النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ ءَأَفْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ
عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُواْ أَقْرَرْنَأَ قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ﴾(١) قال ابن
عباس - رضي الله عنهما -: ((ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد لئن بَعَثَ محمداً
وهو حي ليتَّبِعَنَّه، وأخذ عليه أن يأخذ على أمته لئن بُعِثَ محمدٌ وهم أحياء ليتبعنه
وينصُرُنَّه(٢)، وقد اشتهر النبي بَّ بصفات انحصرت فيه فصارت عَلَماً عليه
وسمي بها، وفي هذا الحديث بدأها الرسول وَل﴿ل بقوله: ((لي ◌َخَمْسَةُ أَسْمَاءٍ)» وهذه
الأسماء الخمس ليست على سبيل الحصر؛ بل هي الأبرز والأغلب والمشهورة
المذكورة لأصحاب الملل السابقة في كتبهم لأن النبي وَلول تفوق أسماؤه ذلك
بكثير. قال القاضي عياض: حمى الله هذه الأسماء الخمسة أي المذكورة في حديث
الباب أن يتسمى بها أحد قبله وإنما سَمَّى بعض العرب محمداً قرب ميلاده لما
سمعوا من الكهان والأحبار أن نبيا يُبعث في ذلك الزمان يسمى محمداً ، رجوا أن
يكون هو فسموا أبناءهم بذلك(٣).
وثاني أسمائه وَجِّ ((أَحْمَدُ)) (أي ألهم الله - تعالى - أهله أن سَمَّوْهُ به لِمَا عَلِمَ
- سبحانه - من جميل صفاته)(٤). (أما عن سبب تسميته وَ ليل بأحمد فهو ما ثبت في
الصحيح أنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله، وقيل
(١) آل عمران: ٨١.
(٢) تفسير ابن كثير ٤/ ١٨٢.
(٣) شرح الزرقاني ٤ / ٥٦١ .
(٤) شرح النووي ١٥ / ١٠٤، وانظر: تحفة الأحوذي ١٠٥/٨.

٦٢
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
الأنبياء حمادون وهو أحمدهم)(١) أي (أكثرهم حمداً أو أعظمهم في صفة الحمد)(٢).
وثالث الأسماء ((الْمُّاحِي)) وهو الَّذِي يَمْحُو اللهُ بِهِ الْكُفْرَ لِيَعْلُوَ الإيمانُ أما
المراد به تفصيلاً فقيل: المراد محو الكفر من مكة والمدينة وسائر بلاد العرب وما
زُوِيَ له وَ لّمن الأرض ووعده ربه أن يُبَلِّغَهُ مُلْكَ أمته قال الرسول ◌َله(( إِنَّ اللهَّ
زَوَى لِي الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي
مِنْهَا)»(٣).
ورابع الأسماء ((الْحَاشِرُ)) أي الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِه. وفي رواية
أخرى: ((وَأَنَا الْخَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى عَقِبِي)) (٤) قال العلماء: (معناهما
يحشرون علي أثري، وزمان نبوتي، ورسالتي وليس بعدي نبي.
وخامس هذه الأسماء ((الْعَاقِبُ)) العاقب أي النبيُّ الخاتَمُ الذي ختم الله به
الأنبياء وختم بمسجده هذا المساجد يعني مساجد الأنبياء، قال ابن الأعرابي:
(العاقب والعقوب الذي يخلف في الخير من كان قبله)(٥) وفي رواية أخرى: فهو
خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تمت رسالته وحوت جميع الرسالات وبه تمت
الرسل. فصلى الله وسلم على نبينا محمد أشرف من أقلَّت الأرض، وأظلَّت السماء
(١) إشارة إلى ما رواه البخاري ومسلم عنه له حينما يتنحى الأنبياء جميعهم عن الشفاعة إلا نبينا وليه
((وَهَذَا الْقَامُ الْمُحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ وَّ)) رواه البخاري ٧٤٤٠ ومسلم ١٨٢.
(٢) تحفة الأحوذي ١٠٥/٨.
(٣) رواه مسلم ٢٨٨٩ .
(٤) رواه مسلم ٢٣٥٤.
(٥) النووي لمسلم ١٠٦/١٥، وانظر: شرح الزرقاني ٤/ ٥٦٠ وتحفة الأحوذي ١٠٥/٨، والنهاية في غريب
الأثر ٢٦٨/٣ وغريب الحديث للخطابي ٢٢٥/١، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ١١١ .

