النص المفهرس
صفحات 121-140
والطريقة الثانية : وهي طريقة القدماء من الأصحاب كأبي بكر ، وابن أبي موسى ، ومَن تابعهما أنه لا يجوز شراء المُحَلّى بجنس حليته. قولاً واحداً. وفي شرائه بنقد آخر روايتان ، أصحُّهُما عندهم: المنع أيضاً ، وهو الذي جزَمَ به أبو بكر ، وعللوه بأنه لو بان مستحقاً وقد استهلك لم يُدْرَ بما يرجع على صاحبه . وقد يشكل فَهْمُ هذا وتوجيهُ هذه الطريقة على كثيرٍ من الناس . ووجهُها : أنَّ بيعَ المُحلّى بجنسه قبل التمييز ، والفصل بينه وبين جنسه يؤدي إلى الربا، لأنه بيعٌ ربويٌ بجنسه من غير تحقَّقٍ مساواة ، لأنّ بعض الثمن مقابل العرض، فيبقى الباقي مقابلاً للربويّ، ومع الجهل بمقداره لا يتحقق التساوي بينه وبين ما قابله من الثمن ، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل . وأما بيعُه بنقد آخر فإنْ أجزناه فلأن بيع أحد النقدين بالآخر لا يعتبر التساوي فلا يَضُرُّ الجهلُ بهما أو بأحد هما . وإن منعناه فلأنه يؤدي إلى أن تستحق الحليةُ على المشتري وقد استهلكت عنده فيضمُها لصاحبها ثم يريد أن يرجع على البائع بحقها من الثمن فلا يدري ثم يرجع عليه لأن الثمن يتقسط هاهنا بالقيمة فيفضي إلى الربا لأنه قد يأخذ منه أقل من تلك الفضة أو أكثر . وهذا يشبه ما نص عليه أحمد في المنع من بيع أحد النقدين بالآخر جزافاً ، وهو الذي ذكره أبو بكر ، وابن أبي موسى أيضاً، والقاضي في ((خلافِهِ))، وعللوه بأنه لو استحقَّ أحدُهُما لم يُدْرَ بم يرجع على صاحبه فيؤدي إلى الربا من جهة العقد . وهو ضعيف ، فإنه إذا بانَ مستحقّاً تبعنا أنه لا عقد فيه البتّة ، وإنما دفع اليه نقداً على وجه المعاوضةِ ولم يأخذ منه عِوضَهُ فيصالحُه عنه كما لو أتلَفَ له فضَّةً أو ذهباً لا يُعلمُ مقدارُه، ويشبه هذا اشتراط العلم براس(١) مال السّلَم، وضبط صفاته ، وأنه إذا أسلم في جنسين لم يَجُز حتى يبين قسط كل واحد منهما ، فإنَّ ذلك سَلَم وهذا صرف وأحكامهما متشابهة (١) برأس . - ١٢١ - في الجملة . فهذا الذي ذكره ابن أبي موسى وغيره في بيع العرض المحلى بنقد فإما مع تمييز الربوي ومعرفة مقداره فإنما منع مما يظهر فيه وجه الجبلة كبيع عشرة دراهم مكسرة بثمانية صحيحة ، فلسين أو ألف صحاحاً بألف مكسّرة ، وثوب أو ألفٍ صَحاحاً ودينار بألف ومائة مكسرة . والطريقة الأولى أشهر وأوجه . ومتى كان الخاتم من غير النقدين وهو ◌ُموَّه بالفضة أو بالذهب تمويهاً يسيراً تافهاً لا يتحصل منه شيءٌ فهو كتزويق الدار فيجوز بيعُه يجنسٍ حليته في هذه الحال ، ويباحُ لِبِسُ هذا المموَّه بالذهب على هذه الصفة وجهاً واحداً . قاله بعض أصحابنا . الصورة الثانية : أن يكون الخاتم غير فضة ، وهو 'ُحلّى بفضة: فذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز بيعهُ بنقدٍ من جنسهِ أزيد منه إلا وزناً. وهو مذهبُنا، وأبي حنيفة وغيرهم لقول النبي علاه: ((الذَّهبُ بالذهب والفضةُ بالفضةِ مِثْلاً بمثل))(١). وقد روي عن النبي ◌َ اللهِ من حديث عبادة وغيره . ولهذا أنكر عبادةُ بيعَ الأواني من النقود بجنسها ، واستدلَّ عليه بالحديث . وقد ورد في سنن أبي داود في (ال) حديث زيادة وهي : ((الذَّهَبُ بالذَّهَبِ تِبرُها وعَيْنُها، والفضةُ بالفضةِ تِبرُها وعَينُها(٢) ... )) وقد روى مالك في الموطأ فيه حديثاً مرفوعاً عن ابن عمر أن صائغاً سأله عن ذلك فنهاه ابن عمر ، وقال : (١) أخرجه مسلم ١ / ٦٩٢. (٢) التبر : الذهب الخالص والفضة قبل أن يضربا دنانير ودراهم، فاذا ضربا كانا عيناً . والحديث أخرجه أبو داود في البيوع ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣ والنسائي في البيوع ٧٪ ٢٧٦ - ٢٧٧ عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه . - ١٢٢ - ( هذا عهدُ نبينا عَ للِ عن ذلك فنهانا)(١). قال الشافعي، والدار قطني: (إنما هو عهد صاحبنا) يعني: عمر (٢)، وهو