النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
((النصيحة ... ))
الأولى: أنَّ الحافظَ لم يقُل: ((أُوخِذ))! وإنَّما قال: ((وهذا مما استُعظم
على البخاري))!
و
والأخرى -وهي الأهَمُّ -: أنَّه أوهم القراء أنَّ الحافظ سَلّم بالمؤاخذة
المزعومة! وكلامُهُ صريحٌ في ردِّه؛ فإنَّه قال:
((لكنّ الذي قَوِيَ عندي؛ أنَّ هذا الحديثَ بخصوصِهِ عند ابن جريج:
عن عطاء الخراساني، وعن عطاء بن أبي رباح جميعاً ... )) إلخ؛ إلا أنَّه لم
يذكر دليلاً على التقوية المذكورة، إلا حُسْنَ الظن بالإمام البخاري ...
والمقصود: أنَّ (الهدَّام) لا يُؤْثَقُ بنقله وادِّعاءاتِهِ؛ لكثرة تدليساته
ومعاكساته، ومن ذلك قوله: ((والأدِلّة تؤيد هذا»؛ فيا لِلْعَجَبِ من عُجْبِهِ وغروره!
يُريد من القراء أن يسلِّموا بتضعيفِهِ لما صحَّحه البخاري، دون أن يُقَدِّم على
التضعيف دليلاً، ولا يريد منهم أن يسلِّموا لتصحيح البخاري! وهو - يقيناً-
الأرجحُ، لأنَّ لهذا الأثر طرقاً أخرى عن ابن عباس، وأخرى عن عكرمة؛ وهو
من تلامذته؛ أخرجها ابن جرير الطبري في «تفسيره)) (٦٢/٢٩)، إلى غير ذلك
من الآثار الكثيرة في ((تفسير ابن كثير))، و(الدُّر المنثور))؛ مما يُشعر من وقف
عليها أنَّ ذلك كان مشهوراً عند السلف، وقد ذكرتُ بعضها في كتابي ((تحذير
الساجد من اتخاذ القبور مساجد)) (١٥٢-١٥٣).
٦٥- ((وعن زيد بن ثابت، أنَّ رسول الله وَ لَه قال: «لعن الله اليهود!
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))، رواه الإمام أحمد»:
قال (الهدَّام) (٢٧٢/١): (( ... وفيه عُقبة بن عبدالرحمن، وفيه جهالةٌ))!
قلت: نعم؛ فكان ماذا؟! هل غايتُك من تحقيقك المزعوم للكتاب إنّما

١٤٢
((النصيحة ... ))
هو إخبارُهم بأنَّك على معرفةٍ بتراجم الرجال؟ ! -وهي وسيلةٌ- لو كنت كذلك
حقّاً ! -، أم إعلامهم بما صَحَّ وَثَبَتَ عن النبي ◌َّ؟
وإذا كان هذا الغايةَ من التحقيق عند العارفين الناصحين، فلماذا
تَشْغَلُهم بالوسيلة عن الغاية، ولا تسترعي نظرهم إلى هذه الحقيقة، فتقول
-مثلاً -: (( ... ولكن الحديث صحيح؛ وإن كان في سنده جهالة، لأنَّ له شواهد
كثيرة عن جمع من الصحابة))؟! وإذا كانت نفسُك الحاقدةُ تأبى عليك أن
تُحيل في ذلك على شيء من كتب الألباني -مثل ((تحذير الساجد)) المذكور
آنفاً، أو ((أحكام الجنائز))-؛ فلا أقلّ من أَن تُحيل على أحاديث عائشة، وابن
عباس، وأبي هريرة التي ذكرها المصنفُ قبل هذا، وعزوتَها لـ((البخاري))
و((مسلم)) ولم تضَعِّفها!
والجواب: أنَّ هذا من واجب الناصح الأمين، وليس هو من طبيعةِ مَن
نَصَبَ نفسَه لتضعيف الأحاديث الصحيحة عند العلماء !! وحَسْبُك - دليلا- ما
تقدّم، ويأتي عَقِبَ هذا، وغيرُهُ كثيرٌ وكثيرٌ جداً!
٦٦- ((وعن ابن عباسِ، قال: لعن رسول الله وَّل زائرات القبور
والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج؛ رواه الإمام أحمد، وأهل ((السنن))):
قلت: خرّجه من رواية عشرة من المصنِّفين -منهم مَن ذكرهم ابن
القيم-، ثم ضَعَّفَه بأبي صالح -مولى أم هانئ -.
فأقول أيضاً: نعم، ولكنّ اقتصارَه على هذا يُنافي الأمانة العلمية
والنصيحة الدينية -التي أشرت إليها في الحديث الذي قبله-؛ فإن جملة
اتخاذ القبور مساجد لها تلك الشواهدُ الصحيحةُ المشارُ إليها آنفاً، وجملة
الزيارة - كذلك- صحيحةٌ؛ لها شاهدان من حديث حَسّان بن ثابت، وأبي
هريرة - رضي الله عنهما -.

