب الأسود . قال أحمد: ومن الناس من يقول : إن قول عائشة حيث قالت :
كنت أنام بين يدي النبي { ... ليس بحجة على هذا الحديث - يعني: من قال:
يقطع الصلاة المرأة ، والحمار، والكلب -؛ لأن النائم غير المارِّ .
وقول ابن عباس في الحمار حيث مر بين يدي بعض الصف ؛ ليس بحجة ؛ لأن
سترة الإمام سترةُ مَن خلفه)). اهـ.
قلت : وحديث ابن عباس المشار إليه أخرجه الأئمة الستة وغيرهم عنه بلفظ :
أقبلت راكباً على أتان ، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله {﴾ يصلي
بالناس بمنى إلى غير جدار(*) ، فمررت بين يدي بعض الصف ، فنزلت ، وأرسلت الأتان
ترتع ، فدخلت في الصف ، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد .
والحديث - كما قال أحمد - لا حجة فيه؛ لأن الأتان لم تمرَّ بين يديه تَ ﴿، وقد قال
ابن عبدالبر - كما في «الفتح» (٤٥٤/١) -:
(*) أعل الشيخ رحمه الله تعالى قوله: ((إلى غير جدار)) بالشذوذ فى ((الضعيفة)) (٥٨١٤).
١٣٤

السترة ووجوبها / ما يقطع الصلاة
«حديث ابن عباس هذا يخص حديث أبي سعيد :
((إذا كان أحدكم يصلي؛ فلا يدع أحداً يمر بين يديه)). فإن ذلك مخصوص بالإمام
والمنفرد ، وأما المأموم ؛ فلا يضره من مر بين يديه ؛ لحديث ابن عباس هذا)). قال :
«وهذا کله لا خلاف فيه بین العلماء)» . اهـ.
وأما حديث الفضل بن عباس قال :
زار رسول الله تَ عَبَّاسَاً في بادية لنا ، ولنا كُلَيْبَةٌ ، وحمارة ترعى ، فصلى
ـج العصر، وهما بين يديه؛ فلم يُزْجَرا ولم يُؤَخِّرا .
النبي
فهو حديث ضعيف. رواه أبو داود (١١٤/١)، والنسائي (١٢٣/١)، والطحاوي
(٢٦٦/١)، والدارقطني (١٤١)، والبيهقي (٢٧٨/٢)، وأحمد (٢١١/١ -٢١٢) من
طريق محمد بن عمر بن علي عن عباس بن عبيدالله بن عباس عنه به . واللفظ
للنسائي . وزاد أبو داود وأحمد في رواية :
ليس بين يديه سترة .
وعلة الحديث الانقطاع والجهالة ؛ فقال ابن حزم في ((المحلى)) (١٣/٤):
((وهذا باطل ؛ لأن العباس بن عبيدالله لم يدرك عمه الفضل)) . قال الحافظ في
«التهذيب» :
((وهو كما قال ابن حزم. وقال ابن القطان: لا يعرف حاله. بئس العباس هذا)).
وفي ((التقريب)):
((مقبول)). اهـ .
ومما تقدم تعلم أن قول النووي (٢٥١/٣) والحافظ أبي زرعة ابن الحافظ العراقي في
((شرح التقريب)) (٣٨٩/٢):
١٣٥

السترة ووجوبها / ما يقطع الصلاة
((إسناده حسن))؛ غير حسن . مع أنه ذكر كلام ابن حزم ، ونقل عن الخطابي أنه
قال :
((في إسناده مقال)). ولم يتعقبهما بشيء . وقد قال السندي :
(ولا دلالة في الحديث على المرور بين المصلي والسترة ، ولا على أن الكلبة كانت
سوداء، وكذا في دلالة الأحاديث اللاحقة على أن المرور لا يقطع بحثٌ؛ فهذه
الأحاديث لا تعارض حديث القطع أصلاً».
قلت : وأول كلامه - بناءً على رواية النسائي - صحيح ، وأما على زيادة أبي داود :
ليس بين يديه سترة . فغير صحيح؛ فالجواب القاطع: إن الحديث ضعيف لا يحتج
به . وكفى .
وأشار بقوله :
((الأحاديث اللاحقة)). إلى ما رواه النسائي وغيره عن ابن عباس:
أنه مر بين يدي رسول الله ما هو وغلام من بني هاشم على حمار بين يدي رسول
وهو يصلى ، فنزلوا ودخلوا معه ، فصلوا ، ولم ينصرف .
الله
وإسناده صحيح . ولكن لا دلالة فيه - كما قال السندي -؛ لأنه ليس فيه على أن
المرور كان بين النبي :َ* وبين السترة .
وأما حديث عائشة الذي مرت الإشارة إليه في كلام أحمد ؛ فقد أجاب هو نفسه
عنه ، وتقدم منا الجواب عنه مفصلاً عما قريب . ومن أراد زيادة تفصيل؛ فليراجع ((فتح
الباري)) (٤٦٧/١ -٤٦٨)، و((شرح التقريب)) (٣٩٣/٢ و٣٩٦).
ومما احتج به من قال : إن المرأة لا تقطع الصلاة ؛ حديثُ أم سلمة قالت :
١٣٦

