النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١
((النصيحة ... ) -
المذهب الذي لا يستقيم الحديث إلا عليه-؟ أم هي الفوضى واللامنهجيّة
الجليّة في تخريجاته؟!
هذا هو الذي نَدين الله به؛ وأعوذ بالله أن أظلِمَ أو أُظلَم! بل لا بُدَّ من
المصارحة وبيان الحق، لعلّه يعود إلى رشده، ويتوب إلى رَبِّه، ويتَّبع ﴿سبيل
المؤمنين﴾، ولا يُجهّلهم ويتعالى عليهم.
وقد ذكرتُ شيئاً من سوء أدَبه معهم تحت حديث العرباض - المشار
إليه آنفاً -.
وإنَّ من تدليسه على القراء، ومكرِه لستر تناقُضِه - غير وصفه لـ (يُسيع)
بجهالةِ الحال !-: أنَّه لم يَسُقْ إسنادَه عن يُسيع، عن النعمان، بل قال:
( ... من حديث النعمان بن بشير، وفيه يُسَيع الحضرمي ... ))؛ فعمّى -كعادته-
على القراء طَبَقَةَ (يسيع)، وأنَّه الراوي عن النعمان؛ لكي يسدّ الطريق على من
قد يتنبّه لخطاه الناتج من (لامنهجيَّته)! فهو تابعيٌّ لا تنطبق عليه قاعدة
المجاهيل، لقول الإمام ابن المديني: ((معروف))، ولذا وثّقه الذهبي والعسقلاني،
فاستعلى الجاني وبغى، وخالفهم جميعاً!
٧٣- ((وفي ((فتاوى أبي محمد بن عبدالسلام)): أنَّه لا يجوزُ سؤال الله
- سبحانه- بشيء من مخلوقاته ... وتوقَّف في نبينا وَِّ؛ لاعتقاده أنَّ ذلك جاء
في حديث، وأنَّه لم يعرف صِحَّة الحديث)):
قال (الهدَّام) (٣١١/١): ((يشير إلى حديث عثمان بن حُنَيف في قصة
استشفاع الأعمى؛ أخرجه أحمد (١٣٨/٤)، والترمذي، وابن ماجه -وغيرهم-)».
هكذا قال! فلم يتكلّم على إسناده تصحيحاً أو تضعيفاً، والظاهر أنَّه
يذهب إلى تضعيفه، وإلا لما سكت غَيْرَةً على حديث رسول الله وَّله وَلِأَتْبَعَهُ
١٦٢
((النصيحة ... ))
بتصحيح التِّرمذي إيّاه، ويُحتمل أنَّه إنَّما سكت تَقِيَّةً للفريقين المختلفين في
دلالته على التوسل المبتدع، وقد صحّحه -أيضاً- الحاكم، والذهبي، وغيرهما
-كشيخ الإسلام ابن تيميَّة في كتابه ((التوسل والوسيلة))-، وقد بيّنت صِحَّة
إسناده، ورددتُ على من أعَلّه بجهالة أحد رواته في كتابي المعروف ((التوسل؛
أنواعه وأحكامه)) (ص٧٠)، وفصَّلت فيه القولَ في الرَّد على من استدلّ به
على جواز التوسل بالأنبياء والأولياء والصالحين، وحقَّقت أنَّ الأعمى إنّما
توسَّل بدُعائِهِ وَّ؛ فلْيراجَع، فإنّه مهم.
(تنبيه): وقع قول (الهدَّام) المذكور في حاشية (ص٣٠٩)، وهو خطأٌ
مطبعيّ من الأخطاء الكثيرة التي وقعت في طبعته للكتاب، وبخاصَّةٍ في
تعليقاته، وقد تقدَّم مني بيانُ سببٍ هذا في آخر كلامي على الحديث (٦٣)؛
فراجِعْه -إن شئت -.
٧٤- ((ورُوي أنَّ النبي ◌َّ قال: ((مَن استمع إلى قَيْنَة صُبَّ في أذنيه
الآنُك يوم القيامة)):
قلت: أشار المؤلف - رحمه الله- إلى ضعفه، وهو كما قال؛ بل أشدُّ.
وقال (الهدَّام) (٣٣٩/١):
((ظاهر الضعف، نسبه السيوطي في ((الجامع الكبير)) إلى ابنِ صَصْرَى في
((أماليه))، وابن عساكر عن أنس، ((الكنز)) (٢٢٠/١٥-٢٢١))).
قلت: في هذا التخريج أمور:
أولاً: لقد أبعد النُّجْعَةَ في العزو المذكور، لا سيما وهو فيه بلفظ: (من
قعد ... )؛ ولكن هذا هو الذي ساعدته عليه بعضُ الفهارس! بينما الحديث في
((الجامع الصغير)) وهو أشهر وأقرب تناولا من ((الجامع الكبير)) -وبواسطة
١٦٣
((النصيحة ... ))
((الكنز)) ! -، وهو - إلى ذلك-فيه- بلفظ الكتاب !!
ثانياً: قوله: ((ظاهر الضعف))؛ لم يبين السبب - كما هي عادته في كتمان
ما ينبغي إظهاره !- ، وأنا أظن أنَّ السبب إنّما هو اعتمادُهُ على عقلِهِ، وأنَّه لا
يرى مانعاً من الاستماع إلى المغنيّات وآلات الطرب !! لأنَّه يضعِّف كل
الأحاديث الواردة في تحريمها، ومنها حديث البخاري في تحريم المعازف
- الآتي مع الرَّد عليه برقم (٧٩) -.
ثالثاً: كنت أوردتُ الحديثَ في ((الضعيفة)) برقم (٤٥٤٩)، ونقلت فيه
من بعض المصادر المخطوطة العزيزة أنَّ الإمامَ أحمدَ سُئل عن هذا الحديث؟
فقال:
((هذا باطلٌ)).
وكفى بإمام السُّنَّة حُجَّةً.
٧٥- ((وعن إبراهيم، قال: قال عبدالله بن مسعود: الغناء ينبت النفاق
في القلب، وهو صحيحٌ عن ابن مسعود من قوله؛ ورُوي عنه مرفوعاً)):
قلت: وهذا هو الصواب.
