النص المفهرس
صفحات 121-140
== ١٢١ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين صلى الله عليه وسلم ظلمات يوم القيامة، وهو على ظاهره، فيكون ظلمات على صاحبه، لا يهتدي يوم القيامة سبيلاً، حيث يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم))(١). فلا يهتدي الظالم يوم القيامة بسبب ظلمه في الدنيا، فربما وقعت قدمه في وهدة، فهو في حفرة من حفر النار. ثم حذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الشُّحِّ، فقال: ((اتقوا الشُّحَّ)). والشُُّ: هو الحرص على المال، أو منع الواجب، وفي عطف الشح الذي هو نوع من أنواع الظلم على الظلم إشعار بأن الشح أعظم أنواعه))(٢). وقوله صلى الله عليه وسلم: (( ... فإن الشح أهلك من كان قبلكم)): قال القاضي: ((يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بأنهم سفكوا دماءهم، ويحتمل أنه هلاك الآخرة. وهذا الثاني أظهر، ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة. قال جماعة: الشح أشد البخل، وأبلغ في المنع من البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص))(٣). (١) صحيح مسلم بشرح النووي (١٦ / ١٠٤). (٢) فيض القدير (١٣٤/١). (٣) صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ٣٧٠). ١٢٢ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين ما يرشد إليه الحديث: ١ - تحريم الظلم والتحذير منه. ٢ - الأمور المعنوية تتحول يوم القيامة بأمر الله إلى حسية. ٣ - البخل والظلم من أسباب انتشار الجريمة. ٤ - الظلم والشح من كبائر الذنوب، التي تسبب الهلاك في الدنيا والكربات الشديدة يوم القيامة. = ١٢٣ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الثاني والثلاثون تحمُّل المسئولية عن عبدالرحمن بن سَمُرة - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا عبدالرحمن بن سَمُرة لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُوتِيتَهَا عن مسألة وُكِلْتَ إليها، وإن أُوتِيتَهَا عن غير مسألة أُعِنْتَ عليها. وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفَّر عن يمينك)) متفق عليه(١) . لغة الحديث: لا تسأل الإمارة: لا تطلب الخلافة أو غيرها والنهي (٢) للتحريم (٢) . أعنت عليها: أعانك الله بالتسديد والتوفيق للصواب. وكلت إليها: بضم الواو وكسر الكاف مخففًا ومشددًا (١) أخرجه البخاري (٧١٤٧) كتاب الأحكام، باب من سأل الإمارة وُكِلَ إليها، ومسلم (١٦٥٢) كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها . (٢) المفهم (١٦/٤). ١٢٤ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين وسكون اللام. ومعنى المخفف أي صرف إليها. ومن وكل إلى نفسه هلك، ووكله بالتشديد استحفظه (١). حلفت على يمين: أقسمت على شيء. فأت: افعل . معنى الحديث: هذا الحديث اشتمل على جملتين عظيمتين : إحداهما: أن الإمارة وغيرها من الولايات على الخلق لا ينبغي للعبد أن يسألها ويتعرض لها. بل يسأل الله العافية والسلامة، فإنه لا يدري: هل تكون الولاية خيرًا له أم شرًّا؟ ولا يدري: هل يستطيع القيام بها أم لا؟ فإذا سألها وحرص عليها وُكِلَ إلى نفسه. ومتى وُكِلَ العبد إلى نفسه لم يوفق، ولم يسدد في أموره، ولم يُعَن عليها، لأن سؤالها ينبىء عن محذورين : الأول: الحرص على الدنيا والرئاسة، والحرص يحمل على الريبة في التخوُّض في مال الله، والعلو على عباد الله. الثاني: فيه نوع اتكال على النفس وانقطاع عن الاستعانة بالله، ولهذا قال: ((وكلت إليها)). (١) فتح الباري (١٢٤/١٣). = ١٢٥ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين وأما من لم يحرص عليها ولم يتشوَّف لها، بل أتته من غير مسألة، ورأى من نفسه عدم قدرته عليها، فإن الله يعينه عليها، ولا يكله إلى نفسه، لأنه لم يتعرَّض للبلاء، ومن جاءه البلاء بغير اختياره حمل عنه، ووفّق للقيام بوظيفته، وفي هذه الحال يقوى توكّله على الله تعالى، ومتى قام العبد بالسبب متوكِّلاً على الله نجح وأفلح. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: ((أعنت عليها)) دليل على أن الإمارة وغيرها من الولايات الدنيوية جامعة للأمرين: الدين والدنيا. فإن المقصود من الولايات كلها: إصلاح دين الناس ودنياهم. ولهذا يتعلَّق بها الأمر والنهي. والإلزام بالواجبات والردع عن المحرمات، والإلزام بأداء الحقوق. وكذلك أمور السياسة والجهاد فهي لمن أخلص فيها لله وقام بالواجب من أفضل العبادات، ولمن لم يكن كذلك من أعظم الأخطار. والجملة الثانية: قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير، وكفِّر عن يمينك)). يشمل من حلف على ترك واجب أو ترك مسنون، فإنه يُكفِّر عن يمينه، ويفعل ذلك الواجب والمسنون، الذي حلف على تركه، ويشمل من حلف على فعل محرم، أو فعل مكروه، فإنه يؤمر بترك ذلك المحرم والمكروه، ويُكفِّر أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين = ١٢٦ عن يمينه . فالأقسام الأربعة داخلة في قوله صلى الله عليه وسلم: (فأت الذي هو خير))، لأن فعل المأمور مطلقًا، وترك المنهي مطلقًا من الخير (١) . وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ﴾(٢) الآية. ما يرشد إليه الحديث: ١ - تحريم طلب الإمارة وجواز قبولها إن أعْطِها من غير طلب . ٢ - استحباب الحنث باليمين إن كان فِعلُ ما حلف عليه أكثر نفعًا، ويجب الحنث إن كان قد حلف على معصية، ويشرع البر باليمين إن كان قد حلف على فعل طاعة. (١) انظر: فتح الباري (١٢٤/١٣) والمفهم (١٦/٤) وبهجة قلوب الأبرار ص (١٤٤). (٢) سورة البقرة، الآية: ٢٢٤. = ١٢٧ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الثالث والثلاثون المسلم الحقيقي عن عبدالله بن عمروٍ - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) متفق عليه(١). لغة الحديث: المسلم: المراد أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله، أداء حقوق المسلمين، أو أن علامة المسلم التي يُستدلُّ بها على إسلامه هي سلامة المسلمين من لسانه (٢) ویده(٢) . سلم المسلمون من لسانه ويده: أي سلموا من الإيذاء، وهو ضربان: ضرب ظاهر بالجوارح، أخذ المال بنحو سرقة أو نهب. وضرب باطن كالحسد والغل والكبر وسوء الظن، (١) أخرجه البخاري (١٠)، كتاب الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومسلم (٤١) كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام. (٢) فتح الباري (١/ ٥٣). =١٢٨ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين وقد أمر الشرع بكفِّ النوعين من الإيذاء(١). والمهاجر: هو بمعنى الهاجر، وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان. والظاهرة: الفرار بالدين من الفتن(٢). معنى الحديث: ذكر في هذا الحديث كمال صفتين جليلتين رتب الله عليهما سعادة الدنيا والآخرة، وهي: الإسلام، والهجرة؛ وزاد الترمذي والنسائي: ((والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم)). وزاد البيهقي: ((والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله)). وفي هذا الحديث: ذكر حدود هاتين الصفتين المذكورتين بكلام جامع شامل، ذلك أن الإسلام الحقيقي وهو الاستسلام لله تكمل عبوديته، والقيام بحقوقه وحقوق المسلمين، ولا يتحقّق ذلك إلا بسلامتهم من شرِّ لسانه وشرٍّ يده. فإن هذا أصل هذا الفرض، الذي عليه للمسلمين. فسلامتهم من شرِّه القولي والفعلي عنوان على كمال إسلامه. (١) شرح صحيح مسلم للنووي (٣٦٩/٢). (٢) فتح الباري (٥٤/١). = ١٢٩ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين والمهاجر حقيقة ليس هو الذي هجر بلاد الكفر، بل هو من هجر نفسه وأكرهها على طاعة الله. وحملها تجنُّب المنهي عنه. لأن النفس أشد عداوة من الكافر لقربها وملازمتها وحرصها على منع الخير. فالهجرة التي هي فرض عين على كل مسلم. هي هجرة الذنوب والمعاصي، وهذا الفرض لا يسقط عن كل مكلّف في كلِّ حال من أحواله(١). ما يرشد إليه الحديث: ١ - فيه الحثُّ على ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي، وسر