النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٨
الحديث الثامن
كل شيء مقدر ومكتوب
عَنْ أَبِ الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّوَّهِ: ((إِنَّ اللهَّ عَزَّ
وَجَلَّ فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَمَضْجَعِهِ،
وَأَثَرِهِ، وَرِزْقِه)(١).
لغة الحديث:
الأجل : ((مشارفة انقضاء أمد الأمر، وقيل الأجل المدة المضروبة للشيء
ووقته الذي يحل فيه ودنوه، وقيل الأجل عبارة عن دنو الموت))(٢).
وَأَثَرِهِ: ((أي أثر مشيه في الأرض))(٣).
ومضجعه : ((أي قبره)) (٤).
معنى الحديث:
القضاء والقدر من أصول الإيمان التي يجب على المسلم أن يؤمن بها
ويسلم لها؛ فبالإيمان به - تعالى - تقر الأعين وتهدأ النفس وعكسه سخط وضجر
وسقم ومرض يضيع فيه الإنسان بين إغواء الشيطان وضعف النفس والهوى كما
يحدث في الندم والحسرة، دون قصد التوكل والأخذ بالأسباب قال - تعالى - :
﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِ آلْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّ فِي كِتَسٍ مِّن قَبْلِ أَن نَبْرَأَهَاً إِنَّ
ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيْرٌ جَ لِكَيْلَا تَأْسَوْ عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَآ ءَاتَنِكُمْ وَاَللَّهُ لَا
(١) التعاريف ص ٣٧.
(٢) عمدة القاري ١٥/ ١٣٢ .
(٣) التيسير بشرح الجامع الصغير ١٦٩/٢ .
(٤) عمدة القاري ١٥/ ١٣٢.

٤٢
١
أربعون حديثاً کل حديث في خمس خصال
◌ُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾(١) وقال - تعالى -: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَهُ بِقَدَرٍ﴾(٢) فالمولى
- عز وجل - شمل أشياء بالتقدير، ويجب على المرء أن يؤمن بها ويسلم لها،
ويفصلها الرسول وَ ﴿ بقوله: ((إِنَّ اللهَّ عَزَّ وَجَلَّ فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ
خمسٍ)) أي انتهى تقديره - سبحانه - في الأزل من تلك الأمور إلى تدبيرها بإبدائها،
قال الإمام الغزالي: ((معنى الفراغ من ذلك أنه - سبحانه - لما قسم العباد قسمین،
وقدر لكل قسم ما ذكر وقدر أحدهما على اليقين أن يكون من أهل الجنة والآخر
من أهل النار وعينهم تعييناً لا يقبل التغيير والتبديل فقد فرغ من أمرهم، فريق في
الجنة، وفريق في السعير، فالرزق لا يزيد بالطلب، ولا ينقص بتركه فإنه مكتوب
في اللوح المحفوظ مقدر مؤقت ولا تبديل لحكم الله ولا تغيير لقسمته))(٣).
وهذه الأمور أولها: ((الأجل)) أي مدة العمر(٤) قال - تعالى -: ﴿فَإِذَا جَاءَ
ے
أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ فالعمر مقدر مكتوب لا يُزاد فيه
ولا يُنقص ولا يطول بدعاء ولا بعمل، وهذا لا يتنافى مع قوله وير في الحديث:
((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ))(٥)؛ فليس هناك
تعارض، إذ المراد بالحديث هنا هو الزيادة كناية عن البركة في العمر؛ بسبب
التوفيق إلى الطاعة وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن تضييعه في غير
(١) الحديد: ٢٢ - ٢٣.
(٢) القمر: ٤٩.
(٣) فيض القدير ٤ /٤٢٨ .
(٤) مرقاة المفاتيح ٤/ ٤٣٠ .
(٥) رواه البخاري ٢٠٦٧ .