وأما (((الهدَّام) فعاكسه - كعادته- (٣٥١/١)؛ فقال:
((بل لا يصحُّ موقوفاً ولا مرفوعاً، فإن كلا الطريقين المذكورتين فيها
انقطاع، فمحمد بن عبدالرحمن بن يزيد، وإبراهيم النخعي لم يسمعا من ابن
مسعود)).
قلت: لقد تجاهل -كعادته- قول إبراهيم النخَعي عن نفسه؛ أنَّه إذا
قال: قال عبدالله، فهو غير واحد من أصحاب عبدالله، فهو متصل صحيح
-كما قال ابن القيم-؛ فإنَّ أصحاب عبدالله ثقات فقهاء، وكذلك قال
١٦٤
(النصيحة ... ))
البيهقي، وصحّح ما رواه هكذا عن ابن مسعود، كما بيّنته في الفصل الثامن
من ((الزَّد على ابن حزم ومقلديه في إباحة المعازف))؛ وهو مطبوعٌ -بحمد الله
تعالى -.
٧٦- ((قال رسول الله وَّله: ((من أتى كاهِناً فَصَدَّقه بما يقول فقد كفر
بما أُنْزِلَ على محمد)):
قلت: جزم به ابن القيِّم - إشارة إلى صِحَّتِهِ-، وهو الحقُّ الذي لا ريب
فيه، فقد روى عوف بن أبي جميلة، عن خِلاس، ومحمد، عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله وَ ل﴾ ... فذكره بلفظ: ((من أتى عَزَّافاً أو كاهناً ... ))، والباقي
مثله سواء، أخرجه أبو بكر بن خَلاد في ((الفوائد)) (١/٢٢١/١)، والحاكم
(٨/١)، والبيهقي (١٣٥/٨) من طريقين عنه.
وقال الحاكم: ((حديث صحيح على شرطهما جميعاً من حديث ابن
سيرين))، ووافقه الذهبي؛ وأقرَّه الحافظ ابن حجر -كما يأتي-، وصحّحه
الحافظ ابن كثير في ((التفسير)) (١٤٤/١).
وأما (الهدَّام)؛ فقد تعامى عن هذا الإسناد الصحيح، وعن تخريج
الحديث بلفظ الكتاب، وسَوَّد صفحتين في تخريج لفظٍ آخَرَ لم يَرِدْ له ذکرٌ
فيه! موهماً القراء - بتدليسه ومكره- أنَّه يخرِّج لفظَ الكتاب، وإنَّما هو لفظٌ
آخرُ عن أبي هريرة -بزيادة على متن حديث الكتاب -.
ومن تمام تدليسه أنَّه لم يسق لفظه في أوّل تخريجه؛ ليصرف أنظار
القراء أنَّه إنَّما يعني به لفظ الكتاب، مصرحاً بأنَّه ضعيف! وإنما ساقه بعد
النصف الأوّل من تخريجه، بلفظ: ((من أتى حائضاً أو امرأةً في دبرها، أو
كاهناً، فقد كفر ... ))؛ خرَّجه من طريق أبي تميمة، والحارث بن مُخَلَّد، وخِلاس
- ثلاثتهم-، عن أبي هريرة، وعن الحسن البصري مرسلاً، مقروناً مع حديث
١٦٥
((النصيحة ... ))
خِلاس، من رواية أحمد (٤٢٩/٢).
ولِم تَدَعْهُ نفسُهُ الأمّارة بالسوء دون أن يُدَلِّس في حديثهما، فإِنَّه لم يسق
منه إلا كلمتين، فقال: (( ... خِلاس، عن أبي هريرة، والحسن، عن النبي ◌َّه
قال: ((من أتى ... )) فذكره))، يعني اللفظ الذي ذكرتُهُ قبل أسطر! وإذا رجعتَ
إلى الموضع الذي أشار إليه من ((المسند)) وَجَدْتَهُ مختصراً مثل لفظ خِلاس
المقرون مع محمد بن سيرين -الذي قدَّمتُه في صَدر هذا التحقيق-؛ فأعوذ
بالله من شَرِّ التدليس والمُدَلِّسين، والكذب والكذّابين!
وقد وَقَعَتْ له عجائبُ أُخرى؛ من الآراء الفَجَّة والتعليلات الشخصية
الباردة في تخريجه للطرق المذكورة، لا أرى من المهم بيانها، لأنَّ البحث
سيطول بذلك جداً، وبخاصّة أنني قدّمت الإسناد الصحيح لحديث الكتاب
- الذي هو موضوعُ البحث-الذي تَعَمَّد (الهدَّام) كتمه والإعراض عنه- عامله
الله بما يستحقُّ !-.
وَحَسْبُ القراءَ أن يعلموا أنَّ الحديث من لفظ آخر - من طريق
(الهُجَيمي)- قد صحّحه جمعٌ من الحفّاظ؛ كالضياء المقدسي، والحافظ
العراقي، والذهبي، وما أعلّه به (الهدَّام) ليس بِعِلَّةٍ قادحة، ويشهد له طريق
الحارث بن مُخَلَّدٍ.
ومن رام التفصيل فليرجع إلى ((الإرواء)) (٦٨/٧ -٧٠)؛ الذي منه استقى
(الهدَّام) عامّة طرقه وتخريجها، لقمةً سائغةً يأخذ منه ما يراه، ويَدَعُ ما
يخالف هواه، كحديث ابن سيرين الذي يقضي على هواه ويجعله كالهباء،
وكشاهده - حديث جابر المشار إليه هنا، والآتي تقويةُ إسناده من الحافظ
قريباً - إن شاء الله -تعالى -.
ولِتتبيَّنَ -أيها القارئ الكريم - صِحَّةَ ما ذكرته آنفاً من استقائِهِ تخريجه
١٦٦
((النصيحة ... ))
من ((الإرواء))؛ قابله بقوله في آخر تخريجه:
((والشواهد المذكورة لهذا الحديث لا تَصِحّ، انظر ((مجمع الزوائد)) (٥/
١١٧ - ١١٨)))!
