النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١
((النصيحة ... ))
و(الهدَّام) حين خرّجه وتكلّم على طرقه، إنَّما (أخذ) ذلك من كتابي
((الصحيحة))! ولم يأت بزيادة تُذكر سوى المعاكسة، بل اضطرَّ أخيراً إلى أن
يُثبت أنَّه عالَةٌ عليه، فقال: (١٥٠/٢):
((وذكر في ((الصحيحة)) (٩٩٨) إسناداً آخر عند الطبراني عن ابن مسعود،
وهو ضعيفٌ))!
قلت: وَوَجْهُ المعاكسة: إيهامُ القراء أنني القائل: ((وهو ضعيفٌ))! وهذا
كَذِبٌ؛ فقد قلتُ عَقِبَ عزوهٍ للطبراني:
((قلت: وهذا إسنادٌ حسنٌ في الشواهد والمتابعات، ورجاله ثقاتٌ، وفي
بعضهم كلام؛ ولا يضرّ فيها)).
١٣٢ - ((مَنْ أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله؛ ومنع لله؛ فقد استكمل
الإيمان)):
ضعَّفه (الهدَّام) أيضاً (٢/ ١٥٠)، وأطال النَّفْسَ -سُدىً- في تخريجه
والكلام على بعض رواته! خالِطاً بين من هو حَسَنُ الحديث، ومن يصلُحُ
للاستشهاد به !! مع اختياره أقوالَ المتشدِّدين في التجريح؛ مما يطولُ الكلام
جداً في بيان ذلك والرّد عليه، وقد كنت صحّحت الحديث بمجموع طريقين
حسنين؛ خرّجتهما في ((الصحيحة)) (٣٨٠):
أحدهما: من طريق يحيى بن الحارث، عن القاسم بن عبدالرحمن، عن
أبي أُمامة.
والآخر: من طريق عبدالرحيم بن مَيْمُون، عن سهل بن مُعاذ بن أَنَس
الجُهَني، عن أبيه.
فماذا فعل (الهدَّام) حتى ضعَّفهما؟! لقد قال في كُلَّ من (القاسم) في
٢٤٢
((النصيحة ... ))
الطريق الأولى، و(عبدالرحيم) و(سهل) في الطريق الآخرى:
((فيه ضعف))!
قلت: وهذا من مكرهِ وخبائتهِ التي جرى عليها في تضعيف الأحاديث
الصحيحة، فقد ذكرنا مراراً وتكراراً أنَّ كل حديثٍ حسنِ الإسناد؛ لم يكُن حسناً
3
إلا لأن فيه ضعفاً، وإلا لكان صحيحاً، وهذه طبيعةُ الأحاديث التي يُحسِّنها
(الهدَّام) -على قِلَّتها- فإِذن؛ هو بقوله في كلِّ واحد من هؤلاء الرواة: ((فيه
ضعفٌ))؛ إنَّما يفيد أنَّه حسنُ الحديثِ! لو كان يدري ما يقول !! ثم هو لا يدري
الفرقَ بين رواية عبدالرحيم عن سهل، ورواية زَبَّان عنه، وقد قال الحافظُ في
((التقريب)) في ترجمة (سهل بن مُعاذ): ((لا بأس به؛ إلا في رواية زَبّان عنه)).
و(الهدَّام) خَلَطَ بين الروايتين عن سهل، ولم يُفَرّق بينهما؛ لجهله بأحوال
الرواة، واختصاص أحدهم بالشيخ دون الآخرين!
ثم إنَّ (الهدَّام) لم يكتف بقوله المتقدّم في (القاسم بن عبدالرحمن)،
بل زاد، فقال:
((وبعضُهم لا يُثبت له سماعاً من أبي أمامة)»!
قلت: وهذا (البعضُ) لا وجودَ له إلا في ذهن (الهدَّام)، ولعلّه يعني
نفسَه، وليس ذلك ببعيد عن جاهِلِ مَغْرُورٍ اعتاد المكابرةَ وجحدَ الحقائق؛ فإِنَّ
الأئمة قد أجمعوا على إثبات سماعه منه، ومنهم البخاري في ((التاريخ)).
بل قال الذهبي في ((الكاشف)) - بعد أن ذكر روايتَه عن معاوية، وعمرو
ابن عَبَسة -: ((وقيل: لم يسمع من صحابيّ سوى أبي أُمامة)).
وقد جزم بسماعه منه كلّ من ترجم له؛ كالمِزي والعسقلاني - وغيرهم-؛
وله في ((المسند)) (٢٦٤/٥) و((الرُّوياني)) (ق٢/٢٠٠)، و((كبير الطبراني))
٢٤٣
((النصيحة ... )) -
(٢٢٣/٨ و٢٢٧ و٢٨٢ و٢٩٧) أحاديثُ صرّح فيها بسماعه منه؛ ولذلك أشار
الحافظُ - أيضاً- إلى تقوية الحديث في الموضع الذي سبقت الإشارة إليه،
وكذلك المنذري.
١٣٣ - ((قول النبي ◌َّ: ((لا تَحِلَّ الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّ سَوِيٌّ)):
قلت: خرَّجه برواية جماعةٍ من حديث أبي هريرة؛ وقال: ((وهو حديثٌ
صحيحٌ لشواهده، انظر («الإحسان)) (٣٢٩٠))).
قلت: لقد جمع - بهذه الإحالةِ على ((الإحسان)) - بين الزُّور والظُّلم!
أمّا الزورُ؛ فإِنَّه أوهم القراء أنَّ تصحيحَه المذكور هو في (الإحسان))؛
والواقعُ خلافُهُ، فإِنَّه قوّى إسناد أبي هريرة عند الجماعة لذاته، وصحَّح إسناداً
آخر عنه، وقوّى - أيضاً- إسناد شاهده من حديث ابن عَمْرو! وفي كلِّ ذلك
نَظَرٌ عندي، قد بيّنته في («الإرواء)) (٣٨١/٣-٣٨٥)؛ وقد خَرَّجْتُهُما - بأبسطَ مما
في ((الإحسان))-، مع شاهدين آخرين لم يُخَرَّجا فيه، أحدهما عن رجلٍ من
بني بلال سمعه من النبي ◌ُّ؛ وسنده جيّد.