٦٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
ونشهد أنه بلّغ الرسالة وأدى الأمانة وأخرج أمته - بإذن ربه - من الظلمات إلى
النور.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - جواز أن يعبِّر الإنسان عن نفسه وأن يفخر بما هو فيه تحدُّثاً بنعمة الله عليه
وتفضيله له ﴿وَأُمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ .
٢ - عِظَم فضل نبينا محمد ◌َل﴾ واصطفاء الله له.
٣ - ببعثته ونبوته وي ختمت الرسالات وأكملت الشرائع وتمت النعمة، وصدق
الله العظيم إذ يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى
الْآَخِرَةِ مِنَ اُلْخَسِرِينَ﴾(١).
٤ - يجوز أن نتسمَّى بأسماء الرسول وَ ل﴿ ولا نتكنَّى بكُنيته (أبا القاسم) مثلاً، كما
قال ◌َله: (تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيِي فَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمُ أقسمُ بينكم)) (٢).
(١) آل عمران: ٨٥.
(٢) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١١٨/٧ كتاب الآداب في رقم ٢١٣٣ باب النهي عن
التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحبُّ من الأسماء.
1

٦٤
١٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
الحديث الثالث عشر
وجوب دفع الضرر وقتل المؤذي
عَنْ عَبْدِ الله بْنُ عُمَرَ - رَضِيَ الله عَنْهُمَا - قَالَتْ حَفْصَةُ - رَضِيَ اللهُ
عَنْهَا - قَالَ رَسُولُ اللهَّوَّةِ: ((خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ:
الْغُرَابُ وَالِدَأَةُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ))(١)
لغة الحديث:
العقور: (هو كُلُّ سَبُعِ يَعْقِرُ أي يجرح ويَقْتُلُ ويفترس كالأسد والنَّمِرِ
والذئبٍ وسماها كلباً لاشتراكها في السَّبُعِيَّة والعَقُور من أبنية المبالغة(٢)) وقيل هو:
( كل عاقر كالأسد والحية(٣).
معنى الحديث:
أنعم الله - عز وجل - علينا بالنعم الوفيرة وأمرنا أن نشكره على نعمته
وأن نسبح بحمده ومن نعمه علينا أن أحل لنا الطيبات وحرم علينا الخبائث. ولذا
قال العلماء: (والأصل في جميع الأشياء الحل إلا ما قام عليه دليل التحريم). وفي
هذا الحديث قال الرسول وَ﴾: ((لَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ)» وسبب
قتلهن كثرة ضررهن وإيذائهن، وفي رواية أخرى: ((خْسٌٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ
وَالْحْرَمِ))(٤)، فالفسق هو الخروج عن الاستقامة والجور، وسميت هذه الحيوانات
فواسق على الاستعارة لخبئهن، قال الإمام مالك - رحمه الله -: (المعنى فيهن
(١) رواه البخاري ١٨٢٨، ومسلم ١١٩٩.
(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/ ٢٧٥.
(٣) غريب الحديث للحربي ٩٩٩/٣.
(٤) رواه مسلم ١١٩٨ .

٦٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
كونهن مؤذيات وأحل قتلهن لخروجهن بالإيذاء والإفساد عن طريق معظم
الدواب (١)).
وأول هذه الدواب هو: ((الْغُرَابُ)) ويقتل الغَدَّافُ والأبقع منه لأنهما
یأکلان الجیف، وأما غراب الزرع فلا.
وثاني هذه الدواب هي: ((الْحِدَأَةُ)) تقف في الطيران، ويقال إنها لا تختطف
إلا من جهة اليمين، وهي كالغراب تأكل الجيف، وكذا تخطف الجيف واللحوم
من أيدي الناس (٢)).
وثالث هذه الدواب هي ((الْفَأْرَةُ)) وهي الفُوْيسِقَة، وسبب إباحة قتلها أنها
تفسد على الناس الطعام والمتاع وتمسك بفتيل السراج فتحرق البيت.
ورابع هذه الدواب هي: (( الْعَقْرَبُ)) وقد أمر ◌ّل بقتلها والحية والعقرب
في الحكم سواء. واتفق جماهير العلماء على جواز قتلهن جميعاً في الحل والحرم
والإحرام(٢) وقد اقترنت الحية والعقرب في أمر الرسول و له بقتلهن في كل وقت
وزمان وإن كان في الصلاة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أنه قَالَ: (أَمَرَ رَسُولُ
اللهّ ◌َّهُ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ الْحَيَّةُ وَالْعَقْرَبُ) (٤) وذلك لعظيم ضررهما على
النّاس والخوف منهما.
(١) انظر: فتح الباري ٤/ ٣٧ وشرح مسلم للنووي ١٣/٨ والنهاية في غريب الحديث (٤٤٦/٣).
(٢) انظر: فتح الباري ٤ /٣٨ وتفسير القرطبي ٣٠٣/٦.
(٣) شرح مسلم للنووي ٨/ ١١٣.
(٤) حدیث صحیح ، انظر: صحيح سنن أبو داود للألباني ٩٢١ وصحيح سنن الترمذي للألباني
٣٩٠ وصحيح سنن النسائي للألباني ١٢٠٢ وصحيح سنن ابن ماجه للألباني ١٢٤٥ وصحيح
الجامع الصغير للألباني ١١٤٧ ومشكاة المصابيح ١٠٠٤ .