٤٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
ذلك(١)، فقد قُضِيَ أمره وَدُوِّنَ، ولا تغییر ولا تبديل فيه.
وثاني هذه الأمور: «العمل» خيره أو شره وصالحه أو فاسده(٢)؛ فجميع ما
يعمله الإنسان مُدَوَّنٌ في الأزل بعلمه وبحكمته، وقدرته - سبحانه وتعالى - خيراً
كان عمل الإنسان أم شراً بالفعل أم بالسبب.
وثالث هذه الأمور قوله وَلّ: ((وَمَضْجَعِهِ)) أي سكونه وقراره في قبره فإنه
مضجعه على الدوام(٣) قال - تعالى -: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَىِّ أَرْضِ تَمُوتُ إِنَّ
اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(٤) قال الإمام المناوي: والمراد هو سكونه، وحركته، ومحل موته،
ومدفنه، ومن ثم جمع بينها ليشمل جميع أحواله من الحركات والسكنات وشقي
هو أو سعيد فالسعادة والشقاوة من الكليات التي لا تقبل التغيُّرُ(٥) مقضي أمره
منذ القدم .
ورابع هذه الأمور قوله {ال﴾: ((وَأَثَرِو» أي أثر مشيه في الأرض خيره وشره.
وخامس هذه الأمور ذكرها وَل﴿ بقوله: ((وَرِزْقِهِ)) كَّ وكيفاً حراماً وحلالاً
بأسبابه ومواعيده(٦) فرزق المرء لا يتحكم فيه تعب أو عناء ولا بقلة أو كثرة فإن
القضاء قد قُدِّر والأمر قد انتهى، وليس المراد بذلك التواكل على ذلك؛ بل هو
(١) انظر: سبل السلام ٤/ ١٦٠، وشرح النووي على مسلم ١١٤/١٦، وعون المعبود ٧٧/٥
وفتح الباري ١٠/ ٤١٦ .
(٢) انظر: مرقاة المفاتيح ٤/ ٤٣٠، عون المعبود ١٢/ ٣١٠، وتحفة الأحوذي ٢٨٦/٦.
(٣) عمدة القاري ١٥/ ١٣٢.
(٤) لقمان: ٣٤.
(٥) انظر: فيض القدير ٤٢٨/٤، والتيسير بشرح الجامع الصغير ١٦٩/٢.
(٦) انظر: فيض القدير ٤٢٨/٤، والتيسير بشرح الجامع الصغير ٣٠٨/١، ومرقاة المفاتيح ٢٩٣/١

٤٤
!
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
أسباب ودعاء واستعانة وعمل.
وإذا قَدَّرَ الله للعبد خيراً يناله بالدعاء لم يحصل له بدون الدعاء وما قَدَّره
الله، وعَلِمَه من أحوال العباد وعواقبهم؛ فإنما قَدَّرَه الله بأسباب يسوق المقادير إلى
المواقيت؛ فليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب
والمسببات، ولهذا قال بعضهم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد ومحو
الأسباب أن تكون أسبابا نقص في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح
في الشرع، ومجرد الأسباب لا يوجب حصول المسبب؛ فإن المطر إذا نَزَلَ وبُذِرَ
الحب لم يكن ذلك كافياً في حصول النبات؛ بل لابد من ريح مُرْبَةٍ بإذن الله،
ولابد من صرف الانتفاء عنه؛ فلابد من تمام الشروط وزوال الموانع وكل ذلك
بقضاء الله وقدره))(١).
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الإيمان بالقضاء والقدر أصل من أصول الإيمان.
٢ - الأمر بالدعاء والاستعانة بالله والأخذ بالأسباب ومن ترك ذلك اتكالاً على
القدر فقد أخطأ؛ لأن الله - تعالى - هو خالق الأسباب والمسببات، وقد جعل
- سبحانه - لكل مطلوب سببا وطريقاً يُنال به.
٣- الجزاء من جنس العمل، وقد رتب الله بحكمته ورحمته الثواب العاجل
والآجل لمن كان قصده وجه الله والدار الآخرة وعمل بالأسباب الباعثة على
الخير مستشعراً هذا المقصد الأعلى.
(١) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٦٩/٨

٤٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٩
الحديث التاسع
من فضائل يوم الجمعة
عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ رَضِيَ اللهُ عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ وَّ: ((إِنَّ يَوْمَ
الجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَامِ: وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ اللهَ وَهُوَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّ مِنْ يَوْمِ الْأَضْحَى
وَيَوْمِ الْفِطْرِ فِيهِ لَّسُ خِلَالٍ خَلَقَ اللَّفِيهِ آدَمَ، وَأَهْبَطَ اللهُ فِيهِ آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ
وَفِيهِ تَّى اللهُ آدَمَ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَّلُ الهَّ فِيهَا الْعَبْدُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ مَا لَمْ يَسْأَلَ
حَرَامًا وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا رِيَاحٍ وَلَا
جِبَالٍ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا وَهُنَّ يُشْفِقْنَ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ)(١).
ترجمة راوي الحديث :
أَبِو لُبَابَةَ ابْنِ عَبْدِ المُنْذِرِ : هو الصحابي الجليل بشير بن عبد المنذر بن الزبير
بن زيد بن أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف استخلفه رسول الله
وَلّعلى المدينة حين خرج إلى بدر وضرب له بسهم وشهد أُحُداً، وما بعدها
وكانت معه راية بني عمرو بن عوف في الفتح روى عن النبي وَّ وعن عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - ورُوي عنه - رضي الله عنه _(٢).
لغة الحديث:
سَيِّدُ الْأيّام : شاهد فيشهد يوم القيامة لمن حضر صلاته(٣). والمراد أن يوم
(١) حديث حسن، انظر: صحيح سنن ابن ماجه للألباني ١٠٨٤، وصحيح الجامع الصغير للألباني
٢٢٧٩، ومشكاة المصابيح ١٣٦٣ .
(٢) انظر: الثقات ٣٢/٣، الجرح والتعديل ٣٧٥/٢، تهذيب التهذيب ٢٣٥/١٢، وتهذيب الكمال ٢٣٢/٣٤.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٥١٣ .

