النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ
عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَُ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ تُحْشَرُونَ﴾(١)؛ فكل
محاسب يوم القيامة على الصغير والكبير، والفتيل والقطمير، إلا خفف الله عنه
الحساب، وكان وعد ربك حقاً، وفي هذا الحديث يبلغ الرسول وَ ل # وينذر من آمن
بالله واليوم الآخر بقوله وَّهِ: ((لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى
يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ))؛ فما من عبد إلا وسيحاسب وسيسأل ولا تتحرك قدماه من مقام
حسابه بين يدي ربه حتى يسأل عن خصال خمس، وفي الحديث يقول الرسول
وَلَهُ: ((مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا
يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا
النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقٌّ تَمْرَةٍ))(٢)، وذكر هنا هذه الخصال التي يسأل
عنها ابن آدم وأنها خمس؛ لأنها أصول يندرج تحتها كل عمل وكل كسب وأول
هذه الخصال قوله وَّر ((عن ..... عُمُرِهِ فِيمَ أَفْتَاهُ؟)) (أي فيم صرف أيام عمره
ولياليه)(٢)؛ فالعمر للمرء إما أن یکون خیراً له طالما كان عمله خيراً؛ فما من ساعة
إلا تقربه من ربه، وإما أن يكون شراً عليه؛ فما من ساعة إلا وتبعده وتزيد من
غضب ربه وسخطه عليه، روي عن النبي ◌َّل﴿ أنه سُئِلَ: «أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ مَنْ
طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ قَالَ فَأَيُّ النَّاسِ شَرِّ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ))(٤).
(١) الأنفال: ٣٦ .
(٢) رواه مسلم ١٠١٦ .
(٣) تحفة الأحوذي ٧/ ٨٥ .
(٤) حديث صحيح ، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٣٢٩، وصحيح الجامع الصغير
للألباني ٣٢٩٦، ومشكاة المصابيح ٢٢٧٠ .

٢٢
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
وثاني هذه الخصال: قوله {َ﴿ ((وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ)) والشباب هو وقت
القوة، والاستطاعة، والقدرة على العبادة؛ فيسأل عن أيام شبابه؛ فيما صرفها
وضيعها وذكر الشباب وخصه بالذكر مع أنه مشمول في الخصلة الأولى وهي
العمر؟ قال الطيبي رحمه الله: (المراد سؤاله عن قوته وزمانه الذي يتمكن منه على
أقوى العبادة)(١)؛ فهو تخصيص بعد تعمم وتفصيل ببلاغة نبوية فريدة لمجمل
القول.
وثالث هذه الخصال: قوله {َ﴾ ((وَمَالِهِ مِنْ أَیْنَ اكْتَسَبَهُ)) أي من حلال أم
من حرام قال قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَدًا (جَ أَتَحْسَبُ أَن
لَّمْ يَرَهُدَ أَحَدُ ﴾(٢) أيظن أن الله سبحانه لم يره ولا يسأله عن ماله من أين اكتسبه
وأين أنفقه(٣) بظلم أم بجرم؛ فإن المال من الشهوات التي هي زينة للناس، ولا
يتركها ويزهد فيها إلا مؤمن قوي الإيمان حتى شبهه وير بالذئب في الغنم يقول
المصطفى ◌َ﴿((مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمِ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْرْءِ عَلَى الْمَالِ
وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ))(٤)؛ فالمرء في حرصه على المال إن لم يجمح شهوته فهو كالذئب في
الغنم وفي النهاية هو مسؤول عنه؛ يسأله ربه عزوجل قبل أن تزول قدمهُ !!.
(١) تحفة الأحوذي ٧/ ٨٥ .
(٢) البلد: ٦ - ٧.
(٣) فتح القدير ٣١٠/١.
(٤) حديث صحيح ، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٣٧٦ وصحيح الجامع الصغير للألباني
٥٦٢٠، والمسند للإمام أحمد ١٥٣٥٧، وصحيح الترغيب والترهيب للألباني ١٧١٠، ومشكاة
المصابيح ٥١٨١ .