٦٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
وخامس هذه الدواب هو: «الْكَلْبُ الْعَقُورُ)» وهو كل سَبُع يعقر أي يجرح
ويقتل ويفترس كالأسد والنمر والذئب(١) فكل ما يعتدي على الإنسان ويؤذيه
جاز قتله في الحل والحرم والله أعلم.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - السنة النبوية موضحة ومفسرة ومفصلة للقرآن الكريم وما حرم رسول
الله ◌َّه فهو كما حرم الله ومن أنكر ذلك فقد افترى إثماً مبيناً.
٢ - تحريم كل مستخبث مستقذر من الحيوانات، والدواب والحشرات والهوامّ
وَحِلُّ قتلها؛ لإيذائها ومضرتها.
٣ - جواز دفع الصائل ولا ضمان على من قتله، أو أصابه أو أتلفه.
(١) النهاية في غريب الحديث ٢٧٥/٣.

٦٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
١٤
الحديث الرابع عشر
من صفات أهل النار ودار البوار
عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارِ الْمُجَاشِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عنه أَنَّ رَسُولَ اللهَّلِ قال:
((أَهْلُ النَّارِ خْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًّاَ لَا يَبْتَفُونَ
أَهْلًا، وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ، وَإِنْ دَقَّ إِلَّ خَانَهُ، وَرَجُلٌ لَا
يُضْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّ وَهُوَ يُجَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوْ
الْكَذِبَ وَالشِّنْظِيرُ الْفَخَاشُ))(١)
راوي الحديث :
هو الصحابي الجليل: ((عياض بن حمار المجاشعي التميمي المجاشعي أقام
بالبصرة وروى عن الرسول و 8# وروى عنه الإمام الحسن بن أبي الحسن بن يسار
والإمام مطرَّف بن عبد الله بن الشِّخِّر وكثير من كبار التابعين(٢)».
لغة الحديث :
لَا زَبْرَ لَهُ: أي لا عقل له يَزْجُرُهُ وینهاه عن الإقدام على ما لا ينبغي (٣).
الشِّنْظِيرُ الْفَخَّاشُ: السيئ الخلق(٤).
(١) حديث حسن، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٤١٦، وصحيح الجامع الصغير للألباني ٧٢٩٩،
ومشكاة المصابيح ٥١٩٧، وصحيح الترغيب والترهيب ١٢٨، والسلسلة الصحيحة ٩٤٦.
(٢) طبقات الشافعية ١٠/ ٤١٧.
(٣) النهاية في غريب الحديث ٢٩٣/٢، ولسان العرب ٣١٥/٤.
(٤) انظر: غريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٥٦٣، والنهاية في غريب الحديث ٢/ ٥٠٤، ولسان العرب
٤ / ٤٣١.
i
:

٦٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
معنى الحديث:
النار هي عقاب الله ووعيده لمن عصاه وصد عن سبيله وما من مؤمن إلا
وهو يستعيذ بالله منها؛ فهي غضب الله وسخطه ومن كانت عاقبته؛ فقد خسر
وضل وسلك غير سبيل المؤمنين، وفي هذا الحديث ذكر الرسول وصالة مسالك
وطُرُقاً خمسةً لأهل النار وذلك بقوله وَّةَ: (أَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ)) وهي ليست على
سبيل الحصر بل على الغالب والمشهور. وأول هذه الطرق ((الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ
لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْتَغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا))، وهو الذي لا عقل له يزجره
ويمنعه مما لا ينبغي له، أو الذي لا مال له؛ لأن العقل هو ما يتميز به المؤمن عن
غيره، ألا ترى أن الله - عز وجل - جعل من يصد عن سبيله أضل من الدواب
قال - تعالى -: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا
كَالْأَنْعَلِمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (١) وليس المقصود بالضعف التقصير أو القلة
صلى
والضمور، بل قد يتسم بالذكاء والدهاء، ولكن عقله لا يمنعه من العناد
والجحود، ألا ترى حال قريش مع الرسول وَليل وما كانوا يتميزون به من فصاحة
وذكاء ودهاء، ولكن عقولهم وقفت أمام عنادهم وجحدهم، وهم يومئذ فُصَحَاءُ
لُسُنٍ وَمَصَاقِعُ بَیَانٍ، ولكن لم ينفعهم ذلك !!.
والصفة الثانية لأهل النار: الخيانة وهي صفة ذميمة لا تكون في مؤمن؛
لأنها طبع خبيث لا يكون إلا في منافق قال ◌َله: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ
وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اْتُمِنَ خَانَ))(٢) وهي محرمة بجميع أنواعها وأشدها خيانة
(١) الفرقان: ٤٤.
(٢) رواه البخاري برقم: ٣٣ .