فلو أنَّ الرجل كان على معرفةٍ بفنّ التخريج، وعلى علم بطرق التصحيح
والتضعيف، وغيوراً على سُنَّة رسول الله وَ لَ أن تُضَعَّفَ بمجَرَّد الدَّعوى، لبادر
إلى تخريج الشواهد التي أشار إليها تخريجاً علميّاً دقيقاً، ولم يقنع بإحالة
القراء إلى ((مجمع الزوائد))، بل وموهماً إياهم أنَّ صاحب ((المجمع)) ضَعَّفها،
وهوكذبٌ وزورٌ بل هو -كما يقول البعض :- له قرونٌ! فإنَّ بعضها حجّة عليه؛
لأنَه وثَّق رجالها، وهذا - وإن كان لا يعني أنَّه صحَّح إسنادها-كما بيّنت ذلك
مراراً-، فهو -أيضاً- لا يعني ما أشار إليه من التضعيف، على أنَّه لما رجعت
إلى أسانيد بعضها تبين لي صحتها، ممّا أكَّد لي تدليسه وكذبه.
والكلام عليها وتخريجها مما لا يَتَّسع له المجال الآن، ولا سيما وقد
خَرَّجت أحدها تحت الحديث (٢٦٥٠) من ((الصحيحة)) المجلد السادس،
وأشرت فيه إلى جناية (الهدَّام) عليه؛ فحسبي هنا - إذن- أن أسترعي النظرَ
إلى أنَّ الحافظ المنذري في ((الترغيب)) (٥٢/٤-٥٣) قد جَوَّد أسانيد ثلاثة
منها، هي: عن عِمْران بن حُصَين، وجابر بن عبدالله، وابن مسعود، ونحا نحوه
الحافظ العسقلاني.
ومن المفيد أن أسوق كلامه ليتأكد القراء -بل ليزدادوا تأكُّداً- أنَّ
(الهدَّام) ليس على شيء من العلم والتقوى! بل هو يهرف بما لا يعرف!
قال الحافظ في ((الفتح)) (٢١٧/١٠) - بعد أن ذكر تصحيحَ الحاكمِ
لحديث ابن سيرين وأقرّه-، وسَيُؤكِّد ذلك في آخر كلامه -:
(وله شاهد من حديث جابر، وعمران بن حُصين، أخرجهما البزار بسندين
١٦٧
((النصيحة ... ))
جيدين، ولفظهما: ((من أتى كاهناً ... )) وأخرجه مسلم من حديث امرأةٍ من
أزواج النبي ◌َّ -ومن الرواة من سمّاها حفصة- بلفظ: ((من أتى عَرّافاً ... ))،
وأخرجه أبو يعلى من حديث ابن مسعود بسندٍ جيدٍ، لكن لم يُصَرِّح برفعه،
ومثله لا يقال بالرّأي(١)، ولفظه: ((من أتى عَرَّفاً أو ساحِراً أو كاهناً ... )).
واتفقت ألفاظُهم على الوعيد بلفظ حديث أبي هريرة، إلا حديث مسلم،
فقال فيه: ((لم يقبل لهما صلاة أربعين يوماً))، ووقع عند الطبراني من حديث
أنس -بسند ليِّن مرفوعاً- بلفظ: ((من أتى كاهناً فَصدَّقه بما يقول، فقد برئ
مما أنزل على محمد، ومن أتاه غير مصدِّقٍ له، لم تُقبل صلاته أربعين يوماً)).
والأحاديثُ الأوَّلُ -مع صحّتها وكثرتها- أولى من هذا، والوعيدُ جاء تارة
بعدم قبول الصلاة، وتارة بالتكفير، فَيُحمل على حالين من الآتي، وقد أشار
إلى ذلك القرطبيُّ.
و(العرّاف): بفتح المهملة وتشديد الرّاء: من يستخرج الوقوف على
المغيَّيات بضرب من فعل أو قول.
قلت: وحديث مسلم مخرَّج في ((غاية المرام)) (١٧٣/١٧٢)، وتحت
الحديث (٦٥٢٣) من المجلّد الرابع عشر من ((الضعيفة))، وحديث أنس
مخرَّج فیه برقم (٦٥٥٥).
فهل بعد هذا كلّه؛ يشكُّ أحدٌ في أنَّ الرجل جاحدٌ للحقائق، يردُّ
الأحاديث الصحيحة بجهلهِ وتطاوله؛ مدلِّسْ معانِدٌ مكابرٌ، غَرَضُهُ - باسم
التخريج والتحقيق - هدمُ السنّة وما بُني عليها من الأحكام الشرعية؟! فالله
و و
حسیبُهُ.
(١) قلت: ويؤيِّده أنَّ بعض الرّواة رفعه؛ رواه أبو نعيم في ((الحلية)) (١٠٤/٥).
ورواه - أيضاً - (٢٤٦/٨) من حديث ابن عمر.
١٦٨
(النصيحة ... ))
٧٧- ((روى التّرمذي من حديث ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن جابر
-رضي الله عنه-؛ قال: خرج رسولُ الله ◌َّل مع عبدالرحمن بن عوف إلى
النَّخْل، فإِذا ابنهُ إبراهيمُ يجود بنفسه ... )) الحديث، وفيه بكاؤه ◌َّر على ابنه،
وقوله: ((هو رحمةٌ ... وإنّا بك لمحزونون، تبكي العين، ويحزن القلب))، وقوله
وَالر لعبد الرحمن:
((إنَّما نَهَيْتُ عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نِعمة؛ لهو ولعب
ومزامير شيطان، وصوت عند مصيبة ... )) الحديث؛ قال التِّرمذي: حديث حسن)).
قال (الهدَّام) (٣٦٢/١): ((أخرجه بطوله الحاكم (٤٠/٤)، والطحاوي
(٢٩٣/٤) من ((المعاني))، وأخرجه الترمذي (١٠٠٥) دون آخره: ((وهذا هو
رحمة ... ))؛ وفيه محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى؛ وهو ضعيف)).
قلت: فيه - أوّلاً -: أنَّ هذا التخريج والتضعيف من الأدِلّة الكثيرة الدّالة
على هدمه -المشار إليه آنفاً-؛ فإنَّ قصة وفاة إبراهيم - عليه السلام- وبكائه
وَلّ عليه، وما قاله فيه؛ ثابتٌ في ((الصحيحين)) من حديث أنس بنحوه، وهو
مخرَّج في ((أحكام الجنائز)) (ص٣٢)؛ فلِمَ كتمه؟! أم أنه جاهلٌ به؟! أحلاهما
مُرّ!