الأمر في ذلك حسن التخلُّق مع العالم (٢). ٢ - الحثُّ على ترك المعاصي والتزام ما أمر الله تعالى به(٣). ٣ - فيه الحثُّ على ترك المعاصي واجتناب المناهي(٤). (١) انظر: فيض القدير (٢٧١/٦)، والمختار من كنوز السنة د/ محمد عبدالله دراز ص (٤٨٠) ط ونشر: مطابع قطر الوطنية (١٣٩٧ هـ). (٢) عمدة القاري (١٣٢/١). (٣) نزهة المتقين (١٩١/١). (٤) عمدة القاري (١٣٢/١). .. : = ١٣١ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الرابع والثلاثون اجتماع الخوف والرجاء عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوتِ، فَقَالَ: ((كَيْفَ تَجِدُكَ؟)) قَالَ أَرْجُو اللّهَ يَا رَسُولَ اللهِ وَأَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((لاَ يَجْتَمِعَانِ (يعني الخوف والرجاء) فِي قَلْبٍ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِن (يعني الاحتضار) إِلاَّ أَعْطَاهُ اللهُ الَّذِي يَرْجُوَه، وَأَمَّنَهُ مِنَ الَّذِي يَخَافُ))(١) . لغة الحديث: ((الخوف: مصدر خاف، وهو القطع. والخوف في الشرع: اضطراب في النفس، لتوقّع نزول مكروب أو فوات محبوب . والرجاء: هو انتظار محبوب، تمهّده أسبابه الداخلة تحت اختيار العبد، ولم يبق إلا ما ليس إلى اختياره، وهو (١) أخرجه الترمذي (ج١٨٣/١، ١٨٤)، ابن ماجه في سننه ح رقم (٤٢٦١) انظر: السلسلة الصحيحة (ج ٤١/٣) ح رقم (١٠٥١). ١٣٢ = أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين فضل الله تعالى. والخوف والرجاء رفيقان لا ضدان))(١). معنى الحديث: ((الترغيب والترهيب من أبرز ما عالج به الإسلام شطط الإنسان وجموحه وتمُّده على الحق، وما يدور في فلك ذلك من معصية وانحراف الأمر الذي يؤدي فطريًّا إلى أن تتحرك نفس الإنسان من خمود، وأن تستيقظ من سبات، وأن تختلط فيها بواعث الرغبة بعوامل الرهبة، وأن تمتزج فيها دوافع الخوف، وموجبات الرجاء، ولا تستقيم عبودية المؤمن إلا إذا لفَّه الخوف من ربه، وغمره الرجاء فيه، وأيقن تمامًا أن الجنة والنار كليهما أقرب إليه من أي شيء(٢). قال ابن قيم الجوزية - رحمه الله -: الخوف ملازم للرجاء، والرجاء ملازم للخوف، فكل راج خائف، وكل خائف راج. ولأجل هذا حسُن وقوع الرجاء في موضع يحسن فيه وقوع الخوف. قال الله تعالى: ﴿مَّالَكُمْ لَا نَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ (٣) قال كثير من المفسرين: المعنى: ما لكم لا تخافون لله عظمة؟ (١) مختصر منهاج القاصدين ص(٢٩٨، ٢٩٩). (٢) بتصرُّف من كتاب: الفضيلة والفضائل، ص(١١٤ - ١١٨)، ومختصر منهاج القاصدين (٩٧). (٣) سورة نوح، الآية: ٩٧. = ١٣٣ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين قالوا: والرجاء بمعنى الخوف. فكل راج خائف من فوات مرجوه، والخوف بلا رجاء يأس وقنوط(١). ما يرشد إليه الحديث: ١ - إن المؤمن بقدر ما يعلم عن الله تعالى من عظمة وجلال يزداد خوفه من عقابه، كما يزداد طمعًا في ثوابه، فيهجر المعصية، ويكثر من الطاعة. ٢ - الحثُّ على الاستغاثة بالله - سبحانه وتعالى - وخوفه ورجائه(٢). (١) بتصرُّف من كتاب مدارج السالكين (٥٣/٢). (٢) نزهة المتقين (٣١٣/١). ٠٠ .. ١٣٥ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث الخامس والثلاثون الجزاء من جنس العمل عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ، شَاقَّ اللهُ عَلَيْهِ) (١). لغة الحديث: : المَضَرَّة: ((خلاف المنفعة. وضَرَّهُ يَضُرّه ضَرًّا وضَرّ بِهِ وأضَرّ به، والاسم الضرَّرَ(٢). الشقَّ والمشقة: الجهد والعناء))(٣). معنى الحديث: ((هذا الحديث دلَّ على أصلين من أصول الشريعة: أحدهما: أن الجزاء من جنس العمل في الخير والشر، وهذا من حكمة الله التي يُحمد عليها، فكما أن من عمل ما (١) أخرجه الترمذي (١٩٤٠) كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الخيانة والغش. (٢) لسان العرب (٥٢٥/٢). (٣) لسان العرب (٣٤٢/٢). = ١٣٦ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين يحبه الله