النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
((النصيحة ... )).
قلتُ: فإِذا صحَّ هذا، فيكون الليث متابعاً خامساً، وهوثقةٌ حجّةٌ في كل
شيوخه، ومنهم يزيدُ بن الْهَاد، فقد رواه عنه، عن عبدالوهّاب، عن ابن شِهَاب
-عند أحمد وغيرهِ-، وهو مخرّجٌ في ((الصحيحة)) - كما سبقت الإشارةُ إلى
ذلك -.
وجملةُ القولِ: فهذه خمسةُ طرقٍ عامّتها صحيحةٌ عن الزُّهْري، لا تَدَعُ
أيَّ شكَّ أو ريبٍ في ثبوت رفع الحديث إلى النبي ◌َّ؛ عند كل مسلم
مُنْصِف يغارُ على حديث رسول الله وَّل أن يُنتقصَ منه، ويُنسب إلى غيره،
كما يغار أن يُنسب إليه ما لم يقُلْه من حديثِ غيره؛ ﴿إِنَّ في ذلك لَذِكْرى
لمن كان له قلبٌ أو ألقى السمعَ وهو شهيدٌ﴾.
وبعد هذا كله؛ فإِنِّي أقول:
إِنَّه لا تلازُمَ -عند أهل الحق والعلم - بين كون حديثٍ - ما- ضعيفَ
الإسنادِ، وبين أن لا يكونَ له -أو لبعضِهِ - أسانيدُ أُخرى تُقَوِّيه، فالباحثُ
الناصحُ - حقاً- لا يقفُ عند هذا الإسناد، بل إنَّه يتوسّع في بحثه، ويوسّع أُفُقَ
نظرهِ لعلّه يجدُ ما يقوِّيه أو يقوِّي بعضَه على الأقل، وهذا مما لا يفعلُه
(الهدَّام) -وقد تقدّمت له أمثلةٌ كثيرةٌ، ومنها هذا الحديثُ؛ فقد كنت ذكرتُ له
بعضَ الشواهد في ((الصحيحة))، فَأَعْرَضَ عنها - قصداً وكتماناً للحق ! -.
بل إنَّه تعامى عمّا هو أصحُّ منها، وهو قولُهُ وَّه: ((الحرب خدعة))؛ الذي
أخرجه الشيخانِ -وغيرهما- عن جمع من الصحابة، حتى بلغ - أو كادَ يبلُغُ-
التواتر، وهو مخرّج في ((الروض النضير)) (٧٧٠)، و((صحيح أبي داود)) (٢٣٦٩)
-وغيرهما -.
فيا تُرى! ألم يكن من الواجبِ على هذا (الهدَّام) -لو كان بنَّاءَ ناصِحاً -
أن يُنَبِّهَ قُرّاءه بأنَّ تضعيفه لهذا الحديث لا يشملُ هذه الفِقرةَ منه؛ لصحّتها

٢٢٢
-
((النصيحة ... )) -
عنده أيضاً؛ فقد أثبتها في ((رياضه)) رقم (١٠٢٩)؟!
وبهذه المناسبةِ أقولُ -مذكِّراً بتخريبٍ هذا (الهدَّام) -: إنَّ رقم هذا
الحديث في ((رياض الصالحين)) (١٣٥٩) - الأصل-؛ فليتأمّل القراء الكرام
الفرقَ الشاسعَ بين ((رياضه))، و((رياض الصالحين))!
ثم إنَّ حديثَ - ((الحرب خدعة))- ذكره ابن القيِّم بعد صفحات (٥٣٠)،
فلم يُخَرِّجه (الهدَّام)، وإنَّما أحال به على حديث الزَّهري -الذي أعلّه
بالوقف-، فقال: «تقدّم تخريجه))؛ فهل كان هذا عن غفلةٍ أو تغافُل؟! الثاني
هو الأقربُ إلی هدمهِ!
ولا بُدّ لي بهذه المناسبةِ من التنبيه على ما يأتي:
أوّلا: لقد كان يكفي هذا (الهدَّامَ) - رادعاً له عن إصراره على تضعيفٍ
الحديث هنا وهنا-؛ علمُهُ بِجَرَيان عملِ العلماء عليه، واحتجاجِهم في كتبهم،
مع اطّلاعِهم على العلّة المزعومة، كالإمام النووي في (الرياض))، و(شرح
مسلم)) -وغيرهما-، والشيخين: ابن القيِّم هنا، وشيخه في ((الفتاوى))
(٢٤٤/٢٨)، والحافظ العراقي في مواطن من كتابه ((تخريج الإحياء))، وابنه
أبي زُرعة في ((طرح التثريب)) (٢١٥/٧)، والحافظ ابن كثير في ((التفسير))؛
وغيرهم كثير وكثير - مما لا يمكن إحصاؤه -.
ثانياً: بمناسبة ذكر ابن كثير؛ لقد قال في تخريج هذا الحديث -مِن
((تفسيره)) (٥٥٤/١) - بعد أن ساقه بإسناد أحمد، من طريق صالح بن كَيْسان -:
((رواه الجماعةُ سوى ابن ماجه من طُرُق عن الزهري ... به)).
قلت: فيه تساهُلٌ؛ لأنَّ البخاري والترمذي ليس عندهما إلا قولُهُ -قبل
هذا الحديث -: ((ليس الكذّابُ الذي يُصلح بين الناس، فَيَنْمي خيراً أو يقول