أصح. وحكى عن مالك جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه ، وأنكر أصحابه ذلك عنه . وحُكيَ أيضاً عن بعض السلف ، واختاره الشيخ أبو العباس ابن تيمية ، لأنَّ الصياغة فيها متقومة فلا بد من مقابلتها بعوض ، فإنَّ في إجبار الضامن على بدلها مجاناً ظلم فلا يؤمَر به ، ولأنها قد خرجت بالصياغة عن حيز النقود إلى السلع المتقومة . ولهذا يقول كثيرٌ من العلماء - كالثوري وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين : أنه لا يجري الربا في معمول الصُّفْر ، والنحاس ، والقطن، والكتان لخروجه بالصناعة عن الوزن، وحمل قوله عمله ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة))(٣) على الدراهم دون المُصاغ صياغةً مُباحة ، فإنه بالصياغة خرج عن دخوله في إطلاق الذهب والفضة ، وصار سلعةٌ من السِّلَعِ كالثياب ونحوها، وحمل إنكارُ عُبَادَةَ على ما كانت صياغتُهُ محرَّمة لأنه إنما أنكر بيع الأواني لا الحُليّ المُباح . فأمّا بيعُهُ بجنسهِ بدراهم مثله وزناً فالصحيح جوازه. وحكى الأصحابُ روايةً أخرى بالمنع أيضاً بناءً على الرواية المحكية بالمنع من بيع الصحاح بالمكسرة لأنّ الصياغة قيمة بدليل حالة الإتلاف فيصير (١) أخرجه الإمام مالك رضي الله عنه في الموطأ (كتاب البيوع رقم ٣١) عن حميد بن قيس المكي عن مجاهد أنه قال : كنت مع عبد اللّه بن عمر فجاءه صائغ فقال له : يا أبا عبد الرحمن إني أصوغ الذهب ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه فأستفضل من ذلك قدر عمل يدي ؟ فنهاه عبد الله عن ذلك. فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله ينهاه، حتى انتهى إلى باب المسجد أو إلى دابة يريد أن يركبها ، ثم قال عبد الله بن عمر : (( الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما . هذا عهد نبينا الينا وعهدنا اليكم » . (٢) أنظر الرسالة للشافعي فقرة ( ٧٦٠). (٣) أخرجه مسلم ١ / ٦٩٢ كتاب المسافاة . - ١٢٣ - كأنه ضمَّ قيمة الصياغة الخاتم وباعها بوزن الخاتم فضة فيقع التفاضل بذلك . وقد ذكر صاحب المغني أن هذا باطل بالجيد بالرديء ، ولكن ابن عقيل ذكر في النقد الجيد بالرديء الخلاف أيضاً ، لكن أبطله بالجيد بالرديء في سائر المكيلات . ولذلك حكى الخلاف في بيع القراضة بالصحاح ، والمصوغ بمصوغٍ يخالفه في الصنعة جودةً أو رداءةً . بيع خواتيم الرصاص والحديد : فأما بيع خواتيم الرصاص والحديد بالرصاص والحديد فينبني على جريان الربا في معمولها . وفي ذلك قولان بروایتان عن أحمد . فصل ١١- شراء الخاتم بفضة ولو اشترى بفضة فالمذهب المنصوص جوازه مطلقاً إذا لم يكن الفضة مقصودةٌ من الثمن لجاز، كما إذا كان على الجارية حليّ كثير . وهذه طريقة المتقدمين من الأصحاب لدخوله ، وكثير من المتأخرين خَرَّجها على مسألة ملك العبد بتمليكه ، فإن قُلنا : يملك فكذلك ، وإن قلنا : لا يملك فهي كبيعٍ ربويُّ بجنسه ومعه من غير جنسِه على الخلاف فيه. قالوا : ولو وجد بذلك المال عَيْباً . وقلنا : هو ملك للعبد فهل يملك؟ الرد على وجهين . وإن قلنا : لا يملكه فله رده بغير خلاف . وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع . فصل ١٢- السلم في الخواتيم فأما السّلْمُ في الخواتيم فيصحَّ إذا ضبطها بأوصافها المعتبرة ، فيذكر جنس الخاتم ، ونوعه ، ووزنه ، وقدره ، وسعته . - ١٢٤ - ٠ ثم إن كان الخاتم فضة لم يجز جعل رأس ماله فضةً ولا ذهباً لفوات التقايض في المجلس. وإن جعله عرضاً جاز لأن العروض - وإن كانت موزونة - لا إشتراط في بيعها بأحد النقدين تقابض . وإن كان الخاتم من غير الفضة والذهب جاز جعل رأس ماله ذهباً أو فضة لما ذكرنا ، وإن جعل رأس المال فيه عرضاً إنبنى على جريان ربا النساء (١) في العروض ، فإن قلنا بجريانه فيها مع اختلاف الجنسين لم يجز ذلك بحال . وإن لم يجز في العروض جاز بكل حال . وإن أجريناه