النص المفهرس
صفحات 61-80
استقبال الكعبة
(حسن صحيح)). وهو على شرط مسلم. قال الحافظ في ((التلخيص)) (٢١١/٣):
«ورواه ابن خزيمة ، ولابن حبان نحوه)) . اهـ.
وفي رواية لأحمد (٣٥١/٣) من طريق هشام عن أبي الزبير:
ورأيته يركع ويسجد . وله لفظ آخر عند البخاري وغيره يأتي قريباً . قال الترمذي :
((والعمل على هذا عند أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافاً؛ لا يرون بأساً أن يصلي
الرجل على راحلته تطوعاً حيث ما كان وجهه ؛ إلى القبلة وغيرها)). وقال الحافظ
(٤٦٠/٢) :
«وقد أخذ بمضمون هذه الأ حادیث فقهاء الأمصار ، إلا أن أحمد وأبا ثور کانا
يستحبان أن يستقبل القبلة بالتكبير حال ابتداء الصلاة ، والحجة لذلك حديث الجارود
ابن أبي سبرة عن أنس :
أن النبي ◌َيٍ كان إذا أراد أن يتطوع في السفر؛ استقبل بناقته القبلة ... ))
الحديث . وهو مذكور في الأصل (*) . قال:
((واختلفوا في الصلاة على الدواب في السفر الذي لا تقصر فيه الصلاة؛ فذهب
الجمهور إلى جواز ذلك في كل سفر، غير مالك ؛ فخصه بالسفر الذي تقصر فيه
الصلاة . قال الطبري : لا أعلم أحداً وافقه على ذلك .
قلت : ولم يُتَّفق على ذلك عنه ، وحجته أن هذه الأحاديث إنما وردت في
أسفاره ◌َبية، ولم ينقل عنه أنه سافر سفراً قصيراً فصنع ذلك .
وحجة الجمهور مطلق الأخبار في ذلك . واحتج الطبري للجمهور من طريق النظر)).
فانظر كلامه في ((الفتح)) .
(*) أي: المتن. انظر (ص٦٣).
٦١
استقبال الكعبة
قلت : وفي قول ابن عمر: وكان يوتر عليها . دليل على أنه يجوز الوتر أيضاً على
الراحلة .
وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد والجمهور . كما في «شرح مسلم» للنووي -،
وذهب أئمتنا الثلاثة إلى أنه لا يجوز ذلك .
وأجاب الطحاوي (٢٤٩/١) عن الأحاديث الواردة في الإيتار على الراحلة - وقد
ساقها من طرق عن ابن عمر - بأنها منسوخة . قال :
((وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله)) .
واحتج على ذلك بما رواه من طريق يزيد بن سنان قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا
حنظلة بن أبي سفيان عن نافع عن ابن عمر:
أنه كان يصلي على راحلته ، ويوتر بالأرض ، ويزعم أن رسول الله
کان يفعل ذلك .
وهذا سند صحيح .
وهذا لا دليل فيه على النسخ مطلقاً؛ لأنه * - كما كان يوتر على الراحلة - أوتر
أيضاً على الأرض . وهذا هو الأصل ، والأول جاء للرخصة ؛ فلا تعارض . وقد قال
الحافظ في ((الفتح)) (٤٥٨/٢):
((قوله : (ويوتر عليها) : لا يعارض ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير:
أن ابن عمر كان يصلي على الراحلة تطوعاً ، فإذا أراد أن يوتر ؛ نزل فأوتر على الأرض .
لأنه محمول على أنه فعل كلا الأمرين ، ويؤيد روايةً الباب ما تقدم في (أبواب
الوتر) أنه أنكر على سعيد بن يسار نزوله الأرض ليوتر؛ وإنما أنكر عليه - مع كونه كان
يفعله -؛ لأنه أراد أن يبين له أن النزول ليس بحتم)) . اهـ.
قلت : وفي إنكاره ذلك أكبر دليل على أنه لا نسخ هنالك .
٦٢
:
استقبال الكعبة
و ((كان - أحياناً - إذا أراد أن يتطوع على ناقته؛ استقبل بها القبلة ،
فكبر، ثم صلى حيث وجَّهَهُ رِكَابُهُ))(١) .
(١) أخرجه أبو داود (١٩١/١)، {وابن حبان في ((الثقات)) (١٤/٤)}،
والدارقطني (١٥٢)، والبيهقي (٥/٢)، والطيالسي (٢٨٢ - ٢٨٣)، وأحمد (٢٠٣/٣)،
والضياء في ((المختارة)) (٧٢/٢) من طريق رِبْعِيّ بن عبدالله بن الجارود: ثني عمرو بن أبي
الحجاج: ثني الجارود بن أبي سَبْرَة : ثني أنس بن مالك :
كان إذا سافر فأراد أن يتطوع ؛ استقبل بناقته القبلة ، فکبَّر ، ثم
أن رسول الله
صلَّی حیث وجهه ركابه . لفظ أبي داود . وقال أحمد وغيره :
حيثما توجهت به .
وهذا إسناد حسن - كما قال النووي في «المجموع» (٢٣٤/٣)، والحافظ في ((بلوغ
المرام)» (١٨٩/١) -، وصححه ابن السكن - كما في («التلخيص)» (٢١٣/٣) -، {وابن
الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (١/٢٢)، ومن قبل عبدالحق الإشبيلي في ((أحكامه)
(رقم ١٣٩٤ - بتحقيقي)، وبه قال أحمد - فيما رواه ابن هانئ في ((مسائله)) (٦٧/١) -}.