٦٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
الدين - أعاذنا الله منها ...
ومن صفات أهل النار أيضاً قوله وَ له: ((وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا
وَهُوَ يُجَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ)) فخداعه لا ينتهي ولا ينقطع بليل أو نهار في
المال بتجارة أو بيع وشراء. وفي الأهل بقول أو نصيحة.
والخداع منهي عنه إلا في الحرب فقد صح عنه ◌َ لهم أنه قال: ((الْحَرْبُ
خُدْعَةٌ))(١).
ومن صفات أهل النار ما ذكره النبي ◌ُ ◌ّله بقوله: ((الْبُخْلُ أَوْ الْكَذِبَ)). قال
الإمام النووي: ((وذكرت في بعض النسخ بالواو أيضاً)) (٢).
والْبُخْلِ وهو: مَنْعُ الْوَاجِبٍ، وَنَظِيرُهُ الشِّخُّ، وَنَقِيضُهُ الْجُودُ، والبخل لَا
يَصِحُّ إِطْلَاقُهُ في الدِّينِ إلَّا على جِهَةٍ أَنَّ فَاعِلَهُ قد أتى كَبِيرَةً بِالْمُنْعِ، قال الهُ
على
- تَعَالَى : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّالَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَئُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُم بَلْ
هُوَ شَرُّهُمَّ سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخِلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾(٣)؛ فَأَطْلَقَ الْوَعِيدَ على من بَخِلَ
بِحَقِّ اللهَ الذي أَوْجَبَهُ في مَالِهِ(٤) وهو صفة مذمومة تنطوي على الأنانية وحب
الذات، وليس ذلك من آداب الإسلام، الذي تدعو شرائعه إلى المحبة في الله،
والإيثار، وحب الخير.
وأما الكذب: فهو منافٍ لفطرة الإسلام الذي يبنى على الصدق الموَصِّل
(١) رواه البخاري ٣٠٢٩، ومسلم ١٧٤٠.
(٢) شرح مسلم للنووي ١٧/ ١٩٩ .
(٣) آل عمران: ١٨٠.
(٤) أحكام القرآن للجصاص ١٦٥/٣ .

٧٠
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
إلى الإيمان أما الكذب فهو هادٍ للنفاق وموصِّل للفجور، جاء في الحديث: ((إِنَّ
الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى
يُكْتَبَ عِنْدَ اللهَ كَذَابًا)) فعلى المسلم أن يحترس من الكذب بالإقلال من فضول
الكلام.
ومن أصناف أهل النار ما ذكره النبيِ رَ له بأنه: ((الشِّنْظِيرُ الْفَخَاشُ)) أي
السيئ الخلق(١)؛ فالخلق هو شطر الإيمان الظاهر بالتعامل والمعاملة، وهو من كمال
الإِيمان عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهَّوَّةِ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ
مِنْ الْأَنْصَارِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِّ ◌َ ثُمَّ قَالَ يَا رَسُولَ الهَ أَبُّ الْمُؤَمِنِينَ أَفْضَلُ قَالَ:
((أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا))(٢)، فأجدر بالخلق الفاضل وأحرِ بالمتصف به!، وما أثْقَلَه في
ميزان المؤمن يوم القيامة! جاء في الحديث: ((مَا مِنْ شَيْءٍ أَنْقَلُ فِي المِيزَانِ مِنْ حُسْنِ
و و
الخُلُقِ))(٣)
قلت: وبضدها تتمايز الأشياء فمن اقترف ضد هذه الخصال الحميدة باء
بالعقاب، نسأل الله العافية.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الإيمان بالجنة والنار وأنهما حقٌّ وهذا الإيمان جزء من عقيدة المسلم.
٢ - المرء يقاس بعقله وحصافة فكره لا بجسمه وشكله.
(١) انظر: غريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٥٦٣، والنهاية في غريب الحديث ٢/ ٥٠٤، ولسان
العرب ٤ / ٤٣١ .
(٢) حديث حسن، انظر: صحيح ابن ماجه للألباني ٤٢٥٩.
(٣)حدیث صحیح، انظر: صحيح سنن أبو داود للألباني ٤٧٩٩ وصحيح سنن الترمذي للألباني
٢٠٠٣، صحيح الجامع الصغير للألباني ١٣٤، والسلسلة الصحيحة للألباني ٨٧٦.

