النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ ((النصيحة ... )) الذي رماه به بعض المتقدمين، وتبنّاه بعض المؤلفين في ((مصطلح الحديث))، وقلده بعض الأغرار من الناشئين، فضعّفوا بعض الأحاديث التي صرّح فيها بالتحديث لعنعنة شيخه! ولا أستبعد أن يكون منهم هذا (الهدَّام)، ولكنّه يتكتم ولا يُفصِح؛ بحيث (يلسع ثم يختبئ)! وقد حقّقت القول في براءة (بقية) من تدليس التسوية في تخريج حديثٍ له في (العقل)؛ العلة فيه من شيخه، وذلك في ((الضعيفة)) (٥٥٥٧)، وعلى ما ذكرت من التبرئة؛ مذهب الجمهور - فيما سمعه من شيوخه الثقات- كما تقدم عن الحافظ الذهبي-؛ فتنبه! وبهذا يتم الجواب عمّا أعل به (الهدَّام) حديث المقدام. ثانياً: أعلَّ الحديث الآخر بالإرسال بعد أن خرّجه من رواية أصحاب ((السنن)) -وغيرهم-وهم ستة كما هم في ((الصحيحة)) !- عن سعيد بن أبي عَروبة، عن قتادة، عن أبي المليح بن أسامة، عن أبيه - مرفوعاً-؛ وقال عَقِبَه: ((انفرد سعيد بن أبي عَروبة بزيادة: ((عن أبيه))، كما قال التِّرمذي، وإن المرسل أصح)). قلت: لم يذكر (الهدَّام) نص عبارة الترمذي؛ لأنَّها تُبَيِّنُ سببَ ترجيحه للمرسل؛ فإِنَّه قال عقب الحديث: ((لا نعلم أحداً قال: ((عن أبي المليح عن أبيه)) غير سعيد بن أبي عروبة))، ثم ساق بسنده الصحيح عن شعبة، عن يزيد الرَّشْك، عن أبي المليح، عن النبي ◌ِّر ... ، ثم قال: ((وهذا أصح)). قلت: فأَنت ترى أنَّ سبب ترجيحه المرسل يعود إلى أمرين: أحدهما: إرسال يزيد الرَّشْك إياه، خلافاً لقتادة، والخطب في هذا سهل -بقاعدة: ((زيادة الثقة مقبولة))-؛ لا سيما وقتادة أوثق من يزيد، كما يُعلم ذلك ٦٢ ((النصيحة ... )) من ترجمتيهما؛ زد على ذلك أنَّه قد اختُلف عليه في إسناده، كما اختُلف فيه على شعبة: فأخرجه البيهقي (٢١/١)، من طريق أخرى، عن شعبة، عن يزيد -بسنده-، فذكر فيه: ((عن أبيه)). وتابعه على وصله مَعْمَرٌ، عن يزيد الرِّشْك ... به، أخرجه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥١٠/١٥٩/١). ورجاله ثقات غير شيخ الطبراني أحمد بن عمرو الخلال المكي؛ فلم أجد له ترجمة. وأخرجه عبد الرزّاق (٢١٥/٦٦/١) عن معمر ... به؛ إلاَّ أنَّه لم يذكر: ((عن أبيه)) فأرسله! لكن الراوي عنه - الدَّبَرِيُّ-؛ وفيه ضعف معروف. وعلى كل حال؛ فهذا الاختلاف على يزيد الرَّشْك في وصله وإرساله، لا يصلح أن يكون مرجِّحاً لروايته المرسلة على رواية قتادة المتصلة - كما هو ظاهر -. وهذا على افتراض تفرُّد قتادة به، وليس كذلك؛ فقد روى إسحاق بن إدريس: ثنا أَبَان بن يزيد، عن مطر الورّاق، عن أبي المليح، عن أبيه ... به. أخرجه الطبراني أيضاً (٥١١). لكن إسحاق بن إدريس -وهو الأسواري- متروك؛ فلا يُستشهد به؛ ولا کرامة. والأمر الآخر -الذي من أجله رجّح التِّرمذي المرسل-؛ قوله المتقدم: ((لا نعلم أحداً قال: (( ... عن أبيه)) غير سعيد)). ٦٣ ((النصيحة ... )) وجوابي على هذا النفي، وردّي على (الهدَّام) الذي زعم انفراد سعيد بوصله - تقليداً منه للترمذي؛ الذي لا يثق به إلا إذا وافق هواه، والذي يمنعه 3 من أن يحكي مخالفته إيّاه !