١٤٣
((النصيحة ... )).
وقد فصَّلتُ القولَ في تضعيف المولى المذكور، ورددتُ على من حسَّن
حديثه هذا، وبيَّنتُ أنَّ الصواب صِحَّةُ الجملتين المذكورتين، وخَرَّجت
شاهديهما في غير ما كتابٍ من كتبي، مثل ((الضعيفة)) (٥٢٥)، و(«تحذير
الساجد))، و((أحكام الجنائز))، و((الإرواء)) (٢١١/٣-٢١٣).
وإن مما يدلُّ الباحثَ على كتمانه للعلم - لإظهار الحديث الصحيح
بمظهر الضعيف -: أنَّ من جملة المصادر التي عزا الحديث إليها ((سنن ابن
ماجه)) (١٥٧٥)؛ وليس عنده من الحديث إلا جملة الزيارة! وهي واقعةٌ عنده
بين الشاهدين المشار إليهما (١٥٧٤، ١٥٧٦)!
ومن مصادره ((صحيح ابن حبّان)) (٣١٧٩ -٣١٨٠ - ((الإحسان)))؛ وفيه
قبل الرقمين (٣١٧٨) حديثُ أبي هريرة -الشاهد الثاني-؛ فتجاهلهما
(الهدَّام) -كما هي عادته -!
وقد صحّح حديثَ أبي هريرة جَمْعٌ؛ منهم الإمام ابن دقيق العيد في
((الإلمام)) (٢٠٩ /٥١٤).
٦٧ - ((وفي ((صحيح البخاري)) أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه-
رأى أنس بن مالك يصلّي عند قبر، فقال: القبر القبر!)):
قال (الهدَّام) (٢٧٢/١): ((أخرجه البخاري في ((صحيحه)) تعليقاً:
((الفتح)) (٥٢٣/١))).
قلت: ما أسرعَه إلى الانتقاد والاعتراض -ولو خِلسةً -! وما أبعدَه عن
النصح والإرشاد صراحةً! فإنَّ عزو المؤلف إلى ((صحيح البخاري)) - وإن كان
خطأَ اصطلاحاً- ولكنّه صوابٌ من حيث إفادتهُ صِحّة هذا الأثر عملاً؛ وعلى
العكس من ذلك تخريج (الهدَّام)؛ فإنَّه من حيث تقييدُه العزوَ إليه - تعليقاً-

١٤٤
((النصيحة ... ))
صوابٌ اصطلاحاً، ولكنّه من حيث سكوتُه عليه وعدمُ بيانه صِخِّته خطأٌ وهدمٌ؛
لأَنَّ الحديث (المعلّق) هو نوعٌ من أنواع (المنقطع)، وهذا يعطي إشارةً
بالضعفِ! ولذلك سكت، وهو يعلم أنَّ تعليقات البخاري لا تُساق مساقاً
واحداً -في اصطلاحه هو- كما بيَّنَه العلماء، فما جزم به فهو صحيحٌ، وما لم
يجزم فقد وقد، وهذا الأثر مما جزم به البخاري، فقال: ((ورأى عمرُ أنسَ بن
مالك يصلي ... )) إلخ، فلماذا اكتفى (الهدَّام) ببيان أنَّه معلّق، ولم يبين أنَّه
معلّقٌ صحيح؟!
الجواب معروفٌ عند جميع المتتبِّعين لهذه التخريجات!
ء
هذا -أوّلا -.
وثانياً: إنَّ مما يؤكِّد ما ذكرته؛ أنَّه تجاهل مَنْ وَصَلَهُ ولم يبيّنه، ولو أنَّه
فعل لتبين للقراء صِحَّتُه!
فقد قال عبدالرّزاق في ((مصنّفه)) (١٥٨١/٤٠٤/١): عن مَعْمَر، عن
ثابت البُنَاني، عن أنس.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلم.
وقد تابعه حماد بن زيد: ثنا ثابت البُنَاني ... به.
أخرجه الحافظ ابن حجر في ((تغليق التعليق)) (٢٢٩/٢).
٦٨- ((قال رَّ: ((اللهمَّ لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتَدَّ غضبُ الله على
قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)):
قلت: هكذا جزم المؤلّفُ بنسبته إلى النبيِ وَلـ؛ مشيراً بذلك إلى
صحّته، وهو كما قال.
أمَّا (الهذَّام) فلم يُعجبه ذلك، وأعلّه بِعِلَّةٍ من وساوس صَدْرِهِ؛ فإنَّه رغم

١٤٥
((النصيحة ... ))
كونه خَرَّجه من طريقين عن زيد بن أسلم مُرْسلاً، ومن طريق مالك، عنه، عن
عطاء بن يسار مرسلاً، فهو مرسلٌ صحيحٌ؛ فإنَّه مع ذلك خرّج له شاهداً
موصولا من رواية سفيان بن عيينة، عن حمزة بن المغيرة الكوفي، عن سُهيل
ابن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة - مرفوعاً -، وعزاه لجمع منهم ابن
عبدالبر (٤٤/٥)؛ ولكنّه أعلّه بما يكشف عما تُكِنّه نفسُه من العداوة الشديدة
للسنة الصحيحة؛ فقال:
((قلت: وهذا إسنادٌ غريبٌ، في قلبي منه شيء (!)، تفَرَّد به حمزة؛ وليس
بالمشهور)»!
قلت: هكذا قال المأفون! خلافاً لمن وثقّه من الأئمة - كما يأتي-، وقد
روى عنه جَمْعٌ من الثقات، مثل أبي أسامة، وهاشم بن القاسم، وسفيان بن
عيينة -راويه هنا وهو أعرفُ الناس به-، فقد وصفه بأنّه كان من سَراة الموالي،
أي: من أشرافهم وذوي المروءة منهم.
وقد قال الدّارمي في ((تاريخه عن ابن معين)) (٩٨- ٩٩): ((وسألته عن
(حمزة بن المغيرة الكوفي) الذي يروي عنه ابن عيينة: ((لا تجعلوا قبري وثناً))
ما حاله؟ فقال: ليس به بأس)).
وروى مثلَه ابنُ أبي حاتم (٢١٤/٣-٩٤٢/٢١٥) عن الدّارمي.
وذكره ابن حبان في ((الثقات)) (٢٢٩/٦)، (٢٠٩/٨).
وقال الحافظ: ((لا بأس به)).
ثم قال الأفين: ((ولم يُصرِّح بسماعه من سهيل))!
قلت: هذا ليس بشرطِ إلاّ في رواية المدلّسين، وحمزةُ ليس منهم؛ وهذا
مثالٌ من الأمثلة الكثيرة التي تؤكّد أنَّه منطلقٌ في إعلال الأحاديث من آراء له