٤٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
الجمعة أفضلها وقد ورد ((قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ)) (١) أي أفضلكم أو أُريد مَقْدِمُها «فإن
الجمعة متبوعة كما أن السيد يتبعه القوم وهو كذلك شاهد على من يشهده
بحضور صلاته))(٢).
يُشْفِقْنَ : الإشفاق هو : عنایة مختلطة بخوف لأن المشفق علیه يخاف ما
يلحقه ومعنی الخوف فیه أظهر(٣).
معنى الحديث:
في هذا الحديث بيان لفضل يوم الجمعة وعظم الثواب فيه يذكر الرسول
﴿ ﴿ ذلك مبتدئاً بقوله: (إِنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّامِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ الله)) وفي حديث
آخر يقُولُ الرَسُولُ اللهَّ ◌َلِ: ((خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ))(٤)
وقوله وَلّ: ((فِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ)) أي في نفس يوم الجمعة خمس خصال
اخْتُص بها دون سائر الأيام(*)، وهذه الخصال الخمس ذكرها النبي وَل بقوله:
((خَلَقَ اللهُ فِيهِ آدَمَ وَأَهْبَطَ اللهُ فِيهِ آدَمَ إِلَى الْأَرْضِ)) أي خلقت طينته - عليه السلام -
في يوم الجمعة وأنزل إلى الأرض، وهذه جميعها فضائل، وخصائص لم تجتمع في
هذا اليوم إلا إجلالاً، وتفضيلاً، وتعظيماً لهذا اليوم، يقول الرسول وَله: ((خَيْرُ يَوْمٍ
طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا
(١) رواه البخاري ٣٠٤٣.
(٢) انظر: مرقاة المفاتيح ٤١٢/٣، لسان العرب ٣٤٠/٣، فيض القدير ١٢٠/٤.
(٣) انظر: التعاريف ص ٦٧ ولسان العرب ١٧٩/١٠.
(٤) رواه مسلم ٨٥٤.
(٥) مرقاة المفاتيح ٤١٢/٣ .

٤٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ)) (١) ثم يذكر الرسول وَّه فضيلة أخرى بقوله
((وَفِیهِ تَوَفَّى اللهُ آدَمَ)) أي رجوعہ إلی حضرتہ - تعالى -(٢)؛ فآدم - عليه السلام - هو
أبو البشر فمنه خرجت الذرية، وبه بدأت خلافته للأرض؛ فخروج روحه في هذا
اليوم تفضيل ليوم الجمعة، ولأفضليته على سائر الأيام ثم إن في هذا اليوم خصلة
أخرى وهي لعامة المسلمين بقوله {وَ له: ((وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا الْعَبْدُ شَيْئًا إِلَّا
أَعْطَاهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ خَرَامًا» أي في هذا اليوم ساعة من سأل الله - عز وجل - داعياً في
صلاة أو دعا في غير صلاة إلا أُعْطي سؤله، وهي باقية إلى يوم القيامة؛ فهذه
الساعة خصلة فُضِّل بها يوم الجمعة عن سائر الأيام، أما قوله: ((لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا»
أي ما لم يكن مسؤوله حراماً، يدل على هذا قوله وَّله: ((لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا
لَمْ يَدْعُ بِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ قِيَلَ يَا رَسُولَ اللهَّ مَا الإِسْتِعْجَالُ قَالَ
يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ
الدُّعَاءَ))(٢)، ثم يذكر الرسول وَ له خصلة وفضيلة أخرى ليوم الجمعة بقوله: ((وَفِيهِ
تَقُومُ السَّاعَةُ)) أي يوم القيامة؛ ففي يوم الجمعة نعمتان عظيمتان للمؤمنين هما:
وصولهم إلى النعيم المقيم، وحبس أعدائهم في عذاب الجحيم؛ فهو عيد أهل
الطاعة، ولذا يسمى يوم الجمعة عيد المؤمنين والمساكين(٤)، أما قوله وَ لّ: ((مَا مِنْ
مَلَكِ مُقَرَّبٍ وَلَا سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا رِبَاحٍ وَلَا جِبَالٍ وَلَا بَخْرٍ إِلَّ وَهُنَّ يُشْفِقْنَ مِنْ
(١) رواه مسلم ٨٥٤ .
(٢) مرقاة المفاتيح ٣/ ٤١٢ .
(٣) رواه البخاري ٢٧٣٥ .
(٤) انظر: مرقاة المفاتيح ٣/ ٤١٢، والتيسير بشرح الجامع الصغير ٦٢/٢.
i