فيها مع اتحاد الجنس جاز حمل رأس ماله عرضاً من غير جنسه خاصة . وهذا إن كان الخاتم كله جنساً واحداً ، فإن كان فصه من غيره مثل إن كان من جوهر لم يصحّ السلم فيه عند أصحابنا ، لأنّ الجوهر لا يصح السلم فيه عندهم لأن الجوهر لا ينضبط بالوصف بل بالرؤية . وإن كان من عقيق فوجهان : - أحدهما : يصح السلم فيه بالوصف ، وهو قول القاضي ، لأنه يمكن ضبطه ونقل تفاوته . - والثاني : لا. وهو قول ابن عقيل لمساواته للجواهر في المعنى الذي لا يمكن ضبطه بالقول . وإن كان من غير ذلك مما يمكن ضبطه بالصفة. ويصح السلم فيه مفرداً كالحديد والنحاس وغيرهما على الصحيح ويضبطه بما يتميز به ويتخرج فيه وجهٌ آخر : أنه لا يصح السلم فيه بناء على أحد الوجهين فيما له أخلاطٌ مقصودة يتميز كالثوب المنسوج من كتان وقطن والنبل المريش فإنّ فيه وجهين . (١) أي ربا النسيئة - وهو التأخير والتأجيل . - ١٢٥ - فصل ١٣- استصناع الخواتيم وأما استصناع الخواتم فله صورٍ : - أحدها : أن يأتيه بفصه ويستأجره على صياغتها خاتماً بأجرة ء معلومة . فهذه إجارةٌ محضة لا ريب في جوازها . وكذلك إذا اشترى منه فضة معلومة وتقابضا في المجلس ، ثم شرط على صياغتها بأجرة معلومة . وكذلك إذا اشترى منه فضة معلومة وشرط عليه عملها خاتماً وقبضها ثم تركها عنده. فإنّ هذا أمر جنس اشتراط نفع البائع ، والمذهب المنصوص : صحته . وفيه وجه أنه لا يصح . وربما رَجُحَ هاهنا بأنّه اشترى فضةً ومنفعةً بفضة ، فهو كما لو اشترى جنساً ربوياً ومعه غيره بجنسه. ولكن المنصوص هاهنا صحته . ومنعه إسحاق بن راهويه. ففي كتاب الخلال عن إسحاق بن منصور قال: قلت لأبي عبد اللّه : رجلٌ ابتاع فضةً من رجل، واشترط عليه أن يصوغ خاتماً؟ فقال: ((هذا يُكرَه. هذا يصيرُ نَسيئةً)). قال أحمد: جيد هذا مكروة في نفس البيع ، ولكن لو سَمّى له الكَرْيَ لم يكن به بأس ، هو أيضاً شرط في صرف . قال إسحاق : لا يجوز في هذا اشتراط ، والصرف منتقض . قلت : فقد فَرَّق أبو عبدالله رضي الله عنه بين أن يسمى له الكِرآ(١) (١) الكراء وهو - بكسر الكاف - أجرة المستأجر. - ١٢٦ - أو لا ، فإن سمى له الكِرآ جاز، وعلله بأنه شرطٌ في صرف . ومعناه : أن غايته أن يكون كالشرط . وإن لم يسمّى له الكرى فقد كرهه، ولعله كرهه لما فيه من الجمع بين بيع الفضة وبنفعه بفضة ، فيكون بيع جنسين بأحدهما لمدة عجوة وهي هاهنا محرمة لأنه يُنقص بالأجرة قيمة الفضة فتصير متفاضلة ، بخلاف ما إذا ابتاع منه الفضة بوزنها ثم استأجره على صياغتها بأجرة معلومة ، فإن تلك المفسدة تزول بتفصيل الثمن والأجرة . ويحتمل - وهو الأظهر - أن يكون كره ذلك إذا لم يُسَمّ له الكري لعدم التقابض ، ولهذا علله بأنه يصير نسيئة في البيع بخلاف ما إذا سمى له الكري كأنه يصير مستأجراً له على الصياغة فتصير يده يد إجارة متحصنة باينة(١) عن يد المشتري فكأنه قد وكله في قبضه له ، ولو فعل ذلك جاز وصحَّ القبض . فكذلك إذا استأجره عليه إجارة مستقلة بأجرة مسماة بخلافٍ ما إذا لم يُسَمِّ له الأجرةَ وشرَطَ عليه العمل فإنَّ الإجارةَ تكون في ضمن عقد البيع فتكون تابعةٌ له وداخلةً في ضمنه ولم يحصل القبض فكرهه لذلك . ولعله كرهَه كراهة تنزيه لأن يد البائع أيضاً يدُ أجيرِ في مُدَّةٍ الصياغة ، وإن كانت داخلةً في ضمن البيع ، ولهذا لا بد أن يكونِ قد زاد في الثمن لأجلِ الصياغة واليد. وقوله : فيما إذا سمى له الكري هو أيضاً شرط في صرف يومئذ ذلك ، فإن معناه أنه لا يخرج بالتسمية عن ان يكون شرط في عقد الصرف كما لو لم يسم. وقد حملها القاضي في خلافه على أن الشرط إنما يؤثر إذا كان في نفس العقد دون ما قبله وبعده ، وساق رواية ابن منصور ، ولعلها في رجُلٍ ابتاع فضةً من رجل واشترط عليه أن يصوغ صياغاً فهو مكروه في نفس العقد ، ولكن لو سأله الكري لم یکن له تأثير. (١) بائنة . - ١٢٧ - والصورة الثانية : قال له اصنع