٢٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
ورابع هذه الخصال: قوله ◌َ ﴿((وَفِيمَ أَنْفَقَهُ)) والتفصيل في كونه ◌َّ ذکر
جمع المال منفرداً عن إنفاقه؛ لأنه إن اكتسب المال ولم ینفقه سئل عن أمر واحد، هو
كسبه، وإلا سئل عن الجهتين جميعاً: الكسب والإنفاق، وذلك أن جهة الإنفاق قد
تقع على وجه الأمر، وقد تقع على غيره، وقد یکون فيها سرف، وقد لا يكون وقد
یکون محتاجاً إليها، وقد لا يكون، وقد يكون جامعاً للمال أو غير جامع له (١)؛ فإذا
صرف المال فیما فیہ ابتغاء مرضاة الله - تعالى - وکان المال معيناً له ووسيلة إلى ذلك
کان الحساب في السؤال أهون علیه منه إذا صرفه في شهوات بدنه ولذاتها
فالحساب شديد، وجهنم من الظالمين ليست ببعيد؟! يقول النَّبِيَّ وَّهِ: ((إِنَّ رِجَالًا
يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللهَ بِغَيْرِ حَقِّ فَلَهُمْ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))(٢) أي يتصرفون فيه بغیر
عدل وينفقونه في غير موضعه، ويا عجباً قد يعصى الإله بنعمه ظلماً وجحوداً،
وهو موقوف ومسؤول بين يدي الله - تعالى -.
وخامس هذه الخصال: قوله ◌َّ ((وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ)) قال الطيبي: (إنما
غير السؤال في الخصلة الخامسة حيث لم يقل وعن علمه ماذا عمل به؛
لأنها أهم شيء، وأولاه وفيه إيذان بأن العلم مَقْدِمُه العمل، وهو لا يُعتدُّ به لولا
العمل)(٢)؛ فالعلم هو ميراث الأنبياء، وفضل العالم على غيره لا يُقارَن بعمل،
وفي الحديث: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجُنَّةِ وَإِنَّ
الْلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي
السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْماءِ وَفَضْلُ الْعَالِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلٍ
(١) حاشية الرملي ٣١٠/١
(٢) رواه البخاري ٣١١٨.
(٣) تحفة الأحوذي ٧/ ٨٥ .

٢٤
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّنُوا دِينَارًا وَلَا
دِرْهَمَا إِنَّمَا وَرَّتُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظُّ وَافِرٍ))(١)؛ فالعالم هو الهادي إلى
صراط ربه المبلغ لسنة نبيه، وهو مستأمن على علمه، فإن هدى الناس وترك نفسه
فقد أهلكها، وعلى نقيضه من كتم علماً؛ فلم يأمر به غيره فقد خاب وخسر وَثُمَ
يوم القيامة بلجام من نار كما أخبر النبي وَ له بذلك بقوله: ((مَنْ كَتَمَ عِلْمًا يَعْلَمُهُ
جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَجَّمًا بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ))(٢).
ما يرشد إليه الحديث:
١ - إثبات البعث والنشور والحساب، وأن ذلك جزء من عقيدة المسلم.
٢ - أهمية هذه الخمس المذكورة في الحديث: العمر، الشباب، والمال، واكتسابه،
من حله وإنفاقه في وجهه والعمل بالعلم.
٣ - السؤال عن هذه الأشياء لا ينفي السؤال عما سواها مصداقاً لقول ربنا
عزوجل: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْتَهُ فِىّ إِمَامِ مُّبِينٍ﴾.
٤ - أخبار النبي وَ ليه بالمغيَّيات ووجوب تصديقه وَّليه فيما أخبر به عن ربه
- عز وجل -.
(١) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٦٨٢، وصحيح سنن أبو داود للألباني
٣٦٤١.
(٢)حدیث صحیح، صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٦٤٩ وصحيح سنن أبو داود للألباني
٣٦٥٨، والمسند للإمام أحمد ١٠١٠٩.

,'
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٢٥
الحديث الخامس
الغيب لا يعلمه إلا اللّه
عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهَّوَهِ: ((مِفْتَاحُ
الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّ اللهُ لَ يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ وَلَا بَعْلَمُ أَحَدٌ مَا
يَكُونُ فِي الْأَرْحَامِ وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسُ بِأَيِّ أَرْضِ
◌َمُوتُ وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى نَجِيءُ الْمُطَرُ))(١).
لغة الحديث:
مِفْتَاحُ : المفتاح هو ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر
الوصول إليها(٢).
الْغَيْبِ: ما غاب عن الحس ولم يكن عليه علم يهتدي به الفعل فيحصل به
(٣)
العلم(٣).
معنى الحديث:
ذکر في هذا الحدیث خمس خصال، وهي مما اختص الله - سبحانه وتعالى-
بعلمها، وهي من الأمور الغيبية؛ فلا يعلمها مَلَك مقرب، أو نبي مرسل، قال
- تعالى - على لسان نبيه: ﴿قُل لََّ أَهْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ
كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَآَ سْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَأْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ
لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ﴾(٤)، وهذه الخمس تشتمل كل منها على أبواب عدة؛ فأولها: الساعة
(١) رواه البخاري ١٠٣٩.
(٢) لسان العرب ٥٣٨/٢.
(٣) التعاريف ٥٤٣ .
(٤) الأعراف: ١٨٨.
٢
:

٢٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
وما تضمنت من الحشر والنشر والحساب، وثانيها: تنزيل الغيث وما يترتب عليه
من الإحياء والإنبات، وثالثها: ما تحويه الأرحام، ورابعها: ما خبأه الله
- سبحانه - عن الخلق تحت أستار الأقدار بحكمته القائمة وحجته البالغة وهو
الموت، وخامسها: نبأ العاقبة التي انفرد بالاطلاع عليها - سبحانه وتعالى -(١)،
وفي هذا الحديث يبين الرسول و ◌ّ* ذلك ويفصله بقوله: ((مِفْتَاحُ الْغَيْبِ خْسُ لَا
يَعْلَمُهَا إِلَّ اللهُّه والمراد ما يتوصل به إليه؛ فما يتوصل به إلى علم الغيب مفاتح
خمس ولكن قيدها بأنه لا يعلمها إلا الله؛ فما خفي عنا ولا يمكن لأحد منا
الوصول إليه خص الله - سبحانه وتعالى - به نفسه، هو على خمسة أبواب يتفرع
من كل باب ما يندرج تحته من فروع ، والخمسة لا أمارة لها ولا علامة عليها إلا
ما أخبر به الصادق المصدوق وَّ ﴿ ومن ادعى علم شيء منها فهو كافر(٢) وفي رواية
أخرى للحديث عن عَبْدَ اللهَ بْنَ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - قال: ((أُوتِيَ نَبِيُّكُمْ وَالهول
مَفَاتِيحَ كُلِّ شَيْءٍ غَيْرَ الْخَمْسِ ... )) وذكر الحديث(٣)، وأول هذه الخمس ذكرها
النبيِ وَّه بقوله: ((لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي غَدٍ» أي ما يكون في غده من خير أو
شرله أو لغيره وثانيها: قوله ◌َ له:((وَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْحَامِ)) فكل ماتحويه
الأرحام قد وكل الله - سبحانه - به ملكاً، وفي زمامه من الملائكة ما لا يعلمه إلا
الله - تعالى - وقرن بكل رحم ملكاً يجري على يديه تدبير النطفة في أطوار الخلقة
من الغيب(٤) فلا يدري أحد ما تسفر عنه النطفة من ذكر أو أنثى وما كتب الملك
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٦/٢.
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢٥٩/٢ .
(٣) رواه الإمام أحمد في المسند برقم ٤١٥٦.
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٢٥٩ وتفسير ابن كثير ٤/ ٤٥٤ .

٢٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
له من رزق، وشقي هو أم سعيد يقول الرسول وَ له: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ
أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ
مَلَكًا بِأَزْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُكْتَبُ عَمَلُهُ وَأَجَلُهُ وَرِزْقُهُ وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ
الرُّوحُ))(١)؛ فجميع ذلك قبل أن تنفخ فيه الروح؛ وهذا لا يتعارض مع التقدم
العلمي حيث قد يقول القائل قد يعرف الطبيب ما إذا كان الجنين ذكراً أم أنثى؟
فالأمر بعيد كل البعد عن معرفة الطبيب شيئاً من ذلك ، لأنه لا يعلم إلا ما
صارت إليه النطفة وما استقرت عليه، ولكن هل يستطيع أن يعرف مع اللحظات
الأولى للنطفة هل ستنمو وهل ستكون ذكراً أم أنثى وما قد كتب الملك له ! فهذا
بعيد كل البعد من أن يعرفه أحد، فهذا علم الله الذي اختص به نفسه - سبحانه -
هو علام الغيوب .
وثالث هذه الخمس: ذكرها النبي ◌َّه بقوله ((وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ
غَدًا)) تكسب غداً في دنياها وأخراها(٢)؛ فكل ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب
نفع، وتحصيل حظ وما يظن أنه يجلب منفعة أو يدفع مضرة وكل ما أخذه لنفسه
أو لغيره لا يعلمه إلا الله والاكتساب حقيقة لا يقال إلا فيما استفاده لنفسه(٣) قال
تعالى: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَآَ سْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ الشُّوَءُ﴾(٤).
ورابع هذه الأمور: ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ في أي بلد من
بلاد الله - تعالى - سيأتيه أجله(٥). قال قتادة: أي ليس أحد من الناس يدري أين
(١) رواه البخاري ٣٣٣٢، ومسلم ٢٦٤٣ .
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٢٥٩، وتفسير ابن كثير ٤/ ٤٥٤ .
(٣) التعريفات ص ٦٠٣ .
(٤) الأعراف: ١٨٨ .
(٥) تفسير ابن كثير ٣/ ٤٥٤.