١٤٦
((النصيحة ... ))
شخصيّة! لا قيمة لها في العلم !!
ومن هذا القَبيل قولُه -فيما بعد -: ((فأخشى أن يكون مدار الحديث على
المرسل»!
قلت: هذه خشيةٌ جبانٍ جاهلٍ، لأنَّ الطريقين مختلفان تماماً، فهذا: عن
سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، وذاك: عن زيد بن أسلم عن
عطاء مرسلاً؛ وإنّما يمكن أن يقال ما قال، فيما لو كان الموصول -مثلا - من
طريق عطاء عن أبي هريرة، أمَا والطريقان مختلفان كلَّ الاختلاف؛ فما يقول
ذلك إلا جاهِلٌ أو مكابرً!
وقال أخيراً: ((وإلا؛ فأين أصحابُ سهيل بن أبي صالح المشهورون ... ))
إلى آخر هُرائه؛ فإنَّه أقامه على زعْمِه المتقدِّم أنَّ حمزة هذا غيرُ مشهور، وقد
أثبتُّ بطلانه، وما بُني على باطل فهو باطل !!
(تنبيه): ذكر (المُبْطِل) -عَقِبَ مرسل عطاء- أنَّه وصله عمر بن صُهْبان
عند البزّر (٤٤٠) عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن أبي سعيد الخدري، ثم
قال (المُبْطِل):
((ولكن المرسل هو الصواب، لأنَّ عمر بن صُهبان متروك)).
قلت: هكذا وقع في ((كشف الأستار)) (٤٤٠/٢٢٠/١) (عمر بن
صهبان)؛ وبه أعلَّه الهيثمي (٢٨/٢)؛ فاهتبلها (الهدَّام) فرصَةً؛ فضعَّف هذا
الإسناد الموصول به، وتجاهل -كعادته- ما يعكر عليه تضعيفاته؛ وذلك أنَّه
رأى (عمر بن صهبان) - هذا- وقع في رواية ابن عبدالبر لحديثه من طريق
البزار: (عمر بن محمد)، ووثَّقه ابن عبدالبر، وصَخَّح حديثه هذا، ونقل نحوَه
عن البزار نفسه؛ فلا بأس من نقله عنه -وإن طال به البحثُ- لما فيه من

١٤٧
((النصيحة ... ))
الفائدة، وإقامة الحجّة على (الهدَّام)، وتجاهله للحقائق.
قال -رحمه الله تعالى- في ((التمهيد)) (٤١/٥ -٤٣) - وقد ذكرَ روايةَ
مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء ... مرسلا -:
((لا خلاف عن مالك في إرسال هذا الحديث ... ، وزعم أبو بكر البزَّار أنَّ
مالكاً لم يتابعه أحد على هذا الحديث إلا (عمر بن محمد)، عن زيد بن
أسلم، قال: وليس بمحفوظ من وجه من الوجوه إلا من هذا الوجه، لا إسناد له
غيره، إلاَّ أنَّ (عمر بن محمد) أسنده عن أبي سعيد الخدري، عن النبي الَّ.
قال: وعمر بن محمد ثقةٌ، روى عنه الثوري وجماعة، قال: وأمّا قوله
وَله: ((لعن الله اليهود؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))؛ فمحفوظٌ من طرقٍ كثيرة
صِحاح.
قال أبو عمر: لا وجهَ لقول البزار إلا معرفةٌ مَن روى الحديث لا غير، ولا
لها
خلاف بين علماء الأثر والفقه؛ أنَّ الحديث إذا رواه ثقةٌ عن ثقة حتى يتصل
بالنبي ◌َّ؛ أنَّه حجةٌ يُعمل بها، إلاّ أن ينسخَه غيرُهُ، ومالك بن أنس عند
جميعهم حُجَّةٌ فيما نقل، وقد أسند حديثَه هذا (عمرُ بن محمد)، وهو من
ثقات أشراف أهل المدينة، روى عنه مالك، والثوري، وسليمان بن بلال
وغيرهم، وهو (عمر بن محمد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله
عنه-)، فهذا الحديث صحيحٌ عند من قال بمراسيل الثقات، وعند من قال
بالمسند؛ لإسناد (عمر بن محمد) له، وهو ممن تُقبل زيادته، وبالله التوفيق)).
ثم ساق الحديثَ بإسناده المتصل إلى البزار، وهذا بإسناده المذكور في
((الكشف)) من طريق محمد بن سُلَيمان بنِ أَبي داود الحَرّاني؛ إلا أنه قال:
ںیا
(عمر بن محمد)، مكان (عمر بن صُهْبان).
قلت: وهذا اختلافٌ شديدٌ، ولا أجد الآن ما يساعد على ترجيح أحد

١٤٨
((النصيحة ... ))
الوجهين على الآخر، لأنَّ كُلاّ من (العُمَرَيْنِ) قد روى عن زيد بن أسلم، لكن
لم يذكروهما في شيوخ أبي داود الحرّاني، لكن ذكر الحافظ ابن عساكر في
ترجمته في ((تاريخ دمشق)) (٣٨٦/١٥) أنَّه سمع بدمشق جماعة، كما أنَّه ذكر
في ترجمة (عمر بن محمد) (٣٥٢/١٣) أنَّه قدم دمشق، فروى عنه من أهلها
جماعةٌ، فمن المحتمل أن (عمر) هذا -الثقة- سمع منه أبو داود الحَرَّانِيُّ،
بخلاف (عمر بن صهبان) -الضعيف-؛ فإنَّه -مع كونه مَدَنّاً-، فإنّهم لم
يذكروا له قدوماً إلى دمشق؛ والله أعلم.
وقد يُضاف إلى ما تقدم مرجِّحُ آخر، وهو قُرْبُ عهدٍ ابن عبدالبر من
البزّار، فتكون الثقة بروايته ونقله عنه أقوى من نقل بعض المتأخرين عنه
-كالهيثمي وغيره -.
هذا ما بدا لي من الترجيح، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن
نفسي، وإذا تم طبع ((مسند البزار)) المسمى ((البحر الزخّار)) فسينكشِفُ به ما
يزيد الأمر وضوحاً وبياناً - لصوابه أو خطاه -.
وما كانت النيّةُ متوجِّهةً للخوض في هذا، لولا ضرورةُ بيان كتمان هذا
(الهدَّام) للعلم الذي يكون حُجَّةً عليه، فنقل عن الهيثمي تضعيفَ حديث أبي
سعيد وراويهِ (عمر بن صهبان)، ولم ينقل تصحيح ابن عبدالبر إياه، وتوثيقه
لراويه (عمر بن محمد) -وقد وقف عليه-، فقد عزا إليه روايته لحديث حمزة
ابن المغيرة -كما تقدّمت الإشارة إليه، ﴿إِنَّ في ذلِكَ لذكرى لمن كان لَهُ
قَلْبٌ أو ألْقَى السَّمع وهو شهيد﴾.
٦٩- ((قال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، قال: قرأت على عبدالله
ابن نافع: أخبرني ابنُ أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، قال: قال
صَل له.
وسيم
رسول الله