وأعله ابن القيم في ((الزاد)) بقوله :
(«وفي هذا الحديث نظر، وسائر من وصف صلاته مه على راحلته أطلقوا أنه كان
يصلي عليها قِبَل أيٍّ جهة توجهت به ، ولم يستثنوا من ذلك تكبيرة الإحرام ولا غيرها ؛
كعامر بن ربيعة ، وعبدالله بن عمر، وجابر بن عبدالله ، وأحاديثهم أصح من حديث
أنس هذا . والله أعلم)) .
قلت : وهذا غير قادح في الحديث بعد أن ثبت إسناده ؛ لأنه يجوز أن يكون قد علم
ما لم يعلمه غيره ، ومن علم حجة على من لم يعلم .
ويجوز أيضاً أن يقال : إنه عليه الصلاة والسلام كان أحياناً يستقبل بناقته القبلة عند
التكبير ؛ بياناً لما هو الأفضل - كما رواه أنس -، وأحياناً لا يستقبل ، بل كيفما تيسر؛
٦٣
استقبال الكعبة
بياناً للجواز. وعليه تحمل الأحاديث الصحيحة التي أشار إليها ابن القيم ، وبذلك يجمع
بين الأحاديث ، ولا يجوز ضرب بعضها ببعض . هذا ما ظهر لي . والله تعالى أعلم .
وأما الشوكاني ؛ فقال (١٤٤/٢):
((والحديث يدل على جواز التنفل على الراحلة ، وعلى أنه لا بد من الاستقبال حال
تكبيرة الإحرام ، ثم لا يضر الخروج بعد ذلك عن سَمْتِ القبلة)». اهـ.
أقول : ولا دلالة في الحديث على أنه لا بد من الاستقبال في تلك الحال ؛ لأنه
فعلٌ، وغاية ما يدل عليه: أن ذلك يشرع ويستحب، لا سيما وأنه لم يكن ثَ﴿ يفعل
ذلك دائماً - كما سبق -؛ ولذلك قال الإمام أحمد - فيما رواه عنه أبو داود في «مسائله))
(ص٧٦) :
((إذا تطوع الرجل على راحلته؛ يعجبني أن يستقبل القبلة بالتكبير على حديث
أنس))(١) . وذكر نحوه عبدالله بن أحمد في ((مسائله)) أيضاً عنه.
والشافعية في وجوب الاستقبال في هذه الحالة وجوه ؛ أصحها - كما قال النووي في
(المجموع)) (٢٣٤/٣)؛ -: إنه إن سهل عليه ذلك؛ وجب، وإلا؛ فلا . قال:
((فالسهل أن تكون الدابة واقفة ، وأمكن انحرافه عليها أو تحريفها ، أو كانت سائرة
وبيده زمامها ؛ فهي سهلة ، وغير السهلة أن تكون مُقَطَّرَةً أو صَعْبة)).
هذا، وأما صلاة الفريضة على الراحلة؛ فقد سبق أنه ◌ٍ لم يكن يفعله .
وقد ورد خلافه في حديث يعلى بن مُرَّة قال :
(١) وفيه إشارة إلى أنه حديث ثابت عند أحمد؛ فهو يعضد ما ذهبنا إليه، ويَرُدُّ على ابن القيم
اعلالَهُ إياه .
٦٤
استقبال الكعبة
انتهينا مع النبي ﴿ إلى مضيق، السماء من فوقنا، والبِلَّةُ من أسفلنا، وحضرت
الصلاة، فأمر المؤذن؛ [فأذن] وأقام - أو: أقام بغير أذان -، ثم تقدم النبي عَ ل﴾ ، فصلّى بنا
على راحلته ، وصلينا خلفه على رواحلنا ، وجعل سجوده أخفض من ركوعه .
ولكنه حديث ضعيف . أخرجه الترمذي (٢٦٦/٢ - ٢٦٧)، والدارقطني (١٤٦)،
والبيهقي (٧/٢)، وأحمد (١٧٣/٤ - ١٧٤) من طريق عمرو بن عثمان بن يعلى بن مرة
عن أبيه عن جده يعلى بن مرة .
.
وعلته عمرو بن عثمان ووالده ؛ فإنهما مجهولان ؛ ولذلك قال الترمذي :
((حديث غريب)) . يعني : ضعيف . وقال البيهقي :
«وفي إسناده ضعف، ولم يثبت من عدالة بعض رواته ما يوجب قبول خبره ،
ويحتمل أن يكون ذلك في شدة الخوف)). اهـ. قال الصنعاني (١٨٩/١):
((وثبت ذلك عن أنس من فعله ... وذهب البعض إلى أن الفريضة تصح على
الراحلة ؛ إذا كان مستقبل القبلة في هَوْدَج ، ولو كانت سائرة كالسفينة ؛ فإن الصلاة
تصح فيها إجماعاً - قال الصنعاني : - قلت : وقد يفرق بأنه قد يتعذر في البحر وجدان
الأرض ؛ فَعُفِيَ عنه بخلاف راکب الهودج .
وأما إذا كانت الراحلة واقفة ؛ فعند الشافعي تصح الصلاة للفريضة ، كما تصح
عندهم في الأرجوحة المشدودة بالحبال ، وعلى السرير المحمول على الرجال ؛ إذا كانوا
واقفين)) . اهـ .
