النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
- تعالى - وباليوم الآخر والتأهب لما بعد الموت فإن الساعة قد قربت وظهر كثير
من أشراطها وعلاماتها ومن هذه العلامات خمس.
وأولى هذه العلامات: في قوله {َّ﴾ («يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ)) أي تدنو وتتقارب
الأوقات وتذهب البركة منها فلا يظهر التفاوت في الليل والنهار بالقصر والطول
فتذهب البركة؛ فيذهب اليوم والليلة بسرعة (١) ومنه حديث الرسول وَلّ ((لَا تَقُومُ
السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونُ السَّنَّةُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةٍ وَتَكُونُ
الْجُمُعَةُ كَالْيَوْمٍ وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرَمَةِ بِالنَّارِ))(٢).
قال الإمام البيضاوي: (يحتمل أن يكون المراد بتقارب الزمان تسارع
الدول في الانقضاء والقرون إلى الانقراض فيتقارب زمانهم وتتدانى أيامهم)
وقال ابن بطال: (معناه والله أعلم تفاوت أحواله في أهله في قلة الدین حتى لا
يكون فيهم من يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر لغلبة الفسق وظهور أهله)(٣)
فإذا كان الأمر كذلك كانت الأعمار قصيرة لقلة البركة في أيام عمرها وسنينها
فمن تهاون ضاع وخاب وخسر.
ومن هذه العلائم أيضاً قبض العلم: بقبض العلماء(٤) فإن العلم لا ينتهي
بانقضائه ولكن بموت أصحابه وقد صح عنه وَّه أنه قال: ((إِنَّ اللهَّ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ
انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالمًّا
(١) فتح الباري ٥٢٢/٢، وعمدة القاري ١٨٢/٢٢٤، وتحفة الأحوذي ٦/ ٤٥٢ .
(٢) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٣٣٢، وصحيح الجامع الصغير
للألباني ٧٤٢٢ .
(٣) عمدة القاري ٢٤/ ١٨٢.
(٤) عمدة القاري ٢١٥/٢٤، وفيض القدير ١١٧/٤.

١٤٢
أ
!
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
التَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا))(١).
ومن هذه العلامات قوله ◌َ ﴾ (( وَتَظْهَرُ الْفِتَرُ)) المراد كثرتها واشتهارها
وعدم التكاتم بها(٢)، فإذا كانت كذلك ترتبت عليها المحن، وفي الحديث يقول
وَجَ: ( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنَا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ يُصبحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا
أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا))(٣) فالفتن من أصعب ما
يمر به المرء والنجاة منها بالاعتصام بالدين واجتنابها حتى بالفرار أو الانفراد،
وقد نص على ذلك قوله ◌َله: ((يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا
شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنْ الْفِتَنِ»(٤).
وقوله ◌َّه ((وَيُلْقَى الشُّخُّ)) قال الحافظ ابن حجر: (إلقاؤه في قلوب الناس
على اختلاف أحوالهم حتى يبخل العالم بعلمه فيترك التعليم والفتوى ويبخل
الصانع بصناعته حتى يترك تعليم غيره ويبخل الغني بماله حتى يهلك الفقير
وليس المراد وجود أصل الشح لأنه لم يزل موجوداً)(٥).
ومن ذلك أيضاً قوله وَله: ((وَيَكْثُرُ الْرْجُ. قَالُوا: وَمَا الهْرْجُ؟ قَالَ: الْقَتْلُ))
فيكثر القتال بين الناس، ويتهارجون فيما بينهم، فينشأ بينهم الخلاف، ويتهاونون
بسفك الدماء، وقد صح عنه بَّه في حديث آخر(٦) قوله: ((بَادِرُوا بِالْمُؤْتِ سِتَّا إِمْرَةَ
(١) رواه البخاري ١٠٠.
(٢) فتح الباري ١٨/١٣، وانظر: عمدة القاري ٢٤/ ١١٨٣، مرقاة المفاتيح ١٧/١٠.
(٣) رواه مسلم ١١٨ .
(٤) رواه البخاري ١١٥ .
(٥) فتح الباري ١٣/ ١٧، وانظر: الديباج على مسلم ٣٨/٦، ومرقاة المفاتيح ١٠/ ١٧.
(٦) سيأتي شرحه في السلسلة التالية إن شاء الله وهي (أربعون حديثاً كل حديث في ست خصال)
نسأل الله العون والتوفيق.