٤٨
1
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ==
يَوْمِ الجُمُعَةِ)) أي ما من ملك مقرب كجبريل ولا أحد من أهل السماء أو الأرض
إلا خائف من قيام القيامة فيه والحشر للحساب؛ فهو یوم الوعد والوعيد، وفيه هول
المطلع والصعقة.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - لله - عز وجل - في أيام الدهر نفحات ينبغي للمسلم أن يتعرض لها؛ لعله أن
تصیبه نفحة لا یشقی بعدها أبداً إلا بإذن الله.
٢ - أخبار النبي ◌َّر عن أمور غيبية وأحوال الأنبياء قبله وهي قبس من خصائصه
وشمائله آله
٣ - عِظَمُ يوم الجمعة وما يحصل فيه من الفضائل والخصائص يزيده تعظيماً
وإجلالاً وتفضيلاً.

٤٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
١٠
الحديث العاشر
التحذير من المعاصي والآثام
عَنْ عَبْدِ اللهَ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما قَالَ أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّ ◌َ
(فَقَالَ: يَا مَعْثَرَ الْمُهَاجِرِينَ خْسٌ إِذَا اِبْتُلِتُمْ بِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ
الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ
تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا
بِالسّنِينَ وَشِدَّةِ الْقُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا
مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهَ وَعَهْدَ
رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيِهِمَّ وَمَا لَمَّ
تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهَ وَيَتَخَُّوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ إِلَّا جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ)(١)
لغة الحديث:
ابْتُلِيتُمْ : امتحنتم(٢).
بِالسِّنِينَ : أي الجدب والقحط(٣).
الفاحشة: وهي ما اشتد قبحه من المعاصي، وكل ما ينفر عنه الطبع السليم
ويبغضه العقل المستقيم(٤).
يَنْقُضُوا عَهْدَ: نقض العهد هو الغدر والإخلال بالشيء وتركه(٥).
(١) حديث صحيح ، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ٧٩٧٨ وصحيح سنن ابن ماجه
للألباني ٤٠١٩ وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ١٧٦١ والسلسلة الصحيحة ١٠٦.
(٢) فتح الباري ٦/ ٥٠٣ .
(٣) لسان العرب ٣٥/٨.
(٤) فيض القدير ١/ ٤٠١.
(٥) التعاريف ص ٥٣٤.

i
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
معنى الحديث:
الابتلاءات والمحن تميز المؤمن الصادق عن غيره ممن يدعي الإيمان؛ فإما
صدق ومعه إیمان یزید ويرسخ، وإما نفاق وضعف يتبعه انهیار وتخاذل وخور ،
وفي هذا الحديث يخاطب الرسول وَله معشر المهاجرين خاصة والمسلمين عامة
بذكره محناً خمساً، البلاءُ ينزل بسببها، وتَحل بها عذابُ الله - عز وجل-، وقد
استعاذ الرسول وَ ل﴿ أن يُدرکوهُنَّ.
وأول هذه المحن والبلايا والرزايا: ((لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى
يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَِّي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمْ الَّذِينَ
مَضَوْا))، وقد حرم ربنا - تعالى - ذكره، الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ فإذا
ظهرت - عياذاً بالله - في قوم وأعلنوا بها واشتهروا بها بين غيرهم فقد جاهروا الله
بالمعاصي، وكان عقابهم أوبئةً تأخذهم جماعات وفرادى وأمراضاً وأسقاماً لم
تظهر فيمن قبلهم، فيكثر الموت فيهم جَرَّاء جرمهم.
وثاني هذه الابتلاءات قوله وَله: ((وَلَمْ يَنْقُصُوا الْكْيَالَ وَالِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا
بِالسّنِينَ وَشِدَّةِ المُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ)) أي ما أنقصوا في كيلهم ومیزانهم
أكلاً لحقوق العباد وجوراً عليهم إلا مُنِعُوا البركَةَ فيه، وعوقبوا بالجَذْبِ
والقَحْطِ(١) وقلة الرزق وضيق في العيش وظلم حكامهم لهم حيث لا يحكمون
فيهم بالقسط بينهم(٢)، ألا ترى أن هذه البلايا، والموبقات هي سبب هلاك الأمم
التي كانت قبلنا فبالفاحشة اشتهر قوم لوط - عليه السلام -، وأعلنوا بها فكانت
عاقبتهم الهلاك، والخسران، والتطفيف في المكيال، والميزان كان من أعمال قوم
(١) انظر: التيسير بشرح الجامع الصغير ٥١٩/١.
(٢) انظر: مشارق الأنوار ٣٧٠/١.

