النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ ((النصيحة ... )) مواضعَ كثيرةٍ ... وقد قالِ وَلّ: ((خالف هديُنَا هَدْيَ الكفار))؛ وفي ((المسند)) مرفوعاً: ((من تشبّه بقوم فهو منهم)): قلت: هذا المقطع لم يخرِّج منه (عدوُّ السنةِ) إلا حديث (المسند))؛ لِظنّه - وهو سرابٌ- أنَّه يجدُ فيه مجالاً لتضعيفه، وهو باغ مُعتدٍ - كما هي عادتُهُ-، فقد أعَلَّه بعلَّتين: إحداهما: (عبدالرحمن بن ثابت بن ثَوْبَان)؛ فجزم الخاسرُ -من عنده- بأنّه ضعيف! والأخرى: جهالة (أبي مُنيب الجُرَشي)؛ فقال: ((لم يوثّقه غير ابن حبّان والعِجلي، وعندهما تساهلٌ معروف))! فأقولُ مُستعيناً بالله: ١- أمّا ابن ثابت؛ فالصواب فيه أن يقال: ((مُختلف فيه)»، وبه صَرَّح الحافظُ في ((الفتح)) (٩٨/٦)؛ فإنَّ هذا هو الواقعُ، فإنَّ مِن الأئمة مَن وثّقه، ومنهم مَن ضعَّفه، ومنهم مَن توسّط فيه، وهذا هو العدلُ الذي جَنَحَ إليه الحُفَّاظ النُّقَّاد الذين وقفوا على الخلافِ المذكورِ، وطبّقوا قواعدَ علم الحديث عليه؛ كالحافظ الذهبي؛ فإِنَّه توسَّط فيه: فقال في ((الكاشف)): ((قال دُحَيم، وغيره: ثِقَةٌ، رُمي بالقدر، وليَّنَه بعضُهم)). وقال في ((السِّيَرَ)) (٣١٣/٧): ((وثّقه دُحَيم، وأبو حاتم؛ وقال صالح - جَزَرَة -: قَدَري صدوق)). ثم ذكر أقوالَ مضعّفيهِ، ثم ختم ترجمته بقوله: ((وقد تتبّع الطبراني أحاديثه؛ فجاءت في كُرّاسٍ تامّ، ولم يكن بالمُكْثِرِ، ٢٠٢ ((النصيحة ... )) ولا هو بالحجة، بل صالح الحديث)): ولذلك أورده في ((الرّواة المتكلّم فيهم بما لا يوجب الرّد)) (٢٠٠/١٣٣). واختصر ترجمتَه في ((المغني)) بقوله: ((صدوق)). وسبقه إلى ذلك الحافظُ المنذريُّ في ((الترغيب)». ونحوه قولُ الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق يخطئ، وتغيّر بأَخَرة)). ولذلك ثبّت حديثَهُ - هذا- في ((الفتح)) (٩٨/٦). بل إنَّ شيخه الحافظَ العراقيّ قد صحَّح إسناده في ((تخريج الإحياء)). وعلى ذلك جرى كثيرٌ من الأئمةِ القدامى، فصَخَّحوا له أحاديث كثيرة - كالتّؤْمذي، وابن حِبان، والحاكم، والمنذري، والذهبي - وغيرهم-، واحتجَّ بحديثه هذا غيرُ واحدٍ من العلماء على كراهةِ أشياء من زِيِّ غير المسلمين؛ كما قال شيخُ الإسلام ابن تيمية في ((اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم))، ومنهم الحافظ ابن كثير في ((تفسيره)) (١٤٨/١) و((تاريخه)) (١٤٥/٢)، ومن قبلهما الحافظ ابن الصلاح في ((الفتاوى)) (٢٤٤/٢٧٧)؛ وأفاد فائدةً هامّةً؛ فقال: (التشبُّه بالكفار؛ قد يكون مكروهاً، وقد يكون حراماً، وذلك حَسْبَ الفُحْشِ فيه؛ قِلَّةً وكثرةَ؛ والله أعلم)). وإنَّ مما يَسْتَرعي النظر: أنَّ من الموثَّقين لـ(ابن ثابت) هذا: الإمام أبا حاتم الرازي - المعروفَ بتشَدُّدِه في التوثيق-؛ ولذلك يعتمد عليه (الهدَّام) كثيراً في التجريح والتجهيل، وأمّا هنا فقد خالفه! ٢- وأمّا (أبو مُنِيب الجُرَشي)؛ فاتِّهام (الهدَّام) إياه بالجهالة - بزعم تساهُل الموثَّقَيْنِ له ؛ إنَّما هو من كِبْرِهِ وبَطَره للحق، فإِنَّ من المعلوم أنَّه لا ٢٠٣ ((النصيحة ... )) . يلزمُ من تساهلِهِما -أي: ابن حِبّان، والعِجْلي - أن يُردَّ توثيقُهما دائماً، كما لا يلزمُ من كون غيرهما من المتشدِّدين أن يُردّ تضعيفُهم دائماً، وإنَّما ذلك كلُّه خاضعٌ لعلم الجرح والتعديل، ومنه تقديمُ الجرح على التعديل عند التعارض -بشرطِهِ المعروف-؛ ولا شيء من هذا هنا مطلقاً، وإنَّما فيه التوثيقُ المذكورُ المُدَعَّمُ بتصحيح الحُفّاظ لحديثه هذا وغيرِهِ، وبرواية خمسةٍ من الثقات عنه، وأكثرُهم من التابعين، فليس هناك من أهل العلم من يَرُدُّ حديثَ مثلِه بالجهالة، فلا غرابةَ بعد هذا أن يَتَّفِقَ رأيُ الحُفَّاظِ على توثيقه، والجمِّ الغفيرِ على تصحیح حديثه! فهذا كلُّه يدلُّ دلالةً قاطعةً على أنَّ (الهدَّامِ) ينطلقُ في تضعيفه للأحاديث من اتِّباعه لهواه، وأنَّه لا يُقيم وزناً للعلماء؛ والله المستعان! ومن ذلك؛ أنَّه لم يُخَرِّج ما أشار إليه ابن القيِّم من الأحاديث الواردةِ في التشبُّه بالكُفّار ( ... في مواضعَ كثيرةٍ)) - كما هو نَصُّ كلامه -رحمه الله-؛ وقد كنت جمعت ما تيسّر لي منها في آخر كتابي ((حجاب المرأة المسلمة)» -والذي سميته أخيراً ((جلباب المرأة المسلمة))-؛ نحو ثلاثين حديثاً صحيحاً في مختلف أبواب الشريعة، في العبادات، والمعاملات ... ونحوها. ومن ذلك حديث: ((خالف هدينا هدي الكفار))؛ الذي أعرض (الهدَّام) عن تخريجه -لجهلهِ بهِ !- ؛ فقد خرّجته - هناك- من رواية الحاكم -وصحَّحه-، وفيه نَظَرٌ بيّنته ثمّة، لكن معناه في ((صحيح البخاري))؛ فضلا عن الأحاديث الأخرى التي أشار إليها ابن القيِّم. ومن تمام سعيه في الهدم؛ أنَّه لم يُشر إليها، ولم يدلّ القراء عليها؛ بل إِنَّه - على العكس من ذلك- ختم تخريجَهُ بقوله - بجهلٍ بالغ -: ((والشواهدُ المذكورة للحديث أشدُّ ضعفاً)! ٢٠٤ ((النصيحة ... )) وهذا من مُبالغاتِهِ وتهويلاتِهِ، فإِنَّ فيها شاهداً مرسلاً، حَسَّنه الحافظ في ((الفتح))، و((التغليق)) -أيضاً- (٤٤٦/٣)، وتخريجه للحديث مما سرقه من ((الإرواء)) (١٢٦٩)، وأخذ منه تعليلَ طُرُقِهِ؛ إلا تحسين الطريق الأولى، وكتم بعضَ مصادرِه المخطوطة، لكي لا تنكشفَ سرقته؛ لأنّها ليست من مصادره! وإِنَّ من تلك الأحاديث -التي كان ينبغي على (الهدَّام) أن يُخَرِّجها- قولَه مَّل - لما رأى على رجلٍ لباس الكفّار -: ((هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها))؛ رواه مسلم وغيره، ولا أستبعدُ عليه أن يختلق له عِلّةً يضعّفه بها! وهو مخرَّج في ((الجلباب)) (١/١٨٣)، وقولَه ◌َّ: ((غيِّرُوا الشَّيبَ ولا تشَبَّهوا باليهود والنصارى))؛ صحّحه التّرمذي، وابن حبان، وله طرق تراها هناك (١٨٩ -١٩٠). ١٠٤ - ((علَّل الجمعَ بين المرأة وعمّتها بقوله: إنَّكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم)) : قلت: النهيُ عن الجمع المذكور صحيحٌ عن النبيِ نَّه؛ من حديث أبي هريرة في ((الصحيحين)) وغيرهما، وهو مخرّج في ((الإرواء)) (٢٨٨/٦-٢٩١). وأمّا التعليلُ بقوله: ((إنّكم ... )) إلخ، فلا يصحُّ؛ وهو من طريق مُعْتَمِر بن سليمان، عن الفُضَيل بن ميسرة، عن أبي حَرِيز، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس. وقول (الهدَّام) (٥٠٢/١): ((ولعلّها وَهَمٌّ من المعتمر بن سليمان»: من جهلهِ بمنازلِ الرجال ومراتبهم، وطعنه بغير حقّ، فإِنَّ (المعتمر) ثقةٌ احتج به الشيخان والجماعة؛ وإنّما الوَهَمُ من شيخه الفُضَيل بن مَيْسَرة، بل من شيخ هذا -أبي حَرِيز-، واسمه (عبدالله بن حسين)؛ فإنَّه أضعفُ منه؛ كما حقّقتُه في المجّد الرابع عشر من ((الأحاديث الضعيفة)) رقم (٦٥٢٨)، ورددتُ فيه على من حسَّن هذه الزيادة من المعاصرين. ٢٠٥ ((النصيحة ... )) -- ١٠٥- ((أَدِّ الأمانة إلى مَن ائتمنك، ولا تَخُنْ مَن خانك)»: قلت: جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي ◌َّ؛ وهو الصوابُ. وأمّا (الهدَّام)؛ فقال (١/ ٥٠٥): ((حديثٌ ضعيفٌ، أخرجه أبو داود ... من طريق طَلْق بن غَنّام، عن شَرِيك، وقيس بن الربيع، عن أبي حُصَين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ... -مرفوعاً-، وشَرِيك وقيس ضعيفان، ولا يصلُحُ قيس للمتابعة، فإِنَّه كان يُدْخَلُ في كتابه)). كذا قال: ((يُدْخَلُ))؛ بالبناء للمجهول، أبهم الفاعل! ليفخِّم الفعل !! ويُوهم القراء أنَّ كتاب قيس كان في متناول أيدي الناس، يُدخِل فيه من يشاء ما يشاء! مما ليس من حديث قيس! وهذا باطلٌ لا أصلَ له، والذي ذكره العلماء أنَّ ذلك كان من فعل ابنٍ له، لما تأخرّت به سِنُّهُ. قال الحافظ: ((صدوق، تغير لما كبر، وأَدخل عليه ابنُهُ ما