١٤٩
((النصيحة ... ))
((لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلّوا علي، فإنَّ
صلاتكم تبلُغني حيث كنتم))، وهذا إسنادٌ حسنٌ رواته كلهم ثقات مشاهير)):
قلت: كذا حَسَّنه المؤلّف - رحمه الله-، وهوكذلك أو أعلى -لما يأتي
بیانه -.
وأمّا (الهدَّام) فوضع فيه ضعفاً، فقال -بعد أن عزاه لمصدرين آخرين -:
((وفي إسناده عبدالله بن نافع؛ وفيه ضعف))! ولم يَزِد !!
قلت: فيه تدليسٌ خبيثٌ، وتضليلٌ للقراء شديدٌ، وبيانه من الوجوه الآتية:
أولا: في الرّواة بهذا الاسم (عبدالله بن نافع) سبعةٌ، فيهم الثقة والصدوق
والمجهول والضعيف، فعَمَّى أمرَه ولم يبيِّنْه، لغايةٍ في (نفس يعقوب) معروفة!
وهو هنا (الصائغ المخزومي - مولاهم - المدني).
ثانياً: قال: ((فيه ضعف))! فإنْ كان يَعْني ضعفاً لا يُنافي صِحَّةَ إسناده
فضلاً عن حسنه - لأنَّ الحَسَن من طبيعته أن فيه ضعفاً - كما نبّهت عليه
مراراً-، أقول: إنْ كان يعني هذا، فهي معاكسةٌ مكشوفةٌ لتحسين المؤلِّف إياه،
ولغيره من الحفّاظ المصحّحين له -كما يأتي-، فكان الواجبُ عليه أن
يوافقَهم ولو على التحسين فقط، ولكنْ ...
وإن كان يعني ضعفاً ينافي التحسين على الأقل؛ فهو مبطلٌ مكابر؛ وهذا
- منه - (شِنْشِئَةٌ نعرفها من أخْزَمَ)! فإنَّ المخزومي هذا لا يبلغ حالُه إلى
الضعف المطلق -كما يتبيّن ذلك للباحث في ترجمته-، فلا أُطيل الكلام
بذكر ما قيل فيه، وإنَّما أنقل كلمات بعض النّقاد الذين أحاطوا بأقوال
الحفاظ المتقدمين فيه، ولخّصوها في جُمل قليلة:
فقال الذهبي في ((الكاشف)): ((قال (خ): في حفظه شيء، وقال ابن
معين: ثقة)).

١٥٠
(النصيحة ... ))
وهذا يعني بكل تأكيد أنَّه وَسَطٌ في حفظه، صدوقٌ في نفسه، فهو حسن
الحديث، وهو اختيار المؤلف كما رأيت.
على أنَّ لابن نافع هذا حالةً أخرى هي خيرٌ مما تقدّم، كما أشار إلى
ذلك بعضُ الأئمة:
فقال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٢١٣/١/٣): ((يعرف حفظه وينكر،
وكتابه أصَحُّ)).
ونحوه قول أبي حاتم - فيما رواه ابنه عنه في ((الجرح)) (١٨٤/٥) -:
(ليس بالحافظ، هو لَيِّن؛ تعرف حفظه وتُنكر -وفي نسخة: يعرف حديثه
وینکر-، وکتابہ اصُ)).
وأصرِحُ من ذلك قول ابن حبان في ((الثقات)) (٣٤٨/٨):
(«كان صحيحَ الكتاب؛ وإذا حدّث من حفظه ربّما أخطأ).
وقد لخّص الحافظُ كلّ ما قيل في الرجل بكلمات قليلة نافعة؛ فقال:
((ثقةٌ، صحيحُ الكتابِ، في حِفظه لين».
من أجل ذلك أشار الذهبي في صدر ترجمته من («الميزان)) إلى أنَّه:
((صحيح الحديث))، وأنَّ مسلماً احتجّ به.
وأورده في ((معرفة الرواة المتكلّم فيهم بما لا يوجب الرّد)) (١٩٢/١٣٠).
فقد فَرَّق هؤلاء الحفاظ بين كتابه؛ فصَخَّحوه، وحفظِهِ؛ فليَّنوه بعض
التَّلْيين؛ فتجاهل ذلك كلَّه (الهدَّامُ) بقوله: ((فيه ضعف))! دون أن يُبَيِّن ما يعني
به - كما سبق بيانه-، ودون أن يفرِّق بين كتابه وحفظه !! وقد عرفتَ سبب عدم
بيانه المشار إليه.