٢٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
مضجعه من الأرض أفي بحر أم في بر أم في سهل أم في جبل(١) وفي الحديث يقول
الرسول وَلّ: ((إِذَا كَانَ أَجَلُ أَحَدِكُمْ بِأَرْضِ أَوْ ثَبَتْهُ إِلَيْهَا الْحَاجَةُ فَإِذَا بَلَغَ أَقْصَى أَثَرِهِ
قَبَضَهُ اللهُ سُبْحَانَهُ فَتَقُولُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَبِّ هَذَا مَا اسْتَوْدَعْتَنِي))(٢)؛ فليتق
المرء ربه فالأجل غير معلوم والموت محتوم.
ثم خامس الأمور الغَيبيَّة التي ذكرها الرسول وَل بقوله: ((وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ
مَتَى يَجِي ءُ الْمُطَرُ)) أي متى نزوله بالليل أم بالنهار(٣)؛ فهو مسوق مسخر بأمر الله
وحده لا يعلم متى يجيء أو مقداره ولا سبيل إليه إلا بأمر الله وحده، ولذلك
جاءت صلاة الاستسقاء طلباً ورجاءً لله وحده وتضرعاً إليه - سبحانه- عند
احتباس ماء السماء وتمادي القحط وحاجة البلاد والعباد إلى رحمة الله - تعالى -
ونزول المطر(٤).
ما يرشد إليه الحديث:
١ - حماية النبي وثي﴾ لحمى التوحيد وسده لطرق الشرك والتنبؤ بالغيب ونواقض
الإسلام كلها؛ حرصاً منه وال# على أمته وتحذيرها من كل ما يضرها في دينها
و دنياها.
٢ - هذه الخمس استأثر الله بهن فلم يُطْلع عليهن مَلَكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً، وقد
(١) تفسير ابن كثير ٤٥٦/٣ .
(٢) حديث صحيح، انظر: صحيح سنن ابن ماجه للألباني ١٤٢٤، وصحيح الجامع الصغير
للألباني ٧٤٥، والسلسلة الصحيحة ١٢٢٢، وظلال الجنة ٣٩٢ .
(٣) تفسير ابن كثير ٤٥٦/٣ .
(٤) المرجع السابق.

٢٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
قال - تعالى - ذكره ﴿قُل لَّ يَعْلَمُ مَن فِى السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ
اللَّهُ ... الآية).
٣ - إنزال المطر فضل من الله ورحمة يحبسه إذا شاء ويُنزِلُه إذا شاء ومن ادعى علم
ذلك فهو كافر بالإجماع.

٣٠
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
٦
الحديث السادس
الالتجاء إلى الله والاستعداد ليوم المعاد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنه قَالَ النَّبِيّ ◌َّهِ: «اسْتَعِيذُوا بِاللهَّ مِنْ خَمْسٍ:
مِنْ عَذَابٍ جَهَنَّمَ، وَعَذَابِ الْقَْرِ، وَفِتْنَةِ الْحْيَا، وَالْمُتَاتِ، وَفِتْنَةِ الْمُسِيحِ
الدَّجَّالِ))(١).
لغة الحديث :
استعاذ بالله: أي لجأ إليه وهو عياذه أي ملجؤه والمعنى: الجأ إليه واعتصم
به، وتعوذ واستعاذ بالله فأعاذه وعوذه حفظه(٢).
الفِتْنَةِ: البَلِيَّة وهي معاملة تُظْهِرُ الأمور الباطنة، وقال الراغب: هي. ما
یتبین به حال الإنسان من خير أو شر(٣).
المُسِيحِ الدَّجَّالِ: أي الضِّليِّل الكَذَّاب، قال الحربي: سُمِّيَ مَسيحاً لأن
إحدى عينيه ممسوحة عن أن يبصر بها، وسمي دجالا لتمويهه، والدِّجل: التمويه
والتغطية، يقال: دَجَلَ فلان إذا مَوَّهَ، وَدَجَّل الحق: غَطَّاهُ بِبَاطِلِهِ(٤).
معنى الحديث:
العبد فقير إلى ربه محتاج إليه في جميع أموره: دنياه وآخرته بيده وحده
- سبحانه - التوفيق، والهداية، والاستغاثة، والاستعانة، والاستعاذة؛ فالحول
(١) رواه البخاري ١٣٧٧، وانظر: صحيح سنن النسائي للألباني ٥٥١١.
(٢) تحفة الأحوذي ١٧/١٠، وعون المعبود ٢٨١٤٧/٤.
(٣) انظر: التعاريف ص ٥٤٩، والتعريفات ص٢١٢ .
(٤) انظر: لسان العرب ٢/ ٥٩٥، غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٣٧٥، تحرير ألفاظ التنبيه
٢٦٩/١.