٢٢٣
((النصيحة ... ))
خيراً))؛ وزاد مسلم - وغيره - عَقِبَ هذا حديثَ الترجمةِ.
ثالثاً: لقد وهم الحافظُ -رحمه الله- في جزمه -في (الفتح))
(٣٠٠/٥)- بأنَّ هذه الزيادةَ مُدْرَجَةٌ، وفرح بها (الهدَّام)؛ فاتَّخذها تُكَأَّة
التضعيفِ الحديثِ! وهو غيرُ معذورٍ -لما تقدم-، بخلاف الحافظِ؛ فإنَّه لم
يقف -والله أعلم- على أكثر المتابعات السابقة، وبخاصَّة منها متابعة
(عبدالوهاب بن أبي بكر).
وقد قال فيه ابنُ أبي حاتم (٧١/١/٣) عن أبيه: ((هو ثقة، ما به بَأْسٌ،
ءُ
هو من قدماء أصحاب الزهري، صحيح الحديث، كان وكيلاً للزهري بـ (بداء
شَغْب)؛ وأقرّه الحافظ في ((التهذيب)).
ولخّص كلامه -في ((التقريب))- بقوله:
((وكيل الزهري؛ ثقة)).
ولم يتنبّه لوهم الحافظ -هذا- المعلِّقُ على ((الإحسان))، فنقله (١٣/
٤١ - ٤٢) وأقرّه! والمعصوم من عصمه الله - تعالى -.
١١٠- («دُعي أبو هريرة - رضي الله عنه- إلى طعام، فقال: إني صائمٌ،
ثم رأوه يأكلُ، فقالوا: ألم تقل: إنّي صائم؟! فقال: ألم يقُلْ رسولُ الله ؛
صَََ الله.
عايله .
وَسَّة
((صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدّهر))؟!)):
قال (الهدَّام): ((أخرجه أحمد (٣٨٤/٢ و٥١٣)؛ ورجاله ثقاتٌ؛ وهو من
حديث عبد الله بن عمرو، عند البخاري ... ومسلم ... )).
قلت: يعني بحديث ابن عَمْرو المرفوعَ -فقط - من حديث أبي هُريرة،
وهذا من عِيِِّ -أو جهْلِهِ - بفنِّ التخريج، لكنْ في تخريجه لحديث أبي هُريرة
مؤاخذتان:

٢٢٤
((النصيحة ... ))
الأولى: اقتصاره في عزوه على أحمد، وقد رواه أبو يعلى، وابن حبان!
ولعله عن عمْدٍ فعل ذلك؛ تعميةً لصحّته عن القراء، وإن كان هو لا يُؤمِن
بتصحيح ابن حِبان، ولا يعتدُّ به مطلقاً! وهو من جَنَفِه وظلمِهِ؛ والحقُّ التفصيلُ
-كما هو معروفٌ -.
والأخرى: اقتصارهُ على قوله: ((ورجاله ثقات))؛ وحقه أن يقول: ((إسناده
صحيح))، بدلَ: ((ورجاله ثقات))، أو يجمع بينهما؛ فإنَّه من رواية حمّاد ابن
سلمة، عن ثابت، عن أبي عُثمان النَّهْدي، عن أبي هريرة.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلم، كما كنتُ ذكرت ذلك في
((الإرواء)) (٩٩/٤)؛ وذلك لأنَّ أبا عُثمان النَّهْدي - واسمه: عبدالرحمن بن
مُلِّ- أخرج له الشيخان عن أبي هُريرة؛ وحمّاد بن سلمة احتجّ به مسلمٌ في
روايته عن ثابت، وهو فيها ثقةٌ اتفاقاً، فلا أدري - إذن- لِمَ لَمْ يُصَخِّحه؟!
أهو المشاكسةُ والمعاندةُ التي جرى عليها في تضعيفاتِهِ؟!
أم هي المعاداةُ لأئمة السنة الذين منهم حمّادُ بن سَلَمة؟ القائلُ: ((من
طلب الحديث لغير الله -تعالى- مُكِرَ به))، والذي قال فيه إمامُ السنة -أحمدُ
ابن حنبل -: ((إذا رأيتَ الرجلَ يغمِزُ حمّاد بن سلمة فاتّهمه على الإسلام، فإِنَّه
كان شديداً على المبتدعة))؛ ولذلك أعلن تضعيفَه بعضُ المبتدعة وأعداء السنة
في هذا العصر؛ فأخشى أن يكون (الهدَّام) منهم؛ فإِنِي أراه منحرفاً عنه!
وضعّف له حديثاً من روايته عن ثابت؛ تقدم برقم (٦) !!
١١١- حديث: ((هَلُمَّ إلى الغداء المبارك)):
عزاه (الهدَّام) (٥٢٨/١) لرواية جمع - منهم ابن خُزيمة، وابن حبّان -
عن العِرْباض، وقال: ((وفي إسناده ضعف))، وإلى النسائي عن المِقْدام، وابن
حِبّان عن أبي الدّرداء، وقال: ((وفيهما كلامٌ أيضاً)).

٢٢٥
((النصیحة ... ))
قلتُ: هذا التضعيفُ المبهم إمّا أن يعني أنَّ متنَ الحديثِ ضعيفٌ لا
يتقوّى بمجموع هذه الطرق؛ فهذا باطلٌ، لأنَّها ليست شديدةَ الضعفِ - كما
يشير إلى ذلك إخراجُ ابن خزيمة، وابن حبان في ((صحيحهما)) للحديثِ-؛
فهو صحيحٌ لغيره.
وإن كان يعني أنَّه صحيحٌ أو حسنٌ على الأقلّ؛ فلماذا كتمه، وما بيّنه؟!
على أنَّ له شواهدَ أخرى، لا أستبعد أنَّه تَعَمَّد كتمانَها:
منها حديثُ عائشة عند أبي يعلى (٤٦٧٩)، وحديث ابن عباس في
((أوسط الطبراني))، وعنه الخطيب (١ / ٣٨٧)(١) وكلُّها مخرّجةٌ عندي في
((صحيح أبي داود)) (٢٠٣٠)، ولذلك أشار المنذري في ((الترغيب))
(٥/٩٢/١و٦) إلى تقويته، وكذلك عبدالحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى))
(٣٨٢/١).
وإنّ مما يؤكّد كتمانَه المذكورَ: أنَّ من طرقه -عند النسائي - ما رواه من
طريق ثَوْر، عن خالد بن مَعْدان - مرسلاً-، قال: قال رسول الله وَّ لرجلٍ ...
فذكره.
وإنّما كتمه لصحّة سنده! ولأنَّ الحديث يتقوّى به وبموصولٍ واحدٍ من
تلك المسندات؛ كما هي القاعدةُ عند العلماء؛ ونصّ على مثل ذلك الإمام
الشافعي -رحمه الله-؛ فكيف لا يُقَوّى بها كلِّها؟!
وكتم - أيضاً- شاهداً قوياً عند النسائي -أيضاً-؛ من طريق عبدالله بن
الحارث، عن رجل من أصحاب النبي وَّ، قال:
(١) ثم خرّجته في ((الصحيحة)) (٢٩٨٣)، وسقت إسناده، وبيّنت صحته مع مرسل
خالد ابن مَعْدان -الآتي -.