ثانياً: لقوله وَل﴾: ((إنَّما نَهَيْتُ عن صوتين ... )) إلخ؛ شاهدٌ قويٌّ من
حديث أنس -أيضاً-؛ يأتي الكلام عليه بعد هذا.
من أجل هذا -والذي قبله- قال الترمذي: ((حديث حسن))؛ أي: لغيره؛
كما هو معروفٌ من اصطلاحه الذي بيَّنه في آخر ((سننه))؛ ففيه إشارة منه
- أعني التّرمذي- إلى أنّ في السند ضعفاً، فكَشْفُ (الهدَّام) عن سبب
الضعف -فقط-، دون بيان سبب التحسين: هو من خياناتِهِ العلميّة التي لا
تنتهي! والسبب واضحٌ جداً: الهدم، ثم الهدم!
١٦٩
((النصيحة ... ))
ثالثاً: الحديث عند التّرمذي من رواية جابر، وعند اللذَيْنِ عزاه (الهدَّام)
إليهما، هو من روايتهما عنه، عن عبدالرحمن بن عوف، فكان عليه أن يُبَيِّن
ذلك؛ ولكن ما له ولمثل هذا التحقيق، وهو إنما همّهُ التخريبُ والتضعيفُ؟!
ومن العجيب؛ أنَّ همَّه قد يُعْميهِ عَمّا قد يساعده عليه، فإنَّ هذا
الاختلافَ في إسناد الحديث، إنَّما هو من الأدِلّة على ضعف ابن أبي ليلى
هذا! ولكنّ ضعفَه لا يضُرُّ حديثه هذا؛ لما سبق بيانه من الشاهد الذي كتمه
المُخَرِّب! وقد رواه ابن سعد - أيضاً- (١٨١٣٨) عن جابر، عن عبدالرحمن.
٧٨- ((وقال الحسن: صوتان ملعونان: مزمار عند نِعمة، ورَنَّةٌ عند مصيبة»:
قلت: لم يُخَرِّجه (الهدَّام)؛ إمّا لجهله بالآثار السلفية، أو الاستهتاره بها
لَمَّا خالفت هواه المستحلَّ للمزامير التي حَرَّمها الله، والذي يحملُهُ على
تضعيف كثير من الأحاديث التي صَحَّت عن رسول الله وَّ؛ ومنها حديثُ
البخاري -الآتي في تحريمها بعد هذا الأثر -.
وقد أخرجه ابن أبي الدنيا من طريقين عن الحسن -وهو البصري-،
ولذلك جزم به ابن القيم، لا سيّما وقد صحّ مرفوعاً -كما يأتي قريباً-، وهو
مخرّج في مقدمة رسالتي في ((الرّد على ابن حزم في إباحته الملاهي وعلى
مقلّدیہ)).
ولم يكتف (الهدَّام) بعدم تخريجه، بل علَّق عليه بالافتراء على أحد
حُفَّاظ الأمَّة؛ فقال:
((رفعه البزَّار (٧٩٥) من حديث أنس، وفيه شَبِيب بن بِشْر، وهو ضعيف)).
قلت: فيه مؤاخذتان:
الأولى: افتراؤه على الحافظ البزار بقوله عنه: ((رفعه))؛ بدل أن يقول:
و
١٧٠
((النصيحة ... ))
((أخرجه))! ليوهم القراء أنَّ هذا الأثر أخطأ فيه البَزَّار، فرفعه! وهذا كذبٌ محضّ
وافتراءٌ، فقد رواه - أيضاً-كالبزار-مرفوعاً -: أبوبكر الشافعي، والضياء المقدسي
-وغيرهما- عن أنس، وهو على علم بذلك من كتابي ((الصحيحة)) (٤٢٧)،
فقد نصب نفسه لمعاكستي في تصحيح ما فيه وفي غيره ما وسعه الأمر
(حَسَداً وبغياً)؛ والعياذ بالله -تعالى -!
والأخرى: إطلاقه الضعف على (شَبِيب بن بِشْر) خطأُ محضٌّ، بل هو
جَوْرٌ واعتداءٌ عليه، فإِنَّه مختلف فيه، وقد وثّقه ابن معين وغيره، وقال أبو
حاتم: (لَيِّن))؛ كما قال الذهبي في ((الكاشف))، فهذا يُشعر بأنَّ الرجل وَسَطٌ،
أي: حسن الحديث.
ونحوه قول الحافظ في ((التقريب)): ((صدوق يخطئ)).
فالإسنادُ حَسَنٌ، ثم يرتقي إلى الصحة بمتابعة عيسى بن طَهْمان إياه،
وهو مخرَّجُ في ((الرَّدِّ)) -المشار إليه آنفاً-؛ وهو فيه الحديث الثاني من ستة
أحاديث صحيحة في تحريم المعازف التي يستَحِلَّها (الهدَّام)؛ تقليداً لابن
حرم.
وتزداد قوَّتُهُ بحديث عبدالرحمن بن عوف -الذي تكلّمت عليه آنفاً-؛
لأنَّ محمد بن عبدالرحمن بن أبي ليلى، إنَّما ضَعْفُهُ من قبل حفظه؛ فهو
صالحٌ للاستشهاد به، والله ولي التوفيق.