٣١
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
والقوة له، والدعاء؛ درجته عالية وفضله عظيم؛ ففي الحديث عن النَّعْمَانِ بْنِ بَشِيرِ
- رضي الله عنه - عَنْ النَّبِّنَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ آدَعُونِىّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
قَالَ: الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَقَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِىّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ
- تعالى -: ﴿دَاخِرِینَ)))(١)؛ فهو باب الخير ومفتاح الفرج من تركه خاب ومن
عجز عنه؛ فهو من أعجز الناس، يقول الرسول ◌َّهِ: ((أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ
الدُّعَاءِ، وَأَبْخَلُ النَّاسِ مَنْ بَخِلَ بِالسَّلاَمِ)) (٢)؛ فعلى المرء المسلم أن يلح في الدعاء
ملتمساً أسباب الاستجابة كطيب المأكل، والمشرب واختيار الأوقات، والأزمنة
التي هي أحرى بالاستجابة في جوف الليل ودبر الصلوات وبين الأذان والإقامة
.... إلخ ما ورد في ذلك.
ومعلوم أن دفع الشر مقدم على جلب الخير، وفي هذا الحدیث یأمرنا
الرسول وله بأن نستعيذ من شرور الدنيا المتمثلة في فتنها ومن شرور الآخرة
المتمثلة في جحيمها، وفي أهمية هذا الدعاء تواترت الأحاديث بروايات مختلفة،
منها ما رُوى عنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهَّوَلِ(( كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا
الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمْ السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ يَقُولُ: قُولُوا اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ
جَهَنَّمَ، وَنعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَيْرِ وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمُسِيحِ الدَّجَّالِ وَنَعُوذُ بِكَ
مِنْ فِتْنَةِ الْمُحْيَا وَالْمُمَاتِ))(٣)، ويأمرنا ◌َّه في هذا الحديث بأن نسْتَعِيذُ بِاللهُ مِنْ لَمْسٍ
(١) حدیث صحیح ، انظر: صحيح سنن أبو داود للألباني ١٤٧٩، وصحيح سنن الترمذي للألباني
٢٩٦٩، وصحيح سنن ابن ماجه للألباني ٣٨٢٨ .
(٢) حديث صحيح ، انظر: صحيح الجامع الصغير للألباني ١٠٤٤ وصحيح الترغيب والترهيب
للألباني ٢٧١٤، والسلسلة الصحيحة ٦٠١ .
(٣) رواه مسلم ٥٩٠ .

٣٢
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
هي مجمع الشر كله، وفيها هلاك الأمر وفناؤه، وأول هذه المهالك التي يستعيذ
المرء منها بالله بقوله {َّ﴿((عَذَابٍ جَهَنَّمَ))، والاستعاذة من عذاب جهنم مستحبة،
وهذا هو ما ذهب إليه الجمهور، وفي الاستعاذة إشارة إلى أنه لا مخلص من عذابها
إلا بالالتجاء إلى بارئها(١) وخالقها فهي قوته وجبروته، وبطشه، وغضبه، ووعيده
الذي أعده لمن عصاه، ومن شدتها، وعظم أمرها كان النبي ◌َّلو يستعيذ منها،
ويعلم أصحابه أن يستعيذوا منها لشدة عذابها، وقوة نارها، وقد تواترت
الأحاديث الكثيرة في وصفها وشدة حرّها، فعذابها لا تطيقه الجبال، ووقودها
الناس والحجار، فمن نجا منها فقد فاز ومن هوى فقد خاب وخسر، أعاذنا الله
وإياكم منها.
وثاني هذه الأمور العظام هو ((عَذَابُ الْقَيْرِ)) وفيه رد على من أنكر عذاب
القبر من المبتدعة، والفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة فعذاب القبر ثابت
بالكتاب والسنة، والقبر: هو أول منازل الآخرة وأول درجات الجزاء.
وثالث هذه الأمور هو: ((فِتْنَهُ الْمُحْيَا)) أي عليكم أن تَتَحَصَّنُوا بِالله من فِتْنَةِ
الْحْيَا، وهي الْكُفْرُ، وَقِيلَ الْعِصْيَانُ وَقِيلَ المُالُ وَالْوَلَدُ، وَالْأَحْسَنُ كُلُّ ما يَشْغَلُ
عن اللهَّ فِتْنَهُ الْمُخْيَا، وقيل: فتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر(٢) قال - تعالى - :
﴿ لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمٍ مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ
الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾(٢)؛ فكل ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان
(١) تحفة الأحوذي ٩/ ٣٢٧.
(٢) انظر: فتح الباري ٣١٩/٢، والفواكه الدواني ١٨٩/١ وشرح الزرقاني ٢/ ٥٤، وكفاية
الطالب ١/ ٣٥٠ وتحفة الأحوذي ٣٢٧/٩ وعون المعبود ٩٥/٣.
(٣) الحج: ٥٣.

