النص المفهرس
صفحات 81-100
٨١ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال غير حله لا يكفي ولا يبارك له فيه؛ فقليل يَكْفِي خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ يُلْهِي. ٣- أهمية التحام الصفوف عند الزحف وائتلاف القلوب والمشاعر وعدم ترك ثغرة للأعداء للنيل من المجاهدين في سبيل الله. ٤ - اليمين الغموس تغمس صاحبها في النار وهي اليمين الفاجرة المنهي عنها. ٥ - أهمية حفظ الضرورات الخمس: (الدين، والعرض، والمال، والنفس، والعقل)؛ إذْ إن في حفظها قِوام الدين والدنيا معاً. ٦ - الألف واللام الداخلة على الأوصاف وأسماء الأجناس تفيد الاستغراق ومنها: (الشرك بالله - الفرار يوم الزحف، قتل النفس وهكذا ... إلخ. وهكذا كل وصف أمر الله به ورتب عليه خيراً وأجراً وثواباً، وكذلك ما يقابله من كل وصف نهى الله عنه ورتب عليه وعلى الاتصاف به عقوبة وشراً ونقصاً ونكالاً یکون له من ذلك بحسب ما قام به المكلف من الوصف المذكور. / : : أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ٨٢ ١٧ الحديث السابع عشر ما يدخل العبد الجنة عَنْ أَبِي سَلَامِ - رَضِيَ اللهُ عنه - عَنْ مَوْلَى رَسُولِ اللهَّ أَنَّ رَسُولَ اللهَّ ◌َ﴾ قَالَ: (بَخِ بَخْ لَخَمْسٍ: مَنْ لَقِيَ اللهَّ مُسْتَبْقِنًا بِنَّ دَخَلَ الْجُنَّةَ يُؤْمِنُ بِاللهَ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَبِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْبَعْثِ، بَعْدَ الُوْتِ، وَالْحِسَابِ))(١). التعريف بالراوي: أبو سَلام : هو التابعي الجليل أبو سلام الأكون الحبشي، و کنیته أبو سلام، روی ورُوي عنه - رضي الله عنه-، وممن روى عنهم الصحابي الجليل (ثوبان بن بجدد) مولى رسول الله وَليو وهو راوي هذا الحديث، وروى عن عبد الرحمن بن عائش وغيرهم؛ أقام بالشام وروى عنه ابنه معاوية وغيره من أهل الحديث(٢). وثوبان بن بجدد: هو الصحابي الجليل أبو عبد الله الهاشمي، مولى رسول الله ژاپۉ سكن الشام، و کنیته أبو عبد الله، أصله من اليمن له صحبة، ويقال هو من أهل السَّراة، ویذکرون أنه من ◌ِيرِ، تحول إلى چِمْصَ فنزلها، له بها دار، مات سنة أربع وخمسين في ولاية معاوية، وكان يسكنُ حِمْصَ(٣). لغة الحديث : بَخ بَخ: كلمة تقال عند الرضا والإعجاب بالشيء أو الفخر (٤). مُسْتَيْقِنًا: اليقين العلم وإزاحة الشك، وتحقيق الأمر، وقد أيقن يوقن إيقاناً (١) حديث صحيح ، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ٢٨١٧ وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ١٥٥٧، وظلال الجنة ٧٨١، ورواه الإمام أحمد في المسند ١٥٢٣٥. (٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٩٧، وتاريخ دمشق ٤٣١/٢٢. (٣) انظر: الثقات ٤٨/٣، ورجال مسلم ١١٢/١. (٤) القاموس المحيط ١/ ٣١٧. ٨٣ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال واستیقنه واستیقن(١). الْبَعْثِ: البعث أصله إثارة الشيء قال - تعالى -: ﴿ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُمُ اللَّهُ﴾(٢) أي يخرجهم ويسيرهم إلى القيامة(٣). معنى الحديث: الجنة مقصدُ كلٍّ إنسان ومبتغاه، وهي سلعة الله الغالية، وهي الحياة، وأَنْعمْ بها من حياة !! وفي هذا الحديث يبين لنا الرسول وَ ل﴾ ((خمساً من الأعمال)). أولها: من لقي الأجل الذي قدره الله له (يعني الموت) موقناً يقين العلم المقتضي للإيمان (مؤمناً بجميع ما يجب الإيمان به)(٤) دخل الجنة، بأَنْ فَعَلَ ما أُمِر به وانتهى عما نُهِيَ عنه، وقد فَّصل ذلك ﴿ ﴿ في حديثٍ آخرَ مخاطباً بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - بقوله: ((قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللهِ وَحْدَهُ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمُغْنَمِ الْخُمُسَ)»(٥) فمن فعل ذلك وأتى الله بحقه دخل الجنة، والإيمان بالله يستوجب الإيمان باليوم الآخر، والمقصود من الإيمان باليوم الآخر التصديق بأن لأيام الدنيا نهاية وأنها إلى فناء يخرب عمرانها ويموت سكانها وتذهب بهجتها