٧٩- ((عن عبدالرحمن بن غَنْم، قال: حدّثني أبوعامر - أو أبو مالك -
الأشعري -رضي الله عنهما-، أنَّه سمع النبي وَّ يقول: ((ليكونَنَّ من أمتي
قوم يستحلّون الحِرَ والحرير والخمر والمعازِف))؛ هذا حديثٌ صحيحٌ، أخرجه
البخاري في ((صحيحه)) محتجّاً به، وعلّقه تعليقاً مجزوماً به، فقال: وقال هشام
ابن عمار: حدّثنا صَدَقَةُ بن خالد: حدّثنا عبدالرحمن بن يزيد بن جابر: حدّثنا
١٧١
((النصيحة ... ))
عطية بن قيس الكلابي: حدثني عبدالرحمن بن غَنْم الأشعري ... )):
ثم ردَّ ابن القيم مفصَّلاً على ابن حزم الذي قدح في صحة هذا
الحديث بزعم الانقطاع بين البخاري وشيخه هشام، ردّه عليه من وجوه خمسة،
واحدةٌ منها كافيةٌ، فكيف بها مجتمعةً؟! والخامس منها متابعةُ (بشر بن بكر)
الثقة؛ عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر ... به(١)، وهذه متابعةٌ قويّةٌ، لم يسع
(الهدَّام) إلا الاعترافَ بها - رغم مجادلاته ومراوغاته الكثيرة المعروفة-، ولكنّه
مع ذلك غلبت عليه شِقْوَتُهُ وطبيعتُهُ، فَتَمَلَّصَ منها بِكَذِبَةٍ لها قرنان؛ فقال:
((ولكن ليس فيها نَصٌّ صريحٌ على المعازف، لأنَّها رُويت في ((سنن
البيهقي)) و((تغليق ابن حجر)) ضِمن (وهي مطبوعةٌ خطأً: فمن!) رواية هشام
المتقدّمة)) !! يريد أنَّه ليس في رواية (بشر) التصريح بذكر المعازف؛ والواقع
خلافُهُ، فقد ساق الحديث البيهقي، والعسقلاني من طريق هشام وبشر سياقاً
واحداً إلى آخره، مثل سياق ابن القيم، إلا في لفظٍ واحدٍ كما يأتي، ثم قالا
في آخره -واللفظ لابن حجر -:
((ولفظ (دُحيم) عن بِشْر مثله؛ إلا أنّه زاد فيه لفظة واحدة، قال:
((ويمسخ منهم قردةً)) والباقي؛ مثله سواء))!
قلت: ومع دلالة السياق على أنَّه لا فَرْقَ بين رواية هشام وبِشْر في
إثبات لفظة (المعازف) التي أنكرها (الهدَّام)، فقول الحافظين المذكورين
عَقِبَ الحديث صريحٌ في ذلك؛ لأنّهما صَرَّحا بأنَّه لا فَرْقَ بينهما في شيء من
٤
السياق إلا في حرف: ((منهم))؛ فثبت كذبُهُ فيما ادّعاء من النفي!
وإنَّ مما يؤكّد كذبَه - ويحسُنُ التنبيه عليه- أنَّ رواية (بِشْر) هذه
(١) عزاها ابن القيم لأبي داود، وأبي بكر الإسماعيلي في كتابه «الصحيح)).
١٧٢
".
.
((النصيحة
المصرِّحة - أيضاً- بلفظ (المعازف) هي من رواية الإسماعيلي في ((صحيحه))
التي احتجَّ بها ابن القيِّم (ص٣٧١)؛ فتجاهلها (الهدَّام)، وحملها -تضليلاً
ء
للقراء- على رواية أبي داود المختصرة -التي ليس فيها اللفظ المذكور-؛ قلباً
للحقائق الذي هو صناعتُهُ ورأس مالهِ! ومعاكسةً منه للحفّاظ الذين أثبتوها
وصحَّحوها، ليظهر هو بمظهر المحقِّق المتفوّق عليهم! متغافلاً عن قوله
-تعالى -: ﴿فأمّا الزبد فيذهب جفاءً وأمّا ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾؛
فقد ذكر الحافظ في ((الفتح)) (٥٤/١٠) رواية أبي داود المختصرة، ثم أتبعها
بقوله:
(ساق الإسماعيليُّ الحديثَ من هذا الوجه عن (بِشْر بن بكر) بهذا
الإسناد؛ فقال: ((يستحلَّون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف ... )) الحديث)).
فهل بعد هذه الحقائق والبراهين المثبتة لهذه اللفظة يتراجَعُ (الهدَّام)
عن نفيه لها، ويتوب إلى الله، ويتّبع ﴿سبيل المؤمنين﴾ في تصحيح
الحديث؟!
ذلك ما نرجو، لكنَّ تمام كلامه لا يُبَشّر بخير، فقد استمرَّ في المعاندة
والمكابرة، وادَّعاء التحقيق الذي لا يَعرفُ إلا اسمه! فقال - وكأنَّه يعترف بلسان
3
الحال أن نفيه المذكور (تجاهلُ عارفٍ!) -:
((أما أنا (!) فأرى أنَّ عِلّته عطية بن قيس الحمصي؛ فإنَّه ليس معروفاً
بالضبط والإتقان، ولم يُؤَثِّقْهُ غير ابن حبان، وليس قول أبي حاتم: ((صالح
الحديث)) بتوثيقٍ؛ وقد فسَّرها ابنه في ((مقدّمة الجرح)) (٣٧/٢) فقال: ((وإِذا
قيل: صالح الحديث، فإنَّه يكتب حديثه للاعتبار، وَجَعَلَها أدنى من مرتبة: شيخ)).
قلت: هذا لا يعني أنَّه لا يُحْتَجُّ بحديثه؛ ولو بمرتبة الحسن؛ بل العكسُ
هو الصوابُ، وخير ما يفسّر به كلام الحافظ إنَّما هو كلامُهُ نفسُهُ، فقد قال أبو
١٧٣
((النصيحة ... )) .
حاتم في آخر ترجمة (سعيد بن إياس الجُرَيري):
· («تغيّر حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديماً فهو صالح، وهو حَسَنُ
الحدیث)».
ولذلك قال أعرفُ الناس بالرجال -ألا وهو الحافظُ الذهبيُّ- في كتابهِ
((المغني في الضعفاء)):
((لم أذكر فيه من قيل فيه: محلّه الصدق ... ولا من قيل فيه: هو شيخ؛ أو:
هو صالح الحديث، فإِنَّ هذا بابُ تعديلٍ)).
وعلى هذا جرى خاتمة الحفّاظ ابن حجر؛ فقال في ((الفتح)) (٥٤/١٠)
- اعتماداً على كلمة (صالح) -:
((عطيّة بن قيس؛ شامي تابعي، قوّاه أبو حاتم وغيره)).
وقال في ((التقريب)): (ثقةٌ مُقرئ)).