أحبه الله، ومن عمل ما يبغضه أبغضه الله، ومن يسّر على مسلم يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن فرّج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرّج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه، كذلك من ضارَّ مسلمًا ضرَّه الله، ومن مكر به مكر الله به، ومن شقَّ عليه شقَّ الله عليه، إلى غير ذلك من الأمثلة الداخلة في هذا الأصل. الأصل الثاني: منع الضرر والمضارة، وأنه لا ضرر ولا ضرار، وهذا يشمل أنواع الضرر كله. والضرر يرجع إلى أحد أمرين: إما تفويت مصلحة، أو حصول مضرة بوجه من الوجوه، فالضرر غير المستحق لا يحل إيصاله وعمله مع الناس، بل يجب على الإنسان أن يمنع ضرره، وأذاه عنهم من جميع الوجوه. فيدخل في ذلك: التدليس والغش في المعاملات وكتم العيوب فيها، والمكر والخداع ... إلخ. ويدخل في ذلك: مضارة الشريك لشريكه، والجار لجاره بقول أو فعل، حتى إنه لا يحلُّ له أن يُحدِث بملكه ما يضر بجاره، فضلاً عن مباشرة الإضرار به. وكذلك الضرار في الوصايا بأن يخص أحد ورثته بأكثر مما له، أو ينقص مما له، أو ينقص الوارث، أو يوصي لغير ١٣٧ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين وارثه بقصد الإضرار بالورثة، وكذلك لا يحلُّ إضرار الزوج بزوجته . ومن هذا السخرية بالخلق، والاستهزاء بهم، والوقيعة في أعراضهم والتحريش بينهم، فكله داخل في المضارة والمشاقّة الموجب للعقوبة . وكما يدلُّ الحديث بمنطوقه: أن من ضارَّ وشاقَّ ضرَّه اللهُ وشقَّ عليه، فإن مفهومه يدل على: أن من أزال الضرر، والمشقة عن المسلم، فإن الله يجلب له الخير، ويدفع عنه الضرر والمشاق، جزاءً وفاقًا، سواء كان متعلقًا بنفسه أو بغيره))(١). ما يرشد إليه الحديث: ١ - تحريم الضرر والمشقة على المسلمين، وأن من فعل بهم ذلك استحقَّ العقاب. ٢ - أن الجزاء من جنس العمل، فمن عمل خيرًا وجد خيرًا، ومن عمل شرًّا وجد شرًّا. (١) انظر: بهجة قلوب الأبرار ص (٤٩) بتصرّف. = ١٣٩ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين الحديث السادس والثلاثون أثر الدعاء والبر عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّ الدُّعَاءُ، وَلاَ يَزِيدُ في العُمُرِ إِلاَّ البؤُ))(١). لغة الحديث: لا يرد القضاء: أي: المقدر إلا الدعاء: أراد بالقضاء هنا الأمر المقدر لولا دعاؤه، أو أراد برده تسهيله عليه، حتى يصير كأنه رُدّ. ولا يزيد في العمر إلا البر: يعني العمر الذي كان يقصر لولا بره، أو أراد بزيادته: البركة فيه. والقضاء: هو علم الله تعالى الأزلي بكل ما أراد إيجاده من العوالم والخلائق والأحداث والأشياء، وتقدير ذلك الخلق وكتبه في الذكر الذي هو اللوح المحفوظ، كما هو حين يقضي بوجوده في كميته وكيفيته وصفته وزمانه ومكانه، وأسبابه ومقدماته، ونتائجه، بحيث لا يتأخر شيء من ذلك، (١) أخرجه الترمذي (٦)، كتاب القدر، باب لا يرد القدر إلا الدعاء. ١٤٠ أربعون حديثاً كل حديث في خصلتين ولا يتقدَّم عمَّا حُدِّدَ له من زمان، ولا يتبدّل في كميته بزيادة أو نقصان، ولا يتغيَّر في هيئته ولا صفته بحال من الأحوال. والدعاء: أصل هذه الكلمة، مصدر من قولك: دعوتُ الشيء أدعوه، دعاءً. أقاموا المصدر مقام الاسم: تقول: سمعتُ دُعاءً، كما تقول: سمعت صوتًا . والدعاء: هو سؤال الرغائب وطلب الحاجات في جلب نفع أو دفع ضر. والبر: الإحسان والطاعة، قيل يزاد حقيقة. وقيل: قدر أعمال البر سببًا لطول العمر، كما قدر الدعاء سببًا لرد البلاء، فيكون المعنى أنه يبارك في عمره، فيوفّق في الزمن القليل للأعمال الصالحة ما لا يتيسر لغيره من العمل الكثير. فالزيادة إِذَا مجازية(١) . معنى الحديث: الدعاء من أعظم مظاهر العبادة وأجلى صورها، والعبادة بدونه ليست شيئًا أو لا تستقيم ولا تتم إلا به، إذ في الدعاء الذل للمدعو والافتقار إليه، والاستكانة له، وتعظيمه وقدرته (١) انظر في هذا تحفة الأحوذي (٣٤٧/٦) وعقيدة المؤمن (ص ١١٤)، وفيض القدير (٤٤٩/٦، ٤٥٠) وشأن الدعاء للخطابي (ص٣).