النص المفهرس

صفحات 141-160

=
١٤١
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
على إعطائه ما سُئِلَ فيه مع تمجيده والتوسُّل إليه بأسمائه
وصفاته سبحانه وتعالى إلى غير ذلك من مظاهر العبودية، التي
لا توجد واضحة بهذه الصورة إلا في الدعاء.
ولمّا كانت هذه العبادات لا تكون لأحد سوى الله - عز
وجل - والتقدير لا يملكه إلا هو بطل أن يدعى غيره تعالى
عقلاً وشرعًا (١)، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ
أَحَدًا﴾(٢).
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الحثُّ على البر والمسارعة به والأخذ بأسبابه.
٢ - البر سبب لطول العمر حسًّا أو معنى.
٣ - بيان منزلة الدعاء وفضله، وأن ما قدَّره الله على العبد مما
يكرهه قد يرده ويصرفه الدعاء مع الإخلاص وصدق
النية .
(١) تحفة الأحوذي (٣٤٧/٦)، وشأن الدعاء للخطابي ص(٣).
(٢) سورة الجن، الآية: ١٨.

=
١٤٣
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الحديث السابع والثلاثون
من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ
عَنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ
رَأْسَهُ، فَقَالَ: ((هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ اليَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّ
اليَوْمَ فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَّكُ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ، لَمْ
يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّ الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أَوتِيتَهُمَا لَمْ
يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ
تَقْرَأْ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلاَّ أُعْطِيتَهُ)) (١) .
لغة الحديث:
سمع نقيضًا: هو بالقاف والضاد المعجمتين أي صوتًا
كصوت الباب إذا فتح (٢).
فرفع رأسه: ظاهر السياق أن الضمائر الثلاثة لجبريل،
ويؤيّد ذلك أنه أكثر اطلاعًا على أحوال السماء، والظاهر أن
(١) أخرجه مسلم (٨٠٦) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضل
الفاتحة وخواتيم سورة البقرة.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي (٩١/٦).

١٤٤
=
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
مستند ابن عباس في حكاية هذه الأمور الغيبية، هو التوقيف
منه صلی الله علیه وسلم، وحذف ذلك لوضوحه.
أبشر بنورين: افرح بنورين، لأن كلّ منهما يكون نورًا
لصاحبه يوم القيامة يسعى أمامه(١).
معنى الحديث:
((القرآن العظيم هو المعجزة الكبرى، التي أيَّد الله بها
نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، والتي غيَّر بها نفوسًا، وأحيا
قلوبًا، وأنار بصائر، وربَّى أمة، وكوَّن دولة في زمن يشبه
الخيال.
إنَّ هذه الأمة قد زكت بالقرآن، وسادت بالقرآن، وأتت
بالعجب العجاب حين اهتدت بهدي القرآن، وسارت على
نوره وصراطه المستقيم، فصفت أرواحها، وطهرت نفوسها،
وعظمت آثارها، وانقاد لها العالم فأنقذت البشرية، وكتب لها
النصر والتأييد، ومنها شعَّ النور على العالم المظلم حين كانت
تحت لواء القرآن، ترفل بعزة الله، وتسعد برضاه، تقيم أحكام
الله، وتستنير بنوره، وتعمل بما نزل في قرآنه من حدود
وأحكام وشرائع، نشرت الأمن والسلام في ربوع هذه الدنيا .
ولا ريب بأن مفتاح سعادة هذه الأمة مطوي في هذا
(١) نزهة المتقين (١٩/٢).