ليس من حديثه)). وقد لاحظتُ أنَّ الحافظَ الذهبيَّ -رحمه الله- لم يتَعَرَّض لذكر هذا (الإدخال) مطلقاً في ترجمة (قيس) في كل كتبه التي ترجم له فيها - مما وقفت عليه-؛ مثل: ((تذكرة الحفاظ))، و((السير))، و((الكاشف))، و((المغني))؛ اللهم إلا في ((الميزان)) الذي يذكر فيه -عادةً- كُلَّ ما قيل في المترجَم من جرح وتوثيق، ومع ذلك؛ فكأنّه أشار في أوّل ترجمته إلى أنه لا يترتّب عليه أكثرُ من قوله -فیھا -: ((صدوقٌ في نفسه، سيِّئ في الحفظ)). وكذلك قال في ((المغني))، وهو يُلَخِّص فيه -عادةً- ما ذكره في (الميزان))؛ وكأنّه يعني أنَّه أَتي من قبل ابنهِ لسوء حفظه، وعلى ذلك فقولُ ٢٠٦ ((النصيحة ... )). (الهدَّام) - فيه -: ((ولا يصلُح للمتابعة)) -مع أنَّه لا سَلَفَ له فيه- مردودٌ، فإِنَّ مِن المقرَّرِ عند العلماء، أن الراويَ الصدوقَ الضعيفَ في حفظه يُستشهد به، ويصلح للمتابعة. ولعلّه مِن أجل ذا: جوّد سَنَدَ هذا الحديثِ - نفسه- في ((تلخيص العِلَل المتناهية)) (٥٨١)، والحمدُ لله. وهذا أبو حاتم الرّزيُّ -المعروفُ بتشدُّده في الجرح- يقولُ في (قيس) هذا: («محلُّه الصدق، وليس بقوي، يكتب حديثه، ولا يُحتجُّ به، وهو أحبّ إلي من محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى)). قلت: فلم يُضَعِّفه جداً؛ بل أشار إلى الاستشهاد به بقوله: ((يُكتب حديثه))؛ وهذا مما لا يفهمه (الهدَّام)؛ لجهله بمقاصد أقوال الأئمة. وقد أشار إلى ذلك ابنُ القَيِّم -فيما يأتي-؛ فانظر الحديث نفسه رقم (١٢٤). وأمّا ابنُ عدي، فقد حَسَّن حديثه، فقال في آخر ترجمته من ((الكامل)) -بعدما ساق قصّة ابنه -: ((عامّة رواياته مستقيمة، وقد حَدَّث عن شُعبة، وعن ابن عُيينة - وغيرهما-، ويدلّ ذلك على أنَّه صاحبُ حديث، والقولُ فيه ما قاله شعبةُ، وأنَّه لا بأس به)). قلت: فلا غرابةَ -بعد هذا- أن يُحَسِّن التِّرمذي حديثَه هذا، ولا سيّما وقد اقترن معه شَريك بن عبدالله القاضي -وقد استشهد به مسلمٌ-، وأن يُصحِّحه الحاكم، والذهبي، وأن يحتجَّ به العلماء دون خلافٍ معروفٍ بينهم، ٢٠٧ ((النصيحة ... )) كابن القيم هنا، وشيخه ابن تيمية في ((فتاواه)) -كما يأتي-، وابن كثير في ((التفسير)) (٥١٥/١) وغيرهم. هذا أوّلاً. وثانياً: قولُهُ: ((واستنكره أبو حلتم - كما في ((العلل)) لابنه (٣٧٥/١)-، وأعلّه بـ(طَلْق بن غَنَّام)). قلت: فهذا حُجَّةٌ على (الهدَّام)؛ لأنّه لم يُعلّه بـ (قيس) - كما سبق بيانه-، وأنَّه صالحٌ للاستشهاد به عند أبي حاتم - كما هو ظاهر -. وأمّا إعلالُه إياه بـ(طَلْق بن غَنّام)؛ فذلك لأنَّه غيرُ معروفٍ عنده، ولذلك لم يذكر في ترجمته توثيقاً ولا تجريحاً، وحينئدٍ؛ فالعلّة غير قادحةٍ عندنا، لأنَّه قد وثّقه جمع، واحتجّ به البخاري في ((صحيحه))، على أنَّه يمكن أن يكون مراده بالاستنكار مجرّد التفرّد، وليس التضعيف، وهذا استعمالٌ معروفٌ عند بعض المحدّثين -كما في ((مقدّمة ابن الصلاح))-وغيره-، وتمام عبارة ابن أبي حاتم مما يُؤَيِّدُ هذا الحملَ، ولعلّه - لذلك- بترها (الهدَّام) ولم يذكرها بتمامها؛ تضليلاً -على عادته -! فقال ابن أبي حاتم، عن أبيه في (طَلْق): ((وروى حديثاً منكراً عن شَرِيك وقيس))؛ فساقه، وقال: ((قال أَبي: ولم يروِ هذا الحديثَ غَيْرُهُ)). فهذا صريحٌ جدّاً في أنَّه عنى التفرّد، وإلى هذا أشار البخاريُّ - أيضاً- بذكره هذا الحديثَ في ترجمة (طَلْق) من («التاريخ)) (٣٦٠/٢/٢)؛ فعادت عبارةُ أبي حاتم هدماً على رأس (الهدَّام)؛ والحمد لله على الدوام. ثالثاً - وأخيراً -: قولُه: ((وشواهده كلُّها لا تصحُ، وهذا أحسنُها؛ وانظر ٢٠٨ ((النصيحة ... )). (تلخيص الحبير)) (٣/ ٩٧))). فأقول: هذه مغالطةٌ من مغالطاتِهِ الكثيرةِ، أو تعبيرٌ ركيكٌ، فإنَّ من المعلوم -بداهةً- أنَّه لا يُشترط في الشواهد الصحة، وإنَّما السلامةُ من الضعف