قلت : فإذا تعذرت الصلاة على الأرض - كأن تكون موحلة ؛ کما في حدیث یعلی ،
أو كان راكباً في قطار، أو طائرة محلقة في السماء ، ولا يمكنه النزول منهما ، وخشي
خروج الوقت -؛ فالقول بجواز الصلاة هو المعتمد ؛ لقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا
٦٥
استقبال الكعبة
و ((كان إذا أراد أن يصلي الفريضة؛ نزل، فاستقبل القبلة))(١).
وسعها ﴾ ، وقوله
«وما أمرتكم به ؛ فأتوا منه ما استطعتم)) .
أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة .
وقال أبو داود في ((مسائله)) (٧٦) :
(«قلت لأحمد : الرجل يكون في السَّرِيَّةِ ، ويكون الثلج كثيراً؛ لا يقدر يسجد عليه
الرجل؟ قال : يصلي على دابته . قال : قلت : يكون مطرٌ فيخاف أن تبتل ثيابه؟ قال :
يصلي على دابته)). وقال المروزي في ((مسائله)):
((قلت - يعني لأحمد -: إذا صلى في ماء وطين ؛ كيف يسجد؟ قال : إذا كان لا
يقدر على السجود ويفسد ثيابه ؛ يومئ إيماء - كما قال أنس -. قال إسحاق: كما قال.
قال: ويجزيه المكتوبة في الحضر - كما قال أنس -)).
٠٩
(١) رواه جابر بن عبد الله قال:
كان رسول الله عليه على راحلته نحو المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة؛ نزل
فاستقبل القبلة .
أخرجه البخاري (٤٠٠/١ ٤٦٠/٢)، والدارمي (٣٥٦/١)، والبيهقي (٦/٢) - وزاد:
وصلى -، وأحمد (٣٠٥/٣ و٣٣٠ و ٣٧٨) من طريق محمد بن عبدالرحمن بن ثوبان عنه .
وفي الباب عن ابن عمر وعامر بن ربيعة ، وقد ذكرنا حديثَيْهِما قريباً . قال الحافظ
في «الفتح» :
((قال ابن بطال : أجمع العلماء على اشتراط النزول للفريضة ، وأنه لا يجوز لأحد أن
يصلي الفريضة على الدابة من غير عذر، حاشا ما ذكر في صلاة شدة الخوف)).
٦٦
استقبال الكعبة
وأما في صلاة الخوف الشديد ؛ فقد سنَّ ◌َّةٍ لأمته أن يصلوا ((رجالاً؛
قياماً على أقدامهم، أو ركباناً؛ مستقبلي القبلة ، أو غير مستقبليها))(١)
قلت : يعني حديث ابن عمر الآتي ؛ وهو :
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) (١٩٣/١)، ومن طريقه البخاري (١٦١/٨)، ومحمد
في («موطئه)) (ص ١٥٥)، والشافعي في ((الأم)) (٨٣/١)، وعنه البيهقي (٨/٢) عن نافع:
أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل عن صلاة الخوف ؛ قال :
يتقدم الإمام وطائفة ... ثم قصَّ الحديث . وقال ابن عمر في الحديث :
فإن كان خوفٌ أشد من ذلك ؛ صلوا رجالاً؛ قياماً على أقدامهم ، أو ركباناً؛
مستقبلي القبلة ، أو غير مستقبليها . قال مالك :
قال نافع : لا أری عبدالله بن عمر ذکر ذلك إلا عن رسول الله
ورواه ابن خزيمة من حديث مالك بلا شك. ((تلخيص)) (٢٠٩/٣).
{وهو مخرج في ((الإرواء» (٥٨٨)} .
وأخرجه مسلم (٢١٢/٢) عن سفيان الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع به نحوه
مرفوعاً ، وفي آخره :
وقال ابن عمر: فإذا كان خوفٌ أكثر من ذلك؛ فَصَلِّ راكباً أو قائماً؛ تُؤْمِئُ إِيْمَاءٌ .
فجعل قول ابن عمر هذا فقط موقوفاً . قال الحافظ (٣٢٦/٢):
((ورواه ابن المنذر من طريق داود بن عبدالرحمن عن موسى بن عقبة موقوفاً كله .
لكن قال في آخره : وأخبرنا نافع : أن عبدالله بن عمر كان يخبر بهذا عن النبي
فاقتضى ذلك رفعه کله)) .
وأخرجه البخاري (٣٤٥/٢) من طريق ابن جريج عن موسى به مرفوعاً ؛ بلفظ : .
٦٧
استقبال الكعبة
((وإن كانوا أكثر من ذلك؛ فليصلوا قياماً وركباناً» .
وأخرجه الطبري بإسناد البخاري ، ولفظه : عن ابن عمر قال :
إذا اختلطوا - يعني : في القتال -؛ فإنما هو الذكر وإشارة الرأس .
٤ : ((فإن كانوا ... )) إلخ.
قال ابن عمر: قال النبى
قلت: وكذا رواه البيهقي (٢٥٥/٣) ..
وأخرجه ابن ماجه (٣٧٩/١) من طريق عبيدالله بن عمر عن نافع عن ابن عمر
قال : قال رسول الله تري في صلاة الخوف :
((أن يكون الإمام يصلي بطائفة ... )) الحديث ، وفيه :
(( ... فإن كان خوف أشد من ذلك ؛ فرجالاً أو ركباناً ... )).
وهذا شاهد قوي لرواية ابن المنذر المرفوعة كلها . قال الحافظ :
((وإسناده جيد. والحاصل : أنه اختلف في قوله : ((فإن كان خوف أشد من
ذلك ... ))؛ هل هو مرفوع، أو موقوف على ابن عمر؟ والراجح رفعه. والله أعلم)).