٥١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
==
شعيب - عليه السلام -؛ فكانت هلكتهم وخسرانهم بها؛ فالخسران، والندامة
والإهلاك، والإبادة عاقبة مقترفي هذه الآثام نسأل الله العافية .
وثالث هذه الابتلاءات: بقوله ◌َّهُ: ((وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا
الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا)) (أي لم يمتنعوا من أداء فريضة الزكاة
التي فرضها الله عليهم إلا كان لهم عقاباً بقلة الأمطار، ولولا البهائم لم يُمطروا
عقوبةً لهم بشؤم منعهم الزكاة عن مستحقيها، فانتفاعهم بالمطر الواقع إنما هو
واقع تبعاً للبهائم، فالبهائم حينئذ خير منهم، وهذا وعيد شديد على ترك إخراج
الزكاة، أَعْظِمْ به من وعيد)(١).
ورابع هذه الابتلاءات قوله ◌َ له: ((وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهَّ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّ
سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيِمْ))؛ لأنهم لم يطيعوا الله
ورسوله، ولم يفعلوا ما أمر الله به ورسوله، ولم يحرموا ما حرم الله ورسوله، فهم
بذلك قد خالفوا ما خُلقوا لأجله وما أثبتوه بنطقهم بالشهادة ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ
قَالُواْ بَلَى ﴾؛ فاستحقوا العقاب بتسليط الله عليهم عدواً من غيرهم فيأخذون مما
أنعم الله به عليهم عقاباً لهم في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ... نسأل الله أن
يثبتنا على الحق، وألا يسلط علينا شرار الخلق !!.
أما خامس هذه الابتلاءات فيذكرها نَ له بقوله: ((وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ
بِكِتَابِ اللهَ وَيَتَخَيَُّوا مِمَّا أَنْزَلَ اللهُ إِلَّ جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))، والمراد إذا حكم
الحكام بغير كتاب الله وسنة رسوله ول* واستبدلوها بقوانين وتشريعات أخرى
جاءهم العقاب بالحروب؛ فيما بينهم أو مع غيرهم، وظهرت فيهم الفتن
(١) فيض القدير ٢٩٧/٥.

٥٢
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال ==
والاختلافات وكثر القتل.
نسأل الله - تعالى - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفق عامة المسلمين
وحکامهم للعمل بکتابه وبسنة نبيه (ێ إنه سميع مجيب.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - شدة العقوبة في ارتكاب المعاصي والآثام وشؤم عاقبتها على الأمة.
٢ - حرص النبي ◌َّليل على أمته وإرشاده لها إلى كل ما ينفعها في دينها ودنياها
وتحذيره لهم مما فيه هلاكهم وخسرانهم.
٣ - جواز التعبير بالخاص وإرادة العام (يَا مَعْشَرَ المُهَاجِرِينَ).

٥٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
١١
الحديث الحادي عشر
إجابة السائل والتحذير من كتم العلم
عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ أَنَّ نَجْدَةَ (١) كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا
يَسْأَلُهُ عَنْ خَمْسٍ خِلَالٍ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ كَتَبَ
إِلَيْهِ نَجْدَةُ أَمَّا بَعْدُ فَأَخْبِرِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهَّ ◌َهِ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ، وَهَلْ كَانَ
يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ، وَهَلْ كَانَ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ، وَمَتَّى يَنْقَضِ يُثْمُ الْيَِّيمِ، وَعَنْ
الْخُمسِ لِنْ هُوَ فَكِتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ كَتَبْتَ قَسْأَلْنِي هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهَ وَ له
يَغْزُو بِالنِّسَاءِ وَقَدْ كَانَ يَغْزُو مِنَّ فَيُّدَاوِينَ الْجُرْحَى وَيُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَأَمَّا
بِسَهْمٍ فَلَمْ يَضْرِبْ هُنَّ وَإِنَّ رَسُولَ اللَّوَِّلَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ الصِّبْيَانَ فَلَا تَقْتُلْ
الصِّبْيَانَ وَكَتَبْتَ تَسْأَلْنِي مَتَى يَنْقَضِي يُثَمُ الْيَتِيمِ؛ فَلَعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لَتَنْبُتُ
(١) النجدات قوم من الخوارج من الحرورية يُنسبون إلى نجدة بن عامر الحروري الحنفي رجل منهم
يقال هؤلاء النجدات والنجدية قوم من الحرورية ونجدة الحروري: فتح النون وسكون الجيم
وبعدها دال مهملة وهو نّجْدة بن عامر الحروري من رؤوس الخوارج زائغ عن الحق ذكر في
الضعفاء للجوزجاني وهو ابن عمير اليمامي خرج باليمامة عقب موت يزيد بن معاوية وقدم مكة
وله مقالات معروفة وأتباع انقرضوا ووقع ذكره في صحيح مسلم وأنه كَاتَبَ ابن عباس يسأله
عن سهم ذي القربي وعن قتل الأطفال الذين يخالفونه وغيره ذلك وأجابه ابن عباس واعتذر
عن مکاتبته له. و کان ابن عباس - رضي الله عنهما - یکرهه لبدعته وما أجابه إلا لخوف أن یکتم
علماً كما قال - رضي الله عنه -: ((لَوْلَا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمَا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ)) (انظر: ميزان الاعتدال في نقد
الرجال للحافظ الذهبي، تحقيق علي محمد البجاوي القسم الرابع، ص ٢٤٥، ترجمة رقم:
٩٠١٣، ط ونشر عيسى البابي الحلي بمصر.
i
:

٥٤
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
◌ِيَتُهُ وَإِنَّهُ لَضَعِيفُ الْأَخْذِ لِنَفْسِهِ ضَعِيفُ الْعَطَاءِ مِنْهَا فَإِذَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ مِنْ
صَالِحِ مَا يَأْخُذُ النَّاسُ فَقَدْ ذَهَبَ عَنْهُ الْمُ وَكَتَبْتَ تَسْأَلُنِي عَنْ الْخُمسِ لَنْ هُوَ
وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ هُوَ لَنَا فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ ))(١).
التعريف بالراوي:
يَزِيدُ بنُ هُرْمُزَ: هو فقيه المدينة أبو بكر عبد الله بن يزيد بن هرمز الأصم
أحد الأعلام وقيل: اسمه يزيد بن عبد الله بن هرمز وهو معدودٌ في التابعين وقَلَّما
روى، كان يتعبد ويتزهد وجالسه الإمام مالك كثيراً وأخذ عنه ، قال مالك: كنت
أحب أن أقتدي به، وكان قليلَ الفُتيا شديد التحفظ كثيراً ما يفتي الرجل ثم يبعث
من يرده ثم يخبره بغير ما أفتاه وكان بصيراً بالكلام يرد على أهل الأهواء وكان من
أعلم الناس بذلك ، قال الإمام مالك: ((جلست إلى ابن هرمز ثلاث عشرة سنة
واستحلفني ألا أذكر اسمه في الحديث، ومات سنة ثمان وأربعين ومئة))(٢)
لغة الحديث:
الغزو : قصد العدو في دارهم(٣).
الْيَتِيمِ : قال أبو البقاء: (اليتيم من الناس صغير مات أبوه؛ لأن نفقته عليه
لا على الأم ومن غير الناس الذي ماتت أمه)(٤).
الخُمسِ: هو الخمس من المغنم وهو صليبة بني هاشم وبني المطلب وقيل:
(١) رواه مسلم ١٨١٢ .
(٢) سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٧٩ .
(٣) المطلع على أبواب المقنع ص٢٠٩.
(٤)التعاريف ٧٤٨.

٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
آله وأصحابه ومن آمن به(١).
معنى الحديث:
العلم هو فضل الله الذي ينعم به على من يشاء من عباده، فمن عمل به
وعلمه كان له الأجر والمثوبة من الله - عز وجل - وأجر مثل أجر من عمل به
دون أن ينقص من أجرهم شيءٌ، قال الرسول وَّهِ: ((مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا فَلَهُ أَجْرُ مَنْ
عَمِلَ بِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الْعَامِلِ))(٢)، والكتمان أشد جرماً وإثماً وصح عنه وَّ أنه
قال ((مَا مِنْ رَجُلٍ يَخْفَظُ عِلْمًا فَيَكْتُمُهُ إِلَّا أُنِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلْجَمًا بِلِجَامِ مِنْ
النَّارِ))(٣)، ومن هذا المنطلق كان مدار هذا الحديث الشريف الذي بدأه ابن عباس
- رضي الله عنهما - بقوله: ((لَوْلًا أَنْ أَكْتُمَ عِلْمًا مَا كَتَبْتُ إِلَيْهِ ..... الحديث)) ذلك
لجرم ما عليه السائل وهو نجدة الحروري وكان من الخوارج وكان ابن عباس
- رضي الله عنهما - يكرهه؛ لبدعته وكونه من الخوارج الذين يمرقون من الدين
مروق السهم من الرمية (٤) وقد أجابه عما سأل عنه وكان سؤاله عن ((خمس خلال
أولها) قوله: ((هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهَّوَ ◌ّهِ يَغْزُو بِالنِّسَاءِ)) أي يسافر بهن في غزوه؛
فأجابه - رضي الله عنه - بقوله: ((وَقَدْ كَانَ يَغْزُو ◌ِنَّ فَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى)) أي كان
(١) النهاية في غريب الأثر ١ / ٨١.
(٢) حديث حسن ، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ٦٣٩٦، وصحيح سنن ابن ماجه للألباني
٢٤٠، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ٨٠ .
(٣)حدیث حسن ، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ٥٧١٣، وصحيح سنن ابن ماجه للألباني
٢٦١، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ١٢٠ .
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢ / ١٩٠، مرقاة المفاتيح ٥٠٣/٧ .
أ
٥
:
:

٥٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
النبي وَير يأخذهن معه يداوين الجرحى من المسلمين ويسقين الغزاة ويهيئن لهم
أمورهم(١).
((وَكَانَ يَضْرِبُ هُنَّ بِسَهْمٍ)) أي يقسم لهن نصيباً من الغنيمة التي يغنمها
المسلمون، فأجابه - رضي الله عنه - بقوله: ((وَيُحْذَيْنَ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَأَمَّا بِسَهْم فَلَمْ يَضْرِبْ
هُنَّ))، ولم يقسم لهن سهماً، ولكن كُنَّ يُعْطَيْنَ من الغنيمة عطية تسمى الرَّضْخُ(٢) (وفي
هذا أن المرأة تستحق الرضخ (٣) ولا تستحق السهم)(٤). قال الإمام الشوكاني:
(والظاهر أنه لا يسهم للنساء والصبيان والعبيد والذميين وما ورد من الأحاديث
مما فيه إشعار بأن النبي ◌َّم أسهم لأحد من هؤلاء فينبغي حمله على الرضخ وهو
العطية القليلة جمعاً بين الأحاديث)(٥).
أما قتلُ صبيان أهل الحرب فهو حرام إذا لم يقاتلوا وكذلك النساء؛ فإن
قاتلوا جاز قتلهم والنهي عن قتل الصبيان في الحرب لقصورهم عن فعل الكفر
ولأن في استبقائهم انتفاعاً بالرَّقَبَة أو بالفداء عند من يجوِّز أن يفادى بهم(٦). وفي
(١) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢ / ١٩٠، مرقاة المفاتيح ٥٠٣/٧.
(٢) الرضخ : من الرضاخة وهو العطية وقيل الرضخ والرضيخة العطية المقاربة، انظر: لسان
العرب ١٩/٣، والنهاية ٢٢٨/٢.
(٣) وبهذا الحديث استدل به العلماء على عدم جواز أخذ النساء سهماً من الغنيمة، وبه قال أبو حنيفة
والثوري والليث والشافعي وجماهير العلماء، انظر: شرح النووي على مسلم ١٢/ ١٩٠، عون
المعبود ٧/ ٢٨٥، وعمدة القاري ٣٠٠/٨ .
(٤) انظر: شرح النووي على مسلم ١٢ / ١٩٠، مرقاة المفاتيح ٥٠٣/٧.
(٥) تحفة الأحوذي ٥/ ١٤٣.
(٦) انظر: شرح النووي على مسلم ١٩١/١٢، عمدة القاري ١٤/ ٢٦٣.

أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
==
٥٧
الحديث عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهَ وَّةِ((عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ
وَالصِّبْيَانِ))(١).
أما متى ينقضي حكم اليُْمِ: ويصح تصرفه ويحق له التحكم في أمواله؟
فإن اليُتْمَ لا ينقطع بمجرد البلوغ، ولا بعلو السن؛ بل لا بد أن يظهر منه الرشد في
دينه وماله؛ فإذا استقام أَمْرُ اليتيم بظهور رشده وبان حسنُ تصرفهِ في دِينِهِ ومالِهِ؛
فقد انقضی حکمه وجاز دفع ماله له و جاز أن يتصرف فيه .
قال الإمام النووي - رحمه الله -: (وبه قال الشافعي ومالك وجماهير
العلماء أن حكم اليتيم لا ينقطع بمجرد البلوغ ولا بعلو السن بل لا بد أن يظهر
منه الرشد في دِینِهِ ومالِهِ)(٢).
أما الخُمس من الغنائم: لمن يدفع ومن يأخذه فأجاب رضي الله عنه
بقوله:((وَكَتَبْتَ تَسْأَلْنِي عَنْ الْخُمسِ لَنْ هُوَ وَإِنَّا كُنَّا نَقُولُ هُوَ لَنَا فَأَبَى عَلَيْنَا قَوْمُنَا
ذَاكَ)) وهو خمس الخمس من الفيء، والمغنم الذي جعله الله لذوي القربى(٣) من
نسب الرسول ◌َ﴿ وقوله: ((فَأَبَّى عَلَيْنَا قَوْمُنَا ذَاكَ)) أي رأوا أنه لا يتعين صرفه
إلينا؛ بل يصرفونه في المصالح، وأراد بقومه ولاة الأمر من بني أمية، كما قال الإمام
النووي، ومن ذلك ما رُوي عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ أَخَذَ رَسُولُ اللهَّوَلَّهِ يَوْمَ
◌ُنَيْنٍ وَبَرَةٌ مِنْ جَنْبٍ بَعِيرٍ فَقَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لٍ بِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَّيْكُمْ قَدْرُ
هَذِهِ إِلَّا الْخُمسُ وَالْخُمسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ))(٤).
(١) رواه البخاري ٣٠١٤ .
(٢) شرح النووي لمسلم ١٢/ ١٩١ .
(٣) المرجع السابق ١٢ / ١٩١.
(٤)حدیث صحیح ، انظر: صحيح سنن أبو داود للألباني٢٦٩٤، وصحيح سنن النسائي للألباني
٤١٣٨، وصحيح الجامع الصغير للألباني ٧٨٧٢ .
i