لي خاتماً حتى أعطيكَ بوزن الفضة وأجرة الصياغة . فهذا لا يجوز، ذكره القاضي وابن عقيل وغيرهما لأنهما تبايعا فضة مجهولة بفضة مجهولة وتفرقا قبل القبض وأيضاً فالأجرة مجهولة. · الصورة الثالثة : قال له : اصنع لي خاتماً حتى أعطيك درهماً وأجرتك درهماً . فقال في المغني : ليس هذا ببيع درهم بدرهمين ، بل قال أصحابناً : للصائغ أخذ الدرهمين أحدهما في مقابلة الخاتم والثاني أجره لعمله . انتهى . وفيه نظر فإنّ هذا ليس بيعاً لعدم التقابض في المجلس ولا إجارة لأن الإجارة إنما تعقد على المنافع لا على الأعيان ، وإنما تدخل فيها الأعيان تبعاً لجرء الناسخ أو تكون الأعيان فيها من جنس المنافع تستخلف شيئاً بعد شيء كلبن الظئر (١) وماء البئر. وهذا كله مفقود فيما نحن فيه . وأيضاً فهذا بعيد على أصلنا في سد الذرائع وإبطال الحيل فإن هذا جبلة على بيع درهم بدرهمين نَساً(٢). ومعلوم أن أحمد يمنع من باع شيئاً نسيئة بثمن في الذمة أن يبتاع به عند حلوله ما لا يباع به نسيئة سداً لذريعة ربا النسيئة خاصة فكيف بربا الفضل مع النساء مع أن الجبلة ثمَّ بعيدة أو منتفية ، وهاهنا ظاهرة . بل لا معنى لهذا غير الجبلة على بيع درهم بدرهمين . وأيضاً كان القاضي أبا يعلى في ( الخلاف الكبير ) ومن تابعه كابنه أبي الحسين، وأبي الخطاب والشريف أبي جعفر ذكروا أن استصناع القمقم والطست والخف ونحو ذلك بمالٍ معلوم لا يصح . وهذا قولُ الشافعيّ، واستدلُّوا على ذلك بأنه بيع ما ليس عنده على غير وجهِ السلم فلم يجُزْ كاستصناع الثياب فإنه لا يجوزُ بالاتفاق، وإن وصفها طولها وعرضها وجِنسَها ، وحُكي عن مالك جوازُه إذا : (١) الظئر هنا : المرضع المستأجرة . (٢) نسيئاً . - ١٢٨ = ضَرَبَ له أجلاً، وكأنّه جعلَهُ سَكَماً. وعن أبي حنيفة جوازُه استحساناً الأجناسها في ذلك لم تزل في الاسلام ولم نعلم له مُنكِراً. وعن الرازي من أصحابه أن يقع فاسداً لكن إذا جابه الصانع ورضي به المستصنع كان ذلك بمنزلة عقد مبتدأ فيما بينهما . هذا مع أنّ هذه الأقوال كلها متوجهة على المذهب توجيهاً ظاهراً . فإنّ السلم في هذه الأعيان لا يصح على أحدٍ الوجهين إذا ذكر شروطها المعتبرة والمستصنع لا بد أن يذكر صفاتها التي يختلف بها الثمن فإذا ضرب مع ذلك أجلاً فهو السّلَم بعينه ، وإلا فهو السّلم الحال . وفيه الخلاف المعروف ، والتعليل بأن ذلك لم يزل في الاسلام . قد علل به أحمد نفسه في بيع الثمن لجلاله . وقد ذكر ابن المنذر أن الاستصناع جائز وأنه إذا جابه على الوصف فلا خيار له فيه عن أبي ثور واختاره . وأما إذا تراضيا بذلك عند إحضاره ، وسُلُّم اليه الثمن فهذا بعينه بيع المغاطاة . وقد قال أحمد - في رواية الأثرم - وقد سأله عن رجل أخذ من رجل رِطلاً من كذا، ومَنّاً (١) من كذا ، ولم يقاطعه على سعره ولم يعطه ثمنه . أيجوز هذا؟ فقال: أليس على معنى البيع أخَذَهُ . قلت : بلى. فقال : لا بأس ، ولكن إذا حاسبه أعطاه على السعر يوم أخذه لا یوم یحاسبه. والمقصود أنَّ هذا الاستصناع في القمقم ونحوه قواعد المذهب وأصوله تدل على جوازه. وقد ذكر الأصحاب بطلانه فكيف باستصناع الخاتم من فضة مع أنه (١) قال في القاموس : المن: كيل معروف أو ميزان أو رطلان . أحكام الخواتيم م ٩ - ١٢٩ - في الحقيقة بيع المصوغ بجنسه متفاضلاً ، فمثل هذا لا ريب في امتناعه على أصول المذهب وقواعده . والله أعلم . فصل ١٤- الأرش في الخواتيم ولو اشترى الخاتم بدرهم ثم ظهر به عَيْبٌ . فقال كثيرٌ من الأصحاب كالقاضي ، وأبي الخطاب ، وابن عقيل ليس له المطالبة بالأرش (١) لأن أخذ الأرش يُفضي إلى ربا الفضل فيتعين له الردُّ فیردُّه إن كان باقیاً ویأخذ ثمنه . وإن كان تالفاً فقالوا : له الفَسْخُ هاهنا للضرورة ، ويرد مثله أو قيمته ويسترجع الثمن . وذكر في المغني وَجْهاً بجواز أخذ الأرشِ في المجلس لأنَّ الزيادة طرت (٢) بعد العقد ، ثم قال : وليس لهذا الوجه وجه . ثم حكي عن ابن عقيل رواية أخرى بجواز أخذ الأرش مع التلف لتعذر رده بالنسخ وابن عقيل ذكر هذه الرواية وبناها على الرواية المحكية عن أحمد بتقويم الصنعة في المصاغ مع ملاقاته بجنسه ، وقد سبق ذ کرُها فكذلك الصفة . قال : والصحيح سقوطها كما تقدم . وهذا التعليل يشمل حالة البقاء والتلف ، وإن كان قد فرض المسألة أولاً مع التلف فإنه بنى ثبوت الأرش لعيب في المصاغ على أن الصنعة والجودة فيه هل تقوّم مع ملاقتها بجنسها أم لا ؟ فإن قوّمنا هنا أثبتنا الأرش بفواتها وإلا فلا ولكن إثباتنا للأرش بناء على التقويم هاهنا يستلزم جواز مقابلتها بزيادة في الوزن في الثمن ، والمذهب (١) الأرش: الدية، وبينهما أرش: أي اختلاف وخصومة، وما يدفع بين السلامة والعيب في السلعة . ( القاموس المحيط ) . (٢) طرأت . - ١٣٠ - خلافه . وأحمد على قوله بالتقويم في رواية يمنع من ملاقاتها بجنسها المساوي لها وزناً لزيادتها عليه صفةً فكيف يجيز هاهنا أخذ زيادة لفواتها؟ وهل هذه الأقوال من يجيز بيع المصاغ بجنسه متفاضلاً ، وأما إن حدث عند المشتري عيب آخر وأراد الرد فهل له الرد مع أرْشِهِ ؟ قال القاضي : لا ، لإفضائه إلى المفاضلة المحذورة . وأجازه صاحب المغني ، والتلخيص لزوال العقد بالنسخ فلا يكون الضمان بالعقد بل لتلفه تحت يده الضامنة وهذا إنما يتمشى على أصل من يقول : الفَسْخُ رَفْعُ للعقد من أصله. فصل ١٥- استئجار الخواتيم فمن ذلك : استئجارُ الخاتمِ للتحلي به ، وذلك جائزٌ في الجملة لأنها منفعةٌ مُباحةٌ مقصودةٌ. ثم إنْ استأجرَه بغير جنسه جاز بلا إشكال. ورُوي عن أحمد : الوقفُ في إجارتهِ في الجملةِ . وحملَهُ القاضي على إجارته بجنسهِ وإن استأجرَهُ يجنسه كاستئجارٍ خاتم الفضة بفضة : فحكى الأصحابُ فيه روايتين ، والمنقولُ عن أحمد أنه قال : (لا يُعْجِبُني ). قال أحمد - في رواية المروزي - وسأله عن الحليّ يُكرى؟ قال : ((هذا مكروهٌ أيّ شيءٍ يَكْري الذهب والفضة)). قلتُ : فيكون فيه الحبُّ . قال: ((هذا مكروه)). وقال جعفر بن محمد: سُثُلَ أحمد عن كري الحلي ، قال: ((ما أدري ما هذا)). وأنكره. وسُئِل عن كري الثياب . - ١٣١ - قال : لا بأس به . وقال - في رواية ابن بختان - : وسئل عن الحلي بكرى ؟ قال : یکری دراهم بدراهم . قيل له : فيكون فيه الحبُّ واللؤلؤ . قالا : لا . هذه تدل على جواز إجارته بغير جنسه . وقال ابن منصور : قلتُ لأحمد : ما تَرى في استئجار الحلي ؟ قال : لا بأس به . قيل له : والسّيفُ والسرج ؟ قال أحمد: أما الحليّ ما أدري ما هو، وأما السيف واللجام والسرج لا بأس به . وقال - في رواية حنبل - : في الحلي إذا كان يُكر (ى) أو يؤخذ أجره كان بمنزلة التجارة وجبت فيه الزكاة . فوجهُ الصحة : هو اختيارُ ابنِ عقيل . وقولُ أبي حنيفة والشافعيّ أنَّ الأجرةَ عوض عن منفعته المباحة لا عن عينه فلا وجه للمنع منه. ووجه الإطلاق وهو اختيار القاضي وغيره . وقولُ بعضِ الشافعيّة : أن الأجرة تؤخذُ عن المنفعةِ وعما يَتْلَفُ من الأجزاء بالاستعمال ، فيُفضي إلى بيعِ فضّة بفضّة متفاضلة ، وهذا فيه ضعفٌ لأن الأجرة إنما هي عوض عن المنفعةِ خاصةً ، والأجزاءُ تَتَلَفُ من ضمانِ مالِكِها ، ولو كانت الأجزاءُ التالفةُ داخلةٌ في العقد لم يَجُزْ إجارةُ كساءٍ صوف بصوف، ولا ثوبٍ قطن بغزلٍ، ولا دارٍ مذهبة بذهبٍ . - ١٣٢ ٠٠ وقد أطلقَ أبو الخطّاب في ((رؤوس مسائله)) الكراهةَ دون التحريم، وقد ذكر بعضُ الشافعية أن هذا النزاع في هذه المسألة مبنيٌ على أن المعقود عليه في الإجارة هل هو العينُ أو المنفعةُ؟ فإن قيل إنه العينُ لم تَجُزُ إجارةٌ الحلي بجنسه ، وإلا جاز. ولو استأجر فصّاً يصنعه في خاتم جاز أيضاً، فإذا انقضت مدة الإجارة فالمؤجّر مطالبته برده ، ويلزمه قلعُهُ ليردَّهُ على مالكه . ذكرَه أصحابُنا أيضاً . فصل ١٦- وقف الحلي وكذلك اختلف كلام أحمد في صحةِ وقفِ الحلي . - فروى عنه الأثرم وحنبل : (لا يصح )، وأنكر الحديث الذي رُويَ عن أم سلمة في وقفِهِ . - ونقل بكر بن محمد فيمن وصّى بفرسٍ وسرجٍ وخاتمٍ مفضّضٍ يوقفُ في سبيل اللّه حبيس فهو على ما أوقف وأوصى (و) أن بيع الفضة التي في السرج واللجام وجعل في سرج مثله فهو أحبُّ إليَّ لأن الفضة لا يُنتفعُ بها، ولعله يشتري بتلك الفضةِ سرج ولجامٌ فيكونُ أَنفَعُ للمسلمين . فقيل له : تباعُ الفضةُ وتُنُصَيّرُ في نفقةِ الفرسِ؟ قال : لا . واختلف الأصحابُ في هذه النصوص عنه فتأوّل القاضي في (المجرد) ومَن تابعه رواية حنبل والأثرم على أنه لا يصح الحديث عن أم سلمة في وقفه لا على أنّ وقفه لا يصح . وتأوَّلَ أيضاً رواية بكر بن محمد على أنّ وقفَ اللجامِ والسرجِ المفضّضِ لا يصحّ . فلذلك جاز أن يشترى به ما يُباحُ الانتفاعُ به ، فيوقَفُ على تلكَ الجهة . - ١٣٣ - وحكيَ عن الآمديّ أنه قال: أجاز أحمد وقف هذه الفضةِ تَبَعاً للفرس ، وإن كان لا يجوزُ وقفُها مفرداً . فقال صاحب المغني ، وغيرُه : روايةُ بكر تدُلُّ على صحة وقف السرج واللجام المفضض بناءً على جواز تحليةِ خيلِ الجهاد بذلك كماً يُباحُ تحليةُ لباسُ الجهاد من الحُوذةِ والْجَوْش(١)، وحمائِلِ السيف. وإنما أباح بيعَه وصرفَ ثمنه في سرجٍ ولحامٍ لأنه لا منفعة فيه . وهؤلاء أقروا رواية حنبل ، والأثرم على ظاهرِها ، وجعلوا في صحة الحلى روايتين ، والأولون يصححونه روايةً واحدةً وهي طريقة ابن عقيل أيضاً ، وغيره . وجمهورُ الأصحابِ على صحةِ وقفِ الحُليّ المباحِ ، وهو قول القاضي وأصحابُه لأنه عينٌ مباحةٌ مُنتفعٌ بها فجاز وقفُها لغيرِهِ، وروايةٌ المنعِ إنما تتجه على القول بمنعِ وقفِ المنقود . فصل ١٧- مَنْ أتلف خاتماً لغيره ولو أتلفَ له خاتماً فله حالتان : إحداهما : أن يكون مباحاً كخاتم الفضة للرجل : فعليه ضمانُهُ كما لو أتلفَ ثوبَهُ هل يضمنَهُ بقيمته أو مثله ؟ فيه وجهان : - أحدهما : بالقيمة. قاله القاضي وصاحبُ المغني لأن الصناعة تؤثّر في قيمته، وهي مختلفةٌ فالقيمةُ فيه أحصر . - والثاني: بالمثل. وهو اختيار السامريّ وظاهرُ كلام أحمد . قال إسحاق بن منصور : قلت لأحمد : فيمن كسر ذهباً أو فضة ؟ قال : يصلحه أحبُّ إليّ إن كان خلخالاً ، وإن كان ديناراً أعطاه ديناراً آخر مثله . (١) ما يوضع على الصدر من الحديد عند الحرب كالخوذة على الرأس . - ١٣٤ - ونقل مُهنا عنه فيمن دَهَنَ ابريقَ فضّةٍ فإنهشَمَ أو انكسَرَ : يصوغُه كما كان . فقيل له : كيف يصوغُه وقد نهى النبيُّ عَلِ عن آنيةِ الذهب والفضة ؟ فسكت . كذا ساقه ابنُ عقيل. رواه مُهنا في الدهن ، وقال : هي سهوً لأن الصياغةَ متقومةٌ. وساقَها أبو الخطاب عليه قيمةُ مصوغه . وقد حملَ القاضي هذا على التراضي . وذكر ابن عقيل في كتاب (الدهن ) أن رواية مُهنا وقع فيها الخطأ من وجهين : من جهة تضمنه إيصاغه لمثلها وهي متقومة . ومن جهة : تضمنه صياغة الأواني وهي محرمة ، وهذا باطل . وقد رجع في كتاب (الغصب) وردّ تأويل شيخه وقال : (لا وجه لصرف كلام أحمد عن ظاهره ، بل صياغة الآدمي يمكن احتذاء مثلها وشكلها فإذا عرفت الصورة كان إعادتها جزاء للحق ) . وقد وافق القاضي على أن من تقدم جداراً ونقض باباً فعليه إعادته ، وهذا مثله . فأما تضمين أحمد صياغة الأواني : فقد ذكر طائفة من الأصحاب عن أحمد أخذاً من هذا النص وابن عقيل نفسه في باب الغصب خالف في ذلك وذكر أن هذا رجوع عن ذلك لما نبّه على تحريم هذه الصياغة بدليل السنة . قال : (مَن أحقّ منه بمراجعة الصواب وترك الرأي للسنة). وكذلك اختلف الأصحاب في كل مسألة يعترض على أحمد فيها فیسکت هل يكون رجوعاً أم لا . فقال ابن حامد : هو رجوعٌ . وقال غيره : ليس برجوع . -- ١٣٥ والمقصود هنا : أن أحمد لما حكم بالمثل في الصناعة وجب ضمان الحلى بمثله لأن مادته مثليه بلا نزاع . وقد نص على أن صورته وتأليفه مثلى فوجب ضمانه عند التلف بالمثل ، وعلى الوجه الأول يضمنه بقيمته ، فإن كانت أكثر من وزنه فهل يجوز ضمانه من جنسه بأكثر منه وزناً ؟ فيه وجهان : - أحدهما : لا . لأنه ربا . وفي مسائل البزراطي سئل أحمد عن صَيرفيُّ دُفِعَ اليه دينارٌ محكك لینقده ففضضه وحکه . قال : قد أحسن ، ولا شيء عليه . قيل له : فإن كسرَهُ ؟ قال : يغرّم ما بين قيمته صحيحاً ومكسوراً فضة . وهو اختيار أبي الخطاب ، وصاحِبيَ المغني والمحرر ومذهب الثوري وأبي حنيفة وبعض الشافعية . - والثاني : يجوز ، وهو اختيار القاضي ، وابن عقيل ، والصحيح من مذهب الشافعي ، لأن الربا إنما يجري في المعاوضات ، لا في الغرامات ، فإن الغرامة استدراك ظُلامة ، ولهذا يجب الأرش في الكسر لتفويت الصناعة ولا يؤخذ عنها العوّض في البيع ، وسلم القاضي ، وابن عقيل أن ما لا صناعة فيه كالنقرة إذا خالفت قيمتها النقد لم يجز ضمانها من جنسها متفاضلاً وفرقا بأن الصناعة فيها مالية زائدة ، فلذلك ضمنت ولا صناعة في النقرة . ٢٠٠ وهذا الوجه يَقَرُبُ مما ذكره صاحب المغني في ردّ أرش العيب الحادث عند المشتري كما تقدم . وعلى هذا الأصل : لو كسر الخاتم ولم يتلفه فعليه إصلاحه كما نصَّ عليه أحمد في الحلي . وعلى الوجه الأول : عليه أرشه مطلقاً سواء كان من جنسه أو لا . - ١٣٦ - ذكره القاضي وغيره ، وهو قول مالك والشافعي ، وحكيّ عن أبي حنيفة أنه إن أخذه مكسور فلا أرش له . لأن الصناعة في الأموال الربوية ملغاة ، وإن لم يأخذه فله القيمة من غير الجنس . ووافقه في القيمة : الثوري ، وهذا قريب مما ذكره القاضي في أن المُصاغ إذا أحدث به عيب عند المشتري ثم ظهر فيه على عيب وأراد ردّه لا يردّ معه أرشاً، فإن ردّ الأرش لم يوجبه عقد المعاوضة ، بل وجب بحصوله تحت يده الضامنة ، ولهذا يضمنه عند القاضي وكثير من الأصحاب بما نقص من قيمته مطلقاً لا بجزء من الثمن . وقد ذكر صاحب التلخيص في مسألة حدوث العيب أنه إن شاء أمسكه وغرم قيمته للبائع سليماً من غير جنسه ، وضمانه بغير الجنس إنما يتفرع على القول بامتناع الأرش مع الرد إذ جواز عينه مع الأرش ومع منع ضمان قيمته من جنسه زائدة على وزنه بناقص محض . الحالة الثانية : أن يكون الخاتم محرَّماً كالذهب على الرجال فلو كسره وهو لابسه لم يضمنه ، هذا المعروف من المذهب بناء على أن كسر آنية الخمر وشق ظروفه لا يوجب ضماناً ، وسواء أمكنه إفراغه بدون ذلك أو لا هذا هو الصحيح من المذهب . وقد جاء في كسر أواني الخمر أحاديث متعددة ليس هذا موضع ذكرها . وقد روى الإمام أحمد في مسائل ابنه صالح بإسناده أن عبدالرحمن ابن عوف دخل على عمر ومعه ولد له صغير وعليه قميص حرير وقلباً ذهب ، فشقَّ عمر القميص وفك القلبين فأعطاه الغلام ، فقال : اذهب به إلى أمك . وعن سعيد بن جبير قال : - ١٣٧ - قدم حذيفة من سَفَرٍ وعلى صبيانه قميص من حرير فمزقه على الغلام وتركه على الجواري . وعن ابن مسعود : انه مرّ به صبيان له عليهم قمص من حرير فأخذها فشققها وقال : انطلقوا إلى أمكم فلتلبسكم غير هذا إن شاءت . ومعلومٌ أن الحرير مما يمكن انتفاع الجواري به ، ولكن سقط حرمته بإلباس ما لا يجوز إلباسه له ، لكن لو كان لابسه جاهلاً بتحريمه فقد ذكر ابراهيم الحربي رحمه الله في كتاب (الهدايا ) له في حكم آنية الخمر أنه لا يجوز حينئذ الكسر على إذن صاحبه ، وفيه روايتان أشهرهما أنه لا يتوقف على إذنه مطلقاً. وذكر أبو الخطاب في انتصاره في مسألة زكاة الحلى أنّ حليَّ الرجال المباح للنساء دونه لا يكسر لأنه ينتفع به للنساء فهو كثياب الحرير . وأطلق ولم يفرّق بين أن يكون في حال لبسه أو غيره . وأما إن أتلفه بالكلية فذكر طائفةٌ من الأصحاب في الإناء المحرّم أنه يضمن قيمته بدون الصناعة الممنوعة ، منهم القاضي ، وابن عقيل في كتاب ( الغصب ) ، وعلله ابن عقيل بأنّ النقدين مقصودان لذاتهما ليسا تابعين للصورة