انتھی . ثم قال :
«قوله : (وإن كانوا أكثر من ذلك): أي : إن كان العدو . والمعنى : أن الخوف إذا
اشتد، والعدو إذا كثر ، فخيف من الانقسام لذلك ؛ جازت الصلاة حينئذ بحسب
الإمكان، وجاز ترك مراعاة ما لا يقدر عليه من الأركان ؛ فينتقل عن القيام إلى الركوع ،
وعن الركوع والسجود إلى الإيماء ، إلى غير ذلك ، وبهذا قال الجمهور. ولكن قال
المالکیة : لا يصنعون ذلك حتی یخشی فوات الوقت» . اهـ.
وبمثل ما ذكره عن الجمهور حكاه الطحاوي (١٩٠/١) عن الأئمة الثلاثة ؛ قالوا :
٦٨
استقبال الكعبة
:
وقال
((إذا اختلطوا؛ فإنما هو التكبير والإشارة بالرأس))(١).
وكان لل يقول :
. «ما بين المشرق والمغرب قبلة))(٢).
(«وكذلك لو أن رجلاً كان على الأرض ، فخاف إن سجد أن يفترسه سَبُع ، أو يضربه
رجل بسيف ؛ فله أن يصلي قاعداً ، إن كان يخاف ذلك في القيام ، ويومئ إيماء)).
(١) هو قطعة من حديث ابن عمر الذي تقدم (ص٦٧)، وقد أخرجه البيهقي
(٢٥٥/٣ - ٢٥٦) {بسند («الصحيحين»}، وفيه عنده هذه القطعة . ورواه مسلم ، قال :
فقال ابن عمر: فإذا كان خوف أكثر من ذلك؛ فصلِّ راكباً أو قائماً؛ تومئ إيماءٌ .
وهذا ، وإن كان ظاهره موقوفاً ؛ فقد ذكرنا فيما تقدم ما يدل على أن الحديث كله
مرفوع . فراجعه .
٠
(٢) هذا حديث صحيح(١) . أخرجه الترمذي (١٧١/٢)، وابن ماجه (٣١٧) من
طريق أبي مَعْشَر نَجِيح عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً به .
وأبو معشر : ضعيف ؛ قال الترمذي :
((وقد تكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه)).
قلت : لكنه لم يتفرد به ؛ فقد أخرجه الترمذي بسند آخر ، فقال (١٧٣):
ثنا الحسن بن أبي بكر المروزي : ثنا المُعَلَّى بن منصور: ثنا عبد الله بن جعفر المُخَرِّمي
عن عثمان بن محمد الأَخْتَسِي عن سعيد المقْبُري عن أبي هريرة مرفوعاً به . وقال :
(حديث حسن صحيح» . قال :
(١) {وقد خرجته في ((إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل)) (٢٩٢)}.
٦٩
استقبال الكعبة
((قال محمد - يعني : البخاري -: هو أقوى من حديث أبي معشر وأُصح)).
قلت: ورجاله ثقات. غير شيخ الترمذي الحسن بن أبي بكر. كذا هو في ((السنن))،
حتى في النسخة التي صححها أحمد شاكر القاضي ! وهو خطأ ، والصواب: الحسن بن بكر؛
بحذف لفظة: (أبي) - كما في كتب الرجال: ((التهذيب))، و((الخلاصة))، و((التقريب)» ..
وهو: الحسن بن بكر بن عبدالرحمن المروزي ، أبو علي ، نزيل مكة . وقال مسلم :
((مجهول)). كما في ((التهذيب)). وذكر فيه جمعاً من الثقات رووا عنه ، وكأنه لذلك
قال في «التقريب)»:
(صدوق)) . والله أعلم .
وللحدیث شاهد من حديث ابن عمر .
أخرجه الدارقطني (١٠١)، والحاكم (٢٠٦/١) عن يزيد بن هارون : أخبرنا محمد
ابن عبدالرحمن بن المُجَبِّر عن نافع عنه مرفوعاً به . وقال الحاكم :
((صحيح . وابن مجبر: ثقة)) .
قلت : كلا؛ ليس بثقة ؛ بل هو متفق على تضعيفه ، وقد أورده الذهبي في
((الميزان))، وكذا الحافظ في ((اللسان))، فلم يذكرا توثيقه عن أحد ؛ بل حَكَوا عبارات
الأئمة في ضعفه . فقد تفرد الحاكم بتوثيقه ؛ فلا يعتمد عليه .
لكنه قد توبع؛ فأخرجه الدارقطني، وعنه الضياء في ((المختارة))، والحاكم أيضاً
(٢٠٥) من طريق أبي يوسف يعقوب بن يوسف الواسطي : ثنا شعيب بن أيوب: ثنا
عبدالله بن نمير عن عبيدالله بن عمر عن نافع به . وقال الحاكم :
. («صحيح على شرط الشيخين ؛ فإن شعيب بن أيوب ثقة، وقد أسنده)). ووافقه
الذهبي .
٧٠
استقبال الكعبة
قلت : ولكن شعيباً لم يخرج له الشيخان ؛ إنما أخرج له أبو داود فقط ، فالحديث
صحيح فقط ؛ إن كان الراوي عنه يعقوب بن يوسف الواسطى ثقة ؛ فقد تفرد به عنه ،
ولم أجد له ذكراً في شيء من كتب الرجال التي عندي .