١٥١
((النصيحة ... ))
وأمّا عدمُ تفريقه؛ فسببه أنَّه إنْ فَرَّق لزمه تصحيحُ الحديث، لأَنَّه رأى في
إسناد الحديث أن الحافظ (أحمد بن صالح) قرأ عليه -يعني من كتابه-؛
ولذلك صحّحه عبدالحق الإشبيلي في ((الأحكام)) (٢/ ٨٩٢).
وقال الحافظ في ((الفتح)): ((سندُهُ صحيحٌ))؛ ولذلك كنت خرَّجته في
((صحيح أبي داود)) (١٧٨٠).
ثم ساق له المؤلّفُ بعضَ الشواهد من حديث علي، ومن طريقين
آخرين مرسَلين؛ وقد خَرَّجها (الهدَّام) وضعَّفها؛ دون أن يستفيد من مجموعها
صِحَّةً-، أو على الأقل حُسْناً -كما هي عادته-، وهو يرى الإمام ابن القيم
يُعَقِّب عليها بقوله:
((فهذان المرسَلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت
الحديث، لا سيّما وقد احتج به من أرسله؛ وذلك يقتضي ثبوتَه عنده، هذا لو
لم يكن رُوي من وجوه مسنَدةٍ غير هذين، فكيف وقد تقدم مسنداً؟! ».
لم يستفد (الهدَّام) من هذا كله شيئاً يصرفه عن هدمه؛ بل أخذ يجادلُ
بالباطل، فأعرض عن تمام كلام ابن القيم، وعلّق على قوله في المرسَلَيْن:
((يدلان على ثبوت الحديث)؛ فقال (١ / ٢٨٠): ((ليس كلّ مرسَلٍ يدلُّ على
ثبوت مرسَلٍ آخر ... ))، وتعامى عن بقيّة كلامه، فلم يقف عند قوله: ((وقد احتجّ
به من أرسله))، ولا قوله: ((وهذا لو لم يكن روي ... )) إلى آخره؛ فأصَرَّ على
تجاهله لمسند أبي هريرة الذي وَضَعَ فيه ضعفاً؛ وذلك لا ينفي صلاحيتَه
للاستشهاد به، فكيف وهو عند التحقيق حُجَّةٌ بنفسه؟! فكيف إذا انضَمَّ إليه
المرسلان؟! فكيف إذا انضم إليها مسند علي أيضاً؟! وقد أخرجه الضياء
المقدسي في ((المختارة)) -كما ذكر ابن القيم عقب حديثه، وتعامى (الهدَّام)
عنه، وقد رآه أيضاً معزوّاً في كتابي («تحذير الساجد)) (ص ١٤٠) إلى نسخته

١٥٢
((النصيحة ... ))
المخطوطة - وهو لا يَصِلُ إليها-، فإن كان هذا عُذراً له! فقد طُبع المجلد
الذي فيه الحديث (٤٢٨/٤٩/٢)؛ فلماذا لم يَعزُهُ إليه؟
ولقد بلغ به شَغَفُهُ بالمخالفةِ، والجنايةِ على السنة؛ أنْ تعامى عن أنَّ
مسلماً قد أخرج الجملة الأولى من حديث أبي هريرة من طريق أخرى عنه،
وعن كون الشيخين قد أخرجا لها شاهداً من حديث ابن عمر، وهما مخرّجان
في ((أحكام الجنائز)) (ص ٢٧٠ -٢٧١ - طبعة المعارف)؛ فهل يفعل هذا مسلمٌ
ناصحٌ ذو علم؟!
٧٠ - ((عن جابر: أنَّ رسول الله وَ لَهُ نهى أن تُخصَّصَ القبور، وأن يُكتب
عليها، قال الترمذي: حديث حسن صحيح)):
قلت: وتمام كلام التِّرمذي: ((قد رُوي من غير وجه عن جابر))؛ ذكره
تحت باب: (ماجاء في كراهية تخصيص القبور والكتابة عليها).
وعزاه (الهدَّام) لأبي داود - أيضاً-، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم؛
وعقَّب على ذلك بقوله (٢٨٦/١):
((وفي إسنادِهِ نَظَرٌ بالزيادة التي فيها نَصُّ الكتابةِ، وكأنَّ حديثاً دخل في
حديث، ويُفصَّل في غير هذا الموضع))!
قلت: هذا هُراءٌ في هُراءٍ، لا يعجز عن مثله أجبنُ الجبناء، وأجهلُ
الجهلاء، لأنَّه مجرّد ادعاء، يلجأ إليه - عادةً- الأدعياء! وإلا فما الذي يمنعه
من التفصيل الذي زعمه! ويُحيل إلى موضع ربّما هو نفسُه لا يعلمه! بل إنَّ
مثل هذا الكلام الغوغائيِّ لَيُشْعِرُ أنَّ الرجل يرتجل الحكم على الحديث
بالضعف، دون أي بحث، وإنَّما حسبما (يُوحي) إليه شيطانُهُ!
وَلَديّ على ذلك أدلّةٌ:

١٥٣
((النصيحة ... ))
الأوّل: تخريجه المذكور، فإِنَّه عزا الحديث للخمسة، وقال: ((وفي إسناده
نظر))؛ فأوهم أنَّه عندهم بإسنادٍ واحد، وهو كذبٌ -لغةً وشرعاً-، فإِنَّه عند
بعضهم بإسنادٍ آخر؛ فأخرجه الترمذي من طريق محمد بن ربيعةَ، والحاكم عن
حفص بن غِيَاث، وأبي معاوية، وابن حِبّان أيضاً (٣١٥٤)، والطّحاوي في
((شرح المعاني)) (٢٩٦/١) كلاهما عن أبي معاوية محمد بن خازم، ثلاثتهم،
عن ابن جُريج، عن أبي الزبير، عن جابر.
وقال الحاكم: ((صحيح على شرط مسلم))، ووافقه الذهبي.
فهذا هو الإسناد الأوّل.
والإسناد الآخر عند الثلاثة الآخرين -أبي داود، والنسائي، وابن ماجه-؛
من طريق ابن جُرَيج، عن سُلَيْمان بن موسى، عن جابر، وكذلك رواه ابن
حِبّان، وليس عند ابن ماجه إلا جملة الكتابة -فقط -.
فلْيتأمل القراء كم في تخريج (الهدَّام) من خَبْطِ وخلطٍ وزُورٍ؟!
هذا؛ وقد كنت صحّحت في ((الإرواء)) (٢٠٨/٣) هذا الإسنادَ الثاني، ثم
بدا لي أنَّ فيه انقطاعاً بين سليمان بن موسى وجابر.
و(سليمان) -هذا- ليس في شيوخه أبو الزبير؛ فالغالب أنَّه تلقّاه من
غيره، فيصلُحُ الاستشهادُ به، وإلا فهو متابعٌ قويٌّ لابن جريج.
وأصلُ الحديثِ عند مسلم وغيره من طُرُقٍ عن ابن جُريج: أخبرني أبو
الزبير، أنَّه سمع جابر بن عبدالله ... به.
ومن الملاحظ على (الهدَّام) -هنا- ما يُلاحَظ على الكثير من
تخريجاته؛ وهو إخلالُهُ بالأمانة العلمية، فقد كتم تصحيحَ التِّرمذي والحاكم
والذهبي إياه، وكذا تصحيحَ ابن حبان، وكذا قول التِّرمذي: ((وقد رُوي من غير

١٥٤
((النصيحة ... ))
وجهِ عن جابر))، كما كتم تصحيحَ النووي لإسناده، وإقرار الحافظ في
((التلخيص)) (١٣٢/٢) لتصحيح المذكورين.
وأمّا عَدَمُ ذِكرهِ لتصحيح الحافظ عبدالحق الإشبيلي، فما أظنُّه علمه
لیکْتُمہ !!
٧١- ((وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَله:
((كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزُورُها، فإِنَّ فيها عبرة)»:
أعلّه (الهدَّام) (٢٩١/١) -بعد أن عزاه لأحمد والحاكم- بقوله:
(وفي إسناده أسامة بن زيد؛ وفيه ضعف)).
قلت: ذلك لا ينافي أنَّه حَسَنٌ - كما قرّرته مراراً، آخرها تحت الحديث
(٦٩)-، وقد كتم -كعادته- قول الحاكم والذهبي عَقِبَهُ: ((صحيح على شرط
مسلم))، كما أنَّه لم يبيّن للقراء هُوِيَّة (أسامة بن زيد)؛ هل هو العدويُّ المدني
الضعيف؟ أم الليثيُّ المدني الثقة؟
فالعدوي؛ قال الحافظ: ((ضعيفٌ من قبل حفظه)).
وقال في الليثي: ((صدوقٌ يهم)).
وقال الذهبي في ((معرفة الرواة)) (٢٦/٦٤):
((أسامة بن زيد الليثي لا العدوي؛ صدوقٌ قويُّ الحديث، أَكْثَرَ مسلمٌ
إخراجَ حديث ابن وهب عنه، ولكن أكثره في الشواهد والمتابعات، والظاهر أنَّه
ثقةٌ، وقال النسائي: ليس بالقوي)).
وإِذا رجعنا إلى إسناد الحاكم (٣٧٤/١) وجدناه من رواية ابن وهب:
أخبرني أسامة بن زيد ... فظاهره أنَّه الليثي، لكنْ لدى الرجوع إلى ترجمة
العدويِّ، وجدنا أنَّه قد روى عنه ابن وهب أيضاً؛ فمن الصعب - والحالةُ

١٥٥
((النصيحة ... ))
هذه- الجزم بأنَّه الليثي، وإن كان الحاكم والذهبي جَرَيَا على أنَّه هو.
وعلى كلِّ حالٍ؛ فالحديثُ إن كان من حديثه فهو حسنٌ صحيحٌ، وإن
كان من حديث العدوي فهو صحيحٌ لشواهدِهِ الآتية.
فتخريجُ (الهدَّام)، وإطلاقُه ضعفَ أسامة، وكتمُه الشواهد؛ من جَوْرِهِ
وظلمهِ للسنّة - كما لا يخفى -.
٧٢- ((وعن بريدة، قال: قال رسول الله وَّل: «كنت نهيتكم عن زيارة
القبور، فمن أراد أن يزور؛ فَلْيَزُرْ، ولا تقولوا هُجراً)) رواه أحمد، والنسائي)»:
قلت: هو حديثٌ صحيحٌ بتمامه - كما يأتي -.
وأمَّا (الهدَّامِ) فمَرّ عليه مَرَّ الكرام! ولم يزد في التخريج على أن ذكر
أرقامه في المصدرين المذكورين، وقال (٢٩٠/١): ((وأصله عند مسلم
(٩٧٧)، وأبي داود (٢٢٣٥) بنحوه)).
فأقول: هذا التخريجُ شأنُ من لا يُحسِن التحقيق، ولا يستطيع أن يميِّز
الصحيح من الضعيف، لما فيه من الإجمال والإعراض عن البيان - كما هي
عادة هذا (الهدَّام) -.
فالحديث فيه ثلاثُ جُمَل -كما يرى القراء الكرام-، فما هو الأصلُ منه
الذي رواه مسلم وأبو داود؟! ذلك مما لم يبيِّنْه (الهدَّام)؛ وهذا من أساليبه في
الهدم والتضليل!
وهاكم البيانَ:
أولا: الحديث عندهم - جميعاً- من طريق مُحارب بن دِثَار، عن ابن
بريدة - وهو عبدالله في رواية غير مسلم-، عن أبيه ... - مرفوعاً -مختصراً-،
بلفظ: ((نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)».