المحظورة بخلاف الأوتار والعيدان في آلات اللهو فإنها تابعة للصورة المحرمة فلا يضمنها . وهذا مخالف لما ذكراه أيضاً في مسألة سرقة آنية الخمر والصُلبان ونحوهما فإنه لا يقطع بسرقتها عندهما . وعلّلا بأنها تبع للصورة المحرمة أو للخمر فصار حكمها حكم متبوعها حتى صرح ابن عقيل في تمام هذا الكلام بأنه لو أتلفها متلف رأساً لم يضمن لمصيرها بمنزلة الخمر . وهذا ظاهره مخالف لما ذكره في (الغصب ) إلا أن يحمل على ما عدا الذهب والفضة فيكون كلامه في الغصب مخصصاً له . فصل ١٨- الشفعة في الخواتيم لو كان هذا الخاتم بين اثنين مشتركاً فباع أحدهما نصيبه ، فهل للآخر أخذه بالشفعة أم لا ؟ - ١٣٨ -- فيه روايتان معروفتان أشهرهما : أنْ لا شفعة فيه بناء على أنّ الشفعة إنما تثبت في العقاد خاصة ، بل وثبوتها في العقاد مختص على ظاهر المذهب بما ينقسم فيه فكيف بمنقولٍ لا ينقسم ، وهذا قول أكثر الفقهاء. والرواية الثانية : فيه الشفعة . نقلها حنبل قال : قيل لأحمد : فالحيوان كدابة بين رجلين أو حمار أو ما كان من نحو ذلك ؟ قال : هذا كله أوكد ، لأنه خليط الشريك أحق به بالثمن ، وهذا لا يمكن قسمته ، فإذا عرضه على شريكه وإلا باعه بعد ذلك . وكذلك أشار اليه في رواية غيره ، وهو قول طائفة من السلف ، وأهل الظاهر ، وهو أقوى حديث جابر : ((قضى رسول اللّه ◌َافل بالشفعة في كل مال لم يقسم)) وهذا عام". وفي كتاب الترمذي من رواية ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله مازال: ((الشفعة في كل شيءٍ))(١) . وهو مما تفرّد به أبو حمزة السكري عن عبد العزيز ابن رفيع عن ابن أبي مليكة . وأبو حمزة : من رجال الشيخين ، لكن خالفه جماعة من الثقات ورووه مرسلاً بدون ذكر ابن عباس . وفي بعض ألفاظه : ((قضى رسول الله الفع بالشفعة في كل شيء الأرض والدار ، والجارية والخادم)). وفي الباب أحاديث أخر . ولأن ما لا يقبل القسمة من المنقول يتأيد ضرر الشركة فيه فيكون ثبوت الشفعة فيه أولى من ثبوتها في عقار يمكن قسمته فيندفع بها الضرر. (١) أخرجه الترمذي (١٣٧١) وقال: هذا حديث لا نعرفه مثل هذا إلا من حديث أبي حمزة ٤ ) السكري. وقد روى غير واحد عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي مليكة عن النبي ( ص) مرسلا وهذا أصح ، ثم قال: وأبو حمزة ثقة يمكن أن يكون الخطأ من غير أبي حمزة . قال : وقال أكثر أهل العلم : إنما تكون الشفعة في الدور والأرضين ، ولم يرو الشفعة في كل شيء، وقال بعض أهل العلم: الشفعة في كل شيء والأول أصح. أهـ . - ١٣٩ - وإلى هذا المعنى أشار أحمد في رواية حنبل كما تقدم ، وهذا النص منه يفيد ثبوت الشفعة في العقار الذي لا ينقسم أيضاً ، وقد صرح بذلك في رواية غيره وهو اختيار ابن عقيل فيما حكى عنه وطائفة من محفظي أصحابنا المتأخرين ، وقول أبي حنيفة ، ومالك في رواية ، والشافعي في القديم ، واختاره ابن شريح وأصحابه ، وليس هذا موضع بسط هذه المسائل . فصل ١٩- وديعة الخواتم إذا أودعه خاتمه فإن أمرَهُ بوضعه في اصبعه جاز بلا إشكال ، ثم إن عين له اصبعاً فوضعه فيها فلا كلام ، وإن خالف ففيه مسائل : - أحدها : قالوا : جعله في الخنصر فلبسه في البنصر فلا ضمان . ذكره القاضي ، وابن عقيل ، ومن تابعهما لأنها أحرز من الخنصر لغلظها ، وأيضاً فالخنصر وقاية للبنصر فإن الخنصر طرف ، والبنصرين ورائها فهو كما لو أمره بإحرازه في بيت فأحرزه في بيت وراءه ، ويتخرج فيه وجهٌ آخر بالضمان من الوجه المحكي فيما إذا أمره بإحرازه في حرز معين فأحرزه فيما هو أعلى منه . لكن إذا انكسر بوضعه في البنصر لدقته ضمن بلا خلاف لا متعدّ بذلك . - الثانية : قال : اجعله في البنصر فجعله ( في ) الخنصر ضمن . ذكره القاضي ، وابنُ عقيل، لأنّ البنصر أغلظ فهي أحرز له ، فعدلوه إلى الخنصر عدول إلى دون الحرز الذي عينه . ومن الأصحاب من ذكر علّةً أخرى وهي أنّ لبسه في الخنصر - ١٤٠ -