٣٣
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها - والعياذ بالله - أمر الخاتمة عند الموت(١)،
ثم ذكر ◌َّ مع فتنة المحيا فتنة الممات كأنهما كلمة واحدة قال ابن بطال: ((هذه كلمة
جامعة لمعان كثيرة فينبغي للمرء أن يرغب إلى ربه في رفع ما نزل ودفع ما لم ينزل
ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع أموره وقد كان ◌َ ليه يتعوذ من جميع ما ذكر دفعاً
عن أمته وتشريعاً لهم ليبين لهم صفة المهم من الأدعية))(٢). والمراد بفتنة الممات ما
قاله ابن دقيق العيد: (( يجوز أنها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه، وفتنة
المحيا ما قبل ذلك، ويجوز أنها فتنة القبر ولا يعتبر مكرراً بذكر عذاب القبر وفتنة
الممات؛ لأن العذاب مرتب على الفتنة، والسبب غير المسبب، وفتنة الممات السؤال
في القبر مع الحيرة))(٣)؛ فهذا من العام بعد الخاص؛ لأن عذاب القبر داخل تحت
فتنة المات وفتنة الدجال داخله تحت فتنة المحيا.
وخامس هذه الأمور هي ((فِتْنَةُ المَسِيحِ الدَّجَّالِ))، وهي فتنة عظيمة؛ لأنه
يدَّعي الربوبية، والأرزاق تتبعه؛ فمن تبعه كفر وهو يسلك الدنيا كلها إلا مكة
والمدينة ويبقى في الدنيا أربعين يوماً، والفرق بينه وبين عيسى - عليه السلام - أنه
يدعي الربوبية ويأتي بشبهات يفتن بها الخلق حتى قال فيه النبي ◌َّ (( أَنَّهُ أَعْوَرُ
وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ))(٤) ومذهب جميع المرسلين، ومن تبعهم من المؤمنين، وأهل
الكتب أن الله - سبحانه - خالق العالمين ورب السموات والأرضين وما بينهما
(١) شرح الزرقاني ٢/ ٥٤ .
(٢) فتح الباري ٣١٩/٢ .
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم ٨٥/٥، عون المعبود ٩٥/٣، شرح الزرقاني ٥٤/٢ .
(٤) رواه البخاري ٣٠٥٧.
:
:

٣٤
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
ورب العرش العظيم والخلق جميعهم عباده، وهم فقراء إليه، وهو - سبحانه -
فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ومع هذا فهو معهم أينما كانوا كما قال
۔ سبحانه وتعالی۔۔(١) و کل نبي ورسول قد أنذر قومه من فتنة الدجال، وقد صح
عنه بَّه فيما يرويه عبد الله ابْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أن النَّبِيُّ ◌َهِ قَامَ فِي النَّاسِ
فَأَثْنَى عَلَى اللهَّ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: ((إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيِّ إِلَّا قَدْ
أَنْذَرَهُ قَوْمَهُ لَقَدْ أَنْذَرَهُ نُوحٌ قَوْمَهُ وَلَكِنْ سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْيَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ
تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ))(٢) هذا ويسبق هذا الدجال دجالون يدعي
كل منهم أنه رسول الله؛ فيفتن به من غوى وينبذه ويرده كل مؤمن وتقي، قَالَ
رَسُولُ اللهَّ ◌َِّ: ((يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنْ الْأَحَادِيثِ بِمَا
لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ))(٣)، أما
الدجال فيطوف البلدان جميعها إلا مكة والمدينة فهي محرمة عليه ممنوع منها، روي
عن النَّبِّوَّ أنه قَالَ ((لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ إِلَّ مَكَّةَ وَالْمُدِينَةَ لَيْسَ لَهُ
مِنْ نِقَابِهَا نَقْبٌ إِلَّ عَلَيْهِ الْلَائِكَةُ صَافِّينَ يَخْرُ سُوتَهَا ثُمَّ تَرْجُفُ المُدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ
رَجَفَاتٍ؛ فَيُخْرِجُ اللهُ كُلّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ))(٤)، أما السبيل للعصمة من فتنته؛ فهو اتباع
أمر النبي وَلقر بالاستعاذة منه وكذلك حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٣٩٢/٣، وكفاية الطالب ٣٥٠/١.
(٢) رواه البخاري ٣٠٥٧.
(٣) رواه مسلم ٧ .
(٤) رواه البخاري ١٨٨١.