وأمّا الظُّلمُ؛ فهو أنَّه ما استفاد الصحةَ التي ذكرها إلا من مجموع هذه
الأحاديث الأربعة، فكان العدل والإنصافُ يوجب عليه أن يُحيلَ إلى ((الإرواء))؛
لكي لا يقعَ في مخالفة قوله - تعالى -: ﴿ولا تَبْخَسُوا الناسَ أشياءَهم﴾.
١٣٤ - ذكر ابنُ القيِّم - رحمه الله - الملائكةَ، فقال:
((قد أطَّت بهم السماء، وحُقّ لها أن تَنطَّ، ما فيها موضعُ أربع أصابعَ إلا
ومَلَكٌ قائم، أو راكع، أو ساجد)).
و ((يدخل البيت المعمورَ كلَّ يوم منهم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه
آخر ما عليهم».
٢٤٤
((النصيحة ... ))
قال (الهدَّام) (٢ / ١٥٧) واضعاً رقم التعليق على آخِر حديث البيت
المعمور:
((حديثٌ ضعيفٌ، أشرنا إليه في ((رياض الصالحين))؛ من منشورات
المكتبة الإسلامية)»!
قلت: لقد تورَّط صاحبُ المكتبة الإسلامية -أصلحني الله وإياه-، فطبع
له كتاب ((الرياض))! الذي عُلِم ما فيه من التغيير والتبديل لأصلهِ! والتضعيفِ
لعشراتِ الأحاديثِ الصحيحة! وظنِّي أنَّ ذلك كان قبلَ أن يتبيَّن له جهلُهُ بهذا
العلم الشريف، وانتصابُه لمعاداة علماء الحديث وأئمّتهم، ومعارضتُه إياهم في
أحكامِهم؛ فهو في صفّ، وهم في صفّ !!
وفيما تقدم -ويأتي- أكبرُ دليل على ذلك، بحيث لا يَدَعُ أيَّ شك أو
ريب في قلب من (قد) لا يزال يُحَسّن الظن به - لحذلقتِهِ- أنَّه منحرفٌ عن
سبيل العلماء، وها هو الآن يقدّم مثالاً جديداً على ما ذكرنا؛ وإليك البيان:
أولاً: لقد توهّم - لجهله بالسنّة- أنَّ حديثَ الأطيط وحديثَ البيت المعمور
حديثٌ واحد؛ ولذلك وضع رقمَ التعليقِ على آخر حديث البيت، وضعَّفه؛
وحديثُ البيتِ صحيحٌ متّفق عليه بين الشيخين -كما يأتي-، وله نحو هذا
التخليط الشيءُ الكثيرُ، ولعلّه تقدم - أو يأتي- بعضُه، وما لنا نذهب بعيداً؟! فها
هو المثال فيما أحال إليه من ((رياضه))، وهو يُشير إلى الحديث الذي أورده في
((ذيله)) (ص٥١٢): ((١٤ - حديث أبي ذَرّ: إني أرى ما لا تَرَوْن، وأسمعُ ما لا
تسمعون، أَطَّت السماء ... ))؛ فذكره بتمامه - كما هو في ((الصحيحة)) (١٧٢٢)-،
وهو يحتوي على أربع فِقْرات، أرى من النُّصح تفصيلَها، وبيان موقف (الهدَّام)
تُجاهَها، ومبلغ جنايتهِ على أغلبها؛ من أجلٍ واحدةٍ منها!
الأولى: حديث الأطيط -الذي هنا -.
٢٤٥
((النصيحة ... )) .
الثانية: ((والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً)).
والثالثة: ((وما تلذَّذتم بالنساء على الفُرُش)).
والرابعة: ((ولخرجتم إلى الصُّعُدات تجأرون إلى الله -تعالى-)).
قلت: فقال (الهدَّام) - هناك- بعد تخريجه:
((وفيه إبراهيم بن مُهاجِر، وهو ضعيفٌ، ولبعضه شواهد، ولا يصحُّ بطوله))!
قلت: فأنت ترى أنَّه عمَّى الأمْرَ على الفُرّاء! فخصّ التضعيفَ بطوله،
ومفهومُه أنَّ بعضَه صحيحٌ، وأيّده بقوله: ((ولبعضِه شواهدُ))، ولكنّه كتمها ولم
يبيّن ما هي !! وبذلك يبقى القارئُ حيرانَ؛ لأنَّ (الهدَّام) قصد ذلك بعدم تمييز
ما يصحُّ منه مما لا يصحُّ! فكأنّه لا يصحُّ عنده قوله ◌َّه: ((الدين النصيحة ... ))،
وإلا لما كتم الحقَّ، وَسارع إلى بيانه؛ وبخاصّة أن جُلَّ الحديثِ صحيحٌ - إن
لم أقل: كله-كما يأتي-، وحينئذٍ؛ فما فائدةُ التضعيف المذكور إلا الهدم؟!
أمّا الجملةُ الأولى: فهي صحيحةٌ بشواهدها، التي منها حديث حَكِيم بن
حِزَام بسند صحيح، كما بيّنته في ((الصحيحة)) (٨٥٢ و١٠٦٠).
ومن تمام إخلال (الهدَّام) بالأمانة العلمية؛ أنّه أشار في آخر تخريجه
- المشار إليه- إلى هذا الشاهد، ولكنّه صَمَتَ صَمْتَ الحجرِ الأَصَمّ، فلا هو
أشار إلى صِحّته! ولا إلى ضَعْفِهِ! وفاقدُ الشيء لا يُعطيه !!
وأمّا الجملةُ الثانيةُ؛ فهي في ((الصحيحين)) من حديث أنس، وفي
((البخاري)) -أيضاً- من حديث أبي هريرة، وهما مخرّجان في ((الصحيحة))
(٣١٩٤)، و((فِقه السِّيرة)) (٤٧٩).
فتأمّلوا مبلغَ جنايةِ هذا (الهدَّام) على السنّة الصحيحة؛ بعدم استثنائه
هذه الجملةَ على الأقل من الضعف الذي ذكره، والله المستعان!
٢٤٦
((النصيحة ... )).