وغيرهم كثيرٌ، من المتقدّمين والمتأخّرين ممن صحَّح حديثه هذا؛ كابن
الصلاح، والنووي، وابن كثير، والحافظ السخاوي، وغيرهم ممّن كنت سمّتهم
في مقدّمة كتابي ((ضعيف الأدب المفرد)) (ص١٤)؛ ممّن هو على علم به بعد
ما اطّلع عليه، ومع ذلك فلم يَرْعَوِ ولم يهتد، وظَلّ سادراً في جهله وضلاله
وعناده.
ومِن مكرِهِ وقلبه للحقائق؛ أنَّه -بعد ما طعن في رواية عطية، عن
عبدالرحمن بن غَنْم، عن أبي عامر- لم يَسَعْهُ إلا أن يذكر متابعة إبراهيم بن
عبدالحميد بن ذي حِمَايَةَ، عمّن أخبره، عن أبي عامر؛ فعل ذلك ليحرِف
المتابعة عن طبقتها ومحلَّها، وكونها متابعة قوية لعطيّة الذي ضعَّفه ظلماً
وعدواناً ومشاكسةً؛ فقال:
١٧٤
((النصيحة ... ))
((وإِسناده ضعيف، لإبهام بعض رواتِه، ويحتمل أن يكون عطيّة بن قيس)).
قلت: لم لا يُحتمَلُ أن يكون متابعاً له، فإنَّ إبراهيم هذا ثِقَةٌ من أتباع
التابعين، فقد أورده ابن حبان في كتاب ((الثقات)) فيهم (١٣/٦)، وقال:
((روى عن ابن المنكدر وحُميد الطويل، روى عنه الجراج بن مَلِيحِ وأهلُ
بلده)».
ونحوه في ((تاريخ البخاري)) (٣٠٥/١).
وكنتُ قد ذكرتُ - قديماً- في ((الإرواء)) (٣٢٥/٣-٣٢٦) فائدةً عزيزةً
نادرةً في توثيق الإمام الطبرانيّ له؛ فلتنظر.
وابن المنكدر وحُميد تُوُفِيًا في حدود الأربعين، فمِن بابٍ أولى أن يتمكّن
من الروايةِ عن عبدالرحمن بن غَنْم؛ لأنَّه توفي في سنة (٧٨)، فيكون متابعاً
لعطيّة بن قيس، هذا محتملٌ جداً، بل لعلّه أولى من الاحتمال الذي ذكره
(الهدَّام)! فلماذا اقتصر عليه دون هذا؟!
الجوابُ عند الإمام وكيع بن الجَّاح - رحمه الله-؛ قال: ((أهلُ العلم
يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهلُ الأهواء لا يكتبون إلا ما لهم))(١).
وهذه ظاهرةٌ جداً في كل تخريجات (الهدَّام) -كما تقدم ويأتي-، وإنّما
لم يذكر هذا الاحتمالَ؛ لأنَّه يلزم منه تقويته الحديث، وهذا ينافي هَدْمَهُ الذي
نذر نفسه له! وكأنه كان يشعر بورود هذا الاحتمال؛ ولذلك عقّب على احتماله
بقوله:
((وفوق هذا؛ فإبراهيم فيه نَظَرٌ))!
(١) رواه الدارقطني في ((سننه)) (٢٦/١).
وانظر فائدةً -في هذا- من كلام شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) (٤٧٩/٢٧).
١٧٥
((النصيحة ... ))
وهذه عادةٌ له كلّما وقف أمام راوٍ موثَّق من العلماء؛ تمَلَّص منه بقوله:
((فيه نظر)! وهذا يعني: ((عنده))، ولكنّه يُدَلِّس ولا يُفصِح! ثم هو مع ذلك لا يُبَيِّن
السبب! آمراً للقراء - بلسان حاله- بالاستسلام لحُكْمِه الجاهل، وصرفاً لهم عن
اتّباعهم لعلمائهم، وإلاَ لَبَيَّن لهم، ولكنّه يعلم أنَّ فاقد الشيء لا يعطيه، ولذلك
فهو يُلقي كلمته ثم يمشي، وعلى الناس أن يمشوا وراءه !! الأمر الذي يدلُّ على
منتهى العُجْب والغرور، وقد تَكَرَّر منه هذا في أحاديث كثيرة يأتي الكلام عليها
- إن شاء الله -تعالى-، فانظر (ص: ٣٨٥، ٣٨٧، ٤٦٥، ٥٠٨).
ثم ختم تخريجه -بل تخريبه- بقوله:
((وعلى أيٍّ؛ فقد فصَّلت في هذا الحديث في موضع آخَرَ من تحقيقاتي؛
فانظره إن شئت)»!
كذا قال! ولستُ أدري - والله- بأي عقل يُحيل القراء إلى موضع آخر لا
3
يسمّيه، ثم يأمرهم بالرجوع إليه؟! إلا أن يكون عُجْبُهُ وغروره زيّن له أن القراء
على علم بالموضع المكتوم لشدّة تتبُّعهم لـ (تحقيقاته! )، فلا يفوتهم منها
شاردةٌ ولا واردة !! وهذه حَمَاقةٌ باردة!
والتحقيقُ الذي يشير إليه -وهو في الحقيقة تخريبٌ وجهلٌ أكثر من
هذا- كان قد نشره في جريدة (الرباط) الأردنية، وقد كنت رددت عليه ردّاً
مختصراً جدّاً في مقدمة كتابي ((ضعيف الأدب المفرد)) (ص١٤-١٥)(١)،
سميت فيها عشرة من حفّاظ المسلمين -من المتقدمين والمتأخرين- أجمعوا
على تصحيح هذا الحديث، واطّلع (الهدَّام) على ذلك فلم يرتدع، واستمر
يجابههم بانحرافاته وجهالاته، وترى الرّد التفصيلي عليه في «الرَّد على رسالة
الملاهي لابن حزم)) وهي مطبوعةٌ، وتجد طرفاً منه في الاستدراك رقم (٣)
(١) وهو قسيم ((صحيح الأدب المفرد))؛ وقد نُشرا - بفضل الله -.
١٧٦
((النصيحة ... ))
المنشور في آخر المجلد الأوّل من ((سلسلة الأحاديث الصحيحة))، الطبعة
الجديدة.