الشديد، وهذا متحقِّقٌ هنا، فالشواهد المذكورة في ((التلخيص)) أربعة: الأوّل: فيه أيوب بن سُوَيد، قال الحافظ: ((مختلَف فيه)). الثاني: فيه مجهولٌ؛ وقد صحَّحه ابن السكن. الثالث: سنده ضعيفٌ. الرابع: عن الحسن -مرسلا -. قلت: وقد كنتُ خرّجتُ هذه الشواهد - إلا الرابع منها- في ((الصحيحة)) (٤٢٣)، وختمتُها ردّاً على ابن الجوزي -الذي قّده (الهدَّام)- بقولي: ((قلت: وهذا من مُبالغاتِهِ؛ فالحديثُ من الطريق الأولى حَسَنٌ، وهذه الشواهدُ والطرقُ تُرَقِّيه إلى درجة الصِّحَّة؛ لاختلاف مخارجها، ولِخُلُوِّها من متهم)). فكان الواجبُ على (الهدَّامِ) أن يُجِيبَ على هذا الرّد جواباً علميّاً، ولكنَّه -كعادتهِ- تهرَّب إلى الإحالةِ المضلِّلة! عملاً بالمثل العامي: (عنزة ولو طارت)! على أن هناك متابعاتٍ أُخرى، تزيد الحديثَ قوَّةً على قوة، ولذلك کتمھا: مِن ذلك؛ أن أيوب بن سُويد له متابعٌ قويٌّ في ((معجم الطبراني)) (٧٦٠/٢٣٤/١) بسندٍ جيدٍ، وقد وثَّق الهيثمي في ((المجمع)) (١٤٥/٤) رجاله، وأخرجه -أيضاً - الضياء المقدسي في ((المختارة)). ٢٠٩ (النصيحة ... )) . ومُرْسَلُ الحسن البصري علّقه البيهقيُّ، ووصله الطبري في ((تفسيره)) (٩٣/٥) بسند صحيح عنه. وله شاهدٌ -في المعنى-؛ ذكره ابن القيِّم في ((الإغاثة)) (٨٩/٢)؛ وصحّحه (الهدَّام)! وأمّا ما نقل ابنُ الجوزيِّ عن الإمام أحمد أنَّه قال: «هذا حديثٌ باطلٌ، لا أعرفه من وجهٍ يصحُ)»: فما أظنُّه يصحُّ عن الإمام، ولا عزاه لكتابٍ يمكن الرجوع إليه (١)؛ ولئن صحّ: فالجواب ما تقدّم. والشطرُ الأوّلُ من الحديث في نَصِّ القرآن الكريم: ﴿إِنَّ الله يأمرُكُم أن تؤدُّوا الأماناتِ إلى أهلها ﴾. وللشطر الآخر منه شاهدٌ بمعناه، ذكره ابن تيميّة - رحمه الله- في ((الفتاوى)) (٣٧١/٣٠-٣٧٥) في كلام له حول هذا الحديث، وفيه فوائدُ هامّةٌ جداً من الناحية الفقهية؛ التي لا يهتمُّ بها (الهدَّام) مطلقاً! فقال -رحمه الله-عَقِبَهُ -: (وفي ((المسند)) عن بَشِير ابن الْخَصَاصِيَة، أنَّه قال: يا رسول الله! إن لنا جيراناً لا يَدَعُون لنا شَاذَّةً ولا فَاذَّةً إلا أخذوها، فإِذا قَدَرْنا لهم على شيء أنأخذُهُ؟ قال: ((لا! أَدِّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تَخُن من خانك))، وفي (السنن)) عن النبي وَّر، أنه قيل له: إنَّ أهل الصدقة يعتدُون علينا، أفنكتُمُ من أموالنا بقدر ما يعتدُون علينا؟ قال: ((لا))، رواه أبو داود)). (١) وليس هو في مطبوعة ((العلل المتناهية)) (١٠٣/٢- الهندية) لابن الجوزي. ٢١٠ ((النصيحة ... )) قلت: حديثُ بشيرٍ في ((المسند)) (٨٣/٥) -نحوه-، لكنْ ليس فيه: ((أَدِّ الأمانة ... ))، وكذلك هو في ((أطراف المسند)) للحافظ ابن حجر (٦٣٥/١/ ١٢٨٨)؛ فالظاهر أنَّه مُدْرَجٌ من بعض النسّاخِ، أو هو وَهَمٌّ من الشيخ -رحمه الله-، وهو الظاهرُ؛ فقد ذكره المؤلّف - فيما يأتي برقم (١٢٦) - عازياً إيّاه لشيخه في كتاب ((إبطال التحليل)) وهو في (ص٩٤) منه، وقد انطلى هذا الوَهَمُ على (الهدَّام) -كما يأتي ذكره - هناك -. وما عزاه لأبي داودَ: هو في ((سننه)) (١٥٨٦) من حديث بشير - أيضاً-، وبالسند نفسه. وقد ساق الحديثين عبدُ الرّزاق في ((مصنفه)) بالسند ذاته، وفيه شيخٌ من بني سدوس -يقال له: دَيْسَم-، وهو مجهولٌ، ولذلك خرّجت حديثَه في ((ضعيف سنن أبي داود)) (٢٧٧)؛ لكنّه تابعي مستور، فلا بأس به في الشواهد، والله -سبحانه وتعالى- أعلم. ١٠٦- قال ابن القيِّم - رحمه الله -: ((ومضتِ السنةُ بكراهة إفراد رجب بالصوم، وإفراد يوم الجمعة)): قلت: خرّج (الهدَّام) الشطر الأوّل منه بحديث ابن عباس، أن النبي نهى عن صيام رجب، قال: ((وفيه متروك)). صالله ـله وسام وخرَّج الشطر الآخر بحديث مسلم (١١٤٤) عن أبي هُريرة بلفظ: (لا تخصّوا يوم الجمعة بصیام ... )). وهذا تخريبٌ لقصد ابن القيم بما ذكر