السترة ووجوبها / ما يقطع الصلاة
يصلي في حجرة أم سلمة ؛ فمر بين يديه عبدالله - أو: عمرو بن
كان النبي
أبي سلمة -، فقال بيده؛ فرجع ، فمرت زينب بنت أم سلمة ، فقال بيده هكذا؛
﴿ ؛ قال :
فمضت ، فلما صلى رسول الله
((هن أغلب)) .
أخرجه ابن ماجه (٣٠٢/١)، وأحمد (٢٩٤/٦)، وابن أبي شيبة أيضاً من طريق
أسامة بن زيد عن محمد بن قيس عن أمه عنها . وقال ابن ماجه : (عن أبيه عنها) . قال
في ((الزوائد)» :
((في إسناده ضعف . ووقع في بعض النسخ: (عن أمه) .. بدل : (عن أبيه)،
وكلاهما لا يعرف)». اهـ.
وقد ضَعَّفَ الحديثَ أيضاً ابنُ القطان ، وقد ذكر كلامه الزيلعي (٨٥/٢) في «نصب
الراية)).
فليس الحديث بحجة ، على أنه لو صح ؛ لما دل على المطلوب .. لما عرفت من
الجواب عن حديث ابن عباس الأخير . ولو سُلِّم أن المرور كان بينه وبين السترة ؛ فالجواب :
كما قال السندي :
((إن الذي يقطع الصلاة مرور البالغة؛ لأنها المتبادرة من اسم المرأة ، ويدل عليه
رواية: ((المرأة الحائض)) . - كما تقدم - )).اهـ.
واحتجوا أيضاً بحديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً :
((لا يقطع الصلاة شيء، وادرؤوا ما استطعتم؛ فإنما هو شيطان)).
أخرجه أبو داود (١١٤/١)، والدارقطني (١٤١)، والبيهقي (٢٧٨/٢) من طريق أبي
أسامة : ثنا مجالد عن أبي الوَدَّاك عنه .
١٣٧

السترة ووجوبها / ما يقطع الصلاة
وهذا سند ضعيف (١)؛ فإن مجالداً هذا - هو: ابن سعيد -: ضعفه الجمهور، وقد
اختلط أخيراً، وهذا من رواية أبي أسامة عنه ، وهو ممن سمع منه بعد الاختلاط - كما
قال أبو زرعة في ((شرح التقريب)) (٣٨٩/٢) -. وقال الحافظ في ((التقريب)):
«ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره)). وقال في شيخه أبي الوَدَّك - واسمه : جبر
ابن نوف ۔ :
«صدوق یهم)) .
قلت : وقد رواه عبدالواحد بن زياد عن مجالد به موقوفاً على أبي سعيد . ولعله
الصواب .
كذلك أخرجه أبو داود ، والبيهقي أيضاً .
والحديث ضعفه النووي في ((شرح مسلم))، والحافظ في ((الفتح)) (٤٦٦/١)، وقال:
(«وورد من حديث ابن عمر وأنس وأبي أمامة عند الدارقطني ، ومن حديث جابر
عند الطبراني في ((الأوسط)»، وفي إسناد كل منها ضعف)).
قلت : وروي عن أبي هريرة أيضاً عند الدارقطني ، وفيه إسماعيل بن عياش عن
إسحاق بن عبدالله بن أبي فروة .
وإسماعيل ضعيف . وشيخه متروك - كما في ((التقريب)) ..
وبالجملة ؛ فالأحاديث المعارضة لأحاديث القطع بالأشياء الثلاثة بعضها صحيح؛
كحديث عائشة ، وحديث ابن عباس في بعض ألفاظه ، وهي عند التأمل فيها بإنصاف
غير معارضة لتلك .
(١) {كما حققته في ((تمام المنة)) (ص٣٠٦) وغيره}.
١٣٨