وأمَّا الثالثةُ: فلم أجد حتى الآن ما أُقوِّيها به.
والجملةُ الرابعةُ: لها بعضُ الشواهدِ، ولذلك كنت أوردتُها مع الجملة
الأولى في ((صحيح الجامع الصغير)) محسِّناً، وعازياً إلى الضعيفة (٤٣٥٤).
(تنبيهٌ): كنت أوردتُ حديثَ أبي ذَرٍّ في ((الصحيحة)) برقم (١٧٢٢)،
وفاتني -حينئذٍ - أن أذكر الشواهد المقوّية له، ولا أدري -والله- كيف كان
ذلك؟! فإِنه خلافُ مشربي ومنهجي، كما أنني كنت أوردتُه في ((الضعيفة)»
- أيضاً- (١٧٨٠)؛ والسببُ واضحٌ، وهو بيان إدراج الجملة التي جاءت في
آخره بلفظ: ((ولوددتُ أَنّي كنت شجرةٌ تُعْضَد)»، وأنَّها موقوفة على أبي ذرّ؛
ولذلك بادرتُ إلى القول في آخر التخريج تمشياً مع المنهج:
((ولكنّ جلّ الحديث قد صحَّ من طُرُق أخرى ... ))
ولقد كان ينبغي أن يكونَ هذا -أو نحوه- في ((الصحيحة)) - أيضاً-، بل
هو به أَوْلى، ولكنْ هكذا قدّر الله؛ فجَلَّ من لا يسهو ولا ينسى، ومعذرةً إلى
القراء، ولْتُنقل الشواهد المشار إليها إلى هناك.
١٣٥ - ((في ((صحيح ابن حبان)) -عنهم{َ لو -: «أفضل الذكر: لا إله إلا
س
الله)).
خرَّجه (الهدَّام) عن جَمْع -منهم التِّرمذي، وابن حبان، والحاكم،
والبَغَوي - من طرق، عن موسى بن إبراهيم بن كَثِير الأنصاري، عن طلحة بن
خِرَاش، عن جابر؛ وأعلّه بقوله:
((وموسى هذا لم يُؤَثِّقه غير ابن حبان، وزاد: وكان يُخطئ، والذي يظهر
أن [في] روايته عن طلحة مناكير، وأشار الأزديُّ أنَّ النكارة في حديث طَلْحَةَ،
عن جابر)).
٢٤٧
((النصيحة ... ))
قلت: عليه مؤاخذاتٌ بعضُها أنكرُ من بعضٍ:
أوّلاً: قوله: ( ... غير ابن حبان)) كَذِبٌ متعمَّد! فقد رأى في ((تهذيب
المزي)»:
((قال ابن عبدالبر: موسى وطلحة؛ كلاهما مدنيٌّ ثقة)).
فقد تعمّد تجاهلَ توثيق ابن عبدالبر إياه؛ بدليل أنَّ الأحاديث الثلاثة
التي سيذكرها لموسى -كما يأتي-؛ إنَّما وقف عليها في ((التهذيب))!
بل إنَّ في ((تهذيب ابن حَجَر)) عن النَّسائيِّ - فيه- قوله: ((صالحٌ)).
ثانياً: تجاهل -أيضاً - تصحيحَ ابن حِبان، والحاكم، والذهبي، كما
تجاهل تحسينَ التِّرمذي والبَغَوي، فلم يذكره عنهما - كما هي عادته -!
ثالثاً: اعتمد على قول ابن حبان في (موسى): ((وكان يخطئ)؛ موهماً أنَّ
ذلك تضعيفٌ من ابن حبان لموسى، وليس كذلك، كما هو معروفٌ عند
الدّارسين لقول ابن حبان هذا، فهو إنَّما يعني أنَّه وَسَطٌ حسن الحديث، فهناك
مئات المترجَمين عنده قال فيهم هذا - أو نحوه-، ومع ذلك يخرّج لهم في
((صحيحه))، وهذا من هذا، فهل جهل (الهدَّام) هذا أم تجاهَلَهُ؟! أحلاهما مرّ !!
ونحوُهُ قولُ الحافظ في ((التقريب)) -فيه -: ((صدوق يخطئ)).
ومع ذلك أقرّ في ((الفتح)) (١١٨٢٠٧) تصحيحَ ابنِ حبّان والحاكم إياه.
رابعاً: لم يَحْصُر قولَ ابن حبان -المذكور- بين هلالين مزدوجين كما هو
المصطلح اليوم: (())؛ بل أتبعه بقولهِ: ((والذي يظهرُ ... ))، فأفهم - وأوهم- أنَّه
من تمام كلام ابن حبان! وليس كذلك !!
خامساً: ويمكن أن يكون ذلك من جهلهِ وسوء تعبيره، وأنَّ الاستظهار
المذكور هو من عنده! وحينئذٍ نقول له: (ليس هذا بِعُشِّكِ فادْرُجي)! فما قيمةُ
٢٤٨
((النصيحة ... ))
استنكارِك لروايته عن طلحة؛ أمام أولئك المُصَحِّحينَ والمحسِّنين، والموثِّقين؟!
سادساً: قوله: ((وأشار الأزدي أنَّ النكارة في حديث طلحة، عن جابر)):
هو من سوء تعبيره - أيضاً-، فالأزديُّ قد صَرَّح بذلك، فقال: ((طلحة روى عن
جابر مناكير))؛ لكن الأزدي مجروحٌ؛ فلا يُلتفتُ إلى تجريحه، ولا سيّما إذا
خالف!
ثم قال (الهدَّام): ((ولموسى ثلاثةُ أحاديثَ ... ظاهرةُ النكارة))، ثم ذكرها!
كذا قال! وعليك أن تُسَلِّم تسليماً لمحدِّث آخر الزمان !!
أمّا الحديثُ الأوّل فهو هذا، وقد عرفتَ عدوانَه بتضعيفِهِ إيّاه، ومخالفتِهِ
للعلماء.
والحديثُ الثاني: ((لا تمسُّ النارَ مسلماً رآني، أو رأى من رآني)).
والثالث: ((ما كلَّم الله أحداً قطُّ [إلا] من وراء حجاب، وكلّم أباك
كفاحاً)).