- من ناحيتين اثنتين: الأولى: القاعدة المعروفة عند العقلاء فضلاً عن العلماء: ((عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه))، فقد يكون الشيء موجوداً ويعلمه بعضٌ دون بعض، وهذا أمر بَدَهِيٌّ لا يحتاج إلى برهان، وأعتقد أنَّه لا يجادل فيه إلا سُفُسْطائي مرتاب، أو (هدَّامٌ) معادٍ للصواب! وإذ الأمر كذلك؛ فلازمه أنّ الثقة إذا أثبت شيئاً، ولم يثبت ما ينفيه فهو حُجَّة، والأمر هنا كذلك؛ لأنَّ رواية يزيد الرِّشك المرسلة قد ثبت أنَّها مرجوحة - لاضطراب الرواة عليه وصلاً وإرسالا-؛ فلا يصلح دليلاً لنفي الرواية المثبتة، بل الأقرب أن رواية الوصل تكون أرجح؛ لموافقتها لرواية سعيد المثبتة، وعليه تكون شاهداً لها، وآخذةً بعضدها، فتأمَّل هذا؛ فإِنَّه من دقائق هذا العلم الذي استفدناه من تخريجاتهم وتحقيقاتهم العلمية، جزاهم الله خيراً. وأمّا قول (الهدَّام): ((وخولف سعيد ... )) - ثم ذكر رواية هشام الدَّسْتُوائي، عن قتادة، عن أبي المليح؛ أنَّه كره جلود السباع -: فهذا من جهله وعدوانه؛ إذ لا مخالفة بين قول الرّاوي بمقتضى حديثه، بل هذا هو الواجب على كل مسلم أن يعمل بحديث النبي وأن يفتي به، والراوي له أولى بذلك -كما لا يخفى -. ثم إنَّ هذا (الهدَّام) يذكر دائماً ما له -فيما يظنُّ- ويكتم كل ما عليه -فيما يعتقد-، ومما كتم هنا رواية شعبة عن قتادة ... به، مثل رواية سعيد؛ أخرجها الطبراني (٥٠٩) عَقِبَ رواية سعيد، فقال: حدثنا عبد الله بن أحمد: ثنا أبو كُرَيب: ثنا ابن المبارك، عن شعبة ... به. وهذا إسناد صحيح غاية؛ رجاله كلهم رجال الشيخين، غير عبد الله ٦٤ ((النصيحة ... )). -واسمه (عبد الله بن أحمد بن موسى الأهوازي الجواليقي)-، وهو حافظ ثقة، مترجم في ((تذكرة الحفاظ)) وغيره. ويأتي له أمثلة أخرى من جُحوده. من أجل ما تقدم؛ رأينا الحفّاظ صحّحوا الحديث، ولم يلتفتوا إلى رواية الإرسال؛ مثل الحاكم، والذهبي، ومن قبله ابن عبد البر، وقبله عبد الحق الإشبيلي، فأورده في ((الأحكام الصغرى)) (٨٠٥/٢) التي خصَّها بالأحاديث الصحيحة، وزاد على ذلك أن أشار إلى رفض الرواية المرسلة، رداً على من قد يكون جاهلاً مثل (الهدَّام): (يُروى عن أبي المليح مرسلاً))! والناحية الأخرى في الرَّد على (الهدَّام) -في تضعيفه لهذا الحديث الصحيح - أن نقول: لنفترض أنَّ الصواب في حديث أسامة -والد أبي المَلِيح - الإرسال، ولكنّه صحيح الإسناد، وحينئدٍ فهو شاهد قويٌّ لحديث المقدام الجيد الإسناد -في نقدي-، ولْنفترض أنَّه ضعيف الإسناد - كما يزعم (الهدَّام) - فذلك لا يضرُّ الحديث؛ بل يقوِّيه عند الإمام الشافعي وغيره من الأئمة، كما هو مبسوط في ((علم المصطلح))، وإن خالفهم (الهدَّام) على الدوام، نسأل الله السلامة وحسن الختام. ثالثاً: لو فرضنا أنَّ الحديث لا يتقوى بمجموع الحديثين، فهو -بلا شك ولا ريب- صحيحٌ بمجموع الأحاديث التي سبقت الإشارة إليها (ص٦٢) من حديث علي، وابن عمر، ومعاوية؛ فإنَّه لا يمكن لطالب علم مسلم وقف على أسانيدها مع أسانيد الحديثين أن يستمرَّ على القول بضعفه، إلا من كان مثل هذا (الهدَّام)؛ فقد أصرَّ على تضعيفه؛ فإِنَّه - بلا شك- كان وقف عليها، ٦٥ ((النصيحة ... )) ولذلك فإنَّه عاكسني وعارضني، فكما أشرت أنا في ختام تخريجي للحديث إلى تقويتي بها، عارضني فأشار إليها في ختام تخريجه، وَأَمَرَ القارئ (!) بالنظر إليها في ((مشكل الآثار))، و((مصنف ابن أبي شيبة))، و((مصنف عبد الرزاق))، وقال: ((وفي جميع أحاديثها كلام، ولا أظنُّها بمجموعها ترقى إلى درجة الصحیح))! وردّي على هذا الهُراء من وجهين: الأوّل: أنَّ التعميم الذي ذكره في أوّله؛ كذبٌ وزورٌ فِإِنَّ في المصدر الأوّل من المصادر الثلاثة، قول ابن أبي شيبة (٥٢٩٦/٤٩٤/٨): حدثنا وكيع، عن أبي المعتمر، عن ابن سيرين، عن معاوية؛ أنَّ رسول الله وَّ نهى عن ثوب الخَزِّ والنُّمور. قال ابن سيرين: وكان معاوية لا يُتَّهم في الحديث عن رسول الله وَه ومن طريق ابن أبي شيبة: أخرجه ابن ماجه (٣٦٥٦)، ورواه أبو داود (٤١٢٩) من طريق آخر عن وكيع، بلفظ: ((لا تركبوا الخزَّ ولا النِّمار))؛ وذكر قول ابن سيرين في معاوية - رضي الله عنه - . وهكذا أخرجه أحمد أيضاً (٩٣/٤): ثنا وكيع ... به. وقال أبو داود - عَقِبَه -: ((أبو المعتمر اسمه: يزيد بن طَهْمان، كان ينزل الحيرة)). قلت: وثّقه أبو حاتم، وابن معين، وابن حبان، وأبو نعيم، والذهبي، والعسقلاني، وسائر رجاله ثقات من رجال الشيخين، فالسند صحيح لا عِلَّة فيه، وصحَّحه عبد الحق الإشبيلي في ((الأحكام الصغرى)) (٨٠٥/٢)، فسقط ٦٦ ((النصيحة ... )) حَشْرُ (الهدَّام) إياه في عموم كلامه المذكور. ولكنّي لا أستبعد أن يختلق له عِلَّةً من عنده يضعِّفه بها، فإِنَّه فريد زمانه(!)، كما فعل في (إسماعيل بن أميّة) الثقة الثبت، فإِنَّه رماه بالتدليس في حديثٍ له في ((صحيح مسلم))، فقال فيه: ((لم يصرِّح بالتحديث في جميع طرق الحديث))! (ص٥٦٦- ذيل ((رياضه)))؛ مع أنَّ أحداً لم يتهمه بالتدليس. وله من مثل هذا الاختلاق الشيءُ الكثيرُ - كما سيأتي التنبيه على ذلك - إن شاء الله -. وقد يتساءل بعض القراء عن سبب إحالة (الهدَّام) إلى المصادر الثلاثة فقط، دون ((السنن)) و((مسند أحمد)) الذين أخرجوا الحديث بهذا السند الصحيح؟! فأقول: الجواب عند كلٍّ من عرف الرجل وأساليبه في هدم السنة وتضعيف الأحاديث