=
١٤٥
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الكتاب العزيز، ولا يمكن لها أن تنهض نهضة حقيقية إلا عن
طريق الاسترشاد بهديه وشرائعه.
وفي هذا الحديث خُصَّت الفاتحة بالذكر وبهذا الفضل،
لأنها تضمَّنت جملة معاني الإسلام والإيمان والإحسان، فهي
آخذة بأصول القواعد الدينية والمعاقد المعارفية، ولِما
اشتملت عليه إجمالاً من الأصول التي يفصلها القرآن تفصيلاً،
فكان إنزالها موافقًا لسُّنَّة الله تعالى في الإيداع، وهي جديرة
بأن تُسمَّى أَمُ الكتاب، كما تقول: إن النواة أم النخلة. فإن
النواة مشتملة على شجرة النخلة كلها حقيقة.
وخُصَّت خواتيم سورة البقرة بذلك الفضل أيضًا، لما
تضمَّنته من الثناء على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
- رضي الله عنهم - بجميل انقيادهم لمقتضاها، وتسليمهم
لمعناها، وابتهالهم إلى الله ورجوعهم إليه في جميع أمورهم،
ولما حصل فيها من إجابة دعوتهم بعد أن عُلموها فخفف
عنهم، وغفر لهم ونصروا، وغير ذلك ما يطول تتبُّعه))(١).
تنبيه:
قال ابن عطية: ظن بعض العلماء أن جبريل عليه السلام
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (١١٨/١)، والمفهم لما أشكل من
تلخيص مسلم للقرطبي (٤٣٤/٢) تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار)
(٣٨/١)، والقرآن أنواره وآثاره محمد محمود الصواف (٢٠ - ٢١).

١٤٦
=
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
لَمْ ينزل سورة الحمد، لما رواه مسلم في هذا الحديث. قال
ابن عطية: وليس كما ظُن، فإن هذا الحديث يدلّ على أن
جبريل عليه السلام تقدَّم الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم
معلمًا به وبما نزل معه، وعلى هذا يكون جبريل قد شارك في
نزولها أو أن نزولها كان بمكة. نزل جبريل بتلاوتها بمكة،
ونزل الملك بثوابها بالمدينة، أو أنها مكية مدنية، نزل بها
جبريل مرتين، وبهذا يجمع بين القرآن والسنة، ولله الحمد
والمنة .
ما يرشد إليه الحديث:
١ - فضل سورة الفاتحة والبقرة، وأن من قرأهما بإخلاص
أعطاه الله ما فيهما من الهداية والمغفرة والسعادة في
الدنيا والآخرة.

١٤٧
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الحديث الثامن والثلاثون
أثر الكلمة
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: ((إِنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رضوان الله لا
يُلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجاتٍ. وإن العبد ليتكلم بالكلمة
من سَخَّطِ الله لا يُلقي لها بالاً يَهْوي بها في جهنم)) (١) .
لغة الحديث:
((الكلمة: أي الكلام المُفْهم المفيدُ، سواء أطال أم
قصر، كما يقال: كلمة الشهادة، وكما يقال للخطبة
وللقصيدة: كلمة فلان.
من رضوان الله: أي مما يرضي الله عز وجل .
لا يُلقي لها بالاً: أي لا يهتم ولا يكترث بها.
يهوي: ينزل فيها ساقطًا، لأن دركات النار إلى أسفل،
فهو نزول سقوط (٢).
(١) أخرجه البخاري (٦٤٧٨) كتاب الرقاق. باب حفظ اللسان.
(٢) فتح الباري (٣١١/١١).

١٤٨
:
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
معنى الحديث:
أمر الله عز وجل بطيب الكلام وحُسْن القول، فقال:
◌َأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾(١).
إن الرسول صلى الله عليه وسلم يحثُّ المسلم على أن
يصون لسانه، وأن يتحرَّز في كلامه، فلا ينطق إلا بخير، ولا
يقول إلا ما يُرضي ربه، وأن يتحاشى الكلام الذي يجلب عليه
غضب الرب - سبحانه وتعالى -.
والكلمة التي ترفع بها الدرجات ويكتب بها الرضوان
هي التي يدفع بها عن المسلم مظلمة أو يفرّج بها عنه كربة،
أو ينصر بها مظلومًا ونحو ذلك(٢).
فالكلمة الطيبة يقولها المسلم لأخيه، والابن لأبويه،
والزوج لزوجته، والجار لجاره، إن الكلمة من هذه يقولها
المسلم ليفرِّج بها عن أخيه كربة، أو ليرشد إلى خير، أو
ليطيب خاطره، وهو لا يظن أنها تؤثر شيئًا، ولا يدري ما
ثمارها وما نتائجها، يرضى الله بها عنه فيرفعه درجاتٍ في
أعالي الجنات.
(١) سورة الأحزاب، الآية: ٧٠.
(٢) فتح الباري (١١/ ٣١١).