١٤٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
السُّفَهَاءِ وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ وَبَيْعَ الْحُكْمِ وَاسْتِخْفَافًا بِالدَّمِ وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ وَنَشْئًا
يَتَّخِذُونَ الْقُرْآنَ مَزَامِيرَ يُقَدِّمُونَهُ يُغَنِّيْهِمْ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُمْ فِقْهَا)»(١).
نسأل الله - تعالى -: أن يوفقنا للعمل بما يرضيه وأن يجنبنا مساخطه
ومناهيه وأن يختنم لنا بخاتمة العادة أجمعين.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - إخبار النبي وله ببعض أشراط الساعة وإخباره صدق وعدل.
٢ - هذه العلامات المذكورة هي من العلامات الصغرى، وثم علامات كبرى
مبثوتة في مواضعها من التآليف المتخصصة في هذا الموضوع.
٣ - ظهور أكثر أشراط الساعة دليل على قربها وعلى أننا في آخر أيام الدنيا فعلى
المسلم حسن الاستعداد وألا يغترَّ بطول الأمل.
(١) رواه الإمام أحمد في المسند ١٥٦١٠.

١٤٤
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
٣١
الحديث الحادي والثلاثون
الإيمان يحصن العبد من الوقوع في الموبقات المهلكة
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - إن النبي وَّ قال: ((لَا يَزْنِي الزَّانِي حِيْنَ
يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الَمْرَ حِيْنَ يَشْرَبُها وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ
السَّارِقُ حِيْنَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةٌ ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ
أَبْصَارَهُمْ فِيْهَا حِبْنَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِيْنَ يَغُلُّ وَهُوَ
مُؤْمِنٌ فَإِنَّاكُمْ))(١).
لغة الحديث:
النُّهْبَةُ: المراد به المال المأخوذ جهراً قهراً(٢).
ذَاتَ شَرَفٍ : أي ذات قدر عظيم(٣).
الغل : هو من الغُلولِ وهو الخِيانَةِ(٤).
معنى الحديث:
الدين الإسلامي دين عقيدة وآداب منهج وسلوك مستقيم يَسَعُ المسلم
شرائعه وآدابه وسلوكه؛ فيأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه، فهو سلوك وعمل
وأخلاق وفي الحديث سُئِلت أم المؤمنين عَائِشَة - رضي الله عنها - عَنْ خُلُقِ رَسُولٍ
اللهَّ ◌َّهِ فَقَالَتْ: ((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ))(٥)، فالصلاة تنهى عن الفحشاء، والمنكر قال
(١) حديث صحيح ، انظر: مشكاة المصابيح بتعليق الشيخ الألباني ٥٣، وورد بألفاظ متقاربه، انظر
صحيح سنن النسائي للألباني ٥٦٥٩، صحيح سنن ابن ماجه للألباني ٣٩٣٦.
(٢) فتح الباري ١٢/ ٥٩.
(٣) فتح الباري ١٢/ ٥٩، وانظر: عمدة القاري ١٣/ ٢٧.
(٤) شرح النووي ٢/ ٤٥.
(٥) رواه الإمام أحمد في المسند ٢٤٧٧٤ .
1