الصحيحة؛ هو: طَمْسُ الحقائق العلمية، وتصعيبُ الطرق على القراء الذي يحبون الوصول والتعرف إليها؛ فإِنَّ مراجعة هذه المصادر - التي طوى ذكرها هنا- أيسرُ على القراء من تلك، ولست أشكُّ أنَّه على علم بوجود الحديث فيها، وأنَّ له في ((المسند)) أربعة طرق أخرى (٩٢/٤، ٩٣، ٦٥، ٩٦، ٩٩، ١٠١) عن معاوية - غير الطريق الصحيحة المتقدمة-، هي وحدها كافيةٌ -على ما فيها من ضعف- لتقوية حديث معاوية، فكيف إذا ضُمَّ إليها الطريق الصحيحة؟! وكيف إذا ضُمَّ إليها طرق أحاديث الصحابة الآخرین؟! نسألك اللهم أن لا تضلَّنا بعد إذ هديتنا؛ إنَّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ... ١ ٦٧ ((النصيحة ... )) وإِنَّ من معاكساته للعُلَماءِ؛ أن ابن القيِّم - رحمه الله- وجّه الحديث بقوله: ((لما تُكْسِب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات، فإنَّ الملابسة الظاهرة تسري إلى الباطن ... )). فعارضه (الفَسْلُ) بقوله: ((وإِذا صَخَّت الأحاديث آنفاً فإِنَّ المعنى ينصرف إلى النهي (!) عنها؛ حتى لا تشابه العجم في ركوبهم عليها))! وختاماً: ليتأمل القراء معي في قوله: ((وإذا صحت ... ))؛ هل ربط الصِّحة بـ (إِذا) عن تلبيس ومكر؟! أم عن غفلة وجهل بالفرق بين (إِذا) التي تقابل (عسى) في قوة الرجاء، و(إن) التي تقابل (لعل) في ضعف الرجاء - غالباً-؟! فإِنَّ بحثه وهدمه يقتضي أن يكون التعبير: ((إن صحّت ... ))، هكذا أملت عليَّ عُجْمَتي! فمعذرةً إنْ شَرَدْتُ عن الفهم الصحيح لعبارة الرجل العربي (الهدَّام)؛ متذكراً أن العرق دسَّاس! ١٢- قال ابن القيّم - رحمه الله -: ((حُرّم لبس الحرير والذهب على الذکور)): قلت: هو من حديث أبي موسى، وتمامه: ((وأُحِلَّ لإناثهم))، رواه التّرمذي، وقال: ((حديث حسن صحيح)). أمّا (الهذَّام) فَخَرَّجَهُ (٧٨/١-٧٩) من حديث علي بلفظ آخر! وأعلّه بالجهالة، ومن حديث أبي موسى وأعلّه بالانقطاع، ولم يسق لفظه المطابق للفظ ابن القيم معاكسةً له! وعاكسني أنا لتصحيحي إيّاه بطرقه الكثيرة، فقد خرَّجته في ((الإرواء)) (٣٠٥/١-٣٠٨) من حديث جمع آخر من الصحابة، منهم: ابن عمرو، وابن عباس، وعمر بن الخطاب، وعقبة بن عامر؛ فكتم كل هذه الشواهد موهماً القراء أنَّه لم يُرْوَ إلا عن علي، وأبي موسى، وكتم أيضاً ٦٨ ((النصيحة ... )) تصحيح الترمذي إيّاه! كما كتم تقوية الشوكاني له بمجموع طرقه! هذا كله كتمه (الهدَّام) وقد رآه في ((الإرواء))، وما ليس فيه مما يقويه فهو له أكتم! لأنَّه لا يسعى ولا يبحث إلا للهدم، فهل ينقل -مثلا- عن الحافظ عبد الحق الإشبيلي أنَّه صحّحه في ((الأحكام الشرعية الصغرى)) (٨٠٤/٢ - ٨٠٥)، وعن الحافظ ابن حجر العسقلاني تصحيحه في ((الفتح)) (٢٩٦/١٠ و٣١٧)؟! وهل يقول - كما قال الحافظ أيضاً -: ((صححه ابن حبان))، ويذكر الجزء