من السنة، وليس بتخريج له! ولعلّه أُتي من جهله بالفقه-؛ والفرقُ بين الإفراد لرجبٍ بالصوم، والنهي عن صيامه مطلقاً: واضحٌ - وهذا لم يصحَّ، وهو مخرّجٌ عندي في غير موضع، ٢١١ ((النصيحة ... )) أذكرمنها: ((الضعيفة)) (٤٧٢٨)-؛ ومثله لا يخفى وهاؤه على ابن القيم -رحمه الله-، وليس هو مقصودَه، وإنَّما مقصودُه إفرادُه بالصوم - كما يفعل بعض العامّة والعجائز -. وقد روى ابنُّ أبي شيبة (١٠٢/٣)، والطبراني في «الأوسط)) (١٨٢/٢/ ٧٧٨/١- بترقيمي) عن خَرَشَةَ بن الحُرِّ قال: رأيت عُمَرَ يضرب أكُفَّ الناس في رجب، حتى يضعوها في الجِفَانِ، ويقول: كُلُوا؛ فإنَّما هو شَهْرٌ كان يعظّمه أهل الجاهلية! وإسناده صحيح. ونحوه ما أخرجه عبدالرّزاق (٧٨٥٤/٢٩٢/٤) بسند صحيح عن عطاء، قال: كان ابن عباس ينهى عن صيام رجبٍ كُلِّه؛ لئلا يُتَّخَذَ عيداً. ثم روى هو - (٧٨٥٨)-، وابن أبي شيبة، عن زيد بن أَسْلَمَ، قال: ذُكر لرسول اللـه مَ ﴾ قومٌ يصومون رجب؟ فقال: ((وأين هم من شعبان؟!)). وإسناده مرسلٌ صحيحٌ. وروى ابنُ أبي شيبةَ، عن عاصم بن محمد، عن أبيه، قال: كان ابن عُمر إذا رأى الناس وما يُعِدُّوَنُه لرجب؛ كره ذلك. وإسنادهُ صحيحٌ، ومحمد هذا: هو ابن زيد بن عبدالله بن عُمر، وقد سمع من جَدّه عبدالله بن عمر. وروى ابن وضّاح القرطبي في ((البدع والنهي عنها)) (ص٤٤) بسند ضعيف عن الشعبي، أنَّ عمر بن الخطّاب كان يضرب الرّجَبيين؛ الذين يصومون رجبَ کلّه. ٢١٢ ((النصيحة ... )) قلتُ: فهذه الرّوايات هي التي أشار إليها ابن القيم بقوله المذكور، وليس الحديثَ الواهي الذي ليس له علاقةٌ بالموضوع، فأعرض عما يجب تخريجُهُ -وصحّ-، إلى ما لا ينبغي تخريجُهُ -ولا يصحُّ !- ، وهكذا فلْيكُنِ التَّخريجُ والتحقيق !! وقد فضَّل القولَ في صيام شهر رجب: الإمامُ الطَّرطوشيُّ في كتابه القيِّم ءُ ((الحوادث والبدع)) (ص١٣٨ - ١٤٢ / تحقيق الأخ علي الحلبي)، والحافظ ابن حَجَر في آخر رسالته ((تبيين العَجَب فيما ورد في فضل رجب))؛ فلْيرجع إليهما من شاء. وكذلك لم يُخَرِّج (الهدَّام) إفرادَ يوم الجمعة بالصوم، وخرّج حديث النهي عن التخصيص(١)؛ فهذا أخصُّ، وذاك أعمُّ، فكان ينبغي تخريجه لو كان يعلم! وهو من حديث جابر - رضي الله عنه-، يرويه محمد بن عَبّاد بن جعفر، قال: قلت لجابر: أسمعتَ رسولَ الله وَ لينهى أن يُفرد يوم الجمعة بصوم؟ قال: إِيْ وربِّ الكعبة. أخرجه النسائي في الكبرى)) (٢٧٤٧/١٤١/٢) بسندٍ صحيح، وأصله في ((البخاري)) (١٩٨٤)؛ وعلّقه بلفظ النسائي؛ انظر ((الفتح)) (٢٣٣/٤-٢٣٤). (تنبيهٌ): حديث أبي هريرة الذي عزاه (الهدَّام) لمسلم، قد ضعَّفه في (ضعيفة الرياض)) (١٢٣/٥٦١)! ١٠٧ - قال ابنُ القيِّم - رحمه الله -: ((وقال رَّز: ((إذا بُويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما))؛ سدّاً لذريعة الفِتنة والفُرقة»: قلت: فرفض (الهدَّام) (٥٠٨/١) هذا الحُكْمَ، وأَعَلّ حديثَه بعد أن عزاه (١) وهو مخرَّج في ((الصحيحة)) (٩٨٠)، وانظر الاستدراك (١٦) - منه -. ٢١٣ ((النصيحة ... )) المسلم، والبيهقي من طريق وَهْب بن بقيّة الواسِطي، عن خالد بن عبدالله، عن الجُرَيْري، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي سعيد الخدري ... مرفوعاً، فقال (الفَسْلُ): ((خالد بن عبدالله الواسطي؛ لم يُذكر فيمن روى عن الجُرَيري قبل الاختلاط، وهب بن بقية: ثقة، لا يحتمل التفرُّدَ بمثل هذا الأصل))! فأقول لهذا الجاهلِ الظالمِ المتعالمٍ: أوّلاً: كذلك لم يُذكر خالدٌ فيمن روى عن الجُرَيري -واسمه سعيد بن إياس- بعد الاختلاط، فالعدلُ والواجبُ حينئذٍ التوقّف عن الجزم بتضعيف حديثه؛ حتى يتبيَّن ما يُرَجِّح الصّحة أو الضعف. ثانياً: إنَّ الاختلاطَ الذي رُمي به لم يكن فاحشاً - كما قال ابن حبّان-؛ فهو - والحالةُ هذه- حُجَّةٌ كسائر الثقات الذين فيهم ضعفٌ يسيرٌ، ما