١٤٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
- تعالى -: ﴿إِنَّ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ فالمؤمن في كل
أحواله مؤتمر بأوامر الله يُرْجِع أمره كله لله في مأكله ومشربه وتعامله، يتقى الله
ويخافه فإن کان کذلك کان على درجة من تمام الإیمان فإن خرق إحداها انخرق
إيمانه بمقدار ذنبه وجُرمه وفي هذا الحديث يبين لنا ◌ِ ◌ِّ ذنوباً ومهلكاتٍ من يفعلُها
لا يكون حين فِعلها مؤمناً كامل الإيمان، فهي لا تخرجه من الدين ولا تجعله كافراً
إلا إذا استحلها أو استحل محرماً منها فَيَكْفُر حينئذ؛ لأنها محرمةٌ مُجُمع على تحريمها
بالنص الصريح، قال القاضي عياض: (نبه بهذا الحديث على جميع أنواع المعاصي
فبالزنى على جميع الشهوات، وبالسرقة على الرغبة في الدنيا والحرص على الحرام،
وبالخمر على جميع ما يصد عن الله ويوجب الغفلة عن حقوقه، وبالنهبة على
الاستخفاف بعباد الله وترك توقيرهم والحياء منهم وجمع الدنيا من غير وجهها(١).
وهذه الخصال قوله {آلژ: «لا یزني الزاني حین یزني وهو مؤمن)» وما ذهب
إليه الجمهور من أهل العلم أن المراد أنه لا يكون مؤمناً كامل الإيمان(٢) فهو لا
يفعل هذه المعصية وهو كامل الإيمان، فقد أجمع أهل الحق على أن الزاني والسارق
والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفّرون بذلك بل هم
مؤمنون ناقصو الإیمان، فإن من وقع منه ذلك فلضعف إيمانه وذهاب نور اليقين
من قلبه وزوال الحياء من الله وعدم رجاء ثوابه واتقاء عقابه(٣) .
و کذلك«لا یشرب الخمر حین یشربها وهو مؤمن» کامل الإیمان قال ابن
بطال: (هذا أشد ما ورد في شرب الخمر وحمل أهل السنة الإيمان هنا على الإيمان
(١) شرح النووي ٧٨/١ .
(٢) شرح النووي ٧٨/١ .
(٣) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٦٢٥، وصحيح الجامع الصغير للألباني ٥٨٦.

١٤٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
الكامل لأن العاصي يصير أنقص حالاً في الإيمان ممن لا يعصي(١)، فالخمر لا تليق
بمؤمن أبدا فهي بداية كل جرم وهي ((أُمُّ الْخْبَائِثِ، ثم قال فَاجْتَنِبُوا الُْمْرَ فَإِنَّهُ
وَاللهَّ لَا يَخْتَمِعُ وَالْإِيمَانُ أَبَدًا إِلَّ يُوشِكَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُخْرِجَ صَاحِبَهُ))(٢).
وكذا من سرق فحاله حال من اقترف الزنى أو شرب الخمر: لا يكون
مؤمناً كامل الإيمان حين يسرق لأنه خالف مقتضاه وهو الاستسلام للأوامر
والنواهي مع التصديق، قال شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيباً على ذلك: (إن أهل
السنة يقولون هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته فلا يعطى
الاسم المطلق ولا يُسلَبُ مطلق الاسم)(٢).
وكذا من انتهبَ نُهْبةً ذَاتَ شَرَفٍ يرفع الناسُ إليه أبصارهم فيها حین
يَنْتِهِبُها وهو مؤمن)» فيأخذ المال قهراً وجهراً على مرأى ومسمع من الناس ولا
یکون والحال ما ذکر مؤمناً کامل الإیمان بل إنه اقترف معصية تقدح في إيمانه، فقد
قام بالأخذ على وجه العلانية والقهر والتوصيف بالشرف وبرفع أبصار الناس
إليه لبيان قسوة قلبه وقلة رحمته وحيائه (٤).
وآخر هذه الصفات الغُلُّ من الغنيمة: ((ولا يغُلَّ أحدُكم حين يغُل وهو
مؤمن فإياكُم)) (أي لا يسرق شيئاً من غنيمة أو يخون في أمانة وهو مؤمن)(٥) ففيه
(١) انظر: فتح الباري ٣٤/١٠، وشرح النووي ٤١/٢.
(٢)حدیث صحیح ، انظر: صحيح سنن النسائي للألباني ٥٦٦٦.
(٣) مجموع الفتاوى ٣/ ١٥٢.
(٤) شرح النووي، ٢/ ٤٢، وانظر: فتح الباري ٥٩/١٢، حاشية السندي ٨/ ٦٤، وشرح
السيوطي لسنن النسائي ٨/ ٦٤.
(٥) مرقاة المفاتيح ٢١٠/١.