=
١٤٩
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
والكلمة التي يهوي بها صاحبها بسببها في النار هي التي
يقولها بالبغي أو السعي على المسلم، فتكون سببًا لهلاكه.
ويحتمل أن تكون تلك الكلمة من الخنا والرفث، وأن تكون
في التعريض بالمسلم بكبيرة أو بمجون أو استخفافًا بحقِّ
النبوة أو الشريعة، وإن لم يعتقد ذلك، أو هي الكلمة التي لا
يعرف القائل حسنها من قبحها(١).
فإن الكلمة السوء فيها مقت الله وسخطه، وإن العبد
ليتكلّم بكلمة السوء وهو غير مبالٍ بها، ولا بالآثار المترتبة
عليها يهوي بها في جهنم.
وكلمة السوء هي الكلمة التي يذيع بها المرء ضلالاً، أو
يحارب بها الحسنى، أو يسيء بها إلى إخوانه المسلمين، أو
يفرِّق بها بين الأحبة، ويوغر بها الصدور، ويزرع الشقاق،
وكذلك الكلمة التي تذهب عليه ضائعة بلا منفعة ونحو ذلك
من الكلام الذي لا يرضى الله عنه.
ومن آفات اللسان الثرثرة الجوفاء وخوضُ الإنسان فيما
لا يعنيه من الأمور، فإن اللسان خطره عظيم، ولا نجاة من
خطره إلا بتقييده بلجام العقل، ووقوف صاحبه عند الحدود
والآداب التي أدَّبه بها الشرع، وعلَّمه إياها في محادثاته
(١) فتح الباري (٣١١/١١).

١٥٠
=
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
ومخاطباته، فالمسلم لا يطلق لسانه إلا فيما ينفعه في الدنيا
والآخرة، ويكفُّه عن كل ما تُخشى غائلته في عاجلته أو
آجلته .
المسلم يَعْقِلُ لِسانهُ إلا عن حقِّ يوضحه، أو باطل
يدحضه، أو حكمة ينشرها، أو نعمة يذكرها، المسلم عفُّ
اللسان، طيب الكلام لا يسيءُ إلى أحد، ولا يضرّ أحدًا، ولا
يسخر من عباد الله، ولا يقول زورًا ولا يتكلم بباطل، ويبتعدُ
في حديثه عن كلِّ ما يكدِّرُ أخاه أو يؤذي شعوره، ولا يجعل
سيرة الناس موضوع حديثه في المجالس.
والمسلم ينبغي له أن لا يتكلم إلا بقدر الحاجة
والضرورة، وأن يكلّم كل إنسان بما يليق به، وألا يتكلّم إلا
إذا دعا داع إلى الكلام، فإن ما لا داعي له هذيان، ومن
فضول القولُ التي يجب أن يصون عنها لسانه.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قدوتنا الطيبة
وأسوتنا الحسنة كان عفيف اللسان طيب الكلام، حتى في أشد
حالات الخصام، لم يعرف البذاءُ أو السباب سبيلاً إلى شفتيه
صلى الله عليه وسلم(١).
وذمَّ صلى الله عليه وسلم النميمة، وتبرَّأ من النمَّامين
(١) رياض الصالحين (١٨١ - ١٨٢) بتصرُّف.

=
١١٥١
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الذين هم من شرار الناس، لأنهم يسعون بين الناس بالفساد،
ويوقدون نار العداوة في الصدور.
هكذا علَّمنا الحبيبُ المصطفى صلى الله عليه وسلم
وأرشدنا إلى عفة اللسان، وطيب الكلام، وما ينبغي للمؤمن
مما يليق به ليفوز برضوان الله - عز وجل -، ثم ليكسب ثقة
الناس ومحبتهم.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الوعد برفع الدرجات في الجنة على التكلّم بالخير،
والوعيد بالهوى في النار على التكلُّم بالشَّرِّ(١).
٢ - ينبغي لمن أراد أن ينطق أن يتدبر ما يقول قبل أن ينطق،
فإن ظهرت فيه مصلحةٌ تكلَّمَ وإلا أمسك(٢).
(١) نزهة المتقين (٢٦٣/٢).
(٢) فتح الباري (٣١١/١١).