والصفحة (١٢/ ٢٥٠) من ((الإحسان)) الذي يزعم - حين يكون العزو والإحالة إليه موافقاً لهواه- أنَّه عمل فيه مع شيخهِ شعيب! وإن كان لا يسمي الجزء أو المجلدات التي عمل فيها؛ تشبُّعاً منه بما لم يفعل، أو مكراً منه كي لا يظهر انحرافه بعد ما انفصل عنه، وإن كان لا يزال يقولُ عنه في بعض المناسبات: ((شيخنا وأستاذنا))! وما ذاك في تقديري إلاّ لمصلحة شخصيّة للتخريج واصطياد الموافقات، مع كثرة مخالفته له فيما يُصَحِّحُه - كهذا الحديث؛ فقد صحَّحه في تعليقه عليه، وإن كان غفل أو تغافل - لا أدري !- عن خطأين وقعا في إسناد ابن حبان؛ مَرّ عليهما دون تنبيه، وقد نبّهت عليهما في كتابي ((تيسير الانتفاع ... ))، يسر الله لي نشره على الناس. ١٣- قال ابن القيم: ((شُرع للمتوضئ أن يقول عَقِيبَ وضوئه: أشهد أن 3 لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمداً عَبْده ورسولُه، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين»: قلت: جزم ابن القيم بشرعيّته، وما ذاك إلا لصحّته عنده، وصرّح بثبوته في ((زاد المعاد))، وهو الصواب الذي عليه كثير من الحفاظ، وخالفهم (الهدَّام) - كعادته-؛ فأعلّه بالاضطراب - تقليداً منه للترمذي-، ولم يكلِّف نفسه أن يبحث في أسانيد الحديث وطرقه ليتبيَّن له صوابه من خطٍهٍ، أو - على الأقل- ٦٩ ((النصيحة ... )) أن يرى موقف الحفاظ من الاضطراب المزعوم، ولكن لم يفعل ذلك؛ لأنَّ هذا ينافي مخطّطه: وهو (الهَدْم)! وعلى قاعدة: (خالف تُعرف)! والحقيقة أنَّ الاضطراب الذي تشبّث به مرجوٌ - كما كنت قلت في «الإرواء)) (١٣٥/١)، وشرحت ذلك في ((صحيح أبي داود)) (١٦٢)-، وخلاصة ذلك أنَّ الاضطراب نسبي غير كُلِّي، أي: بالنسبة لرواية التِّرمذي فقط، ولهذا قال الحافظ في ((التلخيص)) (٤٥٤/١) مستدركاً على الترمذي: ((لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاضطراب)). وبيَّن ذلك أحسن البيان في كتابه الآخر ((نتائج الأفكار)) (٢٣٩/١ - ٢٤١)؛ فلْيراجعه من شاء التوسّع. وأما (الهدَّام) فلم يفرّق بين رواية مسلم المحفوظة، ورواية التِّرمذي المضطربة، فإنَّه بعد أن عزَاه لمسلم، وبيّن أنَّه ليس في روايته زيادة: ((اللهمّ اجعلني ... ))؛ عقّب عليها بإعلال التِّرمذي بالاضطراب. ومن تدليسه وخيانته للعلم؛ أنَّه قال عقبه: ((وانظر تحقيق الشيخ أحمد شاكر له في تحقيقه لـ((سنن الترمذي)))! وتحقيق الشيخ - رحمه الله- إنما فيه الرد على التّرمذي في بحث له قيِّم، افتتحه بقوله: ((وقد أخطأ التِّرمذي فيما زعم من اضطراب الإسناد ... ))، فانظره؛ فإِنَّه نفیس. فماذا عسى أن يقولَ القراءُ في هذا (الهدَّام المدلِّس) القلاب للحقائق؟! عامله الله بما يستحق! وأمَّا الزيادة المشار إليها؛ فهي قويةٌ بما لها من الشواهد، وقد ذكرتُها ٧٠ ((النصيحة ... )) وخرَّجتُها في ((صحيح أبي داود))، وكذلك خرَّجها الحافظ في ((النتائج))، وقد ذكرها برواية التّرمذي في ((بلوغ المرام)»، وسبقه إلى ذلك النووي في ((الأذكار))، وفي ((رياض الصالحين))؛ وقد أعمى الله بصرَ (الهدَّام) عن الإعلال المذكور -والحمد لله- في مختصره لـ ((الرياض))؛ فأبقاه فيه (٧٩١/٢٩٢) مع الزيادة! ولم يورده في (ضعيفته))! وقد صحّحها عبد الحق الإشبيلي في (الأحكام الصغرى)) (١/ ١٢٣). ثم إنَّ (الهدَّام) حين أعلّ الحديث بما تقدم إنَّما تَستَّر بالترمذي، والحقيقة أنَّ العِلَّة عنده (معاوية بن صالح)، فإِنَّه وضع فيه ضعفاً في بعض الأحاديث الصحيحة، ومن ذلك قوله في بعض طرق الحديث الآتي برقم (٥٠): ((عنده غرائب))! وإنَّ من الأدلة الكثيرة الدالّة على عدم وفائه بما تعهّد به في مقدِّمته للكتاب من التحقيق له -في غير المجال الحديثي طبعاً! فقد أبان فيه عن عورته -: هذا الحديثُ؛ فإِنَّه سقط منه قوله - بعد شهادة التوحيد -: ((وحده لا شريك له))، وهي ثابتةٌ في كل طرق الحديث في ((مسلم)) و((الترمذي))، وغيرهما، وكذلك هي في ((زاد المعاد)) وغيره من كتب ابن القيِّم، فكان عليه أن ينبِّه على ذلك، ولكن أنّى له ذلك؟! وكلَّ نشاطهِ وهَمِّهِ متوجّهٌ إلى معاكسة حفاظ الأمّة على حساب تضعيفه الأحاديث الصحيحة، نسأل الله السلامة .. على أنَّه من الممكن أن يقال - إضافةً إلى ما سبق -: إِنَّه لم ينتبه للسقط لعدم اهتمامه بالسنة والمحافظة عليها عملاً وتطبيقاً، فهو لا يحفظ هذا الورد، وفاقد الشيء لا يعطيه، والله أعلم. ١٤ - ((كان ◌َ ◌ّ إذا خرج من الخلاء، قال: ((غفرانك)))): ٧١ ((النصيحة ... )) قلت: جزم ابن القيم بنسبته إلى النبي وَالّ؛ وهو مما لا خلاف فيه بين الحُفَّاظ، وأمّا (الهدَّام) فقد أعلّه لجهله بهذا العلم وتجاهله لعلمائه، فقد خَرَّجه من رواية ثلاثة عشر حافظاً، وما ضعّفه أحدٌ منهم، بل منهم جماعة من ملتزمي الصحة؛ كابن خزيمة، وابن حبان، وابن الجارود، ومنهم من صَرَّح بتقويته - كالترمذي؛ فإنَّه حَسَّنَه-، وأقَرَّه النووي في ((الأذكار))، والحافظ المزي في ((التهذيب))، وصححه الحاكم، والذهبي، والنووي في ((شرح المهذب))، والحافظ العسقلاني في ((نتائج الأفكار)) (٢١٦/١)، ونقل في ((بلوغ المرام)) تصحيحه عن أبي حاتم الرازي، وأخيراً: أحمد شاكر في ((التعليق على سنن الترمذي)) (٧/١٢/١)، وغيرهم. أقول: مع كُلِّ هذه الجمهرة من المصخِّحين؛ فقد خالفهم (الهدَّام)؛ قائلاً عقب التخريج: ((وهذا إسناد فيه ضعف، فإِنَّ يوسف بن أبي بُردة مجهول الحال، وتوثيق ابن حبّان والعجلي له ليس بشيء، لأنَّ ذلك من قاعدتهما المعروفة))(١). والجواب من وجوه: الأوّل: أنَّ التعليل المذكور ليس على إطلاقه، فكثيراً ما رأينا الحُفَّاظ النُّقَّاد من المتأخرين يوثقون من تفرد بتوثيقه ابن حبان؛ كالإمام