وقد أخرجه البيهقي (٩/٢) عن الحاكم من الطريقين ، ثم قال :
((تفرد بالأول ابن مُجَبِّر. وتفرد بالثاني يعقوب بن يوسف الخلال . والمشهور رواية
الجماعة ؛ حماد بن سلمة ، وزائدة بن قدامة ، ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم عن
عبيدالله عن نافع عن ابن عمر عن عمر من قوله)) . قال :
«وروي عن أبي هريرة مرفوعاً . وروي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن
مرسلاً» . قال :
النبي
(«والمراد به - والله أعلم - أهل المدينة ، ومن كان قبلته على سمت أهل المدينة فيما
بین المشرق والمغرب )). اهـ.
وذلك ينطبق على من كان في الشمال أو الجنوب بالنسبة لمكة .
وأما من كان في الشرق أو الغرب ؛ فقبلته ما بين الشمال والجنوب . قال العلامة
الصنعاني في ((سبل السلام)) (١٨٨/١):
((والحديث دليل على أن الواجب استقبال الجهة لا العين في حق من تعذرت عليه
العين ، وقد ذهب إليه جماعة من العلماء؛ لهذا الحديث)).
قلت : وعليه الحنفية . قال :
((ووجه الاستدلال به على ذلك أن المراد أن بين الجهتين قبلةً لغير المُعاين ، ومَن في
حكمه ؛ لأن المُعاين لا تنحصر قبلته بين الجهتين المشرق والمغرب، بل كل الجهات في
حقه سواء متى قابل العين أو شطرها)).
٧١
٤
استقبال الكعبة
وقال جابر رضي الله عنه :
* في مسيرة أو سريّة ، فأصابنا غیم ، فتحرَّینا
«کنا مع رسول الله
واختلفنا في القبلة ؛ فصلى كلُّ رجل منا على حدة، فجعل أحدنا يخطُّ
بين يديه ؛ لنعلم أمكنتنا ، فلما أصبحنا ؛ نظرناه ، فإذا نحن صلينا على غير
القبلة، فذكرنا ذلك للنبي ﴿﴾، [فلم يأمرنا بالإعادة]، وقال :
((قد أجزأت صلاتكم)))) (١) .
(١) هذا حديث حسن - أو صحيح -؛ جاء من طرق يقوي بعضها بعضاً، {وهو
مخرج في ((الإرواء)) (٢٩٦)} .
فأخرجه الدارقطني (١٠١)، والحاكم (٢٠٦/١)، والبيهقي (١٠/٢) من طريق داود
ابن عمرو الضَّبِّي : ثنا محمد بن يزيد الواسطي عن محمد بن سالم عن عطاء عنه به .
والسياق للبيهقي بدون الزيادة؛ فهي عند الأَوَلَيْن . وقال الحاكم :
((هذا حديث محتج برواته كلهم، غير محمد بن سالم؛ فإني لا أعرفه بعدالة ولا
جرح)) . قال الذهبي :
((هو أبو سهل، واه)) .
قلت : لكنه توبع؛ فرواه الدارقطني أيضاً ، وكذا البيهقي (١١/٢) ، وابن مردويه في
(«تفسيره)) من طريق أحمد بن عبيدالله بن الحسن العنبري قال : وجدت في كتاب أبي :
ثنا عبدالملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء به نحوه .
وعبدالملك هذا: ثقة ؛ من رجال مسلم. لكن في الطريق إليه أحمد بن عبيدالله
العنبري : وليس بالمشهور؛ قال الذهبي :
((قال ابن القطان: مجهول)). قال الحافظ في («اللسان»:
(«وذكره ابن حبان في ((الثقات)) فقال: روى عن ابن عنبسة، وعنه ابن الباغندي.
٧٢
استقبال الكعبة
لم تثبت عدالته . وابن القطان تبع ابن حزم في إطلاق التجهيل على من لا يَطَّلِعُون على
حاله . وهذا الرجل بصري شهير، وهو ولد عبيدالله القاضي المشهور)). اهـ.
وأعله البيهقي بما فيه من الوجادة . وهذه ليست بعلة قادحة ؛ فقد أجاز الشافعي وغيره
العمل بالوجادة - كما هو مذكور في مصطلح الحديث -، وذكرنا شيئاً منه في كتابنا ((نقد
التاج)) رقم (٨٤)، ولذلك لما ذكر الحديث الحافظ في ((الدراية)) (٦٨) ؛ ما أعله إلا بقوله:
((وفيه جهالة)). يعني: جهالة أحمد بن عبيدالله المذكور، على أن الحافظ لم يرتضٍ - كما
يُستشمّ من كلامه السابق - إطلاق الجهالة عليه كما فعل ابن القطان وغيره . والله أعلم .
وللحديث متابعة أخرى؛ فأخرجه البيهقي (١٠/٢ - ١١) عن محمد بن عبيدالله
العَرْزَمي عن عطاء به نحوه .
والعرزمي : ضعيف .
وللحديث شواهد :
منها: ما أخرجه الترمذي (١٧٦/٢)، وابن ماجه (٣١٩/١) والدارقطني ،
والطيالسي (١٥٦)، وعنه البيهقي من طريقين عن عاصم بن عبيدالله عن عبد الله بن
عامر بن ربيعة عن أبيه نحوه .
ورجاله عند الطيالسي رجال مسلم ، غير عاصم هذا؛ فهو ضعيف لسوء حفظه .
فمثله لا بأس به في المتابعات .
ومنها : ما أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) من حديث معاذ بن جبل بنحو حديث
جابر. قال الهيثمي (١٥/٢):
((وفيه أبو عبلة والد إبراهيم، ذكره ابن حبان في ((الثقات))، واسمه : شمر بن يقظان)).