٥٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
ما يرشد إليه الحديث:
١ - وجوب سؤال المرء عما يشكل عليه من المسائل، وعلى من سئل أن يجيب بما
هو الحق متجرداً متنزهاً عن التعصب والهوى.
٢ - فضل ابن عباس - رضي الله عنهما - وسعة علمه ورسوخ قدمه في الإجابة عن
المشكلات والمدلهمات .... ولا غرو فهو حبر الأمة ومن أكابر فقهائها الأعلام.
٣ - جواز ذكر ما عليه المرء من المآخذ والمعايب؛ ليُجْتَنَبَ ويُعرف، ولا يعد هذا
غيبةً في حقه.
٤ - وجوب المفاصلة بين أهل الحق والباطل ومجانبة أهل البدع والأهواء.

٥٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
١٢
الحديث الثاني عشر
أسماء خاتم الأنبياء
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُما - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهَّ ◌َِّ: ((لي خْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا تُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَنَا الْمُحِي الَّذِي يَمْحُو اللهُ
بِي الْكُفْرَ، وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْثَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَّا الْعَاقِبُ))(١)
التعريف بالراوي:
◌ُبَيْرُ بْنِ مُطْعِم : هو الصحابي الجليل جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل
بن عبد مناف بن قصي شيخ قريش في زمانه، أبو محمد، ويقال أبو عدي القرشي
النوفلي ابن عم النبي ◌ّ من الطلقاء الذين حسن إسلامهم، وقد قدم المدينة في
فداء الأسارى من قومه، وكان موصوفاً بالحلم ونبل الرأي كأبيه.
لغة الحديث:
مُحَمَّدٌ : يقال رجل محمد ومحمود أي كثير الخصال المحمودة وسمي نبينا
محمداً وَ لّ لكثرة خصاله المحمودة(٢).
الْعَاقِبُ : أي آخر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام -؛ فإنه خلف من
قبله، وجاء بعدهم(٣).
الْحَاشِرُ: الحاشر من أسماء رسول الله وَله والحاشر الذي يُحْشَرُ الناس خلفه
وعلى ملته دون ملة غيره(٤).
(١) رواه البخاري ٣٥٣٢، ومسلم ٢٣٥٤.
(٢) دقائق المنهاج ٢٦/١.
(٣) انظر: مختار الصحاح ص١٨٦ ، ولسان العرب ١٢/ ١٦٥، وغريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ١١١ .
(٤) لسان العرب ١٩١/٤.
i

٦٠
أربعون حديثاً کل حديث في خمس خصال
معنى الحديث:
أنعم الله علينا بأن جعلنا خير أمة أخرجت للناس، وفضَّلنا على سائر
الأجناس وأرسل لنا نبي الهدى والرحمة نبينا محمداً وَ يرٍ فبه امتلأت الأرض إيماناً
وعدلاً وعُرف للحق طريقاً وللفضيلة مسلكاً، وقد فُضِّل النبي محمد وٍَّ على
سائر البشر كافة، قال الرسول ◌َله: ((أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ
الْأَرْضُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ، وَلَا فَخْرَ وَلِوَاءُ
الْحَمْدِ بِيَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ))(١) فما من أحد مدحه الله - عز وجل - في
القرآن سواه بَّه فقال في خُلُقِهِ: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾(٢) وقال في صدقه:
﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىِّ (٤) إِنْ هُوَ إِلَّ وَحْىٌ يُوحَى﴾(٢) وخَصَّ برحمته ورأفته
المؤمنين قال - تعالى -: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ
حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾(٤) وأعزه الله - عز وجل - بتعليمه
فقال: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾(٥) وأخذ له العهد من جميع الأنبياء باتباعه ونصرته
فقال: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَقَ النَِّيْعِنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ
(١) حدیث صحیح ، انظر: صحيح سنن أبو داود للألباني ٤٦٧٣ وصحيح سنن ابن ماجه للألباني
٤٣٠٨ والسلسلة الصحيحة ١٥٧١ .
(٢) القلم : ٤ .
(٣) النجم: ٣ - ٤ .
(٤) التوبة : ١٢٨.
(٥) النجم : ٥ .