السترة ووجوبها / ما يقطع الصلاة
والبعض الآخر صحيح المعارضة ، ولكنها غير صحيحة الإسناد ؛ فحينئذ لا يجوز
المعارضة بها. وقال ابن القيم في ((الزاد)» (١١١/١):
((ومعارض هذه الأحاديث قسمان : صحيح غير صريح ، وصريح غير صحيح ؛ فلا
تُترك لمعارض هذا شأنه ، وكان رسول الله * يصلي وعائشة رضي الله عنها نائمة في
قبلته ، وكأن ذلك ليس كالمار؛ فإن الرجل مُحَرَّمٌ عليه المرور بين يدي المصلي ، ولا يكره
له أن يكون لابثاً بين يديه ، وهكذا المرأة؛ يقطع مرورها الصلاة دون لُبْئِها . والله أعلم».
وأما دعوى بعضهم نسخ تلك الأحاديث ؛ فشيء لا برهان عليه ، وقد أُنكرها كثير
من العلماء ، حتى من الذين لم يذهبوا إلى ظاهرها ؛ كالنووي ، وابن حجر وغيرهما . قال
في ((المجموع)» (٢٥١/٣):
(«وأما ما يدعيه أصحابنا وغيرهم من النسخ ؛ فليس بمقبول؛ إذ لا دليل عليه ، ولا
يلزم من كون حديث ابن عباس في حجة الوداع - وهي آخر الأمر - أن يكون ناسخاً ؛ إذ
يمكن كون أحاديث القطع بعده، وقد علم وتقرر في الأصول أن مثل هذا لا يكون
ناسخاً ، مع أنه لو احتمل النسخ؛ لكان الجمع بين الأحاديث مقدماً عليه ، إذ ليس فيه
رد شيء منها ، وهذه أيضاً قاعدة معروفة)) .
قلت: والجمع فرع التعارض ، وقد أثبتنا أنه لا تعارض ؛ فيبقى العمل بالأحاديث
على ظاهرها ، على أن ما جمعوا به غير معقول ؛ وذلك أنهم قالوا : إن المراد بالقطع القطعُ
عن الخشوع والذكر ؛ للشغل بها ، والالتفات إليها ، لا أنها تفسد الصلاة .
قلت : إنه غير معقول ؛ لأنه يؤدي إلى إبطال منطوق الحديث ؛ لأنه حصر القطع
بالثلاثة المذكورة فيه ، وملاحظة المعنى الذي ذكروه يؤدي إلى أن الحصر غير مراد ؛ وذلك
لأنه لا فرق في الإشغال عن الخشوع بين الرجل المارِّ والمرأة ، بل ما الفرق بين المرأة
الحائض وغير الحائض على هذا الجمع؟ وكذا لا فرق بين مرور الحمار، والفرس ، أو
١٣٩

السترة ووجوبها / الصلاة تجاه القبر
الصلاةُ تجاه القبر
وكان ينهى عن الصلاة تجاه القبر؛ فيقول :
((لا تجلسوا(١)
الجمل ، ولا بين مرور الكلب الأسود ، والكلب الأحمر أو غيره ، وقد فَرِّقَ الشارع بينهما
نصّاً ؛ فكل جمع يؤدي إلى إبطال وإلغاء ما قيده الشارع فهو غير مقبول ، وهو على
صاحبه مردود ؛ فَالحق ما ذهب إليه مَنْ ذكرنا في أول البحث من بطلان الصلاة بمرور
المرأة الحائض ، والحمار ، والكلب الأسود .
وأما الكافر، والمجوسي ، والخنزير، واليهودي ، والنصراني ؛ فالقول بذلك متوقف على
ثبوت ذلك عنه {# ، وقد علمت ـ مما سبق - أن حديث الكافر منقطع ، وحديث الخنزير
وغيره مشكوك في رفعه ؛ فلا حجة في ذلك حتى يتصل سنده ، ويرفع يقيناً متنه .
(١) فيه دلالة على تحريم القعود على القبور؛ لأنه الأصل في النهي ، وهو مذهب
الجمهور فيما حكاه الصنعاني في «سبل السلام)) (١٥٧/٢)، والشوكاني في ((النيل))
(٧٥/٤)، والصواب أن مذهبهم الكراهة - كما نقله النووي في ((المجموع)) (٣١٢/٥)
عنهم، وابن الجوزي فيما ذكره الحافظ في ((الفتح)) (١٧٤/٣) -، والحق : إنه حرام ؛ لمأ
ذكرنا من أن أصل النهي التحريم ، ولم يرد شيء يخرجه منه إلى الكراهة ، بل جاء ما
يؤكده ؛ وهو :
ما رواه أبو هريرة عنه ﴿﴿ أنه قال :
((لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه ، فتخلص إلى جلده ؛ خير له من أن
يجلس على قبر» .
أخرجه مسلم (٦٢/٣)، وأبو داود (٧١/٢)، والنسائي (٢٨٧/١)، وابن ماجه
(٤٧٤/١/١)، وأحمد (٣١١/٢ و٣٨٩ و٤٤٤).
١٤٠