=
١٥٣
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الحديث التاسع والثلاثون
الاستقامة على الإيمان
عن سفيان بن عبدالله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله!
قل لي في الإسلام قولاً، لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: ((قل
آمنت بالله ثم استقم))(١).
معنى الحديث:
هذا الحديث الشريف من جوامع كلمه صلى الله عليه
وسلم، فهو لفظ موجز يحفظه السامع، فلا يصعب عليه حفظه
واستذكاره، وهو يتضمَّن أمورًا عظيمة.
أولها وأساسها الإيمان بالله - عز وجل -، ويشمل كل ما
يجب اعتقاده من عقائد الإيمان، وأصوله، وما يتبع ذلك من
أعمال القلوب، والانقياد والاستسلام لله، باطنًا وظاهرًا، ثم
الدوام على ذلك، والاستقامة عليه إلى الممات.
وهو نظير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ
أُسْتَقَمُواْ تَتَغَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَتِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ
(١) أخرجه مسلم (٢٨) كتاب الإيمان. باب جامع أوصاف الإسلام.

١٥٤
=
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُمْ نُوعَدُونَ﴾(١).
فرتَّب على الإيمان والاستقامة: السلامة من جميع
الشرور وحصول الجنة وجميع المحاب.
وقد دلَّت نصوص الكتاب والسُّنَّة الكثيرة على أن
الإيمان يشمل ما في القلوب من العقائد الصحيحة، وأعمال
القلوب: من الرغبة في الخير، والرهبة من الشر، وإرادة
الخير، وكراهة الشر، ومن أعمال الجوارح، ولا يتم ذلك إلا
بالثبات عليه(٢) .
والاستقامة على التوحيد هي تحقيق معنى (لا إله إلا
الله)، فإنه هو الحقيق بأن يُطاع، فلا يُعصى خشيةً وإجلالاً
ومهابةً ومحبةً ورجاءً وخوفًا وتوكُّلاً ودعاءً وإنابةً، والاستقامة
المرادة هنا هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيِّم من
غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات
كلها الظاهرة والباطنة كأداء الصلاة والزكاة والصوم والحج
والجهاد ... إلخ.
وكل ما تشمله كلمة الطاعة لله ورسوله كالصدق وأداء
(١) سورة فصلت، الآية: ٣٠.
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي (٣٦٨/١)، والمفهم (٢٢١/١)،
وبهجة قلوب الأبرار ص (١٦).

=
١٥٥
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الأمانات إلى أهلها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
وترك المنهيات كلها كالغيبة والنميمة وشهادة الزور، وأكل
أموال الناس بالباطل والسرقة، وجميع الفواحش ما ظهر منها
وما بطن، وبذلك كانت الوصية بالاستقامة وصيةً جامعةً
لخصال الدین کله.
ومتى استقام القلب على معرفة الله وعلى خشيته وإجلاله
ومهابته ومحبته والتوكّل عليه، والإعراض عمَّا سواه؛
استقامت الجوارح كلها على طاعة الله، فإن القلب هو ملك
الأعضاء وهي جنوده، فإذا استقام الملك استقامت جنوده
ورعاياه.
وأعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح
اللسان، فإنه ترجمان القلب والمعبر عنه، يؤيده ما رواه أحمد
في مسنده عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال النبي صلى الله
عليه وسلم: ((لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا
يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)) رزقنا الله الاستقامة على طاعته
والعمل بما يرضيه، إنه سميع مجيب.
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الحديث من جوامع الكلم الذي أوتيه صلى الله عليه
وسلم، وهو مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ

أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
ثُمَّ أَسْتَقَامُواْ﴾ .
١٥٦
=
٢ - دعوى الإيمان لا تكفي ما لم يدل على الإيمان العمل،
فإنه ترجمة له وثمرة من ثمراته .
٣ - الاستقامة درجة عالية تدلُّ على كمال الإيمان وعلوٍّ
الهمة (١).
(١) نزهة المتقين (٩٧/١).