٨٠- ((عن عِمْران بن حُصَين، قال: قال رسول الله وَّي: ((يكون في
أمتي قذفٌ وخسفٌ ومسخٌ))، فقال رجل من المسلمين: متى ذلك يا رسول
الله؟! قال: ((إذا ظهرت القِيَان، والمعازف، وشُرِبت الخمور))، قال التِّرمذي:
هذا حديث غريب)):
قلت: رَكَنَ (الهدَّام) هنا إلى تضعيف التِّرمذي إيّاه، وإشارته إلى ترجيح
رواية الأعمش، عن عبدالرحمن بن سابط، عن النبي ◌َّل ... مرسلا، وأمّا في
التصحيح والتحسين، فهو مُزْوَرٌّ عنه! ثم إنَّه - كعادته- كتم عن قرائه حالَ هذا
المرسل، وهو صحيحُ الإسناد، فهو صالحٌ للاستشهاد به اتفاقاً، وللاحتجاج به
عند بعض الأئمة، كمالك وغيره، كما هو معروفٌ في بحث (المرسل) من علم
المصطلح وغيره، كتم هذا كلَّه، مُضِيّاً منه في غَيِّهِ، واستمراراً في ضلاله
وَهَدْمِه ...
ثم هو صحيحٌ اتفاقاً؛ لأنَّ له شواهدَ، منها حديث ربيعة الجُرَشي بإسناد
صحيح - كما يأتي بيانه بعد حديثين، مع الرّد على (الهدَّام) الذي ضعفّه
أيضاً (خبط لزق) !-.
٨١- ((وروى أحمد وأبو داود عن عبدالله بن عَمْرو، أنَّ النبي وَ الال قال:
((إنَّ الله حَرَّم على أُمَّتي الخمر، والميسر، والكوبة، والغُبَيراء، وكل مسكر حرام)):
ضعّف (الهدَّام) إسناده بالجهالة والانقطاع (١)، وهذا مما لا نقاش فيه؛
والله يحبُّ العدل، ولكنَّ ذلك لا يعني أنَّ متن الحديث ضعيفٌ - أيضاً-؛
(١) وقد سوَّد صفحتين كاملتين لبيان ذلك؛ إبرازاً منه لعضلاته !! وهو مخرَّج في
((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (١٧٠٨) لشواهده؛ ولذلك عاكسني (الهدَّام) فضعَّفه.
١٧٧
((النصيحة ... ))
وذلك لأنَّ له شواهدَ تقوّيه، وهي مذكورةٌ في ((الرَّد على ابن حزم))، وليس فيها
ضعفٌ شديدٌ، ولكن (الهدَّام) من جنايته على السّنة أنَّه يخالف العلماء في
تقوية الحديث بالطرق - كما تقدم التنبيه عليه مراراً-، بل إنَّ بعضها إسناده
صحيح لذاته، وهو ما ذكره (الهدَّام) نفسه من حديث أبي أحمد الزّبيري، عن
سفيان الثوري، عن علي بن بَذِيمة، عن قيس بن حَبْتَر، عن ابن عباس ... به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ، كما في ((الصحيحة)) (١٨٠٦): قيس، وعلي: ثقتان،
والثوري، والزّبيري لا يُسأل عن مثلهما؛ وقد احتجّ بهما الشيخان.
وأمّا (الهدَّام)؛ فعاكسني، وأعلّه بالانقطاع الذي لم يقل به أحدٌ من قبله!
فقال:
((ولا أرى(!) هذا الإسناد متصلاً، فإني لم أجد قيس بن حَبْتَر صَرَّح في
حديث صَحَّ إسناده إليه أنَّه سمع ابن عباس، وما ذُكر في إسناد أحمد أنَّه
سأل ابن عباس فضعيفٌ، انفرد بها أبو أحمد الزّبيري عن سفيان، وفي حديثه
ضعفٌ عن سفيان - إن لم يُتَابَع-، ولم يتابعه أحدٌ من أصحاب سفيان على
الحدیث)).
قلت: هذه الفقرة وحدَها كافيةٌ ليتبيَّن منها القراء شيئاً من خُلُق هذا
الرجل، وعُجْبهِ، وغروره، وأنَّه ينظر إلى نفسه أنَّه وصل إلى مَصافِّ كبار الحفّاظ
المتقدّمين (!) الذين يجمعون الطرق الكثيرة للحديث الواحد، فيعلِّلون بها
ويرجِّحون، فنقول لهذا (الهدَّام): (ليس هذا بِعُشِّكِ فادْرُجي)، فمن يجهل
أحاديث في ((الصحيحين))، فيعزوها إلى من دونهما طبقةً أو منزلةً - كما تقدم
في الأحاديث رقم (١٨ و٢١ و٣٩ و٥٦ ٥٩ ٦٣)، والحبل جَرّار- حَريٌّ به أن
يعرف قدر حفظه، وأن لا يتَعدّى طوره فيقول: (( ... فإِنّي لم أجد ... )) إلخ !! فمن
أنت أيّها المسكين؟! وأنت لا تعلم أكثر المطبوع من متون السنّة؛ فضلاً عن
١٧٨
((النصيحة ... ))
أن تقفَ عليها، أو تعرف طرقها، فضلاً عما لم يُطبع منها، فاستر على نفسك؛
فكفاك عُجباً وغروراً وفُضُوحاً!
ثم إن خلاصة هُرائه المذكور؛ إعلال الحديث بعلتين:
إحداهما: جهله بتصريح (قيس بن حَبْتَر) بالسماع من ابن عباس.
قلت: وحكاية هذا يُغني عن ردّه، لأنَّه جهلٌ وكفى، ثم هو مبنيٌّ على ما
انحرف إليه من مخالفة ﴿سبيل المؤمنين﴾ الذي استقرَّ عليه علمُ المصطلح
من الاكتفاء بالمعاصرة.
والآخر: وَضْعُهُ ضعفاً في (أبي أحمد الزّبيري) في روايته عن سفيانه
الثوري، موهماً بذلك القراء أنَّه ليس بحجَّةٍ في روايته عنه، وكاتماً عنهم
الأقوال الأخرى المزكِّية له، التي يراها كلَّ واقف على ترجمته، ولخّصها
الحافظ في ((تقريبه)) بقوله:
((ثقة ثبت؛ إلاَّ أنَّه قد يخطئ في حديث الثوري)).