١٤٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
تحذير شديد ووعيد وتأكيد على الحذر من فعل ذلك ونقل النووي الإجماع على أنه
من الكبائر وكذا جاء التصريح في القرآن والسنة بأن الغال يأتي يوم القيامة
والشيء الذي غله معه(١) فكلٌّ مستأمَنٌ ومسائِلٌ، يحمل يوم القيامة ما خان به وما
غله كما صرح بذلك البشير النذير وَّ، جاء عنه من حديث طويل ((فَوَالَّذِي نَفْسُ
مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ إِنْ كَانَ
بَعِيرًا جَاءَ بِهِ لَّهُ رُغَاءٌ وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً جَاءَ بِهَا لَ خُوَارٌ وَإِنْ كَانَتْ شَاةً جَاءَ بِهَا تَيْعَرُ
فَقَدْ بَلَّغْتُ فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهَ وَيَدَهُ حَتَّى إِنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى عُفْرَةٍ
إِبْطَيْهِ))(٢).
فليحذر المؤمنُ كلَّ الحذر من اقتراف هذه الموبقات المهلكات ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ
حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ .. الآية) نسأل الله الهِداية وأن يجنبنا مزالق الغواية إنه
سميع مجيب.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الإيمان يزيد وينقص بمعنى: أن من فعل شيئاً من هذه المعاصي ينتفي عنه
كمال الإيمان الواجب وينزل عنه في درجة الإسلام وينقص إيمانه فلا يطلق
عليه الإيمان إلا بلفظ المعصية أو الفسوق، يقال مؤمن عاصٍ، أو يقال: مؤمن
بإيمانه فاسق بمعصيته فيكون معه مطلق الإيمان وهذا ما عليه سلف هذه
الأمة وأئمتها.
٢ - بلاغة النبي ◌َّط﴿ وفصاحته وبراعة استهلاله حيث ينطق بالألفاظ التي تركز
في الذهن ويجيش بها الفهم ویقرن الشيء وبدلیله: أي: لا تزن إن كنت
(١) تحفة الأحوذي ١٦٣/٥.
(٢) رواه البخاري ٦٦٣٦.

١٤٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
مؤمناً؛ لأن المؤمن لا يزني، ولا تسرق إن كنت سارقاً؛ لأن المؤمن لا
يسرق .... وهكذا.
٣- قول الرسول وَالر: (( .... فإياكم ... )) أي احذروا أن تواقعوا هذه المهلكات،
فإن هذه المهلكات لا يفعلها مؤمن كامل الإيمان.

١٤٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٣٢
الحديث الثاني والثلاثون
الحث على الزراعة وبيان فضل التصدق من ثمارها
عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّ ◌َّهِ: (مَا مِنْ مُسْلِم
يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّ كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ ، وَمَا أَكَلِّ
السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتْ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا
كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ))(١).
لغة الحديث :
الغَرْس: المغروس من الشجر أو نحوه (٢).
:
الصَّدَقَة: العطية يبتغى بها المثوبة من الله، وقال الراغب: ما يخرجه الإنسان
من ماله على وجه القربة(٣).
يَزْزَؤُهُ: یصیب من ماله شيئاً(٤).
معنى الحديث:
أنعم الله على عباده نعماً كثيرة وعطايا وفيرة تستوجب الشكر وتستلزم
الإنفاق منها ابتغاء وجه الله وثوابه ونفع مخلوقاته؛ فما من ((مُسْلِم يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا
كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ)) بيان لفضل الزراعة وأن أجرها وثوابها ممتد قال الإمام
النووي - رحمه الله -: (وأجر فاعل ذلك مستمر مادام الغراس والزرع وما تولد
(١) رواه مسلم ١٥٥٢.
(٢) المعجم الوسيط ٦٤٩/٢.
(٣) التعاريف ١/ ٤٥٢.
(٤) لسان العرب ١/ ٨٥.

١٥٠
=
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
منه إلى يوم القيامة)(١) يؤيد ذلك حثه وس ليم على الغرس والزرع فقد صح عنه وَّل
أنه قال: ((إِنْ قَامَتْ السَّاعَةُ وَبِبَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى
يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ))(٢) ومفهومه أن المسلم إذا زرع زرعاً أو غرس غرساً من شجر
ونحوه فله ثواب ذلك سواء تصدق بالمأكول أم لا(٣).
وكذا (مَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ )) (أي فإن أُكل منه بدون علمه فله الأجر
وعلى الآكل الحساب فهو مثاب على ما سُرق منه فیحصل له مثل ثواب التصدُّق
بالمسروق؛ فبأي سبب يؤكل مال المسلم يحصل له الثواب وفي هذا تسلية له
بالصبر على نقصان المال فإن أجره بغير حساب)(٤).
و کذا ما أكل منه حیوان من الدواب أو أتلفه سبع من سباعها فهو له به
صدقة أيضاً(٥) يؤيد ذلك قوله وَ له في حديث آخر: ((لَا يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلَا
يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلَا دَابَّةٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ))(١) فإن الأجر
له مادام هذا الأكل والثمر.
وما أصابت الطیور من زرعه کان ذلك صدقة له؛ تکفر من خطاياه
(١) شرح النووي ١٠/ ٢١٣.
(٢) حديث صحيح ، رواه الإمام أحمد في المسند (١٢٥٦٩) وانظر: صحيح الجامع الصغير للألباني
(١٤٢٤) وصحيح الأدب المفرد للألباني (٤٧٩) والسلسلة الصحيحة للألباني (٩).
(٣) فيض القدير ٤٩٦/٥ .
(٤) شرح النووي ٢١٣/١٠، وانظر: مرقاة المفاتيح ٣٤٨/٤ .
(٥) شرح النووي ١٠/ ٢١٣.
(٦) رواه مسلم ١٥٥٢ .