٢٢٦
((النصيحة ... ))
دخلتُ على النبيِ وَّ وهو يتَسَحّر، فقال: ((إنَّها بَرَكَةٌ أعطاكم الله إياها؛
فلا تَدَعُوهِ)).
وإسنادهُ صحيحٌ، وصحّحه عبدالحق الإشبيلي.
انتهى الرَّد على حسّان عبدالمنّان - (الهدَّام) - في تعليقاته الظالمة،
والمضعِّفة الأحاديث الصحيحة في الجزء الأول مِن ((إغاثة اللهفان)).
ويتلوه
الردّ على تعليقاتِهِ في الجزء الثاني - منه -:

٢٢٧
((النصيحة ... ))
١١٢- ((وصحّ عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنَّه قد سُئل عن
الرجل يكون له الدَّيْنُ على رجلٍ إلى أجل، فيضع عنه صاحبُه، ويُعَجّل له
الآخر؟ فکره ذلك ابن عمر، ونهى عنه»:
قال (الهدَّام) (١٥/٢) مشاكساً معاكساً: ((أخرجه البيهقي (٢٨/٦)، وفيه
عثمان بن حفص بن خَلْدَة، قال البخاري: لا يتابع في حديثه:
((اللسان)) (٤/ ١٣٣))).
قلت: فيه تدليسٌ خبيثٌ؛ فإنَّ البخاري لم يقل ذلك في عثمان هذا،
وإنَّما في (عثمان بن حَفْص) - غير منسوب إلى (ابن خلدة)-، ثم تشكّك في
كونه هو هذا، أو هو (عثمان بن عبدالرحمن الوَقّاصي)؟!
قلتُ: وذلك لأنَّ الوَقَّاصي متروكٌ، والحديث الذي عَقّب عليه البخاري
بقوله: ((لا يتابع عليه)) هو به أشبهُ؛ لنكارته، (وابن خَلْدة) لا يَحتملُ مثله، كيف
وقد وثّقه ابن حبان (١٥٥/٥)، وابن عبدالبر، وروى عنه ثقتان أحدُهما مالكٌ،
وشيوخه ثقات -كما هو مذكورٌ في ترجمته-؟! ولذلك صحّحه ابن القيم،
فعاكسه (الهدَّام)!
وانظر تعليقي على (ابن خَلْدة) في ((تيسير الانتفاع)).
١١٣- ((وصحّ عن أبي المِنْهال، أنَّه سأل ابن عمر - رضي الله عنهما-،
فقال: لرجل عليَّ دَيْنٌ، فقال لي: عجِّل لي لأضع عنك؟ قال: فنهاني عنه،
وقال: نهى أمير المؤمنين -يعني: عمر- أن يبيع العين بالدّين)):
قال (الهدَّام) معاكساً - أيضاً -: ((أخرجه البيهقي (٢٨/٦)، ورجاله ثقات)).

٢٢٨
(النصيحة ... ))
كذا قال؛ مشاكسةً للمؤلِّف؛ فإسنادهُ صحيحٌ لا غبار عليه، ولو كان وجد
علّة لبادَرَ لبيانها (١).
١١٤- ((وقال أبو صالح -مولى السَّفَّاح-واسمه عبيد -: بعتُ بُرّاً من
أهل السوق إلى أَجَلِ، ثم أردتُ الخروج إلى الكوفة، فعرضوا علي أن أضعَ
عنهم وينقُدوني، فسألت عن ذلك زيد بن ثابت؟ فقال: لا آمرك أن تأكل
هذا، ولا تُوكِله؛ رواه مالك في ((الموطا)):
قال (الهدَّام) (١٦/٢): أخرجه مالك (٦٧٢/٢)؛ وأبو صالح هذا في
عداد المجاهيل، لم يوثقه غير ابن حبان)).
وأقول: هذا النفيُ جهلٌ أو تجاهلٌ؛ فقد وثّقه ابن معين -كما في
((الجرح والتعديل)) (٦٩/١/٣) -.
١١٥- ((صحَّ عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنَّه كان لا يرى بأساً
أن يقول: أُعجِّلُ لك وتضع عني)):
قال (الهدَّام) معاكساً - كعادته -: ((أخرجه البيهقي (٢٨/٦) بإسناد
ضعیف)).
قلت: بل إسنادهُ صحيحٌ، وهو نفس إسناد الأثر المتقدم برقم (١١٣)،
الذي وثّق (الهدَّام) إسناده هناك، وضعّفه هنا، وهما في صفحةٍ واحدةٍ عند
البيهقي - كما يشير إلى ذلك الجزء والصفحة !-.
فيا لله! ما أشدَّ تلاعُبَه وتناقُضَه ومشاكسَتَه! ولولا ذلك لبيّن هنا علّة
ضعفِه، وهناك سببَ عدم صحّته، مع أنَّ المؤلّف قد صحَّحهما !!
إنَّه يريد أن يرفع ثقةَ القراءِ بالإمام ابن القيِّم -وغيره من أئمة الحديث-،
(١) ومن (بهلوانياته) أنَّه ضعَّف هذا الإسناد نفسَه في الأثر الآتي (١١٥) دون بيان !!