قلت: وثلاثَتُها عند التِّرمذي، وقال في كُلُّ واحدٍ منها: ((حديث حسن
غريب))، وأقرَّ على ذلك عددٌ من العلماء؛ المزّي في ((التهذيب (٣٩٣/١٣-
٣٩٥)؛ وقد تقدم ذكر من صحّحه وحسّنه قبله.
وأمّا الحديث الثاني: فمع تحسين التِّرمذي والمزّي إيّاه - كما ذكرت
آنفاً-، فإنَّ له شاهداً من حديث عُقبة أبي عبدالرحمن الجُهَني -عند ابن أبي
عاصم في ((السنة)) (١٤٨٥/٦٣٠/٢)، والطبراني في ((الكبير)) (٣٥٧/١٧/
٩٨٣)، و((الأوسط)) (١٠١١/٥٧/١) من طريق عبدالرحمن بن عُقبة، عن
أبيه ... مرفوعاً - نحوه-، لكن عبدالرحمن هذا لم أجد له ترجمةً، وكذلك
الراوي عنه نافع بن صَيْفِيٍّ، وإليهما أشار الهيثمي بقوله (٢١/١٠) بعدما عزاه
٢٤٩
((النصيحة ... ))
((المعجمين)): ((وفيه من لم أعرفهم)).
وسكت عنه الحافظُ في ترجمة (عقبة) - هذا- من ((الإصابة)»، وعزاه لابن
السكن -أيضاً-، والحاكم في ((تاريخ نيسابور)) من هذا الوجه.
ووقع في ((السنة)): (عُقبة بن عامر)؛ وأظنّه خطأً من الناسخ، والله أعلم.
وأمّا الحديث الثالث: فأخرجه الحاكم (٢٠٤/٣) -وصحّحه أيضاً-،
وحسّن إسنادَه المنذريُّ في ((الترغيب)) (١٩١/٢)، وله شاهدٌ مرسلٌ في
((الجهاد)) لابن أبي عاصم (ق٢/٩٠)، وشاهدٌ من حديث جابرٍ مختصراً،
أخرجه أحمد (٣٦١/٣) بسندٍ حسن صحيح، وهو مخرّج في ((الصحيحة)) رقم
(٣٢٩٠)، وسكت عنه الحافظُ في (الإصابة)) (٢/ ٣٥٠)، وأشار ابن عبدالبر في
ترجمة (عبدالله) والد (جابر) -من ((الاستيعاب))- إلى تقويتهِ بتصريحه بتوثيق
(طلحة بن خِرَاش)، والراوي عنه (موسى بن إبراهيم).
١٣٦ - ((دعوة ذي النُّون؛ الّتي ما دعا بها مكروبٌ إلا فرَّج الله كربَه: لا
إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)»:
جزم به المؤلّف فأصابَ.
وعاكسه (الهذَّام) - كعادته-، فَضَعَّفه! وخرَّجه (١٦٢/٢) من رواية
التّرمذي، والنَّسائي، وأحمد، والحاكم؛ قال: ((من طرق، عن يونُس بن أبي
إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن سَعْد، عن أبيه، عن سَعْد ... مرفوعاً، وسندُه
قابلٌ للتحسين؛ لولا ما ذَكر التِّرمذي عَقِبَه: ((وقد روى غيرُ واحد هذا الحديثَ
عن يونس ... ولم يذكروا فيه: عن أبيه)) ... ؛ وعليه يكون الحديث منقطعاً ... ))!
قلت: ويعني التِّرمذيُّ بقوله: ((عن أبيه)) (محمد بن سعد) والد
(إبراهيم)، وفي كلام (الهدّام) جهالاتٌ:
٢٥٠
(النصيحة ... ))
أوّلا: قوله ((من طرق))؛ لم يبيّنها، ولم يذكر عَدَدَها! تضليلاً للقراء - كما
يأتي بيانه -.
ہے
ثانياً: قوله: ((قابلٌ للتحسين))؛ فهو من جَنَفِه وجنايته على الرواة الثقات،
تمهيداً لتضعيف الحديث؛ فإِنَّ رجالَ السندِ المذكور كلَّهم ثقاتٌ، ولذلك
صحّحه الحاكم، ووافقه الذهبي، وكتم ذلك (الهدَّام) - كعادته-، وليس فيهم من
تُكُلّم فيه إلا يونس بن أبي إسحاقَ، ففيه كلامٌ يسيرٌ لا يضرُّ، ولذلك احتجَّ به
مسلم، وصحّح له ابن حِبان غيرَ ما حديث، وذكره الذهبي في ((من تُكُلِّم فيه وهو
موثق))، وقال في ((الميزان)): ((صدوق ما به بأسٌ، ما هو في قوة مِسْعَر ولا شُعبة)).
فمثله يكونُ حسنَ الحديثِ -على الأقلّ-، وهو ما صرّح به الحافظُ
-كما يأتي-، ولذلك سكت عن الحديث في ((الفتح))، وأقرّ الحاكمَ على
تصحيحِه (١١ /١٤٧).
ثالثاً: لم يقنع (الهدَّام) حتى بالقابليّة التي زعمها، فقد رفضها بقوله:
((لولا ما ذَكر التِّرمذي عقبه ... )) إلخ، فأعلّه بالانقطاع، مقلِّداً للترمذي في قوله:
أنَّ غيرَ واحدٍ روى الحديث عن يونُس منقطعاً، دون ذِكر: ((عن أبيه))!
فاكتفى بالتقليد هنا؛ لأنَّه وافق هوىٍّ في نفسِهِ، وهو تضعيفُ الحديثِ
بغير حقّ، وإلا فلِمَ لمْ ينظر فيمن أشار إليه التّرمذي بقوله: ((غير واحد))؛ مَن
هم؟! وما عددُهم؟! وما حالُهم؟! وهل يصلُحُ - أو يصلُحون- المعارضة الطرق
التي وصلت الحديثَ، والتي أشار إليها - كما تقدّم-؟! ولم يبيّنها ليضربَها
بقولِ التِّرمذي هذا !!
لقد ذكر التِّمذيُّ أنَّه وصله محمد بن يُوسف وأبو أحمد الزّبيري(١)، ثمّ
(١) قلت: رواية محمد بن يوسف هي رواية التّرمذي وغيره، ورواية الزّبيري عند البزار
(٣١٥٠).
٢٥١
((النصيحة ... ))
استجاز هو أن يرجِّح عليهما روايةً ((غير واحد)) ! -وهو لا يعرفُهم !- على
روايتهما؛ فكيف جاز للهدَّام أن يقلِّده في ذلك وهو لا يعرفُهم؟! وعلى العكس
من ذلك يعرفُ اللَّذين سمّاهما التّرمذي، ويعرف ثقةً ثالثاً شاركهما في رواية
الوصل، وهو (إسماعيل بن عُمر)، في رواية أحمدَ، وتابعهم (محمد بن عُبيد
الطَّنَافِسي) الحافظ الثقة عند البيهقي في ((الشَّعَب)) (٤٣٢/١).
فهؤلاء ثقاتٌ أربعةٌ وصلوه بذكرهم في إسنادهم - عن يونس -: ((عن
أبيه))؛ فكيف جاز للهدَّام أن يتعامى عن هؤلاء ويرجّح روايةَ مَن خالفهم وهو
لا يعرفهم؟! تالله إنَّها لإحدى الكُبَر! ولذلك لم يُعَرِّج عليها الحافظ ابن حَجَر،
فقال - كما في ((شرح الأذكار)) (١١٠/٤) -:
((حديثٌ حسنٌ))، إلى أن قال: ((وقال الترمذي: إنَّ بعضهم أرسله))، قال
الحافظ: ((وقد وجدتُ له عن سعد طريقين آخرين، أحدهما مختصرٌ؛ أخرجه
أبو يعلى، وابن أبي عاصم، والثاني مطوّل، أخرجه الحاكم)).
قلت: المختصر عند أبي يعلى في ((مسنده)) (٧٠٧/٦٥/٢) بسند
ضعيف، وهو عند البزار (٣١٤٩/٤٢/٤) مطوّل.
والمطوّل عند الحاكم (٥٠٥/١-٥٠٦) ضعيف جداً؛ فلا يُستشهد به،
وفي متنه نكارةٌ، وقد خرَّجته في ((الضعيفة)) برقم (٥٠١٩).
ثم تعامى (الهدَّام) عن المتابعة التي ذكرها ليونُس من محمد بن مُهاجر
القُرَشي، وهو -وإنْ كان البخاري ضعّفه بقوله: ((لا يتابع على حديثه))- فلا
يضرُّه هنا؛ لأنَّه قد توبع -كما ترى-، ولا سيما وقد وثّقه ابن حبان (٧/ ٤١٣
و ٤١٥)، وروى عنه جمعٌ من الثقات.
نَعَم؛ الراوي عنه (عبيد بن محمد) لم يضعّفه إلا ابن عدي بقوله: (له
أحاديث مناكير؛ يرويها عن ابن أبي ذِئب وغيره)).
٢٥٢
((النصيحة ... ))
١٣٧ - ((وقال ثَوْبان -رضي الله عنه -: كان رسُول الله وَّهِ إذا راعه أمرٌ
قال: ((الله ربّي لا أشرك به شيئاً))، وفي لفظ، قال: ((هو الله لا شريك له)).
جزم به المصنفُ فأصاب.
وأعلّه (الهدَّام) بما لا يقدحُ، وسرق تخريجَه من ((الصحيحة)) (٢٠٧٠)!
فقدّم وأخر ستراً لسرقته! فأضحك من لا يضحك، فقال: ((أخرجه ابن السُّنّي ...
والنسائي في ... وأبو نُعيم ... من طريق سَهْل بن هاشم، عن الثوري ... عن
ثوبان ... ))، ثم قال:
(قلت: وسهل بن هاشم لا يُحتمل في الثوري أن يتفرّد به، وعنده بعض
الخطإ ... وقال أبو حاتم في ((العلل)) (٢/ ٢٠٠): إنَّما يروونه عن ثوبان؛
موقوفٌ)).
فأقول: كنت صحَّحْتُ الحديث في ((الصحيحة))، فعاكسني - كما عاكس
المصنّف- فأعلّه بالوقف تقليداً بغير بيّنة، وقوله: ((لا يحتمل ... )) هُراءٌ متكرّرٌ منه
لا يُحتمل!
١
وكونُ سهل عنده بعض الخطإ لا يستلزمُ ردَّ حديثه، و(الهدَّام) مهما كابر
فلا يُمكن أن ينكر أنَّ عنده بعض (!) الخطإ! فهل يردُّ حديثه كلّه؟!
وأما سترُهُ لسرقته فلتقديمِه في الذكر (ابن السني) على (النسائي)! وهذا
شيخُ الأول -كما لا يخفى على المبتدئين في هذا العلم-، بل ومن طريقه
رواه ابن السني -كما ذكرت في ((الصحيحة))-؛ فخرج عن الجادّة في التخريج
سَتْراً لسرقتِهِ ومُعاكسةً، كما خرج عنها في التضعيف المذكور، وخَفِيَ عليه
شاهدُه الآتي من حديث أسماء بنت عُمَيس، والسببُ التقليدُ -أيضاً-،
ولمن؟! لمن يُعاكِسُه بغير حقّ في التصحيح، وهو أنا - الألبانيُّ-كما سترى
قريباً -.
٢٥٣
((النصيحة ... ))
١٣٨- ((وقالت أسماء بنت عُميس: علَّمَني رسولُ اللهِ وَّ كلماتِ أقولُها
عند الكرب: الله، الله ربي، لا أُشرك به شيئاً)):
جزم به المؤلِّف، فأصاب.
وأعلّه (الهدَّام) بجهالة (هلال مولى عمر بن عبدالعزيز)؛ فقال: ((وهو أبو
طُعمة، مجهولُ الحال))، وبضعف شاهديه؛ من حديث عائشةَ في ((صحيح ابن
حبان))، وحديث ابن عباس عند الطبراني.
فأقولُ: لا يزال (الهدَّام) ضالعاً في مخالفة قاعدة العلماء بتقوية
الحديث بالطرق، فهذه ثلاثةٌ منها، ليس فيها متهمٌّ ولا شديدُ الضعفِ، ومع
ذلك فهو يُصِرُّ على عدم تقويته بها!