١٥١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
وتزيده ثواباً وأجراً، قال النبي وَله: ((في كل كَبِدٍ رَطْيَةٍ أَجْرٌ))(١).
وكذا لا ينقص من زرعه شيء إلا كان له صدقة بكل ما نقص وأخذ
منه(٢) ويكون ذلك إجمالاً بعد تفصيل لأن يَرْزَؤُهُ بمعنى يصيب من ماله شيئاً(٣)
كريح عاصف أو سيل جارف أو حشرات قارضة، فسبحان من تفضل على عباده
بالنعم وأمرهم بالإنفاق والتصدق منها في وجوه البر التي یعم نفعها ویکثر ثوابها
ووعدهم على ذلك بالبركة والنماء في الدنيا وعظيم الأجر والثواب في الآخرة يوم
لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - لا يحقِرنَّ المسلم شيئاً من العمل، فإن اللهَ واسع عليم لا ينحصر فضلُهُ ولا يُحُدُّ
عطاؤه.
٢ - الرحمة بالبهائم تدخل في إطار الرحمة العامة التي عبَّر عنها النبي ◌َّ: ((ارحموا
من في الأرض يرحمكم في السماء)).
٣ - الصدقة تعم المال وغيره من الزروع والثمار، وفيه الحث على الزراعة وإعمار
الأرض.
(١) صحيح البخاري: ٢٢٣٤، ومسلم: ٢٢٤٤.
(٢) شرح النووي ١٠/ ٢١٣، وانظر: الديباج ٤/ ١٦٤.
(٣) لسان العرب ٨٥/١.

١٥٢
٣٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
الحديث الثالث والثلاثون
فضل القرون الأولى على المتأخرة
عَنْ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّ وَّةٍ:
(خَيْرُ أُمَّتِي قَرْفِي ثُمَّالَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، قَالَ عِمْرَانُ: فَلَا أَذْرِي
أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ،
وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ))(١).
لغة الحديث:
القَرْنُ: الأمة التي تقاربت مواليدها كأنها اقترنت(٢).
وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ: معناه يظهر فيهم شهادة الزور (٣).
وَلَا يُؤْ تَمَنُونَ: أي ليسوا ممن يوثق بهم(٤).
السِّمَنُ: هو التوسع في المأكول والمشروب زائداً على المعتاد(٥).
معنى الحديث:
إن الله اصطفى الأنبياء على سائر البشر، قال الله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ
اٌلْمَلَتِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ(٩) ... الآية) واصطفى محمداً على الأنبياء
(١) رواه البخاري ٣٦٥٠، ومسلم ٢٥٣٥.
(٢) التعاريف ٥٧٨/١ .
(٣) عمدة القاري ١٦/ ١٧١.
(٤) عمدة القاري ١٦/ ١٧١.
(٥) شرح النووي على مسلم ٨٦/١٦.
(٦) الحج: ٧٥.