وتبيد خُضرتها؛ فيترك الركون إليها والاغترار بها، فمن آمن بذلك وآمن بكل ما بعد الموت الذي إليه (١) لسان العرب ٤٥٧/١٣. (٢) الأنعام: ٣٦. (٣) التعاريف ١٣٦/١. (٤) فتح الباري ٢٢٨/١. (٥) رواه البخاري ٥٣ . ٨٤ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال معاده وفيه جزاؤه وآمن ما فيه من الأحوال والأهوال .... دخل الجنة(١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - على لسان الجمهور من أهل السنة والجماعة: (إنهم لا يُسَمُّونَ مؤمناً بالجنة والنار إلا من رجا الجنة وخاف النار دون المُعْرض عن ذلك بالكلية مع علمه بأنه حق)(٢). ثم الإيمان ((بالْبَعْثِ بَعْدَ الْمُوْتِ)) أي يؤمن بوقوع البعث بعد الموت. ((وَذَكَرَ الموتَ مع أن الموت ظاهر لا ينكر، والبعث خفي ينكر إشارة إلى أن أدلة البعث ظاهرة، وإلى أنهم يتمادَوْنَ في الغفلة عن ذكر الموت، فالبعث هو الإخراج من بطون القبور إلى محل الحشر والنشور ودار الجزاء وإحياء الموتى من قبورهم وما بعده من حساب وميزان وجنة ونار))(٣). ومن متممات الإيمان بالله - تعالى - الإيمان بالحساب: وما به من سجلات لأعماله فيها ما قدم من خير وما اقترف من شر ((فَمَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَلَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرٍ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ)(٤) وصح عنه قَّهِ أنه قال: ((لَتُؤَدَّنَّ(٥) الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) انظر: شرح الزرقاني ٣٨٣/٤، وفيض القدير ٤٤٣/٢ والتيسير بشرح الجامع الصغير ٤٣٩/٢. (٢) مجموع الفتاوى ٧/ ١٢٥ . (٣) مرقاة المفاتيح ٢٨٢/١،١١٨/١. (٤) رواه البخاري ٢٤٤٩. (٥) (لتؤذّن) بفتح الدال المشددة. قال التُربشتي: هو على بناء المجهول والحقوق مرفوع، هذه هي الرواية المعتد بها، ويزعم بعضهم ضم الدال ونصب الحقوقَ والفعل مسند إلى الجماعة الذين= ٨٥ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ»(١) فمن آمن بالحساب وعمل له حق له وعد الله على لسان نبيه محمد وَ ل* وكانت له الجنة خالداً فيها حَسُنَتْ مستقراً ومقاماً !! نسأل الله الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل ونعوذ به من النار وما قرب إليها من قول وعمل، إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ما يرشد إليه الحديث: ١ - الإيمان باليوم الآخر ملازم لتوحيد الله - تعالى - ومن آمن باليوم الآخر آمن بما تعلق به من حساب وجزاء وثواب وعقاب وكلها قضايا أساسية في العقيدة الإسلامية. ٢ - على ضوء الإيمان بهذه الخمس المذكورة في الحديث يحدد المسلم هدفه ويرسم غايته ويتخذ من الوسائل والذرائع ما يوصله إلى الهدف ويبلغ به الغاية. ٣ - البعث بعد الموت من الحقائق الثابتة والبراهين الساطعة نؤمن - نحن المسلمين- بذلك ونستيقنه، كما ورد في الكتاب والسنة، ومن أنكر هذه الحقيقة فهو كافر مكابر معاند؛ لأنه حينئذ قد أنكر معلوماً من الدين بالضرورة! ٤ - جعل الله الأسباب للمطالب العالية مبشرات لتطمئن القلوب وزيادة رصيد المؤمن من الإيمان، ومن ذلك ... (بخ بخ خمس) من لقي الله مستيقناً بهن دخل الجنة. =خوطبوا به والصحيح ما قدمناه انتهى. (تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للإمام الحافظ أبي العلى محمد عبدالرحمن بن عبدالرحيم المباركفوري، وضبطه وراجع أصوله وصححه عبدالرحمن محمد عثمان، الجزء السابع، حديث رقم: (٢٥٣٥). (١) رواه مسلم (٢٥٨٢). : 1 ٨٦ = أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ١٨ الحديث الثامن عشر ٠٠٠ ما يثقل الميزان ويرضي الرحمن عَنْ أَبِي سَلَّامِ - رَضِيَ الله عنه -، عن مَوْلَى رَسُولِ اللهََّةِ((أَنَّ رَسُولَ اللهَّوَ﴿ قَالَ:(بَخِ بَخْ، كَمْسٌ مَا أَنْقَلَهُنَّ فِي الْيزَانِ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَاللهُ أَكْبَرُ، وَشَبْحَانَ اللَّ وَالْخُمْدُ لَهَّ، وَالْوَلَدُ الصَّالِحُ يُتَوَلَّى فَيَحْتَسِبُهُ، وَالِدَاهُ)(١). التعريف بالراوي: سبق التعريف به وبثوبان مولى رسول