وهذا - كلَّه- يُقال على فرضِ التسليم بقوله في هلال أبي طُعمة:
((مجهول الحال))؛ فإِنَّه مرفوضٌ، وقد كنتُ ذكرت شيئاً من هذا في تعليقي على
((الكلم الطيب)) - أعني: الجهالة-، لعدم انتباهي -يومئذٍ- أنَّ هلالا - هذا- هو
أبو طُعمة نفسُه؛ في تحقيقٍ كنت أجريته في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة))
(٢٧٥٥)، تبيّن لي منه أنَّ الرجلَ ثقةٌ، روى عنه جماعةٌ من الثقات، وقد وثّقه
ابن حبان، وابن عَمّار الموصلي، والحافظ، والذهبي.
فقول (الهدَّام) فيه: ((مجهول الحال)) مما يُضرب به وجهُه! ولا سيّما وقد
فاته أنَّه قد توبع في طريقٍ أخرى عند البخاري في ((التاريخ))، قد خرَّجُها
هناك، ومن المحتمل أنَّ (الهَدَّام) علم بها، ولكنه كتمها - كما هي عادته -!
كما كتم تقويةَ الحافظِ للحديث في ((الفتح)) (١٤٨/١١)!
١٣٩- ((وفي ((مسند الإمام أحمد)) -مرفوعاً -: ((دعوات المكروب: اللهم
رحمتك أرجو، فلا تَكِلْني إلى نفسي طرفةَ عين، وأصلح لي شأني كلَّه، لا إله
إلا أنت)):
٢٥٤
((النصيحة ... )).
حسّنته في ((الكلم الطيب)) (١٢١/٧٣)، ثم في ((صحيح الأدب المفرد))
(رقم ٥٣٩)، وسبقني إليه الهيثمي في ((المجمع)) (١٣٧/١)، والحافظ في
((تخريج الأذكار)) فيما نقله ابن علان (٨/٤)-، ولذلك سكت عنه في
((الفتح)) (١١ /١٤٨)، وأقرّ ابن حبّان على تصحيحه إيّاه.
وأمّا (الهدَّام) فشذّ عن الجماعة - كعادتهِ - فَضَعَّفها، ثم عزاه إلى ابن
حبان وغيره، وقال:
((وجعفر بن ميمون ضعيفٌ))!
قلت: والحق أنَّه مختلفٌ فيه، و(الهدَّام) - كعادته- يأخذ من الأقوال ما
يتوافقُ مع (منهجه) في التعنَّتِ في التضعيفِ، ولا يلتزمُ قواعدَ علم الجرح
والتعديل، فهو يقدّم الجرح مطلقاً، حتى لو كان الموثّق من المتشدِّدين!
فهذا أبو حاتم قال في (جعفر) هذا: ((صالح)).
وكذا قال ابن مُعِين في رواية.
ولذلك قال الحافظُ فيه: ((صدوق یخطئ)).
وقولُ أحمد والنَّسائي فيه: ((ليس بالقويِّ)): لا ينافيه، لأنّه لم ينفِ عنه
القوّةَ مطلقاً - كما لا يخفى على أهل المعرفة بهذا العلم-، ولذلك ذكره
الذهبي في ((الرواة المتكلم فيهم بما لا يوجب الرّد)) (٨٣/٨٢)؛ مع ذكره فيه
لقولِ أحمدَ هذا.
وينتجُ من ذلك أنَّ الرجل وسطٌ حسنٌ الحديث؛ والله أعلم.
١٤٠- ((وفي ((المسند)) من حديث عبدالله بن عَمْرو، عن النبي ◌َّ،
قال: ((إنَّ الله خلق خَلْقَه في ظلمةٍ، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه
ذلك النورُ اهتدى، ومن أخطأ ضلّ)»:
٢٥٥
((النصيحة ... ))
خرّجه (الهدَّام) من ثمانية مصادر، قال (١٦٧/٢): (( ... من طُرُقِ عن
عبدالله بن الديلمي، عن عبدالله بن عَمْرو، وابن الديلمي ثقة)).
كذا قال، ولم يصَحِّحه! معاكسةً منه لمن صحَّحه، كالحاكم، والذّهبي،
وابن حبّان، وحسَّنَهَ التِّرمذي فقصَّر، ومع ذلك لم يقلِّده (الهدَّام)، بينما قَلَّده
في إعلال الحديث المتقدم (١٣٦) !!
وفي ظنّي أنَّه إنَّما لم يُصَحِّحه مع توفّر كل شروط الصحة فيه
- لتوهُّمه-لجهله بفقه الحديث- أنَّه يُفيد الجبرً! وليس كذلك، ولا مجالَ الآن
البيانه، وقد صحَّحه الحافظ في ((الفتح)) (١١ /٤٩٢) بإقراره تصحيح ابن حبان
إيّاه.
١٤١ - ((وصحَّ عنهِلاَّ أَنَّه قال: ((حُبِّبَ إليَّ من دنياكم: النساء،
والطِّيب، وجُعلت قُرَّة عيني في الصلاة)):
صحَّحه المؤلف -رحمه الله-؛ وهو الصواب.
وأمّا (الهدَّام) فقال (١٧١/٢): ((حديث منكر، وقد تقدّم)).
وكذب في الأمرين؛ فلا هو تقدّم ! -وفي فهرس الكتاب ما أشار إلا إلى
هذا المكان-، ولا الحديث مُنْكَرٌ !! وقد صحّحه الحاكم، والذهبي، وجوَّد
إسناده الحافظُ العراقي في ((المغني)) (٣٠/٢)، وحسَّنه الحافظ ابنُ حَجَر في
(التلخيص)) (١١٦/٣)، وصحَّحه في ((الفتح)) (٣٤٥/١١)، وهو مخرَّج في
((الروض النضير)) (رقم ٥٣)، و((الصحيحة)) (٣٢٩١).