٢٢٩
((النصيحة ... ))
الذين يُعاكِسُهم في التصحيح، وأن يتّخذوه هو إمامَ ضلالةٍ، وأن يُطيعوه طاعةً
عمياءً، وحاشاهم من ذلك!
ويشهد له حديثُه الذي أورده المؤلّفُ - عَقِبَةُ-، وفيه قولُهُ وَّ: ((ضعوا
وتعجّلوا))؛ وهو وإن كان فيه مسلمُ بن خالد الزِّنْجي، فإِنَّه يشهدُ له حديثُ
كعب بن مالك، وقولُهُ مَّ﴾ - له -: ((ضع من دَيْنِك الشطرَ))، قال: قد فعلت يا
رسول الله! فقال ◌َ﴾ لابن أبي حَدْرَد - المَدِين -: ((قم فاقْضِهِ))؛ رواه الشيخان
-وغيرهما-، وهو مخرج في ((الإرواء)) (٢٥١/٥-٢٥٢).
١١٦ - ((وقال النبي ◌ُّ: ((المسلمون عند شروطِهِم)):
صحّحه المؤلّف - بجزمِهِ برفعه إلى النبي ◌َّ-، وصرّح بذلك في كتابه
((الفروسية)) (ص١٦٤ - تحقيق الأخ مشهور حَسَن)، تَبَعاً لجمع من الأئمة،
وعلى رأسهم الإمامُ البخاريُّ.
وكتم ذلك (الهدَّام) -على عادته-، فقال (٢١/٢): «حديثٌ ضعيفٌ،
علّقه البخاري في ((صحيحه)) (٤٥١/٤): ((الفتح))؛ وهو بعضٌ من حديثٍ
تمامُه: ((الصلحُ جائزٌ بين المسلمين)))).
قلت: فيه خيانةٌ علميةٌ؛ فإن من المعروف عند العلماء أن تعليقات
البخاري المجزومة صحيحةٌ، وهو -رحمه الله- قد علّقه بصيغة الجزم، فقال:
((وقال النبي ◌َّ: ((المسلمون ... ))؛ فكتم (الهدّامُ) هذا الجزمَ المصحِّحَ
للحديثِ من إمام المحدثين؛ تضليلاً لقُرّائه، وترجيحاً لتضعيفه الأفِين! ثم
خرّجه من حديث عَمْرو بن عَوْف، وأبي هريرة، وضعّف راويه (كثير بن زيد
الأسْلَمي)؛ وهو - عند الحافِظَين الذهبي والعسقلاني - صدوقٌ، ثم أشار إلى
الأحاديث الأخرى عن عائشة، وأنس، ورافع بن خَدِيج، وابن عُمر، ومرسل
عطاء، قال: ((وجميعُها أضعفُ مما ذكرت))!

٢٣٠
((النصيحة ... ))
قلت: وهذه كذبةٌ أُخرى لترويج تضعيفه، فمرسلُ عطاء صحيح الإسناد،
كما كنت بَيَّنْتُهُ في («الإرواء)) (١٤٢/٥-١٤٦)، في آخر تخريج الأحاديث التي
أشار إليها، ولكنه تجاهَلَ ذلك كلَّه، كما تجاهل تقويةَ الأئمةِ الآخرين
للحديث، كابن عبدالبر في ((التمهيد))، وابن دقيق العيد في ((الإلمام))،
والشوكاني في ((نيل الأوطار))، وراجع للرد عليه: ((الصحيحة)) (٢٩١٥).
١١٧- ((حديث أبي هُريرة، عن النبي ◌َّ: ((ثلاث جِدُّهن جدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ
جِدٌّ: النكاح، والطلاق، والرجعة)):
احتجَّ به المؤلف، وضعّفه (الهدَّام) بعبدالرحمن بن حَبِيب -بعد ما عزاه
لجماعة، منهم: الترمذي-، وختمه بقوله: ((وللحديث شواهد، فيها ضعف
شديد لا تصلح لتقوية الحديث، وإن شئت فانظرها في ((الإرواء)) (١٨٢٦))).
قلت: فيه تدليسٌ خبيثٌ، فإنَّه يوهم القراء - بهذه الإحالة على (الإرواء))-
ما زعمه من الضعف الشديد، وهو كذبٌ عَلَيَّ، فإِني انتهيتُ فيه إلى تحسين
الحديث بمجموع حديث أبي هريرة هذا، وصحيح مرسل الحسن البصري،
وآثار عن علي وعمر تدلُّ على أنَّ الحديث كان معروفاً عندهم، وقد كتم هذا
كلَّه عن القراء، كما كتم تحسين التِّرمذي !!
والحديثُ مُخَرَّجْ في أربع صفحات من ((الإرواء)) (٢٢٤/٦-٢٢٨)؛
ولخّصها (الهدَّام) في رُبع صفحةٍ على هواه!
١١٨- ((في ((المسند))، و((السنن)) عن رُوَيفع بن ثابت، قال: إنْ كان
أحدنا في زمن رسول الله وَّ ليأخذ نِضْوَ أخيه(١)؛ على أنّ له النصف مما
يَغْنَمُ، ولنا النّصف، وإن كان أحدُنا لَيَطِيرُ له النَّصْلُ والرِّيشُ، والآخَرِ القِدْحُ».
(١) أي: بعيره المهزول الذي أضناه العملُ.