الله وَ يليه في الحديث السابق(٢). لغة الحديث: بَخِ بَخٍ : قال ابن الأنباري معنى بخ بخ: تعظيم الأمر وتفخيمه (٣). سُبْحَانَ الله: سبحت الله ونزهته عن كل عيب(٤). فَيَحْتَسِبُهُ: (الاحتساب كالعدة من الاعتداد وهو الاحتساب في الأعمال الصالحة وعند المكروهات والبدار إلى طلب الأجر وتحصيله بالتسليم والصبر وباستعمال أنواع البر والقيام بها على الوجه المرسوم فيها طلباً للثواب المرجو منها(٥). (١) حديث صحيح ، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ٢٨١٧ وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ١٥٥٧ وظلال الجنة ٧٨١، ورواه الإمام أحمد في المسند ١٥٢٣٥. (٢) انظر: سير أعلام النبلاء ٧/ ٣٩٧، وتاريخ دمشق ٤٣١/٢٢. (٣) لسان العرب ٦/٣. (٤) غريب الحديث للخطابي ١ / ١٤٠. (٥) تحفة الأحوذي ٣٤٦/٩. ٨٧ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال معنى الحديث: ينبغي للمرء المسلم أن يسعى دائماً للفوز بثواب الله - سبحانه ــ فلا يدع باباً فيه خيره ولا طريقاً فيه أجره ومثوبته إلا ابتغاه. والعلم والتفقه في الدين هو سبيل الوصول إلى هذه الغاية النبيلة، وهناك من الأعمال والأقوال ما قل وقتها وعظم شأنها ثقَّلت الميزان في ثوابها وأجرها عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهما - عَنْ جُوَيْرِيَةَ - رَضِيَ اللهُ عنها - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلُ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: ((مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا! قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ النَّبِيُّ وَلَّهُ: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهَ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ کَلِمَاتِهِ))(١)؛ فالفوز بثقل الميزان هو هدف كل امرئ، فالدنيا ما هي إلا معبر وممر للآخرة؛ فجامع الخير في سعادة بالفوز بمبتغاه، وجامع الشر ما أخيب مرتجاه. وفي هذا الحديث ذكر النبي ◌ِّرِ خمساً من الأعمال تُثَقِّل الميزان وتُرضِي الرحمن يوم القيامة، أولها: كلمة التوحيد ((لا إله إلا الله)) وهي الشاملة لسر العبودية، فيتجسد أجرُها وثوابها يوم القيامة حين توضع في الميزان(٢) وقد صح عنه بَّهُفِي حديث عَبْدِ اللهَّبْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّ ◌َِّ: ((إِنَّ اللهَ سَيَّخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّنِي عَلَى رُءُوسِ الْخُلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلَّا كُلُّ سِجِلٌّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَنْتُكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْخَافِظُونَ؛ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا (١) رواه مسلم (٢٧٢٦). (٢) انظر: التيسير بشرح الجامع الصغير ٤٣١/١، وفيض القدير ١٩٧/٣. ٠ ٨٨ = أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ! فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ! قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتْ السِّجِلَاتُ وَتَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللهَّشَيْءٌ)(١) فما أعظمَ أجرَها وما أجلَّها من كلمات تنجِّي من النار وتُرضِي العزيز الغفار !! ما يرشد إليه الحديث: ١ - بذكر الله - تعالى - تطمئن القلوب ويعظم الأجر والثواب. ٢ - توضع الموازين يوم القيامة فتوزن الأعمال فالمحسن لا يُبْخسُ شيئاً والمسيء لا يظلم شيئاً وإن كان مثقال الخردل جيء به ولا يظلم ربك أحداً !. ٣ - من حسنت نيته وصلح عمله عطّر لسانه بذكر الله ورضي قلبه بقضاء الله؛ فالأعمال الظاهرة والباطنة موكول أجرها وثوابها إلى الله - تعالى -. (١)حديث صحيح، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٦٣٩، وصحيح سنن ابن ماجه للألباني ٤٣٠٠، وصحيح الجامع الصغير للألباني ١٧٧٦، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ١٥٣٣، ومشكاة المصابيح ٥٥٥٩، رواه الإمام أحمد في المسند ٦٩٥٥ ، والسلسلة الصحيحة