١٥٦
((النصيحة ... ))
فهذا أصلُه الذي عزاه لمسلم؛ فتابعْ معي:
ثانياً: زاد أبو داود (٣٢٣٥) بسندٍ صحيح عن محارب: «فإنَّ في زيارتها
تذكرة)».
فهذا هو أصله الذي عزاه لأبي داود! فتأمّل الفرقَ بينهما، ثم احكم على
(الهدَّام) بالحق ...
ثالثاً: وفي رواية للنسائي من طريق المغيرة بن سُبَيع: حَدَّثني عبدالله بن
بريدة، عن أبيه ... باللفظ الذي ساقه ابنُ القيم، وإسنادهُ صحيحٌ، رجاله كلهم
ثقات.
رابعاً: تابعه أبو جَنَاب، عن سُليمان بن بريدة، عن أبيه ... مرفوعاً بلفظ:
((كنت نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها، ولا تقولوا هُجراً)).
وهذه روايةُ أحمدَ (٣٦١/٥)؛ وإسناده ضعيف، أبو جَنَابٍ - واسمه
يحيى ابن أبي حَيَّة -: قال الحافظ: ((ضعّفوه؛ لكثرة تدليسه)).
وفي أُخرى له (٣٥٥/٥) من طريق مُحارب بن دِثَارٍ ... مثل لفظ مسلم،
وزاد:
(لتذكِّركم زيارتها خيراً))، وإسنادها صحيح.
ومن طريق أُخرى فيها ضعفٌ- عن عبدالله بن بُريدة؛ بلفظ: ((فإنّها
تُذَكِّر الآخرة».
ولجملة: ((ولا تقولوا هجراً)) شاهدان، أحدهما من حديث أنس بسند
حسن، وهو مخرّج في ((أحكام الجنائز)) (٢٢٨-٢٢٩/ المعارف)، والآخر عن
أبي سعيد الخُدْري، رواه أحمد (٦٣/٣ و٦٦)، ورجاله ثقات؛ غير محمد بن
عمرو بن ثابت، لم يوثّقه غير ابن حبان؛ فلا بأس به في الشواهد، وانظر

١٥٧
((النصيحة ... ))
((الصحيحة)) (٢٩٦٩).
ثم لا بُدَّ من التذكير - بما سبق التذكير به مرّة أو أكثر-، أنَّ عزو (الهدَّام)
هنا - أو في غير هذا المكان- لمسلم؛ لا يعني ذلك أنَّه حديثٌ صحيحٌ عنده!
فكم من حديث له ضعّفه (الهدَّام) جهلاً وبغياً بغير حق؟! ومن الأمثلة على
ذلك ما تقدم برقم (٥و٥٠)، وبخاصة ما كان من حديث (ابن بريدة عن
أبيه)، فإنَّه يزعم أنَّه لم يسمع من أبيه! وبه أعلّ الحديث الصحيح: ((من
حلف بالأمانة فليس مِنا))؛ صَرَّح بذلك في ((ضعيفته)) التي ذَيَّل بها على طبعته
لـ ((رياض الصالحين)) (٥٥٩/ ١١٩)؛ وغفل أو تغافل - لا أدري !- عن
أحاديث أُخرى بهذا الإسناد، مثل حديث مسلم هذا في زيارة القبور (رقم
٤٣٤/ ((رياضه)))، والذي بعده فيه بحديث (رقم ٤٣٦)، وكلاهما عزاهما لمسلم
-أيضاً- هنا- قُبيل هذا الحديث! وسكت عنهما - كما فعل في ((الرياض)) !-
ومثل حديث: ((لا وجدت)) عند مسلم، ورقمه فيه (١٢٩٦)، وحديث: ((لا
تقولوا للمنافق: سَيّد ... ))، ورقمه (١٣١٢)، كلَّ هذه الأحاديث من رواية ابن
بريدة عن أبيه؛ فكان يلزمه أن يُبَيِّنَ موقفَه منها، وإلاَ أُدِينَ بأنها ضعيفةٌ عنده،
لحا
وإلا قوّاه ببعض الشواهد والطرق إنْ وُجِدت، إلا أنَّ هذا ليس من طبيعة مَن
نصب نفسه لتضعيف الأحاديث الصحيحة!
٧٣- ((وعن علي بن أبي طالب، أنَّ رسول الله وَّ قال: ((إنّي كنت
نهيتكم عن زيارة القبور؛ فزوروها، فإِنَّها تذكِّركم الآخرة))، رواه الإمام أحمد)):
وهذا حديثٌ صحيحٌ بشواهده.
أمّا (الهدَّام) فلا يقيم وزناً للشواهد، وإلا لم يكتَفِ بقوله (١/ ٢٩١)
- فيه -: ((وأخرجه أحمد (١٤٥/١) بإسنادٍ فيه ضعفاء))!
3

١٥٨
((النصيحة ... )).
أمّا الشطر الأوّل منه، فشاهده حديث بريدة عند مسلم وغيره - كما تقدم
آنفاً -.
وهنا أتساءل، فأقول: أليس لنا أن نتّخذ إعراضه عن الاستشهاد به دليلا
جديداً على تضعيفه لحديث بريدة، غير الانقطاع الذي ادّعاه في إسناده على
ما قدّمنا بيانه؟! بلى وربِّي؛ فإنَّ من طريقته الاستشهادَ بالأحاديث الصحيحة
الأحاديث الضعيفة، فلولا أنَّه يرى ضعف حديث بريدة لاستشهد به لحديث
علي - إن شاء الله تعالى -.
أَمّا الشطر الآخر، فيشهد له حديث بريدة - أيضاً- عند أحمد - كما تقدم
(ص١٢٦) بلفظه-أعني الشطر الثاني-، كما يشهد له زيادة أبي داود
- المتقدّمة (ص١٢٥)- بلفظ: ((فإِنَّ في زيارتها تذكرة))، وسندها صحيح - كما
تقدم -.
ويشهد لها -أيضاً- حديث أنس -بلفظه أيضاً المخرَّج في ((الأحكام))
-بسندٍ حسن - كما سبق -.
ثم إنَّ قوله: (فيه ضعفاء))؛ ليس تعبيراً علميّاً، لأنَّه ليس فيه إلاّ ضعيفٌ
واحدٌ -هو: علي بن زيد بن جُدْعان-، عن (ربيعة بن النابغة، عن أبيه)
-وهما مجهولان -.
وقد يجادلُ هو - أو غيره من الجهلة-، فأقول له سَلَفاً: أرأيتَ لو كان في
الإسناد رجلٌ مجهول، أتقول فيه: ضعيف؛ أو: مجهول؟! وكذلك الأمرُ إذا كان
فيه مجهولان فأكثرُ، فكذلك ما نحن فيه، الصواب أن يقال: ((فيه ضعيف
ومجهولان))؛ فإنَّه المطابق للواقع.
٧٤- ((وفي ((الترمذي)) وغيره مرفوعاً: ((الدعاء هو العبادة)))).