فقوله: ((قد يخطئ)) فيه إشارة إلى قِلَّة خطاه في حديث الثوري، ومثل
هذا لا يضعِّف حديثَه عند العلماء، إلا إذا تبيَّن خَطَؤُه، شأن كل ثقة موصوف
بأنَّه قد يخطئ، ولذلك احتج به الشيخان، وَرَوَيَا له من حديثه عن الثوري،
فضلاً عن غيره - كما في ((تهديب المزي))-، وصحّح له ابن حبان أحاديث
كثيرة غير هذا، فانظرها إن شئت في (الإحسان))-طبع المؤسسة)؛ وهذه أرقامها
(٤٣٦ و٨٨٩ و٢٤٥٩ - وأشار فيه إلى حفظه- و٣١٦٧ و٣٢٨٣ و٤٨٢٢
و٥٨٤١ و٦٠٧٢ و٦٠٩٨)، وأكثرها مخرَّجة في كتابي ((الصحيحة))، وغيره من
مؤلفاتي.
وأما قوله: ((ولم يتابعه أحد ... )) إلخ؛ فليس من شرط الحديث الصحيح
١٧٩
((النصيحة ... ))
أن يتابع الثقة عليه - كما هو معلومٌ في علم المصطلح -.
على أنَّ سفيان قد توبع عن علي بن بَذِيمة، كما ذكر (الهدَّام) نفسه،
ففيم المشاغبةُ؟!
وأمّا قوله أخيراً: ((وانظر الخلاف في إسناد هذا الحديث في ((التحفة))
(١٩٨/٥))):
فهو من تدليساته الكثيرة ليوهم القراء أنَّ فيه عِلَّة أخرى، والحقيقة أنَّه لا
شيء منه، وذلك لأنَّ بعض الرّواة أدخل -بين علي بن بَذِيمة وقيس بن حبتر-
سعيد بن جُبير؛ وهذه الزيادة في السند لو صَحَّت لا تضرّه، لأنَّ سعيداً ثقة، إلاّ
أنَّ الحافظ المزي جزم بخطإِها تَبَعَاً لبعض الحفاظ، ونقل عن الخطيب أنَّه
قال:
((والصحيح عن علي بن بَذِيمة: ما رواه سفيان الثوري، عنه، عن قيس
ابن حَبْتَر، عن ابن عباس».
قال المِزِّي -عَقِبَه:
((وليس لسعيد بن جُبير فيه ذكر)).
فبان جليّاً تدليسُه وقلبُه للحقائق، بل إنَّه بتلك الإحالة كان (كالباحث
عن حتفه بظِلْفِه)؛ فإن تصحيح الخطيب لرواية على بن بَذِيمة تعود عليه
بإبطال ما وضع فيها من عِلَّة الانقطاع بين قيس وابن عباس، إذ لو كان شيءٌ
من ذلك صحيحاً؛ لبيَّنوه وتَكَلَّموا عليه - كما فعلوا برواية سعيد بن جبير".
وقد ختم (الهدَّام) تخريجَه للحديث، ومحاولته تضعيفَه بتلك الإحالة
المدلَّسة، وأنا أختم ردّ محاولته بالجزم بصحّة الحديث -أولا-، وبالتنبيه
- ثانياً- على أن تخريجه لهذا الحديث وختمه إياه بما ذكرت: لَيُؤَكِّد أنَّ همَّه
١٨٠
((النصيحة ... )).
الأكبر من التخريج إنَّما هو الطعنُ فيما صَحّ من حديث رسول الله وَّةِ، فإنَّه
لو سلَّمنا -جدلا- بأنَّ إسناد الحديث ضعيف -كما يرمي إليه (الهدَّام)-، فهل
قوله {18َّ في آخره: ((وكل مسكرٍ حرام)) ضعيفٌ -أيضاً- عنده؟! مع أنَّه متفق
عليه من حديث أبي موسى، ورواه جمع آخر من أصحاب رسول الله وَل
-كما تراه مخرجاً في ((الإرواء)) (٢٣٧٣) -.
فسكوتُهُ عنه من تمام هدمه للسنة الصحيحة، لا سيّما ولم يتقدم منه له
تصحيحٌ أو يتأخّر، ولم يرد له ذكر في فهرسه آخر الكتاب، الأمر الذي يؤكد
عليه أن يصرِّح وينبّه قراءه أنَّه صحيح، وأنَّ تضعيفه للحديث لا يشمله، هذا
لو كان يبني ولا يهدم! والله حافظٌ دينَه، وناصرٌ سُنّةً نبيّهِ وَلَّ، والله المستعان.
٨٢- (وفي (الترمذي)) و(المسند)) بهذا الإسناد بعينه: أنَّ النبي وَّ قال:
((لا تبيعوا القَيْنَات، ولا تشتروهنّ، ولا تعلِّموهنّ، ولا خير في تجارةٍ فيهنّ،
وثمنهنّ حرام))، وفي مثل هذا نزلت الآية: ﴿ومِنَ الناس من يشتري لهو
الحديث ليضلَّ عن سبيل الله ﴾ الآية)) [لقمان: ٦]:
ضعَّف (الهدَّام) إسناده جداً (٣٧٧/١ -٣٧٨)، ولم يبين عِلَّته، وأحال
في ذلك بقوله: ((وانظر تفصيله في تحقيقي لـ ((الكبائر)) (١) للذهبي))!
ولا بُدّ أنَّه خَرَّب فيه وضَعَّف أحاديث صحيحة - كما فعل في ((رياض
الصالحين)»، وهنا- والحبلُ جرّار؛ وأستبعد جداً أن يكون صَنِيعُهُ فيهِ بأحسن
مما هو هنا !! فإن الحديث وإن كان من رواية عبيد الله بن زَحْر، عن علي بن
يزيد ... عن أبي أمامة -وعلي، وعبيد الله ضعيفان-، فقد تعامى -هنا- وما
أظنّه إلا كذلك هناك- عن أنَّ لسبب نزول الآية شاهداً عن جماعة من
(١) وليس هو فيما طُبع له تحت اسْمٍ ((تهذيب الكبائر)) !!