(تنبيه): اشتهر على الألسنة زيادة لفظة: ((ثلاث)) في هذا الحديث، وهي
مُفسِدةٌ للمعنى -كما هو ظاهر-، وقد جاء ذكرها في الحديث في فهرس
الطبعة الأولى من ((الإغاثة)) (ص ٣٧٩)، والظاهر أنّها قد تكون من محفوظات
٢٥٦
((النصيحة ... ))
الواضع للفهرس، ومثله يكون -عادةً- من غير العلماء! ولعلّ (الهدَّام) توهّم
ورودها في الحدیث؛ فأنكره !!
١٤٢- (عنه وَّ: ((من ابتُلي من هذه القاذورات بشيء؛ فليستترْ بستر
الله؛ فإنّه من يُبدِ لنا صفحتَه نُقِمْ عليه كتاب الله)).
جزم به المؤلّف؛ وهو الصواب.
وأعلّه (الهدَّام) بالإرسال، وقال (١٨١/٢): ((وَرُوي موصولا، ولا يصحّ))!
كذا قال مخالفاً (السبيلَ) - كعادته-، وقد صحّحه الحاكمُ، والذهبي،
والحافظ، وهو مخّرِجٌ في ((الصحيحة)) (٦٦٣)، وملخّصه:
أنّه رواه جمعٌ من طرق، عن يحيى بن سعيد الأنصاري: حدّثني عبدُالله
ابن دِينار، عن ابن عمر ... مرفوعاً.
وقال الحاكم:
((صحيحٌ على شرط الشيخين))، ووافقه الذّهبي، وأقرّه الحافظ في ((الفتح))
(٤٨٧/١٠).
وأزيد هنا فأقول: له شاهدٌ مرسل قويٌّ، رواه مالك (٤٣/٣)، ومن طريقه
البيهقي (٣٢٦/٨، ٣٣٠)، عن زيد بن أسلم ... فذكره مرسلاً، وفيه قصّة.
وزيد بن أسلم تابعيٌّ ثقةٌ، فقيهٌ جليلٌ، كثيرُ الرّواية عن عبدالله بن عُمر
- رضي الله عنهما- في ((الصّحيحين)) -وغيرهما-، فلا يَبْعُدُ أن يكون قد تلقّاه
عنه، فیکون متابعاً لعبدالله بن دینار.
على أن عبدالله بن دينار من الثقةِ والقوّةِ والحفظِ ما يُغنيه عن متابع،
وكذلك يقال في الرّاوي عنه (يحيى بن سعيد الأنصاري).
وللحديث شاهدٌ من حديث أبي هريرة؛ خرّجته هناك.
٢٥٧
((النصيحة ... ))
١٤٣ - ((قد قال وَ الَ: ((شارب الخمر -أو قال: مُدمن الخمر- كعابد
وَثَن»:
جزم المصنفُ - رحمه الله- بنسبته إلى النبي ◌َّ، فأصابَ.
وعارضه (الهدَّام) مستهلا تخريجه إيّاه بقوله (١٨٧/٢): ((حديثٌ
ضعيفٌ، لم أجد له طريقاً صحيحاً) !!
قلت: هذا النفيُ -وحدَه-؛ ممّا يدلُّ على جهلِهِ، وانحرافِه عن ﴿سبيل
المؤمنين؛ وذلك لأنّه ليس من الضروري - عندهم- أن يكون للحديث
الصّحيح طريقٌ صحيحٌ، فقد يكون الطريق حسناً لذاته، فيصيرُ الحديث
صحيحاً لغيره - بطريقٍ آخرَ، أو بطرقٍ أُخَر-، وقد يكون ضعيفاً، فيصير حسناً، أو
صحيحاً لغيره؛ بحسب طرقِهِ؛ قلّةً وكثرةً، وهذا الحديثُ - بالذّات، وإن أطال
النّفَس (!) في تخريج طرقه وتضعيفها (١٨٧/٢ - ١٨٨) - فهو ممّا يتقوّى
بالطرق، ويصير بها - على الأقلّ - حَسَناً، كما كنتُ انتهيتُ إليه حين خرَّجته
في المجلد الثاني من ((الصحيحة)) (٦٧٧)، ولذلك عاكسني (الهدَّام)
-كعادته- كما عاكس المؤلّف الذي جزم به - لطرقه-؛ فإِنَّ مثلَه لا
يخفى عليه أنَّ في إسناد أحمد مجهولا لم يُسَمَّ، ولم يَخْفَ ذلك على
(الهدَّام)!
لكنّ هذا (الهَدَّام) -لجهلهِ وضيقِ عَطَنِهِ- لا ينظر إلى مجموع الطرق؛
وإنَّما إلى مُفرداتِها، كالقاضي الجاهل ينظر إلى أنَّ شهادة المرأة على النصف،
والأخرى كذلك! ومع ذلك فهو لا يقبل شهادتَهما معاً، فكأنَّ لسانَ حالِهِ يقول:
(نصف ((زائد)) نصف = نصف)! وكذلك الأمر عند (الهدَّام):
(طريق ((زائد)) طريق = طريق)! بل طريق واحدة ((زائد)) خمسة طرق
يساوي عنده في الحكم طريقاً واحداً!
٢٥٨
((النصيحة ... )) -
على هذا المنطق السخيف جرى في تضعيفه الأحاديث الصحيحة
بمجموع الطرق !! فلا جرَمَ أنَّه خالفَ بذلك اتفاقَ العلماءِ - كما تقدّم التنبيه
عليه مراراً وتكراراً !-.
١٤٤- ((قال -تعالى -: ﴿ومنهم من يقولُ اثْذَنْ لي ولا تَفْتِنِّي أَلا في
الفتنة سَقطوا﴾ [التوبة: ٤٩]:
نزلت في الجُدّ بن قيس لمّا غزا مع رسول الله وَل تبوك، قال له: ((هل
لك يا جُدُّ في بلاد(١) بني الأصفر؛ تتخذ منهم السَّرَاري والوُصَفاء؟»، فقال
جُدُّ: ائذن لي في القُعود عنك، فقد عرَفَ قومي أني مُغْرَمٌ بالنساء، وإني
أخشى إنْ رأيتُ بنات بني الأصفرِ أن لا أصبرَ عنهنّ! فأنزل الله هذه الآية)).