١٥٩
((النصيحة ... ))
قلت: الحديث عندنا صحيحٌ بلا ريب، وقد صحَّحه جَمْعٌ، وهو مخرَّج
عندي في مواضع، منها ((أحكام الجنائز)) (٢٤٦).
وقد خرجه (الهدَّام) من رواية أصحاب ((السنن)) وغيرهم، ولم يذكر من
صحَّحه من الأئمّة كعادته، وإنَّما أعلّه بـ(يُسَيْع الحضرمي) الراوي له عن
النعمان بن بشير، فقال (٢٩٢/١):
(«فيه جهالةُ حالٍ، وتوثيق النسائي وابن حبان له؛ فمن عادتهما
- أحياناً - [التساهل](١) في توثيق المجاهيل والمسكوت عنهم، وهي عند
النسائي أقلُّ بكثير مما عند ابن حبّان، وأرجو أن يكون الحديث حسناً)!
قلت: هذا التحسين -ولو مقروناً مع الرجاء؛ والذي نتمنى أن يكون مطَّرِداً
في كل ما ضَعَّفه من الأحاديث الصحيحة؛ من باب أخفِّ الضررين !- أقول :
هو مما يخالفُ به منطلقَهُ الذي شذّ به عن العلماء، وخالف ﴿سبيل
المؤمنين﴾ في التضعيف - بناءً على عِلَلِ ابتدعها-، فكم من حديث صحيح
ضَعَّفَه بدعوى الجهالة وعدم الشهرة تارةً، أو الانقطاع بين التابعي والصحابي
تارةً أُخرى! وغير ذلك من عِلَلِه؛ مثل تضعيف الحديث المتعَدِّد الطرق مهما
كانت كثيرة وسالمة من الضعف الشديد -كما تقدّم التنبيه عليه مراراً وتكراراً -.
وأقربُ مثالٍ للعِلَّة الأولى رَدُّه للحديث المتقدِّم برقم (٦٨) بقوله:
(تَفَرَّد به حمزة، وليس بالمشهور))! ثم قال:
((فأَين أصحابُ سهيل بن أبي صالح المشهورون عن هذا الحديث؟!)).
فنقول له:
ما عدا عَمّا بدا؟! لِمَ لَمْ تُعلِّل هذا الحديثَ -أيضاً- بعلَّتِك تلك إن كنت
(١) سقطت من مطبوعة (الهدَّام)؛ والسياق يقتضيها.

١٦٠
((النصيحة ... ))
مؤمناً بها؛ فتقول مثلاً: فأين أصحاب النعمان بن بشير عن هذا الحديث؟!
وهي هنا أَوْلَى من هناك لو كانت صحيحة! وذلك لأنَّ (حمزة) ليس مجهولَ
العين، ولا مجهولَ الحال، بل هو ثِقَةٌ -كما تَقدَّم-؛ بخلاف (يُسَيع)، فإنَّه لم
يَرو عنه غير (ذَرّ بن عبدالله الحضرمي)، وعليه فهو مجهولُ العين عِندَك، فَلِمَ
خالفت أيضاً، فقلت: ((فيه جهالة حال))؟! وأنت القائل في ((حوارك)) (ص٩٩):
((من وثَّقه ابن حبان وروى عنه اثنان أو ثلاثة أو أكثر؛ يكون مجهولَ
الحال)).
فهذا يعني أنَّ (يُسيعاً) مجهولُ العين عندك؛ فَلِمَ خالفت، فأفهمتَ
القراء خلاف الواقع؟! وعندي أنَّك فعلتَ ذلك تميهداً لقولك الأخير: ((وأرجو
أن يكون الحديث حسناً))!
وحينئذٍ؛ نأخذُ بتلابيبِهِ، ونقولُ له: لِمَ لَمْ تَرْجُ مثلَ هذا الرَّجاء في حديث
العِرْباض بن سارية -المتقدِّم برقم (٢)-، والذي رواه عنه عبدالرحمن بن
عمرو السُّلَمي، وحالُهُ خيرٌ من حال (يُسَيع)، فقد اعترفت في ((حوارك))
(ص١٠٠) بأنَّه مجهولُ الحال مع كثرةٍ من روى عنه! يضاف إلى ذلك كثرةُ
الحفاظ المُصحِّحين له، وشهرتُه عند العلماء كافة، واحتجاجُهم به - كما بيَّنت
هناك؟ !-.
وأمّا إعلالُهُ بالانقطاع - ولا انقطاعَ-؛ فأقربُ مثالٍ الحديثُ (٤٣) من
رواية أبي نَعَامة، عن عبدالله بن مُغَفَّل؛ فزعم أنَّ ظاهره الإرسال من أبي
نَعَامة، إلا أن يُصرح بالسماع من عبدالله بن مُغَفَّل، وقد رددتُ عليه هناك
باختصار، وأحلت التفصيل على المقدّمة.
وهذا الإعلالُ العليلُ يَرِدُ - أيضاً- على رواية (يُسَيع) عن النعمان بن
بشير؛ فإنَّه لم يصرح بالسماع أيضاً، فهل رجع إلى الاكتفاء بالمعاصرة - وهو