للألباني ١٣٥. ٨٩ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ١٩ الحديث التاسع عشر خصال تكون سبباً في دخول الجنة عَنْ أَبِي سَعِيدِ الْخُدْرِي - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِوَ ل يقول: ((َخْسٌ مَنْ عَمِلَهُنَّ فِي يَوْمٍ كَتَبَهُ اللهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: مَنْ عَادَ مَرِيضاً، وَشَهِدَ جِنَازَةً، وَصَامَ يَوْماً، وَرَاحَ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَأَعْتَقَ رَقَبَةً)(١). لغة الحديث: عاد مريضا : زاره(٢) شهد جنازة : حضرها(٣). راح إلى الجمعة : مشى إليها وذهب إلى الصلاة (٤). أعتق رقبة : فك رقبة وخصت الرقبة دون جميع الأعضاء؛ لأن ملك السيد لعبده كالحبل في رقبته (٥). معنى الحديث: لما كان من رسالة المسلم نصح الناس وتوجيههم وإرشادهم والأخذ بأيديهم إلى صراط العزيز الحميد لزمه ذلك أن يبحث عن الوسائل والأساليب التي تکسب ود الناس وتؤثر فيهم وتستمیل قلوبهم نحوه، وليس هناك أكثر (١) حديث صحيح ، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني (٣٢٥٢) وصحيح الترغيب والترهيب للألباني (٦٨٦) والسلسلة الصحيحة (١٠٢٣). (٢) مشارق الأنوار ١٠٥/٢. (٣) التيسير بشرح الجامع ٢٥٣/٢. (٤) لسان العرب ٤٦٥/٢. (٥) تهذيب الأسماء ٣/ ١٩٠. ٩٠ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال == تأثيراً واستمالة لقلوبهم من رعاية الآداب الاجتماعية كعيادة المريض وشهود الجنازة وبذل النصيحة وحضور جماعة المسلمين وشهود جُمعِهِمْ والصلاة معهم، وتفريج كربة من هم في أسر العبودية وذل السؤال فيعتق من رقابهم يريد بذلك وجه الله والدار الآخرة، وفي هذا الحديث ذكر لنا النبي ون ◌َ﴾ خمس خصال من فعلها كتبه الله من أهل الجنة إذا عملها في أي يوم كان، كتبه الله أي قدر أو أمر الملائكة أن تكتب أنه من أهل الجنة وهذا علامة على حسن الخاتمة وبشرى له بذلك(١). وأولى هذه الخصال: ((عيادة المريض)) فمن زار مريضاً ولو أجنبياً(٢) كان ممن يكتب له الجنة، وقد صح عن الرسول وَلاير أحاديث عديدة في فضل زيارة المريض، منها قوله وَّ: ((مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ))(٣) أي في بساتينها وفي رياضها بل هو في فضل عظيم وثواب جم قال ◌َ له: «مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخّا لَهُ فِي اللهَ نَادَاهُ مُنَادٍ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ تَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ مِنْ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا))(٤)، ويستحب للعائد أن يستن بسننه وَله في الزيارة من التخفيف فيها واختيار وقتها والدعاء للمريض فصح عنه وَّل أنه قال: ((مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَخْضُرْ أَجَلُهُ فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ إِلَّا (١) انظر: فيض القدير ٤٥٧/٣، والتيسير بشرح الجامع الصغير ٤٥٧/٣ (٢) فيض القدير ٣/ ٤٥٧. (٣) رواه مسلم ٢٥٦٨. (٤) حديث حسن ، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ٦٣٨٧، وصحيح سنن الترمذي للألباني ٢٠٠٨، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ٢٥٧٨، ورياض الصالحين بتخريج الألباني ٣٦٦ . ٩١ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال عَافَاهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ الْمُرَضِ))(١). وثاني هذه الخصال: شهود الجنازة يحضرها ويصلي عليها (٢) فله موعود النبي ◌ُّ﴾ حينئذ، وقد تعددت الأحاديث في فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، ومنها قوله ◌َّ: ((مَنْ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا؛ فَإِنَّه يَرْجِعُ مِنْ الْأَجْرِ بِقِيِرَاطَيْنِ كُلُّ قِرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ))(٣). وثالث هذه الخصال: صيام يوم يبتغي به وجه الله تعالى ومرضاته وقد صح عنه ◌َّ أنه قال: (( ... وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهَ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ .... الحديث))(٤) فالصوم لله سبحانه وحده من أجله وابتغاء مرضاته فله الثواب الموعود على لسان الصادق المصدوق وله. ويساوي ما سبق في الأجر الرواح إلى الجمعة أي إلى محلها لصلاتها وهو رابع الخمس خصال؛ فإن يوم الجمعة من أفضل الأيام، وفضله عظيم، وقد صح عن النبي ◌َّه أنه قال: ((الصَّلواتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا لَمْ تُغْشَ الْكَبَائِرُ)»(٥) ومن فضله ما نص عليه الحديث من أنه من راح إلى الصلاة (١) حديث صحيح، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ٦٣٨٨، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ٣٤٨٠، وصحيح سنن أبي داود للألباني ٣١٠٦، وصحيح الكلم الطيب ١٥٠ ص ١٣٢ . (٢) فيض القدير ٣/ ٤٥٧. (٣) رواه البخاري ٤٧ . (٤) حديث صحيح ، رواه الإمام أحمد في المسند ٢٢٨١٣، وانظر: صحيح الترغيب والترهيب للألباني ٩٨٥. (٥) رواه مسلم ٢٣٣. = ٩٢ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال وحضرها ولم يلغ فيها كان له موعود المصطفى وَ ي بالجنة. وآخر هذه الخصال الخمس: ((عتق رقبة مؤمنة)) يؤيد ذلك ما صح عنه وليه- أنه قال: ((مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةٌ أَعْتَقَ اللهُ بِكُلٌّ عُضوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْ النَّارِ حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ))(١) فله بكل عضو من أعضائها عتق من النار فما أوسعَ فضلَ الله وثوابَه لمن أطاعه واتقاه، والله ذو الفضل العظيم. ما يرشد إليه الحديث: ١ - سعة رحمة الله - تعالى - وتيسيره على عباده، حيث لم يكلفهم من العمل، ما يعجزون عن فعله. ٢ - ينبغي للمسلم أن يحرص على التحلي بكل ما هو نافع ومفيد له في الدنيا والآخرة. ٣ - تخصيص هذه الخمس إشارة إلى أهميتها وفضلها، وإلا فهناك من الفضائل والأعمال ما يؤدي إلى دخول الجنة غيرها، فليس المراد إذن من القصر الحصر. (١) رواه البخاري ٦٧١٥. ٩٣ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ٢٠ الحديث العشرون الإسلام دين الأنبياء جميعاً وشرائعهم شرائعه(*) عن الحارث الْأَشْعَرِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ النبيِ﴿ قَال إِنَّ اللهَّ أَمَرَ يحيى بن زَكَرِبًّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا وَيَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بها، فقال عِيسَى إِنَّ اللهَ أَمَرَكَ بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ لِتَعْمَلَ بها وَتَأْمُرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَعْمَلُوا بها فَإِمَّا أَنْ تَأْمُرَهُمْ وَإِمَّا أنا آمُّرَهُمْ فقال يحيى أَخْشَى إن سَبَقْتَنِي بها أَنْ يُخْسَفَ بِيِ أو أُعَذَّبَ فَجَمَعَ الناس في بَيْتِ المُقْدِسِ فَامْتَلَاَ الْمُسْجِدُ وَتَعَذَّوْا على الشَّرَفِ فقال إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِخَمْسٍ كَلِمَاتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ أَوَّهُنَّ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا وَإِنَّ مَثَلَ من أَشْرَكَ بِاللَّ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا من خَالِصِ مَالِهِ بِذَهَبٍ أوْ وَرِقٍ فقال هذه دَارِي وَهَذَا عَمَلِي فَاعْمَلْ وَأَدِّ إلي فَكَانَ يَعْمَلُ وَيُؤَدِّي إلى غَيْرِ سَيِّدِهِ فَأَيُّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ وَإِنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ فإذا صَلَّيْتُمْ فلا تَلْتَفِتُوا فإن اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ في صَلَائِهِ ما لم يَلْتَفِتْ وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ فإن مَثَلَ ذلك كَمَثَلِ رَجُلٍ في عِصَابَةٍ معه صُرَّةٌ فيها مِسْكٌ فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أو يُعْجِبَّهُ رِيحُهَا وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّ من رِيحِ المِسْكِ وَآمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ فإن مَثَلَ ذلك كَمَثَلِ رَجُلٍ أَسَرَةُ الْعَدُوُّ فَأَوْثَقُواَ يَدَهُ إلى عُنُقِهِ وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ فقال أنا أَفْدِيهِ مِنْكُمْ بِالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَفَدَى نَفْسَهُ منهم وَآَمَّرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا اللهَّ فإن مَثَلَ ذلك كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ الْعَدُوُّ في أَثَرِهِسِرَاعًا حتى إذا أتى على حِصْنٍ حَصِينٍ فَأَخْرَزَ نَفْسَهُ منهم كَذَلِكَ الْعَبْدُ لَا يُحْرِزُ نَفْسَهُ من الشَّيْطَانِ إلا بِذِكْرِ اللَّ)(١). (٥) وهو جزء من حديث طويل .... انظر تتمته في الحديث الحادي والعشرين بعده. (١) جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد في المسند والترمذي في السنن من حديث الحارث الأشعري ٩٤ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ستـ لغة الحديث: الوَرِقُ: الفضة يقال ورق بفتح الواو وبكسرها وبكسر الراء وسكونها(١). إن اللهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ في صَلَاتِهِ: صفة الوجه من الصفات الثابتة لله جل وعلا من غیر تشبيه. معنى الحديث: يتوقف نجاح الإنسان في أدائه لرسالته على ظهر هذه الأرض وسعادته في الحياة الدنيا على أمور، منها: حسن صلته بالله - عز وجل - تلك التي تتمثل في عبوديته لله - سبحانه - عبوديةً خالصةً من أي شائبة شرك أو بدع، وهذه الصلة المتينة بالله - تعالى - تثمر الانقياد والخضوع؛ لأوامر الله - تعالى - ونواهيه، وقد حفلت دعوة الرسل والأنبياء جميعاً بالأوامر والنواهي التي هي من أمر الله ونهيه قال - تعالى -: ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَهُ ﴾ (٢)، فهم يرشدون العقل إلى معرفة الرب وما يجب أن يعرف من أسمائه وصفاته ويجمعون كلمة الخلق على إله واحد ویخلُّون السبیل بينهم وبينه وحده، وینهضون نفوسهم إلى التعلق به - جل =مرفوعاً وعقب عليه الترمذي بقوله: هذا حديث حسن صحيح غريب، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني (٢٥٦٣) وصحيح الجامع الصغير للألباني (١٧٢٤)، وانظر: صحيح ابن خزيمة ٢ / ٦٤، ومسند أحمد بن حنبل ٤/ ٢٠٢ بتحقيق الألباني. (١) فتح الباري ٣/ ٣١٠. (٢) النحل: ٣٦. ٩٥ = أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال جلاله - في جميع الأعمال والمعاملات ويذكِّرونهم بعظمته بفرض أنواع من العبادات؛ فيما اختلف من الأوقات تذكرة لمن ينسى وتزكية لمن يخشى. قال - تعالى -: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَاً إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ نَجْتَبِىَ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾(١). وفي هذا الحديث أمر يحيى بن زكريا - عليهما السلام - بني إسرائيل بخمس خصال أمره ربه بها؛ فعهد إليهم أن يتعلموها ويعملوا بها . وأولى هذه الخمس: توحيد الله - سبحانه - وعدم الإشراك به وعبادته وحده وهذا هو أفضل الأعمال وأساس الملة والدين ..... فإن الملك العظيم الكامل في ذاته، وصفاته، وعلمه، وقدرته، وملكه، وعزه وغناه عن جميع خلقه وافتقارهم جميعهم إليه لا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن يجعل له شريكاً من خلقه في العبادة التي هي حقه عليهم؛ إذ كيف يجعل العبد معبوده، ويجعل المربون رباً - سبحان الله عما يشركون! وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً - ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَجِّ الْجِبَالُ هَدًّا ( أَن دَعَوْاْ لِلرَّحْمنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ( إِن كُلُّ مَن فِىِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّ !٩ ﴿ وَكُلُّهُمْ ءَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ٩٤ ◌َ لَّقَدْ أَحْصَنُهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ١٢ فَرْدًا﴾(٢). ءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا : وأما الخصال الأربع الباقية: فهي شرائع الإسلام وعباداته، وذكر منها: (١) الشورى: ١٣. (٢) مريم: ٩٠ - ٩٥. ٩٦ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال = (١) الصلاة (٢) والزكاة (٣) والصوم (٤) وذكر الله - تعالى -. * فالصلاة قربٌ للعبد من الله، فيها يناجي ربه، وفي لقاء الله خشوع ورغبة؛ لذا ينبغي التأدب في هذا الموقف والبعد عما يتنافى مع جلال اللقاء؛ فإن العبد إذا قام يصلي؛ فإن الله - تعالى - قِبَلَ وجهه، وفي الالتفات سوء أدب بالإِعراض عن الله - سبحانه وتعالى -، والالتفات نوعان: حسي بالبدن، ومعنوي بالقلب، ويستطيع المسلم أن يسيطر على بدنه أثناء الصلاة، ولمعالجة الالتفات المعنوي علَّمنا رسول الهدى وَّ﴿ أَن يَتْفِلَ عن يساره ثلاث مرات وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ قال بعض السلف: ((أربعة في الصلاة من الجفاء الالتفات، ومسح الوجه، وتسوية الحصى، وأن تصلي بطريق من يمر بين يديك؛ فعليك أن تستقبل القبلة بوجهك، وأن تقبل على الله بقلبك، وأن تكون خاشعاً ذليلاً، وأن تجعل بصرك في موضع سجودك، ولا تلتفت يميناً أو شمالاً؛ فإن فعلت؛ فقد أفلحت ونجحت، قال - تعالى -: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ﴾(١) * والصيام: وهو صيام رمضان ويُعدُّ أحد أركان الإسلام ومبانيه العظام، وقد أجمع المسلمون على فرضية صوم رمضان إجماعاً قطعياً معلوماً من الدين بالضرورة، ومن أنكر وجوبه فقد كفر .. وفقد فُرِض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وصامه النبي 9ّ تسع سنين، وفي قول يحيى بن زكريا - عليهما السلام - وآمركم بالصيام إشارة إلى فضيلة من فضائل الصوم، وأن الله کتبه على جميع الأمم، وفرضه عليهم، قال - تعالى -: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ (١) المؤمنون: ١ - ٢. ٩٧ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١)؛ فالصیام لم یکن بدعاً بيننا نحن المسلمين؛ فقد سبق الإلزام الإلهي به للأمم الغابرة وعلى اختلاف في الكيفية وتعداد في الأيام. تلك هي الحجة التاريخية في فرضية الصيام كما نص القرآن الكريم. بقيت الحجة العملية التي تترتب فيها النتائج على المقدمات وتخرج بها الثمرات، ومنها: أن الصائم يغدو ورائحة فمه أطيب عند الله من ريح المسك؛ لأنها ناشئة عن عبادة الله وطاعته، وكلما نشأ عن عبادته وطاعته؛ فهو محبوب عنده يعوض صاحبه ما هو خير وأفضل وأطيب له. * وأما الصدقة: والمراد بها الزكاة الواجبة وهي صنوة الصلاة والصيام؛ فمن لم يزكِ فليس بمسلم ينفعه عمله، وقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن الزكاة ركن من أركان الدين، وقاعدة في بنائه المتين فرضها الله في كتابه على عباده ووضحتها السنة النبوية وأجمعت على فرضيتها الأمة ومنكر فرضية الزكاة كافر مرتد؛ لأنها معلومة من الدين بالضرورة، ولم يخب لها نور في أي عصر من العصور تسد حاجة الفقراء، وتنشر المحبة والإخاء، وتطهر النفوس، وتنزع ما في الصدور، وتزكي المال وتنميه بالخيرات والبركات، ويضاعف الله ثوابها لصاحبها في الآخرة ... قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(٢). * وأما ذكر الله: فهو خامس الأوامر التي أمر الله أن يأمر يحيى بن زكريا - عليهما السلام - بني إسرائيل بها؛ فإن ذكر الله تستنزل بها الرحمات ويتحقق به (١) البقرة: ١٨٣. (٢) الحشر: ٩. ٩٨ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال = بركات الدنيا والآخرة ويكون بالقلب واللسان، والعمل بالقرآن والسنة على الوجه المشروع، ومعلوم أن ذكر الله يحيي القلوب بعد موتها؛ فإن مثل من يذكر الله - تعالى - ومن لا يذكره كمثل الحي والميت، كما أن ذكر الله يجعل القلوب مطمئنة يقويها على الطاعة، ويشفيها من الآفات والأدران ويطهرها من العلل والأدواء، وهو سبب من أسباب مغفرة الذنوب، والتقرب إلى علام الغيوب، ونزول السكينة، وهو حرز من الشيطان، وفي سعادة المرء في الدنيا والآخرة، قال - تعالى -: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيِنُ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ الَّهُ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَِّنُ اَلْقُلُوبُ﴾ (١) . ما يرشد إليه الحديث: ١ - جواز ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأفهام. ٢ - إلقاء الخبر بطريق السؤال أدعى لتنبيه الذهن وشحذ الهمة وتهيؤ المخاطب لما يطلب منه الإجابة عنه. ٣ - تقرير نبوة نبينا محمد ◌ّ له وأنه صدَّق المرسلين ودعا إلى ما دعوا إليه. ٤ - شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نسخه (٢). (١) الرعد: ٢٨. (٢) شرح مختصر الروضة للطوفي ١٦٩/٣. ٩٩ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ٢١ الحديث الحادي والعشرون (*) طاعة الرسول طاعة لله عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّ: (( ... وَأَنَا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ: اللهُ أَمَرَنِي بِنَّ بِالْجَاعَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْحِجْرَةِ، وَالْجِهَادٍ فِي سَبِيلِ اللهَ؛ فَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْجَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ وَمَنْ دَعَا بِدَغْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَاءٍ جَهَنَّمَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهَ وَإِنْ صَامَ وَإِنْ صَلَّى قَالَ وَإِنْ صَامَ وَإِنْ صَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَادْعُوا الْمُسْلِمِيَنَ بِأَسْتَائِهِمْ بِمَا سَتَُّهُمْ اللهُ - عَزَّ وَجَلَّ - المُسْلِمِينَ المُؤْمِنِينَ عِبَادَ الله - عَزَّ وَجَلَّ -))(١). التعريف بالراوي: الْحَارِثُ الْأَشْعَرِي: هو الصحابي الجليل الحَارِثُ بن الحَارِثِ الأشْعَرِيّ أبو مالك كنَّاه أبو نعيمٍ وَحْدَهُ له صحبة وعدّه في أهل الشام روى الحديث عن رسول الله * وروى عنه ربيعة الجرشي وعبد الرحمن بن غنم الأشعري وأبو سلاَّم ممطور الحَبَشِي وشريح بن عبيد الحضرمي وشهر بن حوشب وغيرهم كثير(٢). (٥) هذا الحديث متمم للحديث الذي قبله برقم (٢٠). (١) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٨٦٣، المسند للإمام أحمد ١٦٧١٨، ومشكاة المصابيح بأحكام الألباني ٣٦٩٤، وصحيح الجامع الصغير للألباني ١٧٢٤، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ٥٥٢. (٢) انظر: أسد الغابة ١/ ٤٦٨، والاستيعاب ٢٨٤/١، والإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٥٦٦، ومن وافق اسمه اسم أبيه ٢٥/١، والتاريخ الكبير ٢٦٠/٢، والجرح والتعديل ٩٤/٣. ١٠٠ أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ـ لغة الحديث: رِبْقَةَ الْإِسْلامِ: ما شد المسلم به نفسه من عرى الإسلام أي حدوده وأحكامه وأوامره ونواهيه(١). ◌ُثَاءِ جَهَنَّمَ: أي من جماعتها(٢). دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ: أي من دعا بسنة من سننها على الإطلاق التي لا توافق الشرع قولاً كان أم فعلاً(٣). معنى الحديث: في هذا الحديث أخبرنا النبي ولو بأن الله أمره بخمسة أوامر، ثم أمرنا النبي ◌َّه بها، والأوامر الخمسة هي: الأول: الجماعة. فالجماعة هي العزة والقوة وعليها مدار الدين فبها أَمَرَ وعليها بُني بل من أخص أسس قيامها: بأن تكون عن مودة وحب واتفاق وقد أرسى الشارع الحكيم القواعد لذلك وذلل السبل حتى أنك تجد أن من سار على نهج الدين وصل إليها بأسبابها وسبلها ومن شذ في شيء وحاد عن الطريق فهو آثم وقد صح عنه بَ ◌ّ أنه قال ((مَنْ فَارَقَ الْمَاعَةَ شِبْرًا فَمَاتَ إِلَّ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً))(٤)؛ لأنه بذلك قد خالف أمر الله - تعالى - ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ ﴾(٥) فيلحقُه من جرَّاء التفرق الفشلُ والإبادةُ والفناءُ قال - تعالى -: ﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ (١) تحفة الأحوذي ٨/ ١٣١. (٢) فيض القدير ٢/ ١٧٧. (٣) مرقاة المفاتيح ٢٤٩/٧. (٤) رواه البخاري ٧٠٥٤. (٥) آل عمران: ١٠٣.