١٥٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
والمرسلين، وجعله خاتم الأنبياء، ثم اصطفى من بعده الصحابة على من دونهم ثم
اصطفى من سار على نهجهم واتَّبعهم بإحسان، وهم التابعون؛ فهم الأصفى
قلوباً والأغزر إيماناً والأَجَلُّ تقديراً، والأعلى منزلةً وفي بيان فضلهم، وعِظَمِ
قدرهم قال ◌َّهِ: ((خَيْرُ أُمَّتِي قَرْبِ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ قَالَ عِمْرَانُ فَلَا
أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلاثًا)) ((فخير القرون بعد قرن النبي وَُّ هو قرن
الصحابة فهم النور في وسط الظلام؛ فقد كانوا غرباء في إيمانهم لكثرة الكفار
حينئذ وصبرهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم))(١) وصح عنه وَ ◌ّل أنه قال: ((النُّجُومُ
أَمَنَّةٌ لِلسَّمَاءِ؛ فَإِذَا ذَهَبَتْ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي فَإِذَا
ذَهَبْتُ أَتَّى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِ أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي؛ فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابٍ أَتَّى
أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ))(٢)، ثم التابعون الذين شهدوا عصور الصحابة، ونهلوا من
ينابيع علمهم واكتحلت عيونهم برؤيتهم ثم يقل الفضل، كلما تقدم الزمان
وتوالت القرون.
ثم يأتي من بعد خير القرون أناس ((يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ)) ويقدمون
على الشهادة دون أن تطلب منهم ((وهو محمول على شاهد الزور فيشهد بما لا
أصل له ولم يستشهد))(٣) فيكون كاذباً في شهادته ويقدم عليها ويتجرأ دون أن
تطلب منه، ويؤيد ذلك ما صح عنه قَله بقوله: («احْفَظُونِي فِي أَصْحَابِيٍ ثُمَّ الَّذِينَ
يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَشْهَدَ الرَّجُلُ وَمَا يُسْتَشْهَدُ وَيَخْلِفَ
(١) فتح الباري ٧/ ٦ .
(٢) مسلم ٢٥٣١ .
(٣) شرح النووي على مسلم ١٢/ ١٧.

١٥٤
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
وَمَا يُسْتَحْلَفُ))(١).
وهن خصالهم أيضاً أنهم ((يَخُونُونَ وَلَا يُؤْ تَمَنُونَ)) وتنتشر فيهم الخيانةٌ
والكذبُ حتى تكونَ سمةً لهم ويشتهروا بها؛ فلا يؤتمنوا على أمانة؛ فخيانتهم
خيانةً ظاهرة بحيث لا يبقى معها أمانة، أو أنهم يطلبون الأمانة ويسعون إليها ثم
يخونون(٢)؛ فهم بذلك من شرار الناس.
ومن صفاتهم ((وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ))؛ فالوفاء بالنذر واجب لا خلاف فيه
إن كان في طاعة، ولكن من صفات هؤلاء أنهم يوجبون على أنفسهم أشياء ولا
يقومون بالخروج عن عهدتها ولا يبالون بتركها (٣)؛ فهذه الصفات هي منابع الشر
في الأقوام والقرون، ولا يستقيم معهم حال أو يستنير لهم بها طريق.
ومن أوصافهم كذلك أنه يظهر عليهم السِّمَن: لكونهم مشهورين بكثرة
الأكل ومن ثم كثرة الأموال، فهي كثيرة لديهم ينفقون الكثير منها على المأكل
والمشرب فَتَسْمَنُ أجسامُهم من حبهم التوسعَ في المآكل والمشارب وهي أسباب
السِّمَنِ .
قال جمهور العلماء في معنى هذا الحديث المراد بالسمن هنا كثرة اللحم
ويذم محبته وتعاطيه))(٤) ولكن من رحمة الله بعباده ولطفه بهم أن يَبْقَى الخيرُ، وإن
(١) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن ابن ماجه للألباني ٢٣٦٣، وصحيح الجامع الصغير
للألباني ٢٠٦، والسلسلة الصحيحة ١١١٦ .
(٢) شرح النووي على مسلم ٨٨/١٦، وانظر: عمدة القاري ١٦/ ١٧١، وعون المعبود ٢٦٨/١٢،
مرقاة المفاتيح ١١ / ١٥٧ .
(٣) شرح النووي على مسلم ٨٨/١٦، وانظر: عون المعبود ٢٦٨/١٢، مرقاة المفاتيح ١١/ ١٥٧.
(٤) فتح الباري ٢٦٠/٥، وانظر: شرح النووي على مسلم ٨٦/١٦، وعمدة القاري ٢١٤/١٣.
. -