٧١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٣- إخبار النبي ولو بأمور الغيب ومشاهد القيامة، وما أخبر به من الغيوب
الماضية والغيوب المستقبلة التي وقعت أو ستقع معجزة وخصيصة من
خصائصهآل﴾، وهو مسلك من مسالك تقرير نبوته وصدق رسالته ◌َلآ.
٤ - سوء الخلق خطيئة تفوح! وأكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً.
٥- الأمور بمقاديرها والأعمال بخواتيمها.

٧٢
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
١٥
الحديث الخامس عشر
من نصائح النبي إليّ وتوجيهاته لأمته
عن ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قال: أَا أُخْبِرُكُمْ بِخَمْسٍ سَمِعْتُهُنَّ
مِنْ رَسُولِ اللهَّفَ لَ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودٍ
اللهَ فَهُوَ مُضَادُّ اللهِ فِي أَمْرِهِ، وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِغَيْرِ حَقٌّ فَهُوَ مُسْتَظِلِّ فِي
سَخَطِ اللَّ حَتَّى يَتْرُكَ، وَمَنْ قَفَا مُؤْمِنًا أَوْ مُؤْمِنَةً حَبَسَهُ اللهِ فِي رَدْغَةِ الْخْبَالِ
عُصَارَةٍ أَهَلِ النَّارِ، وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أُخِذَ لِصَاحِبِهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَا دِينَارَ ثَمَّ
وَلَا دِرْهَمَ، وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ حَافِظُوا عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُما مِنْ الْفَضَائِلِ)»(١)
لغة الحديث:
الشَّفاعَة: التَّجاوُزُ عن الذُّنوبِ والجرائم(٢).
مُضَادُّ اللهَ: أي مخالف أمره لأن أمره إقامة الحدود(٣).
سَخَطِ اللهَّ: هو الغضب الشديد المقتضي للعقوبة والسخط من الله
- تعالى - إرادة العقاب وسخط الله في الدنيا: انقطاع عن قبول فيضه، وتوقيعه في
الآخرة عقوبة (٤).
قفا مؤمناً: أي قال في مؤمن ما ليس فيه قال بَّر: (( .. وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنِ مَا
(١) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن أبي داود الألباني ٣٥٩٧، وصحيح الجامع الصغير للألباني
٦١٩٦، والمسند للإمام أحمد ٥٥١٩، وإرواء الغليل ٢٣١٨ للألباني.
(٢)سبق بیان معناها ص ١٥ .
(٣) مرقاة المفاتيح ٧/ ١٨١.
(٤) الفرق ١٣٣/١، والتعاريف ١/ ٦٢١.

٧٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
=
لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ))(١).
رَدْغَةَ الْخُبَالِ : هي طين ووحل كثير، والخبال في الأصل الفساد موضع في
جهنم مثل الحياض يجتمع فيه صديد أهل النار وعصارتهم(٢).
نَمَّ - بفتح الثاء -: هناك.
معنى الحديث:
فے
نيل رضا الله - سبحانه وتعالى - غاية كل مؤمن ومبتغى كل تقي يبحث
عن ما أُمر به فيتبعه وعما حرمه الشارع أو كرهه فيجتنبه وفي هذا الحديث جملة من
الأحكام ذات الفوائد العظيمة في الفضل أو في التحريم، وأول هذه الأحكام قوله
وَلّ: «مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهَّ فَهُوَ مُضَادُّاللهَ فِي أَمْرِهِ» فإن شفع في
سقوط الحد بعد أن بلغ الإمام وثبت عنده فيشفع عند الإمام منعاً لوقوعه فهو بذلك
قد خالف أمر الله - تعالى - لأن أمره إقامة الحدود(٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -: ((وهذا القسم يجب إقامته على
الشريف والوضيع والقوي والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا
بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطَّله وهو قادر على إقامته فعليه لعنةُ الله
والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً وهو ممن اشترى بآيات
الله ثمناً قليلاً))(٤).
(١) حديث صحيح ، انظر: صحيح سنن أبي داود الألباني ٣٥٩٧، صحيح الجامع الصغير للألباني
٦١٩٦ والمسند للإمام أحمد ٥٣٦٢.
(٢) مرقاة المفاتيح ٧/ ١٨١.
(٣) مرقاة المفاتيح ٧/ ١٨١ ، والتيسير بشرح الجامع الصغير ١/ ٤١١ .
(٤)کتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ٢٩٨/٢٨.