٢٣١
((النصيحة ... ))
أعلّه (الهدَّام) بجهالة (شيبان بن أُميّة القِتْباني)، وقد خرّجه في
(٤٩/٢ - ٥٠)؛ برواية جمع منهم أبو داود برقم (٣٦)، ولكنّه تجاهل الشاهدَ
الذي أخرجه أبو داود - عَقِبَه- برقم (٣٧) من طريق شِيَيْم بن بَيْتان - بهذا
الحديث - أيضاً-، عن أبي سالم الجَيْشَاني، عن عبدالله بن عَمْرو.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، كما كنت نبّهت على ذلك في ((تخريج المشكاة))
(٣٥١)، ولذلك أوردتُه في ((صحيح أبي داود)) (٢٧ و٢٨).
(تنبيهٌ): مِن إساءة زهير الشاويش -صاحب المكتب الإسلامي - إلى
مشاريعي العلمية، واعتداءاته المتكرّرة على كتب السنة: أنَّه لما طَبع ((صحيح
أبي داود باختصار السند)) حَذف من مَثْنِ هذا الحديثِ ما ذكره ابنُ القيِّم هنا،
واقتصر منه على قوله وَلّ: ((يا رُويفع ... ))؛ وعلّق عليه بكلام مُحرَّفٍ، يمكن أن
يُفهم منه أنَّه حذفه لأنَّه ليس له علاقة بـ (الطهارة)!
وهذا عذرٌ أقبحُ من ذنب - كما لا يخفى على القارئ اللبيب-؛ فانظر
((صحيح أبي داود باختصار السند)) (١ / ١٠)!
١١٩- ((وجعل ◌َل﴾ المرأة عانيةً عند الزوج)):
قلت: يشير إلى حديث عَمْرو بن الأحْوَص في خُطبة النبيِ وََّ فِي حَجّة
الوداع: ((ألا واستوصوا بالنِّساء خيراً؛ فإِنَّما هنَّ عَوَانٍ عندكم ... ))، وهو حديثٌ
حسنٌ بشاهده من حديث عَمِّ أبي حَرَّةَ الرَّقَاشي، وقد خرّجتُهما في ((آداب
الزفاف)) (٢٧٠ - ٢٧١)، و((الإرواء)) (٩٦/٧ - ٩٧) مقوِّياً أحدهما بالآخر،
وصحّحه المؤلِّف في ((الزاد)).
وأمّا (الهدَّام) فعاكس - كعادتِه-؛ فلم يُفصح عن مرتبته؛ بل ضعّف
الاثنين، إلاَّ أنَّه قال (٦٩/٢):
((ويشهد له حديثُ جابر عند مسلم (١٢١٨)))!

٢٣٢
((النصيحة ... ))
يشير إلى قوله {وَلّ في حديث جابر -الطويل- في (الحج): ((واتقوا الله
في النساء؛ فإنَّكم أخذتموهن بأمان الله ... ).
قلت: واستشهادُهُ به من الأدلّة الكثيرة على حداثتهِ وجهلهِ بهذا العلم،
فإِنَّه ليس فيه أكثرُ الجُمَلِ التي في المشهودِ له، وبخاصةٍ منها قوله وَّ: «فإِنَّما
هن عَوَانٍ عندكم))؛ وهي التي استدل بها المؤلف، وانصبّ التّخريج عليها.
فهل بلغ به الجهلُ والغفلةُ إلى هذا الحضيض؟! أم هو التشبُّعُ
والاستكثار بالدعوى الكاذبةِ استعلاءً على (الألباني) -الذي لم ينتبه لهذا
الشاهد -زعموا-؟! إن كان كذلك؛ فحسبه وعيداً قوله وَ له: ((من ادّعى دعوى
كاذبة لِيَتَكَثِّرَ بها؛ لم يزده الله إلا قلّة)).
وقد عزاه لمسلم قبل صفحات (٦٤/٢)!
ثم إنْ كان صادقاً -وهذا لا ينافي أن يكون جاهلاً كما لا يخفى !- ؛ فلِمَ
لَمْ يُصرّح بصحة الحديث كما يفعلُ أحياناً؟!
١٢٠ - ((وقد قال المبعوثُ بالحنيفية السمحة وَّلَهُ: ((ما تركتُ من شيء
يُقَرِّبكم إلى الجنّة إلا وقد حدَّثتكم به، ولا تركتُ من شيء يُبعدكم عن النّار إلا
سـ
وقد حدَّثتکم به)):
خرَّجه (الهدَّام) (٢/ ٨٢) من رواية عبدالرزّاق، وضعَّفه بالإرسال، ومن
رواية الطبراني عن أبي ذَرّ، وقال: ((وفيه نَظَرٌ)!
هكذا قال؛ ولم يُبيِّن وجهة النظر! وذلك جمعاً منه بين الهدم والستر
على الجهل؛ لأنَّ إسناده صحيح؛ كما هو مبين في ((الصحيحة)) (١٨٠٣).
١٢١ - «تركتُكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغُ عنها بعدي إلا
هالك»:

٢٣٣
((النصيحة ... ))
قلت: ضعَّفه (الهدَّام) هنا - (٨٢/٢)-، وفيما تقدّم؛ وقد رددتُ عليه
- هناك- مفصلاً برقم (٢)؛ فلا داعي للإعادة، غير أني أقول هنا شيئين:
الأوّل: أنَّ هذه الفقرة من حديث العِرباض بن سارية -المتقدم هناك-؛
خرّجتها في ((ظلال الجنّة)) (٤٨-٤٩) من طريقين عنه، حسّن أحدَهما
المنذريُّ في ((الترغيب)) (١٧/٤٦/١)؛ فهو بهما صحيح، ويزداد صحَّةً
بالشاهد الآتي.
والآخر: قال (الهدَّام) هنا - عَقِبَ تضعيفه إيّاه -:
((وفي الباب حديث أبي الدرداء بهذه القطعةِ، وإسنادهُ ضعيفٌ أيضاً))!
كذا قال هنا؛ عامله الله بما يستحقّ.
وقال في رُسَيِّته ((حوار ... )) (ص١٥٦) -بعدما عزاه لابن ماجه وابن أبي
عاصم -: ((ورجال هذا الإسناد ثقاتٌ؛ غير هشام بن عَمّار؛ ففيه ضعفٌ)).
فتأمَّلْ -أيُّها القارئ ! - تناقُضَه بين جزمه بأنه ضعيف، وقوله: ((فيه
ضعف))؛ وهذا يعني أنَّه حسن الحديث والإسناد، لأنَّه طبيعةُ (الحسن) - كما
ذكرت مراراً-؛ فإنْ أبى ذلك واستكبر وعاند - كما هي عادتُه ؛ فلا أقلّ من أن
يكون صالحاً للاستشهاد به؛ فَيُعطي للطريقين المذكورين قوةً على قوة، ولكن
صدق الله: ﴿أتريدون أن تَهدُوا من أضلّ الله﴾!
وانظر إسرافَ الرجلِ في تضعيف حديث العِرْباض هذا، ومخالفته لأئمة
المسلمين -فيما تقدّمت الإشارة إليه-، وله ولغيره من الأحاديث الصحيحة
-في أول المجلد السابع من «الصحيحة» (٣٠٠٧)-، مجموعاً في مكان
واحد؛ فضلاً عن الأمثلة المتقدّمة بالأعداد الهائلة، والله المستعان!
١٢٢- ((وفي ((المسند)) من حديث المِقْدام أبي كريمة، أنَّه سمع النبي