٣٥
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
فصح عن النَّبِيِّ نَِّ أَنَّه قَالَ: ((مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْف عُصِمَ
مِنْ الدَّجَّالِ))(١)؛ فالحمد لله الذي أرسل لنا رسولاً رحيماً بنا ما ترك خيراً إلا دلنا
علیه، وما ترك شراً إلا حذرنا منه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .
ما يرشد إليه الحديث:
١ - إرشاد النبي والر أمته إلى أسباب ما يعصمها من الأهواء المضلة والفتن المهلكة
والمزعجات الحاضرة والمستقبلة.
٢ - الأنبياء والرسل مبعوثون بالبشارة والنذارة لئلا يكون للناس على الله حجة
بعد أن جاءهم البشير والنذير والله على كل شيء قدير.
٣ - الدعاء مخ العبادة وهو مأمور به في جميع الأحوال.
(١) رواه مسلم ٨٠٩.
.
:
i
:

٣٦
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
٧
الحديث السابع
من سنن الفطرة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْه سَمِعْتُ النَّبِيِّ نَّهِ يَقُولُ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ:
الْخِتَانُ، وَالِسْتِحْدَادُ، وَنَشْفُ الْإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ))(١)
لغة الحديث:
الْفِطْرَةُ: قال ابن الكمال: هي الجبلة المتهيئة لقبول الدين، وقال الراغب:
هي ما ركب الله في الإنسان من قوته على معرفة الإيمان، وقال الشريف: الخلقة
التي جبل عليها الإنسان(٢).
الاِسْتِحْدَاد: هو إزالة شعر العانة، وهو الذي حول الفرج سواء إزالته
بنتف، أو نورة، أو حلق مأخوذ من الحديدة، وهي الموس التي يحلق بها(٣).
معنى الحديث:
الخير كله في الإسلام، فما من فضيلة إلا أمر بها وما من رذيلة إلا نهى عنها
فلم يُعْنَ بتطهير الباطن من الإلحاد والنفاق وكافة الأرزال فحسب بل عُني بنظافة
الظاهر بآداب جمة تشمل: طهارة البدن، والملبس، والمأكل، والمسكن، وكذا
الطرق، فإن من يُزيل أذاها جعل له أجراً وثواباً، بل عمله هذا من درجات
الإيمان، يقول الرسول وَله: ((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً
فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ وَأَذْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْخْيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ
(١) رواه البخاري ٥٨٩١ ومسلم ٢٥٧ .
(٢) انظر: التعاريف ص ٥٦٠ والتعريفات للجرجاني ص ٢١٥، والمطلع على أبواب المقنع ص ١٣٧ .
(٣) تحرير ألفاظ التنبيه ٢٥٣/١، النهاية في غريب الحديث ٣٥٣/١، وغريب الحديث لابن
الجوزي ١/ ١٩٦.

٣٧
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
الْإِيمَانِ))(١)؛ فعد الرسول وَله إما طة الأذى من درجات الإيمان؛ فالدين هو المقوم
والمصحح، وهو الصراط المستقيم الجامع للعلوم والأحكام، حتى قال ابن
عباس - رضي الله عنهما - ((لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله))(٢)؛ فما ترك
فضيلة في معيشة أو تعامل إلا بينها وأمر بها، ونهى عما يفسدها ويضادها، ومن
ذلك ما بينه الرسول {وَل* في هذا الحديث بقوله: ((الْفِطْرَةُ خَمْسٌُ))، والمراد ما جبل
الله الخلق عليه وجبل طباعهم على قبولها، وهي كراهة ما في جسده مما هو ليس
من زينته وقيل هي السنة (٣)، أما قوله ◌َّير: ((الفطرة خمس))؛ فالظاهر أنها ليست
على سبيل الحصر، وإن كان لفظ الفطرة خمس يفيد الحصر، ولكنه مصروف إلى
المبالغة في أهمية هذه الخمس حتى كادت الفطرة تنحصر لجميعها فيها، ويبرهن على
هذا ما روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً ((الْفِطْرَةُ خْسُ ... ))(٤) وذكر الحديث، وفي حديث
آخر يقول الرسول وَل﴾: «عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ ... ))(٥)؛ فالخمس المذكورة لها من
الأهمية والمكانة حتى ذكرها الرسول وَلا بصورة بليغة ، يقول شيخ الإسلام ابن
تيمية - رحمه الله -: ((وهذه الخصال عامتها إنما هي للنظافة من الدَّرَنِ؛ فإن
الشارب إذا طال يَعْلَقُ به الوَسَخُ من الطعام والشراب، وغير ذلك وكذلك الفم
إذا تغير ينظفه السواك والمضمضة والاستنشاق ينظفان الفَم، والأنف، وقص
الأظفار ينظفها مما يجتمع تحتها من الوسخ وكذلك غسل البراجم: "وهي عُقَدُ
الأصابع" فإن الوسخ يجتمع عليها ما لا يجتمع بين العُقَدِ وكذلك الإِبطِ؛ فإنه
(١) رواه مسلم ٣٥ .
(٢) أبجد العلوم ٢/ ١٩٣.
(٣) إحكام الأحكام ١/ ٨٤ .
(٤) رواه البخاري ٥٨٨٩ ومسلم ٢٥٧ .
(٥) رواه مسلم ٢٦١ .