٧٤
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
وفي السنة خير بيان لذلك كما جاء في حديث المُزْأَةِ الْمُخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ
فَقَالُوا وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللهََّلِ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِىُّ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ
حِبُّ رَسُولِ اللهَّ ◌ََّ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللهَّ ◌َِّ: ((أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ
اللهَ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ
الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللهَّلَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ
بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا))(١) فلا شفاعة في حدود الله بل على الجميع العمل
على نفاذها تطبيقاً لشرعه - سبحانه - وسدا للذرائع ومنعاً للجرائم والفواحش.
ومن هذه الأحكام أيضاً قوله وَله: ((وَمَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِغَيْرِ حَقٌّ فَهُوَ
مُسْتَظِلٌ فِي سَخَطِ اللَّ حَتَّى يَتْرُكَ)) فمن أعان على خصومة بكلمة أو فعل وهو يعلم
أنه ظالم؛ فهو في سخط من الله - سبحانه - يحيطه ویظله؛ فلا يفارقه حتی یعود عن
ذلك(٢) بل لا تصح وكالته إن عُلِم بظلمه قال الإمام ابن مفلح - رحمه الله -: ((لا
تصح وكالة من عَلِم ظلم مُؤَكِّله في الخصومة فظاهره يصح إذا لم يعلم والظاهر
أن مراده بالعلم أيضاً الظن، وإلا فبعيد جدًّا القول به مع ظن ظلمه، قال شيخ
الإسلام: إذا كان الإحضار إلى من يظلمه أو إحضار المال إلى من يأخذه بغير حق
فهذا لا يجب بل ولا يجوز فإن الإعانة على الظلم ظلم، قال الله - تعالى -:
ـما
﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَاَلتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣)(٤)).
ومن الأحكام أيضاً قوله بَيِ: ((وَمَنْ قَفَا مُؤْمِنَا أَوْ مُؤْمِنَةً حَبَسَهُ اللهُ فِي رَدْغَةٍ
(١)رواه البخاري ٣٤٧٥ .
(٢) التيسير بشرح الجامع الصغير ٢ / ٤٠١ .
(٣) المائدة: ٢.
(٤) انظر: الآداب الشرعية ٥٨/١، وكتب ورسائل وفتاوى شيخ الإسلام ٤٠٣/٣٥

٧٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
الْخُبَالِ عُصَارَةٍ أَهْلِ النَّارِ)) فمن وصم مؤمناً بالمساوئ والعيوب والافتراءات التي
ليست فيه كذباً وبهتاناً أسكنه الله رَدْغَةَ الخَبَالِ وهو موضع في جهنم مثل الحیاض
يجتمع فيه صديد أهل النار وعصارتهم، كثير الطين والفساد حتى يخرج من إثمه
باستيفاء عقوبته، أو باستدراك شفاعته، أو بإلحاق مغفرته، أو بتوبة من قبل ذلك
وخروجه مما رماه به فيتوب عن ذنبه ويستحل من المقول فيه (١)؛ لأنه قد ظلمه بالافتراء
عليه فيجب عليه أن يستبرئ ذمته، فيستسمحه ويتوب إلى الله - تعالى - توبة نصوحاً.
ومن الأحكام المذكورة في هذا الحديث أيضاً قوله وَ له: ((وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ
دَيْنٌ أُخِذَ لِصَاحِبِهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ لَا دِينَارَ ثَمَّ وَلَا دِرْهَمَ)) ذلك لأن الدين من حقوق
العباد، فجعل من یموت وعلیه دین لم يُوَفَّ أن يؤخذ من حسناته يوم لا يكون
دینار ولا درهم.
قال الإمام النووي - رحمه الله -: ((وكان النبي ◌َ لولا يصلي على من مات
وعليه دين لم يخلف به وفاءً لئلا يتساهل الناس في الاستدانة ويهملوا الوفاء
فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم، فلما فتح الله على المسلمين مبادئ الفتوح
قال ◌َ﴾: ((مَنْ تَرَكَ دَيْناً فَعَلَيَّ قَضَاؤُه))(٢) فكان ◌ِّهِ يقضي عن المدين؛ وذلك تنبيهاً
منه وَلّ على الاهتمام بحقوق الغير وعدم إهمال وفائها .
وآخر هذه الأحكام التي وردت في الحديث قوله وَّهُ: ((وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ
حَافِظُوا عَلَيْهِمَا فَإِنَّهُمَا مِنْ الْفَضَائِلِ)) فهو توجيه نبوي للتنبيه على ركعتي الفجر
لعظم شأنهما وذكر سبب ذلك بقوله أنهما من الفضائل، وفي حديث آخر قال ◌َله:
(١) مرقاة المفاتيح ٧/ ١٨١ .
(٢)شرح النووي ٦/ ١٥٥