ومنها: ما رواه ابن مردويه في «تفسيره)) أيضاً من حديث الكلبي عن أبي صالح عن ابن
عباس بنحو حديث عامر بن ربيعة .
٧٣
استقبال الكعبة
** يصلي نحو بيت المقدس - [والكعبة بين يديه] - قبل أن
و«کان
تنزل هذه الآية: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلَّب وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَئُولٌيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الحرام﴾ (البقرة: ١٤٤). فلما نزلت؛ استقبلَ الكعبة .
فبينما الناس بقُباء في صلاة الصبح؛ إذ جاءهم آتٍ ، فقال : إنَّ رسول
﴿ قد أُنزل عليه الليلة قرآن ، وقد أُمرَ أن يستقبل الكعبة؛ [ألا]
الله
فاستقبلوها . وكانت وجوههم إلى الشام ، فاستداروا ، [واستدار إمامهم
حتى استقبل بهم القبلة])» (١) .
ذكره الحافظ ابن کثیر في «تفسيره» (١٥٩/١) ، ثم قال :
((وهذه الأسانيد فيها ضعف . ولعله يشد بعضها بعضاً . وأما إعادة الصلاة لمن تبين
له خطؤه ؛ ففيها قولان للعلماء، وهذه دلائل على عدم القضاء». اهـ.
قلت : وهو مذهب أحمد وغيره ؛ فقد قال الترمذي - بعد أن ساق حديث عامر بن ربيعة -:
((وقد ذهب أكثر أهل العلم إلى هذا . قالوا : إذا صلى في الغيم لغير القبلة ، ثم
استبان له بعدما صلى أنه صلى لغير القبلة ؛ فإن صلاته جائزة . وبه يقول سفيان الثوري
وابن المبارك وأحمد وإسحاق».
وكلامهما في ذلك مذكور في ((مسائل المروزي)) عنهما، وفي ((مسائل عبدالله)) عن أبيه.
قلت : وهو الصحيح من مذهب الحنفية - كما في ((الهداية)) -، خلافاً للشافعية ؛
فإن الأصح عندهم ۔ کما قال النووي (٢٥٥/٣) - أنه :
((تجب الإعادة؛ إن تيقن الخطأ)). وعليه يدل كلام الشافعي في ((الأم)) (٨٢/١).
والصواب : ما ذهب إليه الأولون للأحاديث التي ذكرنا ، ولحديث صلاة أهل قباء نحو
بيت المقدس ، واستدارتهم إلى الكعبة ، كما يأتي قريباً .. وإلى هذا ذهب الصنعاني (١٨٧/١).
(١) ورد ذلك كله في أحاديث صحيحة :
٧٤
استقبال الكعبة
الحديث الأول : عن أنس قال :
كان رسول الله ثم يصلي نحو بيت المقدس ، فنزلت: ﴿قَد نَرى تَقُلُّبَ وَجْهِكَ في
السَّماءِ فَلَنُولِّيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَاهَا فَوَلِّ وجهَكَ شَطْرَ المسجدِ الحرام﴾. فمرّ رجل من بني
سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر ، وقد صلوا ركعة فنادى: ألا إن القبلة قد حُوَّلَتْ .
فمالوا كما هم نحو القبلة .
أخرجه مسلم (٦٦/٢)، وأبو داود (١٦٤/١ ـ١٦٥)، وعنه البيهقي (١١/٢)،
{ وابن سعد (٢٤٢/١)}، وأحمد (٢٨٤/٣)، والحازمي في («الاعتبار)» (٤٣) عن حماد
عن ثابت - زاد أبو داود : وحمید - عنه .
الثاني : حديث ابن عمر قال :
بينما الناس بقباء ... الحديث". وفي آخره: فاستداروا إلى الكعبة .
أخرجه البخاري (٤٠٢/١ :١٤١/٨)، ومسلم، ومالك (٢٠١/١)، ومن طريقه
محمد في ((موطئه)) (١٥٢)، والشافعي في ((الأم)) (٨١/١ - ٨٢)، وعنه البيهقي
(٢/٢)، والنسائي أيضاً (٨٥/١ و١٢٢)، والدارمي (٢٨١/١)، والدارقطني (١٠٢)،
وأحمد (١٥/٢ - ١٦ و٢٦ و١٠٥ و ١١٣) من طرق عن عبدالله بن دينار عنه .
والسياق للبخاري . والزيادة الأولى هي عنده في رواية . وأما الرواية الأخرى ؛ فهي
في حديث آخر ، وهو:
الثالث : عن سهل بن سعد :
كان يصلي قِبَل بيت المقدس ، فلما حُوَّلَ ؛ انطلق رجل إلى أهل قباء ،
أن النبي
فوجدهم يصلون صلاة الغداة ، فقال :
إن رسول الله ◌َّةُ أمر أن يصلى إلى الكعبة. فاستدار إِمامُهم؛ حتى استقبل بهم
القبلة . قال الهيثمي (١٤/٢):
استقبال الكعبة
((رواه الطبراني في «الكبير» {(٢/١٠٨/٣) = [٥٨٦٠/١٦٢/٦]}. ورجاله موثقون)).
قلت : وأخرجه أيضاً الدارقطني (١٠٢) من طريق عبيدالله بن موسى: ثنا
عبدالسلام بن حفص عن أبي حازم عنه به .
وهذا سند جيد؛ رجاله رجال الستة ، غير عبدالسلام هذا، وقد روى عنه جمع ،
ووثقه ابن معين .