ضعّفه (الهدَّام) (٢/ ١٩٥)، وعزاه للطبراني من حديث ابن عباس من
طريقين ضعيفين؛ فأوهم أمرين اثنين:
أحدهما: أنَّ الحديثَ عند الطبراني بهذا التمام الذي في الكتاب،
والواقعُ أنَّه مختصرٌ عنه، وبخاصَّةٍ الطريق الثاني منها، انظر ((المجمع))
(٣٠/٧)، وإنَّما رواه بتمامه الواحديُّ في ((أسباب النزول)) (ص ١٨٥) معلَّقاً،
وكذا في ((الوسيط)) (٥٠٢/٢)، ووقع فيه: (جهاد)، مكان: (بلاد)! وفي الذي
قبله: (جلاد)؛ وهو الصواب الموافق لرواية ((سيرة ابن هشام)) (٤/ ١٧٠)،
ولحديث جابرٍ الآتي.
والآخر: أنَّه ليس له شاهدٌ يقوّيه، والواقعُ خلافُه، فإنَّ له شاهداً من
حديث جابر في ((تفسير ابن أبي حاتم)) (١/٥١/٤)، وآخر من مرسل مجاهد
بسندٍ صحيح عنه؛ عند ابن جرير الطبري، وهما مُخَرّجان في ((الصحيحة))
(١) كذا في مطبوعة (الهدَّام)! ومثلُهُ في الطبعة الأولى التي قلّدها (الهدَّام) ولا يخرج
عنها إلا نادراً !! وذلك من تمام تحقيقهِ المزعوم (!) والصواب (جلاد)؛ كما بينت أعلاه.
٢٥٩
((النصيحة ... ))
(٢٩٨٨)؛ فأين التحقيقُ الذي يزعمه (الهدَّام)؟!
١٤٥ - ((رُوي أنَّ النبي ◌َّهِ كان يخطبُ، فجاء الحسن والحسين -رضي
الله عنهما-، وعليهما قميصانِ أحمرانِ يَعْتُرانِ، فنزل النبي وَّ إليهما؛
فأخذَهما، فوضعَهما في حِجْره على المنبر، وقال: ((صدق الله: ﴿إنّما أموالكم
وأولادكم فتنة﴾؛ رأيتُ هذين الصِّينِ؛ فلم أصبر عنهما)).
ضعَّفه (الهدَّام) - بعدما عزاه لأصحاب ((السنن)) وأحمد- معلِّلاً إياه
بقوله: ((فإِنَّ الحسين بن واقد يروي عن ابن بريدة أحاديث منكرة؛ كما ذكر
ذلك أحمدُ»!
كذا قال (الهدَّام) (١٩٦/٢) -قطع الله دابِرَه !- غيرَ مبالٍ بمن وثّقه
-وهم الجمهورُ-، ومنهم أحمدُ في رواية الأثرم عنه؛ قال لأحمد: ما تقولُ في
الحسين بن واقد؟ فقال: ((لا بأس به))؛ وأثنى عليه.
ذكره المِزْيُّ.
كما أنَّه لم يَعْبَأْ بمن صحَّح حديثَه، كابن خُزيمة، وابن حِبّان، والحاكم،
والذهبي، وعبدالحقّ (٣١٩/١-٣٢٠)، وحَسَّنَهَ التِّرمذي، وقال: ((إنَّما نعرفُه من
حديث الحُسين بن واقد))، فتعَقَّبه المنذريُّ في (مختصره)) بقوله (٢٠/٢):
((والحسين بن واقد ثقةٌ، احتجّ به مسلم في ((صحيحه)).
قلت: وروى له عن عبدالله بن بريدة - كما ذكر المِزْي-، وهذا من
روايته عنه.
على أنَّ ما عزاه (الهدَّام) لأحمدَ أنَّه قال: ( ... أحاديث منكرةٌ))! ليس له
أصل عنه بهذا اللفظ، وإنَّما ذكروه بألفاظٍ أُخرى لا تعطي المعنى المذكور
-نفسه -.
٢٦٠
((النصيحة ... ))
والأقربُ إليها ما نسبه الحافظُ الذهبي إليه بقوله في ((الميزان)): ((واستنكر
أحمدُ بعضَ حديثه)»، ثم ساق له حديثاً عن ابن عمر.
وحينئذٍ فالخطبُ سهلٌ، ولا يتعارض قوله هذا مع قولِه الآخر المتفق مع
قول الجمهور؛ فتأمّل!
ولذلك قال الحافظُ فيه: ((ثقةٌ، له أوهام)).
والحديث مخرَّجُ في ((المشكاة)) (٦١٥٩)، و((صحيح أبي داود)) (١٠١٦).
١٤٦- ((وفي أثر آخر: ((إنَّ الله إذا أحبَّ عبدَه حماه الدّنيا، وطيِّاتِها
وشهواتِها ، كما يحمي أحدُكم مريضه»:
قلت: هكذا وقع في الكتاب: أنَّه (أثر)، وبزيادة (طيّباتها وشهواتها) وفي
ذلك كلِّه نَظَرٌ
أمّا أنَّه (أثر)؛ فلأنه حديثٌ مرفوعٌ في جميع طرقه والمصادر التي روته.
وأمّا الزيادةُ المذكورة؛ فهي منكرةٌ، لأنَّها لم تَرِدْ في شيء من الطرق
المشار إليها، ولعلَّ ذلك كله من تحريفات بعض النُّسَّاخ؛ فقد أورد المصنّف
- رحمه الله- هذا الحديث في كتابه المشهور ((زاد المعاد في هدي خير
العباد)) (٤ /١٠٤ - طبع المؤسّسة) على الصواب - دون الزيادة-، ومصدِّراً إيّاه
بقوله:
((وفي حديثٍ محفوظ عنه (َلٍ ... )).
وهذه فائدةٌ هامّة؛ وهي أنَّ الحديثَ مرفوع - أوّلا-؛ وهذا يؤكد خطأ كونه
(أثراً)، وثانياً: أنَّه حديثٌ محفوظٌ صحيحٌ عند المؤلف، وهو الحقُّ؛ خلافاً لما
ذهب إليه (الهدَّام) -كعادته- في المعاكسة والتفرّد بالتضعيف! وما سوى ذلك
فليس يهمّه، ولا يَلتفتُ إليه -كمثل جهله أو تجاهله هذين الأمرين اللذين