٧٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
(رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا))(١) أي من متاع الدنيا.
نسأل الله الإعانة على فعل الطاعات والعصمة من الوقوع في الشرور
والموبقات إنه سميع مجيب.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - من بلاغة النبي وَلّ أن يوجه كلامه للناس بصيغة السؤال أحياناً؛ لأن السؤال
يشد انتباه السامعين؛ فيؤدي إلى ترسيخ الجواب في الأذهان.
٢ - العناية بحقوق العباد الحسية والمعنوية.
٣- عظم شأن المحافظة على ركعتي الفجر وفضلهما.
٤ - حرص الصحابة - رضوان الله عنهم - على تعلم أمور دينهم وأمانتهم في
التبليغ عن النبي ◌َله.
(١)رواه مسلم ٧٢٥.

٧٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
١٦
الحديث السادس عشر
ذنوب لا يكفرها إلا التوبة
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله ◌َله: ((خَمْسُ لَيْسَ
هُنَّ كَفَّارَةٌ: الشِّرْكُ بِاللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٌّ، أَوْ تَهْبُ مُؤْمِنٍ أَوْ
الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، أَوَ يَمِينٌ صَابِرَةٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالًا بِغَيْرِ حَقٍّ))(١).
لغة الحديث :
الكَفَّارَةُ : (أصلها من الكَفْرِ بفتح الكاف وهو الستر لأنها تستر الذنب
وتذهبه هذا أصلها ثم استعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة أو انتهاك وإن لم يكن
فيه إثم كالقاتل خطأً وغيرُه(٢))
النَّهْبُ: (هو أخذ المرء ما ليس له جِهَاراً(٢)
صَابِرَةٌ : أي يمين مصبورة: (فاعل بمعنى مفعول) والمقصود بها: الملزمة
بالقضاء والحكم)(٤).
معنى الحديث:
المرء محاسب على كل ما يكسبه من أعمال أو يقترفه من آثام وما ينطق من
کلمة أو یعمل من عمل إلا سُجّلَ علیه فإن كان خيراً كان خيراً له، وإن كان غیر
ذلك هوى وخاب وخسر قال وَلهى: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهَّ لَا
(١) حديث حسن، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ٣٢٤٧، وصحيح الترغيب والترهيب
للألباني ٢٨٤٦، وإرواء الغليل ٢٥٦٤ .
(٢) تحرير ألفاظ التنبيه ١٢٥/١.
(٣)فتح الباري ١٢٠/٥ .
(٤) مرقاة المفاتيح ٦ / ٥٣٧ .

٧٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
يُلْقِي لَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهَّ لَا
يُلْقِي لَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ)) (١) وما يرتكب المرء من ذنب فهو محاسب عليه
ومعاقب؛ فإن كان الذنب مما يُكَفَّرُ كأن كان مما يكفره ويمحيه الطاعات كالصدقة
والصلاة فإن ذلك كفارة له قال ◌َّه: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا
الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ))(٢)، وإن کان جرمه عظيماً وإثمه کبیراً، فلا ينفعه شيء
من ذلك إلا التوبة والإنابة إلى الله؛ ولذلك كان بداية قوله وَ اله: ((خْسُ لَيْسَ نُنَّ
كَفَّارَةٌ)) أي لا يمحو الإثم الحاصل بسببهن شي من الطاعات؛ فهي لا كفارة لها
إلا التوبة منها ولا توبة في مثل القتل إلا بتسليم النفس للقصاص. وأول هذه
الأعمال التي لا كفارة لها ((الشِّرْكُ بِاللَ) أي الكفر به سبحانه قال - تعالى -: ﴿إِنَّ
اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ ﴾(٣)؛ فالشرك بالله من
أعظم الذنوب التي لا يغفرها الله - سبحانه وتعالى - إلا بالتوبة والإنابة؛ لأنه من
أكبر الكبائر. جاء في الحديث عنه ◌َ له: ((أَلَا أَنْبَّكُمْ بِأَكْبِرِ الْكَبَائِرِ - ثَلَاثًا - قَالُوا: بَلَى
يَا رَسُولَ اللهَ قَالَ الْإِشْرَاكُ بالله .... ))(٤).
وثاني هذه الأعمال ((قَتْلُ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٌّ)) والمراد (النفس المعصومة المحرم
قتلها)(٥)؛ لأن النفس المسلمة معصومة الدم إلا في إحدى ثلاث، كما قال وسا﴾: ((لَا
يَحِلُّ دَمُ امْرِيْ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَنِي رَسُولُ اللهَ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ
(١) مرقاة المفاتيح ٦/ ٥٣٧ .
(٢) رواه البخاري ١٨٩٥ .
(٣) النساء: ٤٨.
(٤) رواه البخاري ٢٦٥٤.
(٥) التيسير بشرح الجامع الصغير ١/ ٥٢١، وانظر: فيض القدير ٤٥٨/٣