١٥٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
قَلَّ في الأمة إلى يوم القيامة.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - جواز افتخار الإنسان بنفسه وبمن حوله إن كان مراداً به التحدث بنعمة الله
- تعالى -.
٢ - إخباره ◌َ ل بأمور الغيب مسلك من مسالك تقرير نبوته وَ* فما أخبر به من
الغيوب الماضية والغيوب المستقبلة التي وقعت أو ستقع حقٍّ لا يُنكرُ.
٣ - لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق.
:

١٥٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٣٤
الحديث الرابع والثلاثون
فضائل وآداب إسلامية
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أنَّ نَاسًا مِنْ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا
رَسُولَ اللهَ وََّ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ؛ فَأَعْطَاهُمْ ثُمَّ سَأَلُوهُ؛ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ
مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: ((مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرِ؛ فَلَنْ أَذَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ
يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرُهُ اللهُ، وَمَا أَعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً
خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنْ الصَّيْرِ))(١).
لغة الحديث:
يَسْتَغْفِفْ: أي يمتنع عن السؤال(٢).
يَسْتَغْنِ: أي يستغني بالله عن السؤال يخلق في قلبه الغنى فإن الغنى غنى
النفس(٣).
وَمَنْ يَتَصَبَّرْ: أي يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس بأن
يتجرع مرارة ذلك ولا يشكو التحمل(٤).
معنى الحديث:
حسن التوكل على الله من عِظَم إيمان المرء وكلما ازداد إيمانه، وازداد يقينُه
فتراه في جميع أمره متوكِّلاً على الله؛ فحياته لله وعمله لله، وخطاه لله يسأل الله
ويستعين به ويشكو إليه وحده لا سواه؛ فحالُه حينئذ حالُ مستعينٍ بالله واثق به
(١) رواه البخاري ١٢٦٩.
(٢) فتح الباري ٣٠٤/١١ .
(٣) فتح الباري ٣٠٤/١١.
(٤) تحفة الأحوذي ٦/ ١٤٣.

١٥٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
بأن النافع، والضار هو الله بيده الخير والأمر وهو على كل شيء قدير.
ورسولنا ◌َّلي جعله ربه متصفاً بأقصى درجات الرحمة والرأفة والإيثار ...
ولا غَرْوَ: فقد كان - عليه الصلاة والسلام - أجود بالخير من الريح المرسلة كما
صح في الخبر عنه وَّ فهو قدوة لكل موحِّد ومثالاً لكل من يقتدي ..... أوتي من
جوامع الكلم مفصحاً عن كلماتٍ هي أغني وأغلى من الكنوز والدُّرر ولا عجب؛
فقد عُرف عنه ګ جوده وكرمه، وإنفاقه في سبيل الله.
وهاهم جماعة من الأنصار يسألونه فيعطيهم ثم سألوه ثانيةً فأعطاهم
وثالثة كذلك حتى أنفق كل ما لديه # فقال لهم : «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرِ
فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ))، وما یکون عنده من شيء؛ فلن ينفرد به لنفسه، ويمنعه ويحبسه
عنهم أو عن غيرهم. فهذا هو حاله وَليل كان جواداً منفقاً كريماً بطيب نفس
وانشراح صدر، ثم يوجه أنظارهم بأن من يُعْطَ فلْيرْض ومن لم يُعْطَ فَلْيستَغْفِفْ.
(وَمَنْ يَسْتَغْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ)) فمن طلب العفة عن السؤال والاستغناء عن الناس
وتصبَّر فإن الصبر جامع لمكارم الأخلاق وَله؛ فيرزقه الله العفة أي الكف عن
الحرام، قال الإمام الطيبي: معناه من طلب العفة عن السؤال ولم يظهر الاستغناء
فمن استغنى بالله عن السؤال أغناه الله))(١)؛ بل صح عنه وَّ فيما رواه عنه ثَوْبَانَ
رضي الله عنه (وَكَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللهََّ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّ ◌َهِ: (مَنْ
يَكْفُلْ لِي أَلَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئاً، وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجُنَّةِ فَقَالَ ثَوْبَانُ أَنَّا فَكَانَ لَا يَسْأَّلُ
أَحَدًا شَيْئًا))(٢)؛ ففضل الاستعفاف عظيم، وأجره كبير لمن كان متوكلاً على الله حق
(١) عمدة القاري ٤٩/٩، وانظر: مرقاة المفاتيح ٣٢٩/٤.
(٢) حديث صحيح ، انظر: صحيح سنن أبو داود للألباني ١٦٤٣، ومشكاة المصابيح للألباني
١٨٧٥.