لم يظهر خَطَؤُهُ. ولذلك قال الذهبي في ((الميزان)): ((أحد العُلَماء الأثبات، تغيّر قليلا، ولذلك ضعَّفه يحيى القطان، ووثّقه جماعة)). وقال في ((المغني)): ((ثقةٌ مشهور، تغيَّر قليلاً، ضعَّفه القطان)). وَمَعَ ذلك؛ لم يمتنع الشيخان من الاحتجاج بحديثه في ((الصحيحين))، وتبعهم على ذلك أصحاب ((الصِّحاح))، كابن حِبّان -نفسه-، فاحتجّ به في ((صحیحه)). ومن جُملة ما أخرجا له: رواية خالد بن عبدالله -هذا- وهو الواسِطي- عنه - كما في ((تهذيب المِزْي)) -. على أنَّ الذهبي قد وجّه إخراجَهما عنه بتوجيهٍ آخرَ، فقال في ((السير)) ٢١٤ ((النصيحة ... )) (١٥٥/٦-١٥٦) - بعد أن نقل عن الإمام أحمد استغرابه لحديثه هذا -: ((وقد رَوَيَا له في ((الصحيحين))، وتحايَدَا ما حَدَّث به في حالةِ تغيُّر حفظهِ)). يشير إلى أنَّ حديثه هذا لا يُعَلُّ بالتغيرُّ؛ لأنَّه مما انتقاه مسلم في ((صحیحہ)). ثالثاً: لا نُسَلِّم بأنَّ خالداً هذا سمع منه بعد الاختلاط، أو التغيّر، فقد ذكروا جماعةً رووا عنه قبل التغيُّر تأخَّرت وفاتُهم عن وفاة خالد بسنين كثيرة، مثل عبدالأعلى بن عبدالأعلى؛ توفي سنة (١٩٨)، وتوفي خالد سنة (١٧٩ أو ١٨٢)، وهو -وإن كان واسطيّاً -: فقد سمع من جماعةٍ من الشيوخ البصريين هم أقدمُ وفاةً من الجُرَيري (ت١٤٤)، مثل حُمَيد الطويل، وسليمان التَّيْميِّ؛ تُؤُفِيا سنة (١٤٣)، وخالد بن مِهْران الحَذّاء (ت١٤١) ويونُس بن عُبَيد (ت١٣٩). ولعلّ في هذا التحقيق ما يُزيل تردُّدَ الحافظ في ((مقدمة الفتح)) (ص ٤٠٥): ((لم يتحرّر لي أمرُه إلى الآن؛ هل سمع منه قبل الاختلاط أو بعده؟! )). وبذلك يسقط تعجّب المعلِّق على ((تهذيب الكمال)) (٣٤٢/١٠) من إخراج الشيخين لسعيد هذا، جازماً بأنَّه ممن سمع من (الجريري) بعد الاختلاط! وهذا باطلٌ؛ لأنَّه لم يقل به أحدٌ من الحفاظ، وهو وَهَمٌ محضّ، وحَسْبُك - دليلاً- تردُّدُ الحافظ المذكور، بِغَضِّ النظر عن التحقيق المزبور. هذا هو الجوابُ عن إعلال (الهدَّام) للحديثِ بالاختلاط، وقد تبيَّن أنَّه سالِمٌ منه، والحمدُ لله. ٢١٥ ((النصيحة ... )) وأمّا قولُهُ: ((وهب بن بقيّة: ثقةٌ، لا يحتمل التفرّد ... ))؛ فمن شقاشقِه التي يتشبَّثُ بها في سبيل ردِّ رواية حديث الثقةِ المتفق على صحّة حديثه! ثم؛ ما هو السببُ -عند هذا الظالم - في ربط هذه الدعوى الباطلةِ به، دون مَن فوقَه مِن الثقات؟ وما الفرقُ -عنده- في ردّ أي حديث من أحاديث الثقات بمثل هذه الدعوى الكاذبة؟! أليس هذا من الأدِلَّة الكثيرة على أنَّ هذا الرجل هو -كما قيل :- (يَهْرِف بما لا يَعْرِف)؟! ثم ماذا يقول الظالمُ -يا تُرى ! - في ثقةٍ آخر قد تابع الأوّل؟ وهو عمرو ابن عَوْن الواسطي: ثنا خالد بن عبدالله ... به، أخرجه أبو عَوَانة في ((صحيحه)) (٤ /٤٦٠). وماذا يقولُ - أيضاً - في بقيّة الطرقِ والشواهدِ التي يطولُ الكلام بذكرها، وقد ذكرتُ الكثيرَ الطيِّبَ منها في ((الصحيحة)) (٣٠٨٩)، ومنها حديث عَرْفَجة - رضي الله عنه-، قال: سمعتُ رسول الله ◌َّل يقول: ((من أتاكم وأمرُكُم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، يريد أن يشقَّ عصاكم، أو يفرّق جماعتكم: فاقتلوه)). أخرجه مسلم، وأبو عَوَانة، وابن حِبّان في ((صِحاحهم))، وهو مخرّج في ((الإرواء)) (١٠٥/٨). ومثلُه قولُهُ وَلّل -في حديث ابن عَمْرِوٍ- الطويل -: ( ... وَمَن بايع إماماً، فأعطاه صفقةَ يدِه، وثمرةَ قلبِه؛ فَلْيُطِعْه ما استطاع؛ فإنْ جاء آخرُ يُنازعه؛ فاضربوا عُنُق الآخر)). ونحوُهُ حديثُ أسامةَ بنِ شَرِيك، رواه أبو عَوَانةَ - وغيره-، وهو مخرّج في ٢١٦ ((النصيحة ... )) ((ظلال الجنّة)) (٥٢٥/٢-٥٢٦). وإذا عرفتَ هذا؛ تبيّن بطلانُ وسقوطُ تمام كلامه في تخريج الحديث: ((قلت: وشواهده كلها لا تصحُّ ... )) إلخ، ولا سيّما وهو كلامٌ مُضَلَّلٌ مُعَمَّى، فما هي الشواهدُ التي يعنيها؟! إنَّه - كعادتهِ - يُعَمِّ ولا يُبَيِّن، وهو شأن المُضَلِّل - المُضَلَّل - دَوْماً -!! و ١٠٨- حديث ((أطعموها الأسارى)): قال (الهدَّام) (٥١٤/١): (أخرجه أبو داود (٣٣٣٢) بإسناد حسن)). كذا قال! ولم يُبَيّن لماذا هو حسن فقط، وليس بصحيح؟! كما هي عادتُهُ في كل ما حَسَّنَه -فيما تقدم-، ولو أنَّه فعل لانكشفَ أنَّه لا ضوابطَ عنده ولا قواعد؛ إلا أن تكون من وضعِه هو - بهواهُ-؛ مخالفاً لعلماء المسلمين تأصيلاً وتفريعاً؛ يدلُّ على ذلك كثرةُ مخالفاتِه لهم - فيما تقدم ويأتي-؛ ومِن ذلك هذا الحديثُ؛ فقد صحّحه الإمام النووي، والحافظ العسقلاني، وهو قطعةٌ من حديثٍ عند أبي داود وغيره، وهو مخرّج في ((أحكام الجنائز)) (ص١٨٢). ١٠٩- ((وقال الزَّهْري، عن حُميد بن عبدالرحمن بن عوف، عن أمّه أم كلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعَيط -وكانت من المهاجرات الأول -: لم أسمع رسولَ اللهِ وَ ل يرخِّص في شيء مما يقول الناس: إنَّه كَذِبٌ؛ إلا في ثلاث: 3 الرجل يُصلح بين الناس، والرجل يكذب لامرأته، والكذب في الحرب)): قال (الهدَّام) (٥٢٤/١): ((أخرجه مسلم (٢٦٠٥)؛ والصواب أنَّه من كلام الزهري، كما في رواية يونُّس، عن الزهري؛ ويونُس من أوثق الناس في الزهري ... )) إلخ. ٢١٧ ((النصيحة ... )) وأقولُ: بل الصوابُ أنَّه مرفوعٌ من كلام رسول الله وَ ◌ّ؛ رواه أربعةٌ من الثقات عن الزهري بسنده الصحيح -الذي ساقه ابن القيم - رحمه الله- محتجاً به -. ويُونُس الذي اتَّكَأَ عليه (المضعِّف) في وَقْفِه على الزهري؛ قد رواه بعضُهم عنه عن الزهري ... مرفوعاً. وبیانُ ذلك من وجوه: الأوّل: أنَّ (الأوثقّيةَ) التي ذكرها؛ مما اختلف الحُفّاظ فيها، فهو -كعادتِه- يأخذ من أقوالهم ما يشاءُ؛ ممّا يوافق هواه: فقد قال الحافظُ ابنُ رَجَب في ((شرح علل الترمذي)» - وهو من مراجع المضعّف !- بعد أن حكى بعضَ الأقوالِ في (الأوثقيّة) -المذكورة (ص٣٤٢) -: ((وكان الإمام أحمد سيِّئ الرأي في يونُّس بن يزيد ... )). وفي ((التهذيب)): ((وقال الميموني: سُئل أحمد: مَنْ أثبتُ في الزَّهري؟ قال: مَعْمَر، قيل: فيونُس؟ قال: روى أحاديث منكرة)). وقال في روايةٍ أخرى: ((هو كثيرُ الخطإ عن الزهري))! الثاني: سَلّمنا (بالأوثقيَّة) المدَّعاة، ولكنْ ليس على إطلاقها، وإنَّما في كتابهِ، فقد قيَّدَه بذلك بعضُ الحفاظ كابن المبارك - وغيره-؛ فقالوا: ((كتابه صحیح)). ولما ذكره عليُّ بن المَدِيني في ((أثبت الناس))؛ قَدّم عليه جماعةً، وقال بعدهم: ((ویونُس من كتابه)). وروى ابنُ أبي حاتم بِسندٍ صحيح عن وكيع، قال: ((لقيت يونُس بن يزيدَ الأيْلي، وذاكرتُه بأحاديث الزهري المعروفةِ، وجهدتُ أن يُقيم لي حديثاً، فما أقامه)). ٢١٨ ((النصيحة ... )) وهذا الحديثُ لم يذكر أَحَدٌ - فيما علمتُ- بأنَّه حدَّث به من كتابهِ، فسقط التصويبُ القائمُ عليها. الثالث: سَلَّمنا (بالأوثقيّة) المزعومة على إطلاقها، ولكنّ ذلك لا يعني أكثرَ من ترجيح روايته على رواية مَنْ هو دونه في (الأوثقيّة)؛ كأن يخالفَه ابنُ جُريج -مثلاً-، والأمرُ ليس كذلك هنا! فقد خالفه أيضاً عبدُ الوهّاب بن أبي بكر، وصالح بن كَيْسان، ورواياتهم مخرَّجة بالأسانيد الصحيحة عنهم في ((الصحيحة)) برقم (٥٤٥). ثم وجدتُ لهم متابعاً رابعاً؛ هو أوثقُ منهم ومن يونُس جميعاً، ألا وهو (الزَّبَيدي: محمد بن الوليد): أخرج حديثَه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٩١٢٣/٣٥١/٥): أخبرنا كَثِير بن عُبيد الحِمْصي، قال: ثنا محمد بن حرب، عنه، عن الزُّهري ... به. وقال الحافظ في (الزَّبيدي): ((ثقة ثبت، من كبار أصحاب الزهري)). وفضّله الجُوزَجاني على يونُس؛ كما في ((شرح العلل)) (٣٤٠). وَلِعِلْم (الهدَّامِ) بهذا - والله أعلم ! - كابرَ - كعادته-، وأجاب عنه بجواب تَضحك منه الثَّكلى؛ فقال (ص ٤٠٦ - ((رياضه))): ((لم يتعيَّن القائلُ في رواية الزُبيدي عند النسائي))! وليتَ شِعري؛ هل يقولُ مثلَ هذا الكلام عاقلٌ يدري ما يخرج من رَأْسِهِ؛ في حديثٍ كهذا، صحَّ إسناده -كما تقدّم- إلى الزبيدي، وليس بينه وبين النسائي غيرُ ثقتين، كثير بن عُبيد، ومحمد بن حرب؟! نعم؛ قد يقولُ -هذا- المجادلُ بالباطل فيغمزُ من أحدهما، ويزعم أنّه أخطأ على الزبيدي، ولكنّه لم يتعَيَّن! ٢١٩ (النصيحة ... )) فإن كان يريدُ هذا !! فهو من أباطيلِهِ الكثيرة التي لا تحصى، والتي لا يعجزُ عنها أجهلُ الناس، وأشدُّ الناس عِداءً للسنة، ولأنَّها مبنيّة ﴿على شفا جُرُفٍ هارِ﴾، ألا وهي تخطئةُ الثقات بغير حُجّةٍ أو قاعدةٍ علميةٍ. ويا تُرى! ما الفرقُ بينه وبين ما لو عارضه معارضٌ مثله، فقال: أخطأ يونس في إيقافه لهذا الحديث على الزهري، كما أخطأتَ أنت في تصويبك الوقفه، أو خَطّأك في كل تصحيحاتك وتحسيناتك، التي تُطلقها - دون بيانٍ-؛ مخالفاً أسلوب العلماء في تخريجاتهم وتضعيفاتهم؟! يَرِدُ ذلك عليه دون أيِّ بحثٍ أو تحقيق، أليس هذا هو الهَدْمَ للسنّة -الذي يقومُ به هذا (الهدَّام)-؟! وإنَّ من دعاويه الباطلةِ والكاذبةِ في تعليقه المشار إليه في (الرياض))؛ قولَه في الثقات الثلاثة الذين سبق ذكرُهُم - ابن جُريج، وعبدالوهّاب، وصالح-، قال: ءِ (ليسوا بالأثبات في حديث الزّهري -كما في ((شرح علل الترمذي))-)). فأقولُ: هذا الكلام - على قلَّته- فيه كذبٌ وتدليسٌ: أمّا الكذبُ؛ فقد ذكر الحافظُ ابنُ رَجَب في الشرح المذكور بحثاً علميّاً رائعاً، تحت عنوان: (أصحاب الزهري)؛ وطبقاتهم، ومراتبهم في الرّواية عنهم، تُساعد الباحثَ العالم على ترجيح رواية على أُخرى عند التعارض -(ص٣٣٨ - ٣٤٤)-؛ جاوز عددُهم العشرةَ، ليس فيهم عبدالوهاب! وأمّا التدليسُ؛ فهو أنَّه أوهم قُرّاءه أنَّ الحافظ ابن رجب نفى أن يكونَ صالحٌ من الأثبات، والواقع أنَّه لم يفعل ذلك، وإنَّما ذكر عن ابن مَعِين أنَّه قال: ((مَعْمَرٌ أحبُّ إليَّ من صالح بن كَيْسان))؛ وهذا لا يعني -بأيِّ وجهٍ من الوجوه - ما نسبه إلى ابن رجب في ((شرحه))! ألا تَرَى أنَّه ذكر (ص٣٣٩) عن يحيى بن سعيد أنَّه قال: ((ابن عُيَينة أحبُّ إلي في الزهري من مَعْمَر)). ٢٢٠ ((النصيحة ... )) فهل يقولُ (الهدَّام) في (مَعْمَر) ما قاله في (صالح)؟! وهل الذي قاله - أو نَسَبه- إلى الحافظ ابن رجب؛ هو من جهلهِ، أو سوء فهمه، حتى وقع في مثل هذا التناقض؟! أحلاهما مرّ! والوجه الرابع: ما رواه البخاريُّ في ((الأدب المفرد)) (رقم ٣٨٥): حدّثنا عبدالله بن صالح، قال: حدّثني الليث، قال: حدّثني يونس، عن ابن شِهَاب ... به، مثل حديث الأربعة. وهذا إسنادٌ رجاله ثقاتٌ رجال الشيخين؛ غير (عبدالله بن صالح) -وهو كاتب الليث-، والخلافُ فيه معروفٌ، وقد أورده الحافظ في ((مقدمة الفتح)) (ص٤١٤)، وذكر فيه طائفةً من أقوال الأئمة، ما بين موثّق ومضعِّف، ثم عقّب على ذلك بقوله: ((قلتُ: ظاهرُ كلام هؤلاء الأئمة؛ أنَّ حديثَه في الأوّل كان مستقيماً، ثم طَرََّ عليه فيه تخليطٌ، فمقتضى ذلك: أنّ ما يجيءُ من روايته عن أهل الحِذْق -كيحيى بن معين، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم-؛ فهو من صحيح حديثِهِ، وما يجيءُ من رواية الشيوخ عنه؛ فَيُتَوَقَّفُ فيه)). قلتُ: وعلى هذا التفصيلِ يكونُ حديثُ عبدالله بن صالح -هنا- عن الليث من صحيح حديثه؛ لرواية البخاري، وإن مما يؤكّد ذلك أنَّه قد تابعه أبو بكرٍ وهو ثقةٌ محتجّ به في ((الصحيحين)) -: فقال أبو جعفر الطحاوي في ((مشكل الآثار)) (٨٨/٤): حدثنا يونس، قال: أخبرنا يحيى بن عبدالله بن بُكَير. وحدثنا محمد بن خُزَيمة، وفَهْدٌ، قالا: ثنا عبدالله بن صالح -قال كلّ منهما -: حدّثني الليث ... به. وأخرجه البيهقي في ((شعب الإيمان)) (٤٩٠/٧-٤٩١) من طريق أخرى عن ابنِ بُگیر ... به.