وقد جاء بيان كيفية التحول الوارد في هذا الحديث في حديث آخر بأوضح منه ، وهو :
الحديث الرابع : عن تُوَيلة - بالمثناة الفوقية مصغراً - بنت أسلم قالت :
إِنَّا لَبِمَقَامِنا نصلي في بني حارثة، فقال عباد بن قبطي: إن رسول الله صلَُّ قد
استقبل البيتَ الحرامَ والكعبةَ . فتحول الرجالُ مكان النساءِ ، والنساءُ مكان الرجالِ ؛
فصلوا الركعتين الباقيتين نحو الكعبة . قال الهيثمي :
(رواه الطبراني في ((الكبير)). ورجاله موثقون)).
قلت: وعزاه الحافظ في ((الفتح)) (٣٩٩/١ و٤٠٢) لابن أبي حاتم ، وسكت عليه (*).
فالعهدة عليهما ؛ فإني رأيت الحافظ قد ذكره في (الإصابة)) في ترجمة تويلة ، فقال :
(روى حديثها الطبراني من طريق إبراهيم بن حمزة الزبيري عن إبراهيم بن جعفر
ابن محمود بن محمد بن مسلمة عن أبيه عن جدته أم أبيه تُويَلة بنت أسلم - وهي من
المبايعات - قالت :... )) فذكر الحديث .
وهذا إسناد رجاله ثقات ، غير إبراهيم بن جعفر هذا؛ فإني لم أجد من ذكره ، وأظن
أنه في كتاب ((الثقات)) لابن حبان؛ فإنه عمدة الهيثمي فيمن يوثقه في (المجمع)) ممن لا
ذكر لهم في الكتب المشهورة . والله أعلم .
(*) وعزاه الشيخ رحمه الله تعالى في ((الصفة)) المطبوع (ص٧٧) للسراج .
٧٦
استقبال الكعبة
ثم قال الحافظ - بعد أن ساق القطعة الأخيرة من حديث تُويلة -:
((قلت : وتصويره: أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد .
لأن من استقبل الكعبة ؛ استدبر بيت المقدس . وهو لو دار كما هو في مكانه ؛ لم يكن
خلفه مكان يسع الصفوف . ولَمَّا تحول الإمام ؛ تحولت الرجال حتى صاروا خلفه ، وتحوّلت
النساءُ حتى صِرْنَ خلف الرجالِ .
وهذا يستدعي عملاً كثيراً في الصلاة ؛ فيحتمل أن يكون ذلك وقع قبل تحريم العمل
الكثير - كما كان قَبْلَ تحريم الكلام .. ويحتمل أن يكون اغْتُفِرَ العملُ المذكور؛ من أجل
المصلحة المذكورة ، أو لم تَتَوَالَ الخُطى عند التحول؛ بل وقعت مفرقة. والله أعلم)) .
ثم إن هذه القصة التي روتها تويلة هي غير قصة أهل قباء ؛ بدليل أن هذه كانت في
بني حارثة ، وكانت الصلاة رباعية ، وتلك كانت في بني عمرو بن عوف ، وهم أهل قباء
وكانت الصلاة ثنائية وهي صلاة الصبح - كما سبق -.
ويشهد لما ذكرنا حديث البراء بن عازب ، وهو:
الحديث الخامس : قال :
كان رسول الله تَّ﴾ [لما قدم المدينة] صلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو
سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله تَ﴾ يحب أن يُوَجَّهَ إلى الكعبة؛ فأنزل الله: ﴿قَد
نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السَّماءِ﴾ ؛ فتوجه نحو الكعبة . وقال السفهاء من الناس (وهم
اليهود): ﴿مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِم التي كانُوا عَلَيْها قُلْ لله المَشْرِقُ والَمَغْرِبُ يَهْدِيْ مَنْ يَشَاءُ
إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيْم﴾.
فصلى مع النبي ◌َّ﴾ رجل، ثم خرج بعدما صلى، فمرّ على قوم من الأنصار في
صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله ◌َّة ، وأنه توجه
نحو الكعبة . فَتَحَرَّفَ القوم حتى توجهوا نحو الكعبة .
٧٧
٤
استقبال الكعبة
أخرجه البخاري (٧٩/١ - ٨١ ٣٩٩ - ٤٠٠ و١٣٨/٨ - ١٣٩)، - واللفظ له، إلا
الرواية الثانية؛ فهي للترمذي -، ومسلم (٥٥/٢ و٦٦)، والنسائي (٨٥/١ و١٢١)،
والترمذي (١٦٩/٢ - ١٧٠) - وقال: ((حسن صحيح)) -، وابن ماجه (٣١٧)، والدارقطني
(١٠٢)، والبيهقي (٢/٢ - ٣)، والطيالسي (٩٨)، وأحمد (٢٨٣/٤ و٢٨٩ و٣٠٤) من
طرق عن أبي إسحاق عنه ؛ صرح في بعضها بسماعه منه .
فهذا شاهد قوي لرواية تويلة : أن الصلاة كانت صلاة العصر. قال القاضي أبو بكر
ابن العربي في ((عارضة الأحوذي شرح الترمذي» (١٣٩/٢):
(ووجه الجمع بين اختلاف الرواية في الصبح والعصر: أن الأمر بلغ إلى قوم في
العصر، وبلغ إلى أهل قباء في الصبح)). وذكر مثله الحافظ ابن حجر في ((الفتح)).