٣٨
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
يخرج من الشعر عرق الإبط، وكذلك العانة إذا طالت، وروي عن أنس - رضي
الله عنه - أنه قال: ((وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الْإِبِطِ،
وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَلَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً))(١)؛ فهذا غاية ما يترك الشعر والظفر
المأمور بإزالته في الحديث يقول الرسول وَ له : (( قَالَ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ
فِي كُلُّ سَبْعَةٍ أَيَّامِ يَوْمًا يَغْسِلُ فِيهِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ (٢)(٣).
وأول هذه الخصال هو: ((الْخِتَّانُ)) والختان واجب على الرجال؛ لأن الله
- سبحانه - أمرنا باتباع ملة إبراهيم - عليه السلام-، والختان من ملته والآ لما
ثبت عن النبي وَل﴿ أنه قال: ((اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَّةً
بِالْقَدُّوم)) (٤).
وثاني هذه الخصال هو: ((الإِسْتِحْدَادُ)) والاستحداد هو الاستفعال من
الحديدة يعني الاستحلاق كناية عن حلق العانة ، وهو استعمال الحديد في إزالة
شعر العانة، وحلق العانة عما يتلبد من الوسخ فيها على شعرها، ومما يجتمع من
الرحص فيها، والاستنجاء لتنظيف ذلك المحل، وتطييبه عن الأذى، والأدواء
ولو قصه أو نتفه أو تنور جاز والحلق أفضل، وهو على الرجل والمرأة سواء(٥).
وثالث هذه الخصال: (نَتْفُ الْإِبِطِ)) ونتفُ الإِبِطِ سُنَّةٌ؛ لأنه من الفطرة
ويفحش بتركه وإن أزال الشعر بالحلق أو غيره جاز، ونتفه أفضل لموافقته الخبر
(١) رواه مسلم ٢٥٨.
(٢) رواه البخاري ٨٩٨، ومسلم٨٤٩.
(٣) مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢١/ ٣٠٧ .
(٤) رواه البخاري ٣٣٥٦، ومسلم ٣٣٧٠ .
(٥) انظر: شرح العمدة ١/ ٢٣٨ والأوسط ٢٣٩/١، وأحكام القرآن لابن العربي ١ / ٥٦.

٣٩
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال
الثابت عن الرسول ول# وفي ذلك من الفائدة والغاية العظيمة لما يتضمنه ويترتب
عليه من طهارة ورائحة طيبة وسعادة تعود على النفس بانشراح في الصدر(١).
ورابع هذه الخصال: (تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ)) ويستحب تقليم الأظفار؛ لأنه من
الفطرة؛ لأن بتركه يصير فاحشاً وتعظم مضرته وأذاه.
وخامس هذه الخصال ((وَقَصُّ الشَّارِبِ)) وهو الأخذ منه حتى يَبْدُوَ طرف
الشفة وهو الإطار ولا يجزه(٢) وقص الشارب من الفطرة، وهو سنة عن الرسول
وَلَه، وفي ترك قَصِّه مخالفةٌ للرسول بَّه جاء في الحديث أن النبي ◌ِ لّه قال: ((مَنْ لَمْ
يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا))(٣) وهو مخالفة للمشركين لإبقائهم عليه يقول الرسول
وَه ((خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللُّحَى))(٤)، ويستحب أن يُفي
شاربه حتی یظهر الجلد لأن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يفعل ذلك وكان
- رضي الله عنه - أكثر المتشبهين بالرسول وله.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الفطرة فطرتان: فطرة تتعلق بالقلب: وهي معرفة الله ومحبته وإيثاره على ما
سواه وفطرة تتعلق بالبدن وهي هذه الخصال المذكورة في الحديث؛ فالأولى
تزكي الروح وتُطهر القلب والثانية تُطهِّرُ البدن وكل منهما تخص الأخرى
وتقومها.
(١) المغني ١ / ٦٤.
(٢) تفسير القرطبي ٢/ ١٠٤.
(٣) حدیث صحیح ، انظر: صحيح سنن الترمذي للألباني ٢٧٦١، وصحيح سنن النسائي للألباني
٥٠٤٧، وصحيح الجامع الصغير للألباني ٦٥٣٣.
(٤) رواه مسلم ٢٥٩ .

٤٠
أربعون حديثاً كل حديث في خمس خصال =
٢ - مما يؤسف له انطماس كثير من هذه الخصال عند كثير من الناس وظهور بوادر
تغيير خلق الله وهو تشبه بأعداء الله الكفار .
٣ - عناية الإسلام بنظافة باطن الإنسان وظاهره.