٢٣٤
((النصيحة ... ))
(١)
وَلَه يقول: ((من نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه، فإن لم يقروه؛ فله أن يُعْقِبَھم"
بمثل قِرَاه)):
قال (الهدَّام) (٨٧/٢): ((أخرجه أحمد (١٣١/٤) وبنحوه أبو داود
(٣٧٥١))).
قلت: هذا تخريجٌ هزيلٌ يستطيعه أيُّ مُبْتَدئٍ في هذا العلم! وفيه جَوْرٌ
وحَيْدٌ عن التحقيق الذي يدّعيه؛ فالحديثُ عند أحمد بإسنادين، أحدهما
صحيحٌ بلفظ الكتاب -في آخر حديثٍ فيه طُولٌ-، ولعله لم يصحّحه -إن
عرف صحّته- لأنَّه لم يُوافق هواه!
ثم رواه أحمدُ بالإسناد الآخر، وكذا أبو داود، وفيه مجهولٌ، وفي متنه
نكارةٌ، كما هو مُبَيَّنٌ في ((المشكاة)) (٤٢٤٧ / التحقيق الثاني)، والأول مخرَّجٌ
في المجلد السادس من ((الصحيحة)) برقم (٢٨٦٩)؛ ولو أنَّه كان تحت يد
(الهدَّام) لَتغيرَّ تخريجُ (الهدَّامِ) الهزيلُ - يقيناً ! -؛ ليأخذ منه ما يشاء؛ ويدع
منه ما يشاء -حسبما يتطلّبه هواه-، نسأل الله السلامة !-.
١٢٣- ((وفي (المسند)) عن أبي هريرة - رضي الله عنه-، قال: قال
رسولُ الله ◌َّ﴾: («أيّما ضيفٍ نزل بقوم فأصبح الضيفُ محروماً؛ فله أن يأخُذَ
بقدر قِرَاه؛ ولا حَرَجَ عليه» :
قال (٨٧/٢): ((أخرجه أحمد (٢/ ٣٨٠) بإسناد حسن - إن شاء الله-؛
ويشهد له ما قبله)).
قلت: إنَّما شكَّ في تحسينه؛ لأنَّ في إسناده مُعاويةً بن صالح، ومن
عادة (الهدَّام) أنَّه يَضَعُ فيه ضعفاً في بعض الأحاديث التي لا يهوى صِحَّتَها!
(١) أي: يأخذ منهم ◌ِوضاً عمّا حرموه من القِرَى: ((نهاية)).

٢٣٥
((النصيحة ... ))
كما قال في حديث تحريم الملاهي المتقدم (٧٩): ((ومعاوية عنده غرائبُ))،
بل وقد يضعّف بعضها، ولو كان له فيه متابعٌ أو أكثرُ؛ كما فعل في الحديث
(٨٦) من ((ضعيفته))، التي جعلها ذيلاً لـ((رياضه))، فقد خرّجه فيه
(٥٤٣-٥٤٤) بثلاثةِ أسانيدَ، في أولها معاوية بن صالح؛ فقال فيه: ((ليس
بالمتين)»!
فَهَلا قال فيه -هناك- كما قال هنا: ((إسناده حسن - إن شاء الله-))؛
ويشهدُ له الإسنادان بعده؟! أم هو الهوى؟!
والحديثُ مُخَرَّجٌ في ((الصحيحة)) (٦٤٠) برواية الطحاوي -أيضاً-، وقد
عزاه المنذري في ((الترغيب)) (٢٤٢/٣) والسُّيوطي في ((الجامع)) للحاكم، وقد
سقط من ((المستدرك)) المطبوع، وبقي في ((تلخيص الذهبي)) -الذي في
الحاشية (٤ /١٣١) - مُصَحَّحاً؛ فاقتضى التنبيه!
١٢٤ - ((أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن ما خانك)):
ذكره المؤلّف - رحمه الله-هنا- من حديث أبي هريرة، وقَوَّاه بمتابعة
قيس لِشَرِيك وَفْقاً لما تقدّم مني عند الكلام عليه برقم (١٠٥)، وخلافاً
للهدَّام، وبشواهده من حديث أنس، وأبي أمامة، وبمرسل الحسن - وهو
البصري-، وقد خرّجها (الهدَّام) وضعّف مفرداتِها، وقد سبق الرّد عليه - هناك-
3
مُفَصّلاً، فلا داعيَ للإعادةِ، إلا أنَّه قال كلمةً كَذَبَ فيها على الإمام الشافعي؛
فلا بُدّ من ذكرها، والردِّ عليه فيها؛ قال (٨٩/٢):
(«فأحاديثُ الباب كلَّها ضعيفة؛ كما نبّه على ذلك الشافعي وابن الجوزي
وغيرهما)).
قلت: لم يَنْقُل عن الإمام الشافعي هذه الكُلِّيَّةَ أَحدٌ قبل هذا الأَفِين
- وإنّما هي من تصرُّفاته الكثيرةِ المضّةِ-؛ لما في ((التلخيص الحبير)