واعلم أن في هذا الحديث فوائد كثيرة :
منها : أن من كان في صلاة فعلم أنه قد أخطأ القبلة ؛ فعليه أن يستدير فيها نحوها ، ولو
تكرر ذلك مراراً - كما قال به علماؤنا -، وقال الإمام محمد في ((الموطأ)) - بعد أن ساق الحديث -:
((وبهذا نأخذ فيمن أخطأ القبلة حتى صلى ركعة أو ركعتين ، ثم علم أنه يصلي إلى
غير القبلة ؛ فليحرف إلى القبلة ، فيصلي ما بقي ، ويعتد بما مضى . وهو قول أبي حنيفة
رحمه الله).
وفيه : جواز تعليم من ليس في الصلاة مَنْ هو فيها . وأن استماع المصلي لكلام من
ليس في الصلاة لا يفسد صلاته . وسيأتي في هذا مثال وأمثلة أخرى في مكان آخر من
الكتاب . وفيه فوائد أخرى ذكرها في ((فتح الباري)).
٧٨
القيام
إ يقف فيها قائماً، في الفرض والتطوع (١؛ ائتماراً بقوله
و «کان
تعالى: ﴿وقُوموا لله قانِتِينَ﴾ (٢) (البقرة: ٢٣٨).
(١) أما قيامه في الفرض ؛ فقد سبق ذكر بعض الأحاديث الواردة في ذلك .
وأما قيامه في التطوع؛ ففيه حديث حفصة زوج النبي ﴿ أنها قالت :
ما رأيت رسول الله ﴿ صلَّى سبحته قاعداً قط ، حتى كان قبل وفاته بعام؛ فكان
يصلي في سبحته قاعداً ، ويقرأ بالسورة ، فيرتلها ؛ حتى تكون أطولَ مِن أطولَ منها .
أخرجه مالك (١٥٧/١) عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد عن المطلب بن أبي
وَدَاعَةَ السِّهْمِي عنها .
ومن طريق مالك أخرجه مسلم (١٦٤/٢)، والنسائي (٢٤٥/١)، والترمذي في
«السنن)) (٢١١/١ - ٢١٢) وفي ((الشمائل)) (٩٩/٢)، وكذا الإمام محمد في ((موطئه))
(ص١١٢)، والبيهقي (٤٩٠/٢)، وأحمد (٢٨٥/٦)؛ كلهم عنه به .
ثم أخرجه مسلم ، وأحمد من طريق معمر عن الزهري به .
ومن اللطائف في هذا الإسناد : أن فيه ثلاثة من الصحابة على نسق واحد يروي
بعضهم عن بعض : السائب ، والمطلب ، وحفصة . رضي الله عنهم أجمعين .
(٢) أي : خاشعين ذَلِيْلِیْنَ مُسْتَكِئْنِيْنَ بین یدیه .
وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة ؛ لمنافاته إياها . ولهذا لما امتنع النبي
من الرد على ابن مسعود حين سلم عليه وهو في الصلاة ؛ اعتذر إليه بذلك ، وقال :
((إن في الصلاة لشغلاً» (*). كذا في ((تفسير ابن كثير)).
(*) متفق عليه . وانظر تخريجه في ((صحيح أبي داود)» (٨٥٦).
٧٩
القيام
وفي الآية دليل على فرضية القيام في الصلاة على القادر عليه ؛ كما يدل على ذلك
الآية التي بعدها : ﴿فَإِنْ خِفْتُم فَرِجَالاً أو رُكْبَاناً﴾. وقد نقل العلماء إجماع الأمة على
هذا ؛ سواء كان إماماً أو مأموماً .
واختلفوا في المأموم الصحيح يصلي قاعداً خلف إمام مريض لا يستطيع القيام . قال
القرطبي في تفسيره (٢١٨/٣):
((فأجازت ذلك طائفة من أهل العلم، بل جمهورهم؛ لقوله :{ في الإمام:
((إذا صلى جالساً؛ فصلوا جلوساً أجمعون)). وهذا هو الصحيح في المسألة)).
وسيأتي بيان ذلك قريباً عند الكلام على الحديث الذي ذكره .
وأما القيام في النافلة ؛ فقد نقل النووي في ((شرح مسلم)) إجماع العلماء على جواز
تركه مع القدرة عليه؛ مستدلاً بصلاته:﴿ جالساً في صلاة الليل - كما يأتي -.
النافلة راکباً على الدابة دون الفريضة - کما ذکرنا
بَعْدُ ، وسبق تخريجه ۔ .
ويدل لذلك أيضاً صلاته:
(فائدة): قال أبو بكر الجصاص في ((أحكام القرآن)) عند هذه الآية: ﴿وقوموا لله
قانتين ﴾ :
«تضمن إيجاب القيام فيها . ولما كان القنوت اسماً يقع على الطاعة ؛ اقتضى أن
يكون جميع أفعال الصلاة طاعة ، وألا يتخللها غيرها ؛ لأن القنوت هو الدوام على
الشيء، فأفاد ذلك النهي عن الكلام فيها ، وعن المشي ، وعن الاضطجاع ، وعن الأكل
والشرب ، وكل فعل ليس بطاعة ؛ لما تضمنه اللفظ من الأمر بالدوام على الطاعات التي
هي من أفعال الصلاة ، والنهي عن قطعها بالاشتغال بغيرها ؛ لما فيه من ترك القنوت
الذي هو الدوام عليها ، واقتضى أيضاً الدوام على الخشوع والسكون ؛ لأن اللفظ ينطوي
عليه ويقتضيه ، فانتظم هذا اللفظ - مع قلة حروفه - جميع أفعال الصلاة ، وأذكارها ،
٨٠