١٥٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
التوكل، ومن یطلب الغنى من الله يُعْطَهُ ویخلق في قلبه غنی أو يعطيه ما يستغنى به
عن الخلق فالغنى غنى النفس كما قال ◌َله: ((لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ
الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ))(١)؛ فهذا هو السبيل والملجأ لمن أراد صواب الطريق ((وَمَنْ
يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ)؛ فمن يعالج نفسه على ترك السؤال فيقصد الصبر ويؤثره يُعِنْهُ
اللهُ عليه ويوفقه له ويطلب التوفيقَ على الصبر من الله، قال - تعالى -: ﴿وَأَصْبِرْوَمَا
صَبْكَ إِلَّ بِاللهِ ﴾(٢) أو یصبر إلى أن يحصل له الرزق؛ فإن الله يقوِّيه ویمگِّنهُ من
نفسه حتى تنقادَ له ويُذْعِنَ لتحمل الشدة فعند ذلك يكون اللهُ معه؛ فيظفر
بمطلوبه، وهو تعميم بعد تخصيص؛ لأن الصبر يشتمل على صبر الطاعة،
والمعصية والبَلِيَّة أو من يتصبر عن السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس بأن
يتجرع مرارة ذلك، ولا يشكو يُصَبِّره الله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
((فالمستغني لا يستشرف بقلبه والمستَعِفُّ هو الذي لا يسأل الناس بلسانه والمتصبِّر
هو الذي لا يتكلف الصبر؛ فأخبر أنه من یتصبر یصبّره الله وهذا كأنه في سياق
الصبر على الفاقة بأن يصبر على مرارة الحاجة لا يجزع ◌ِمَّا ابْتُليَ به من الفقر، وهو
الصبر في البأساء والضراء قال تعالى: ﴿وَالصَِّينَ فِى الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ
الْبَأْسِ﴾(٢)؛ فهذه جملة من الخصال، والمعاني الجامعة لكثير من الفضائل والآداب
التي جاء بها الإسلام.
(١) رواه البخاري ٦٤٤٦ .
(٢) النحل: ١٢٧.
(٣) مجموع الفتاوى ٥٧٥/١٠.

١٥٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
ما يرشد إليه الحديث:
١ - قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: ((وفي ذلك من الفوائد، فيه ما كان عليه
من السخاء، وإنفاذ أمر الله، وفيه إعطاء السائل مرتين، والاعتذار إلى السائل
والحض على التعفف، وفيه جواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه،
والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة))(١)، والله أعلم.
(١) فتح الباري ٣٣٦/٣، وانظر: تحفة الأحوذي ١٤٣/٦، وحاشية السندي ٩٥/٥، وشرح
الزرقاني ٤ / ٥٤٣.

١٦٠
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ==
٣٥
الحديث الخامس والثلاثون
أسس عقيدة الإسلام وشرائعه
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّ ◌َه لِمُعَاذِ بْنِ
جَبَلِ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ؛ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ
إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ، وَأَنَّ تُحَمَّدًا رَسُولُ اللَ؛ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ
بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ لَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ فَإِنْ
هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ؛ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَّ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَّةً تُؤْخَذُ مِنْ
أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرُدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ؛ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِنَّكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالهِمْ،
وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمُظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهَّ حِجَابٌ))(١)
لغة الحديث:
كَرَائِمَ أَمْوَالهِمْ: نفائسها التي تتعلق بها نفس مالكها ويختصها لها حيث هي
جامعة للكمال الممكن في حقها وواحدتها كريمة(٢)
المَظْلُومِ: المضام یقال : ضامه في الأمر و ضامه في حقه یضیمه ضیما وهو
الانتقاص واستضامه فهو مضيم مستضام أي مظلوم(٣).
حِجَابٌ: الحجاب هو كل ما ستر المطلوب أو منع من الوصول إليه(٤)
والمعنى ليس هناك حائل أو مانع من استجابة دعائه.
(١) رواه البخاري ١٤٩٦، ومسلم ١٩.
(٢) لسان العرب ٥١٤/١٢ .
(٣) لسان العرب ٣٥٩/١٢.
(٤) لسان العرب ٢٨٦/١.