=
١٥٧
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الحديث الأربعون
حقيقة البر والإثم
عن النواس بن سمعان الأنصاري قال: سألت النبي
صلى الله عليه وسلم عن البر والإثم قال: ((البر حسن الخلق،
والإثم ما حاك في صدرك، وكرهت أن يطلع عليه الناس))(١).
لغة الحديث:
البر: كلمة جامعة لجميع أفعال الخير وخصال
المعروف (٢)، وينسب البر تارة إلى الله تعالى في نحو قوله
تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾(٣)، وإلى العبد تارة، فيقال: بَرَّ
العبد ربه، أي: توسّع في طاعته. فمن الله تعالى الثواب،
ومن العبد الطاعة .
حسن الخلق: والمراد به طلاقة الوجه، وكف الأذى
وبذل الخير، وأن يحب للناس ما يحب لنفسه.
(١) أخرجه مسلم (٥٥٣) كتاب البر والصلة. باب تفسير البر والإثم.
(٢) نزهة المتقين (٤٣١/١).
(٣) سورة الطور، الآية: ٢٨.

١٥٨
=
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
الإثم: كلمة جامعة لجميع أفعال الشر والقبائح(١)، وقد
جاء تفسيرها في هذا الحديث.
الإثم ما حاك في الصدر، وكرهت أن يطلع عليه الناس:
أي الشيء الذي يؤثر نفرة وحزازة في القلب يقال: حاك
الشيء في قلب إذا رسخ فيه وثبت(٢).
معنى الحديث:
البر كلمة رائعة جميلة من الكلمات الإسلامية العريقة
المنبت، الأصيلة في المفهوم والمدلول، وهي أغزر الكلمات
الإسلامية مادة وأدقها تصويرًا، لما يقع تحت فعل الخير،
وتعبيرًا عما يجول في النفس من خواطر وسوانح ونيات طيبة،
والبر في الإسلام قيمة عالية من القيم الفاضلة، وأساس من
أسس مكارم الأخلاق. وبعبارة أدق، فإن البر هو جماع الخير
کله .
والبر كما ورد هنا هو حسن الخلق، وهو التأدُّب بآداب
الله، والتخلُّق بأخلاق الشريعة.
والأخلاق الإسلامية على رأس القيم الرفيعة، وهي
(١) نزهة المتقين (٤٣١/١).
(٢) المفهم (٥٢٣/٦).

=
١٥٩
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
محور أساسي ترتكز عليها إنسانية الإنسان وتنظمه علاقته
بربه، ثم علاقته بأخيه الإنسان، وعلاقته بالكون والحياة، وإن
شئت فقل: إن دائرة الأخلاق تشمل الجميع، فطلاقة الوجه
من حسن الخلق، وقلة النفور من حسن الخلق، وطيب الكلام
من حسن الخلق، وحلاوة اللسان من حسن الخلق.
والخلاصة: أن الأخلاق الإسلامية جاءت لإعلاء كلمة
الحق، وإقامة ميزان العدل في الخلق، ولا يمكن لأمة أن تحيا
بدون أخلاق، ولا قيمة للعلم ولا للحضارة بدون أخلاق.
وفسَّر الإثم بأنه هو الشيء الذي يورث نفرة في القلب،
وهذا أصل يتمسك به لمعرفة الإثم من البر: إن ما يحوك في
الصدر ويكره صاحبه أن يطلع عليه الناس(١)، فكل ما اختلج
في النفس، وتردّد في القلب، ولم يمازج نوره، ولم يطمئن
إليه فهو إثم. وإنما كان التأثير في النفس علامة للإثم، لأنه لا
يصدر إلا لشعورها بسوء عاقبته، والإثم يشمل كل اعتداء في
قول أو فعل أو حال.
قال الراغب: قابل الإثم بالبر لبيان حكمهما لا
تفسيرهما، لأن على قلب المؤمن نورًا، فإذا ورد عليه الحق
التقى هو ونور القلب فاستخرج وأتلف فاطمئن القلب وهش،
(١) شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص٧٣).

/١٦٠
=
أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين
وإذا ورد عليه الباطل نضر القلب ولم يمازجه نور
فاضطرب(١) .
ما يرشد إليه الحديث:
١ - الترغيب في حسن الخلق.
٢ - في الحديث دليلٌ على أن للنفس شعورًا من أصل الفطرة
بما تحمد وتذمّ علیه.
٣ - هذا الحديث من جوامع الكلم التي أوتيها النبي صلى الله
عليه وسلم، وهو اختصار المعاني العظيمة في الألفاظ
القليلة .
(١) جامع العلوم والحكم (٦٣/٢، ٦٤).