٢٣٦
((النصيحة ... ))
(٩٧/٣): ((قال الشافعي: هذا الحديثُ ليس بثابت، وقال ابن الجوزي: لا
يصحُّ من جمیع طرقه)).
فأنت ترى أنَّه حَمَلَ قولَ الشافعي على قول ابن الجوزي، وشَتّان ما
بينهما! على أنَّ قول ابن الجوزي مردودٌ، وهو من تشدُّده ومبالغاته المعروفة،
كما كنتُ بَيَّنْتُه في ((الصحيحة)) في آخر تخريجي لهذا الحديث رقم (٤٢٣).
فيا سُبحان الله! فقديماً قالوا: (إنَّ الطيور على أشكالها تقعُ)! كلا؛ لقد
ظلمتُ ابنَ الجوزي إذن؛ إذا أنا شبَّهتُ هذا (الهدَّام) به، فإِني أستغفرُ الله!
هذا جاهلٌ متعالمٌ، لا يدري إلا الكتابةَ على غير هدى، وعلى ظلمٍ وهوى، لا
يشهدُ له عالمٌ بعلم، وابنُ الجوزي عالمٌ مشهودٌ له من كبارِ العلماء - على مرِّ
العصور- بالعلم والفضل -رحمه الله -.
وقبلَ الانتقالِ إلى الحديث الآتي؛ لا بُدَّ لي من أن أكشفَ للقراء عن
شيء جديد من بَطَرهِ ومكابرتِهِ في هذا الحديث؛ فقد ذكر ابنُ القيِّم له شاهداً
مرسلاً من رواية يحيى بن أَيُّوب، عن ابن جُريج، عن الحسن ... به؛ فَبَدَلَ أن
يُعَلِّق عليه ويقول: رجال إسناده ثقات، ويعترف بأنَّه لم يعرف المصدرَ الذي
نَقَلَ المؤلف منه؛ تجاهل ذلك كلّه، وأعرض عنه واستكبر؛ فقال:
((ذكره البيهقي ولم يسنده، وقال: وهو منقطع))!
قلت: فأوهم (الهدَّام) قُرَّاءه أنَّه لا إسناد له، والإسناد بين يديه وهو الذي
لم يعلّق عليه !!
على أنَّ له إسناداً آخر عند الطبري، من طريق قتادةَ، عن الحسن، وهو
صحيحٌ عنه، كما تقدّم في (ص١٧١)، فيا لله! ما أكثرَ بَطَرَهُ وجحدَه، وأبعدَه
عن خشيةِ الله، والحياءِ من عباد الله !!

٢٣٧
((النصيحة ... ))
وقولُ البيهقي: ((وهو منقطعٌ))؛ يعني: أنَّه مرسل؛ هذا اصطلاحُ له معروفٌ
عند أهل العلم.
١٢٥- ((وله شاهدٌ آخر، وهو ما رواه الترمذي من حديث مالك بن
نَضْلَة، قال: قلت: يا رسول الله! الرجل أمرُّ به فلا يَقْريني ولا يُضَيّفني؛ فيمرّ
بي أَفَأَ جزيه؟ قال: ((لا؛ أقْرِهِ))، قال التِّرمذي: حسنٌ صحيحٌ)):
قلت: صحَّح إسناده (الهدَّام) (٨٩/٢) -بعد ما عزاه للترمذي وأحمد-،
ولم يُبَيِّن السبب، - كعادته-، وعلى الناس أن يُسلِّموا لفضيلته (!)، مع أنَّ
إسناد التّرمذي معلولٌ بعنعنة أبي إسحاق السَّبيعي، لكنْ قد صرّح عند أحمد
وغيره بالسماع، ولذلك صحّحت إسناده عندما خرّجت طرفاً من حديث أبي
نَضْلَة - هذا- في ((غاية المرام)) (٧٥/٦٣)، وصحّحه الحاكم، ووافقه الذهبي،
وأخرجه ابن حِبان - أيضاً- (١٤٣٤)؛ وهو عند هؤلاء الثلاثةِ الطرفُ الأخيرُ منه،
ومنه يتبيّن تقصير (الهدَّام) في تخريجه!
على أنَّه لم يَستفِدْ شيئاً من تصحيحِه إياه من الناحية الفقهية؛ فإنَّ
المؤلِّفَ - رحمه الله- ذكره شاهداً للحديث -يعني من حيث المعنى-، وذلك
باشتراكِهما في عدم مقابلة السيئة بالسيئة، فكما أمر بأداءِ الأمانة، وعَدَم مقابلة
الخيانة بالخيانة، كذلك أمر ◌َ ل# بالضيافة وعدم مقابلة تاركها بالتَّرك؛ كما هو
ظاهرٌ، فهو شاهدٌ قويٌّ بهذا الاعتبار، ولكنّ الرجلَ كما أنَّه لا علمَ عنده
بالحديث؛ فكذلك لا فقهَ عنده! على ذلك ترى كلَّ كتاباته، ولبيان هذا مجالٌّ
آخر، وانظر (ص١٧١).
١٢٦ - ((وله شاهدٌ آخر، وهو ما رواه أبو داود من حديث بشير ابن
الخصاصِيَة، قال: قلت: يا رسول الله! إنَّ أهلَ الصدقةِ يعتَدُون علينا، أفنكتم
من أموالنا بقدر ما يعتدُون علينا؟ فقال: ((لا)).

٢٣٨
((النصيحة ... ))
قال (الهدَّام): ((أخرجه أبو داود ( ... )، وفي إسناده مجهول)).
قلت: نعم؛ ولكنّه تابعي - كما تقدم بيانه منّ في آخر الحديث (١٠٥)
(ص١٧٣)-؛ فهو شاهدٌ جيد في المعنى -أيضاً -.
١٢٧ - ((وله شاهد آخر من حديث بشير هذا -أيضاً -: قلت: يا رسول
الله! إنَّ لنا جيراناً لا يَدَعُون لنا شاذَّةً ولا فاذَّةً إلا أخذوها، فإِذا قَدَرْنا لهم على
شيء؛ أنأخذه؟ فقال: (([] (١) .. أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن من
خانك))؛ ذكره شيخُنا في كتاب ((إبطال التحليل))).
قلت: قال (الهدَّام) (٨٩/٢): ((تقدّم في معناه))!
كذا قال! وهو -في الحقيقة- يدري أنَّه ما تقدم! بدليل أنَّه في فهرس
لها
الكتاب (٤٣٢/٢) لم يُشِر إلا إلى هذا المكان! وإنَّما قال ذلك تخلُّصاً من
تخريجه، لأنَّ الحديث لا أصلَ له بهذا التمام في كتابٍ من كتب السنة التي
وقفتُ عليها، وإنَّما هو مُرَكّبٌ من حديثين؛ أحدُهما: حديث بشير هذا، وهو
في ((المسند)) وغيره، والآخرُ: حديث أبي هريرة: ((أَدِّ الأمانة ... ))؛ فاختلط الأمرُ
على بعضهم فجعلَهما حديثاً واحداً، كما حقّقُته في آخر الحديث المتقدم
(١٠٥)، وانطلى الأمرُ على (الهدَّام) فلم يَدْر ماذا يفعل؟! فقال ما قال!
وكذلك لم يتنبّه لسقوط حرف (لا) آخر حديث بَشِير، وهذا هو تحقيقُهُ!
١٢٨ - ((احتجّ أحمد بما رواه عن أبي أمامة بن سهل، عن سعيد بن
سعد بن عُبادة، قال: كان بين أبياتِنا رُوَيْجِلٌ ضعيفٌ مُخْدَجٌ، فلم يَرُع الحيّ إلا
دس
وهو على أَمَةٍ من إمائهم؛ يخبث بها ... فقال بَّ: ((خذوا له عِثكالا فيه مئة
شِمْراخ، ثم اضربوه به ضربة واحدة))، ففعلوا»:
(١) سقط من ((الأصل))! تبعاً للطبعة السابقة (٧٨/٢) !! واستدركتها من ((المسند))
وغيره.