٧٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْرِقُ مِنْ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ))(١)؛ فمن تعدى
فله العقاب من الله، قال - تعالى -: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ
خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ، وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾(٢) ولا يكفر ذنبه
هذا الذي اقترفه عمل أو قربة من القربات إلا أن يسلم نفسه للقصاص، وقال
ابن حجر - رحمه الله -: ((المسلم معصوم الدم لا يجوز انتهاك حرمة دمه إلا إذا
اقترف ما يوجب ذلك))(٣).
ومن الأعمال التي لا يكفرها إلا التوبة: نَهْبُ الْمُؤْمِنِ أي أخذ ماله قهراً
جهراً (٤) وهو جرم عظيم لا تكفير له إلا بالتوبة والإنابة ورد الحق المنهوب؛ لأن
أخذ الحقوق قهراً ذنب عظيم محرم سواء أكان من مؤمن أم من غيره وخُص
المؤمن هنا بالذكر؛ لأنه أعظم وأشد.
ومن المنكرات المحرمة الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ أي التولي والهرب من لقاء
الكفار في القتال عند ازدحام الصفوف، والإعراض عن الحرب، والفرار من
الكفار، ((ومذهب جمهور العلماء أنه كبيرة من أعظم الكبائر))(*) قال - تعالى - :
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفًا فَلاَ تُوَلَّوهُمُ الْأَدْبَارَ (جٍ وَمَنْ
يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبْرَهٌُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيًِّا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَآءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ
(١) رواه البخاري ٢٦٥٤.
(٢) النساء: ٩٣.
(٣) فتح الباري ١/ ٧٧.
(٤) التيسير بشرح الجامع الصغير ١/ ٥٢١.
(٥) شرح مسلم للنووي ٨٨/٢، وعمدة القاري ١٤ / ٦٢.
:

٨٠
:
1
:
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ستـ
وَمَأْوَنُهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾(١) فهذا أمر عظيم يَفَتُّ في عضد المسلمين ويلقي في
قلوبهم الخيبة لما یروا من یفر ويدبر من المسلمین؛ لذا كان ذنباً يستحق فاعله وعيد
الله - سبحانه وتعالى -.
وآخر هذه المحرمات اليمين الكاذبة الفاجرة التي يقتطع بها الحالف مال
غيره بغير حق، فيحلفها ويلزم بها غيره بالقضاء والحكم(٢) ظالماً عامداً فإثم ذلك
عظيم يقول ◌َّهُ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ مَصْبُورَةٍ كَاذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ بِوَجْهِهِ مَفْعَدَهُ مِنْ
النَّارِ)) (٢) وجزم كثير من العلماء أنها ـ اليمين الغموس - التي تَغْمِسُ صاحبَها في
النار (٤) فمن يكسبْ حلالاً يُبَارك له فيه، ومن يتجرأ فيقترف حراماً فإن ذلك لا
يغنيه؛ فالحرام لا يغني ولا يسد حاجة، قال ◌َ له: «فَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِحَقِّهِ يُبَارَكْ لَهُ
فِيهِ، وَمَنْ يَأْخُذْ مَالًا بِغَيْرِ حَقِّهِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ))(٥).
فهذه خمس خصال من الأعمال منهي عنها لا كفارة لها إلا بالتوبة النصوح
وتأدية الحقوق والتخلص من التبعات قبل الممات، نسأل الله العفو والعافية.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الذنوب نوعان: نوع تكفره الطاعات، ونوع آخر لا كفارة له إلا بالرجوع
والتوبة إلى الله بشروطها المعروفة.
٢- قليل من المال يكتسبه المرء من حله يكفي ويبارك له فيه و کثیر منه يكتسبه من
(١) الأنفال: ١٥ - ١٦.
(٢) انظر: مرقاة المفاتيح ٦/ ٥٣٧، وعون المعبود ٥٠/٩ .
(٣) رواه البخاري (٦٨٧٨).
(٤) فتح الباري ١١ / ٥٥٧ .
(٥) رواه مسلم ١٠٥٢ .