٢٣٩
((النصيحة ... ))
قلت: في إسناد أحمد عنعنةُ محمد بن إسحاقَ، وهو مدلّسٌ، ومع ذلك
حسّن إسناده الحافظُ في ((بُلُوغ المرام))؛ وهو صحيحٌ لغيره كما يأتي بيانه.
وأمّا (الهدَّام) فخرّجه في أربعة أسطر؛ ثلاثة منها في ذكر مُخَرّجيه!
وعقّب عليها بقوله:
( ... بأسانيد وطرق مختلفة، عن أبي أمامة بن سهل، يُرسله ويُوصله إلى
غير واحد؛ ويغلب عليه الصحة، انظر ((التلخيص الحبير)) (٥٩/٤)).
كذا قال! وفيه مؤاخذاتٌ هامّة:
منها: أنَّه لم يُبَيّن وجهَ الصحةِ في عبارته الشاذة هذه، التي لا يعجز
عنها أجهلُ الناس! (شِنْشِنة ... ).
ومنها: أنَّه أحال فيها على ((التلخيص))؛ موهماً القراء أنَّ الحافظ رجَّح
فيه الموصول، والواقعُ خلافهُ؛ كما بيّنته مفصلاً في آخر المجلد السادس من
((الصحيحة)) (٢٩٨٦)، في نحو سبع صفحات، جمعتُ فيه من الطرق ما لا
تراه مجموعاً - مع المراجحة بينها- في مكان آخر، توصّلت منه إلى تحقيقِ أن
الحديثَ - وإن صح مرسلاً عن أبي أمامة بن سهل، ورجّحه الدّارقطني
والبيهقي والحافظ-، فقد صحّ مسنداً من رواية ثقتين عن أبي حازم، عن سهل
ابن سعد ... مرفوعاً، لم يقف الحافظُ على رواية أوثقِهما، وهي في ((سُنن
النسائي الكبرى))، ويشهد لها إحدى الروايات عن أبي أمامة؛ أنَّه أخبره بعضُ
أصحاب رسول الله وَ ل# من الأنصار - وهو سهل بن سعد هذا-، والله أعلم.
وانظر بقيةَ المؤاخذاتِ على (الهدَّام) في المكان المشار إليه من
((الصحیحة)).
١٢٩ - ((قوله ◌َّ: ((إنّا حاملوك على ولدِ الناقّةِ)):

٢٤٠
((النصيحة ... ))
قلت: خَرَّجه (الهدَّام) من رواية جَمْع - منهم التِّرمذي والبَغَوي-؛ من
طُرُق عن خالد بن عبدالله، عن حُميد الطويل، عن أنس؛ وقال: ((وهم ثقات)).
فلم يُصَحِّحْه! وهو صحيحٌ على شرط الشيخين، معاكسةً منه للمذكورين،
فقد صحَّحاه، وهو الذي لا يسع كلّ عارفٍ بهذا العلم غيرُه؛ إذا خلا من الهوى
والغَرَض، وانظر ((المشكاة)) رقم (٤٨٨٦)، و((مختصر الشمائل)) (٢٠٣).
١٣٠ - ((وقال: ((لا يدخل الجنةَ عجوزٌ»:
قلت: جزم (الهدَّام) بضعفه، وخرَّجه بسندٍ ضعيف عن الحسن مرسلا،
وعن عائشةً بسند فيه متهم بالكذب.
قلت: فمثلُه لا يُستشهد به، لكن (الهدَّام) كتم طريقاً أُخرى - عن
عائشة- سالمة من هذا المتهم، وهي صالحةٌ للاستشهاد بها، أخرجه البيهقي
في ((البعث))(١)؛ كما كتم شاهداً آخر من حديث أنس؛ ذكره العراقي في
((تخريج الإحياء))، وضعَّفه، كما يشهد له -في الجملة - قوله وَالَى: ((يدخل أهلُ
الجنةِ الجنّةَ جُرداً مُرداً مكخّلين، بني ثلاث وثلاثين))، حسّنه التِّرمذي، وهو
صحيحٌ بمجموع طرقه - كما هو مبيّن في بعض تعليقاتي-، وتجد الكلام
المفصّل على حديث الترجمة في ((الصحيحة)) (٢٩٨٧).
١٣١ - ((أوثق عرى الإيمان الحبُّ في الله والبغض في الله)):
ضعّفه (الهدَّام) على ما جرى عليه من عدم تقويته الحديثَ بمجموع
طرقه؛ خلافاً لما عليه العُلماء علماً وعملاً، ولذلك أشار الحافظُ في ((الفتح))
(١/ ٤٧) إلى تقويته، وكذا المنذري في ((ترغيبه)) (٤٩/٤).
(١) وقع في ((الدر المنثور)): ((الشعب))؛ وهو خطأ، تورّطت به في بعض تخريجاتي!
فَلْيُصَحَّح.