الذهبي، والحافظ العسقلاني، وما أظن أنَّ الغرور وصل بك إلى أن تدَّعي أنَّك أعلم منهم! أو أنْ تحشرهم في زمرة المتساهلين !! (١) قلت: هكذا يقول هنا! وفي أحاديث أخرى يُمَشِّي مَن هذا حاله ويحسِّنه، كما فعل (٧٧/١) بحديث كعب بن مالك، فإِنَّه من رواية ابنه (معبد)، ولم يوثقه غير ابن حبان، والعجلي! ومن مكره وتدليسه؛ أنَّه يحسّن ويمشّي، ولا يبيّن سبب التحسين وعدم ارتقائه إلى مرتبة الصحيح، ستراً لِـ(اللامنهجية) !. ٧٢ ((النصيحة ... )) وقد ضربتُ على ما ذكر أمثلةً كثيرةً في بعض مؤلفاتي، ويحضرني الآن -منها- المجلد السادس من ((الصحيحة))، وهو مطبوعٌ -بحمد الله-تعالى -. الثاني: أنَّه جهل - أو تجاهل - تصريح الحاكم بتوثيقه، فقال عَقِبَ الحديث: ((هذا حديث صحيح، فإِنَّ يوسف بن أبي بردة من ثقات آل أبي موسی))، ووافقه الذهبي. الثالث: ومن ذلك أنَّ توثيقهَ مقبولٌ إذا وافقه أحدٌ من الحفاظ النقاد الموثوق بتوثيقهم، كالحافظ المزي، والذهبي، والعسقلاني، وأمثالهم، وهذا قد وثَّقه الذهبي، فقال في ((الكاشف)): ((يوسف بن أبي بُردة؛ سمع أباه، وعنه إسرائيل وسعيد بن مسروق، ثقة)). رابعاً: تصحيح حديثه من الجمع المذكور، يدل على أنَّه ثقة عندهم، وبخاصّةٍ أنَّه لا مخالفَ لهم؛ فيا أيها (الوَبْر)! هل هؤلاء الأئمة الفضلاء -وفيهم من لم تلد مثلَهم النساءُ- متساهلون عندك! وأنت وحدك المتوسط غير المتشدِّد؟! أم أنت (الهدَّام) المخرِّب؟! فـ (يا عجباً لِوَبْرٍ تَدَلَّى علينا مِن قَدُومِ ضَأْنِ!)(١)، والله المستعان. والحديث مخرَّج في ((الإرواء)) (٩١/١)، و((صحيح أبي داود)) (٢٣). ١٥- قال (الهدَّام) (٩٠/١) في حديث: ((إذا وطئ أحدكم الأذى بخُفَّيه فَطَهُورُهما التراب)» - بعد أن خَرَّجهُ من رواية أبي داود وابن حبان من حديث أبي هريرة -: ((وله شواهد يتقوّى بها))! (١) انظر - للفائدة- ((فتح الباري)) (٤١/٦) و(٤٩٢/٧). ٧٣ ((النصيحة ... )) فأقول: يؤخذ عليه: أولاً : أنَّه لم يبيِّن حالَ إسناد حديث أبي هريرة، ولا الشواهد التي أشار إليها؛ وما حال أسانيدها؟ ثانياً: لم يُحِل -كما هي عادته أحياناً - إلى مصدر فيه بيانٌ لما أهمله؛ وذلك لأنَّ مرجعه في ذلك تعليقي على ((المشكاة)) (٥٠٣)، وقد استفاده -أيضاً - المعلِّق على ((الإحسان)) (٢٥٠/٤)! ثالثاً: لم يبيِّن السبب في تقويته للحديث هنا بالشواهد، وإعراضه عن تقويته لأحاديث أخرى بشواهدها - وما أكثرها -! أقربُها حديث: ((حرّم لباس الحرير والذهب على الرجال ... )) رقم (١٢)؛ وهكذا فهو الَغَّاب على الحبلين)، ليس له منهج معروف يستقرُّ عليه، ولئن وجد فهو من اختلاقه، وهل يستقيم الظلّ والعود أعوج؟! ١٦- أشار ابن القيِّم إلى سبب نزول آية ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة﴾؛ فخرّجه (الهدَّام) (٩٣/١) من رواية أصحاب ((السنن)) الثلاثة، وقال: ((وقال التّرمذي: ((حسن غريب))، وهو كما قال)). فأقول: هُنا - لأول مرّة- نراه يوافق التِّرمذي على التحسين؛ ولذلك فإني آخذ عليه ما يأتي: أولاً : لماذا لم يبين سبب الموافقة المذكورة، والمعروف عنه أنَّه يصرح في مناسبات كثيرة أنَّه متساهل في التحسين، فضلاً عن التصحيح! ولذلك فهو يخالفه في عشرات الأحاديث؛ كما هو شأنه مع كل علماء الحديث - لا فرق بين متساهلٍ منهم ومتشدد ومتوسط-، وأقرب مثالٍ على ذلك حديث عائشة المتقدم آنفاً رقم (١٤)؛ فما هو الضابط في الموافقة والمخالفة؟! ٧٤ ((النصيحة ... )) إِنَّه الهوى الذي لا ضابط له! ثانياً: ذاك موقفه العام بالنسبة لتحسين التّرمذي، ونحوُه موقفُه بالنسبة الرواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؛ فإِنَّه -أيضاً- متناقض؛ فها هو هنا يوافقه على التحسين لإسناده، وفي حديث آخر يأتي (١/ ١٨١) يقول: ((أميل إلى تضعيف روايته))! وفي ثالث يقول (٤٦٣/١): ((فيه ضعف)) !! وهذا لا ينافي التحسين إن كان يُحْسِن التعبير، ويعرف ما يقول! فإِنَّه لو لم يكن فيه ضعف لكان صحيحاً؛ لما لا يخفى على العارفين بالفرق بين الحديث الصحيح والحديث الحسن في علم المصطلح، وكذا قال أيضاً في حديثين آخرين لعمرو ابن شعيب، وذلك في تعليقه على ((رياضه)) (ص١٢٦ و ٤٣١)، ولم يوردهما في ((ضعيفته)) الذي ذيَّل به عليه، مُشْعِراً بذلك أنهما من قسم الحسن، ولكنه لا يفصح بذلك، ولا يتكلّم؛ ستراً على اضطرابه في حديث عمرو! فإنّه أورد فيها حديثاً آخر (ص ٥٣٢ / ٦٤)! وقد أعلّه هناك بالراوي عنه عبد الرحمن بن حرملة - أيضاً -وهو من رجال مسلم !- ، وقد صحّحه الحاكم، والذهبي، وحسّنه التِّرمذي -كما في ((الصحيحة)) (٦٤)-، وحسّنه البغوي -أيضاً- (٢٦٧٥). ثالثاً: ومع اضطرابه المذكور وكتمانه لسبب الموافقة، فهناك كتمان آخر الطريق أخرى أقلّ ما يقال فيها: إنَّها شاهد قوي، أخرجه الحاكم وغيره من طريق القاسم بن محمد بن عبد الله بن عمرو : أنَّ رجلاً من المسلمين استأذن نبي الله و ◌ّ في امرأةٍ -يقال لها: أم مهزول- كانت تسافح وتشترط أن تنفق عليه، وأنَّه استأذن فيها نبي الله وَّه لما وذكر له أمرها، فقرأ نبي الله وَل: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانيةً أو مشركة ... ﴾ الآية. وقال الحاكم: ((صحيح الإسناد))، ووافقه الذهبي، وهو مخرَّج من الطريق ٧٥ ((النصيحة ... )) الأولى في ((صحيح أبي داود)) (١٧٩٠). ١٧ - ((قال - عليه السلام- لعبد الله بن عُمر: ((كن في الدّنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وَعُدَّ نفسك من أهل القبور))): قلت: جزم ابن القيِّم - رحمه الله- بنسبته إلى النبي صَلّ -كما ترى-، وهو الصواب -بإِذن الله-تعالى-، أمّا (الهدَّام) فجزم بضعف جملة: ((وَعُدَّ نفسك ... ))؛ معاكساً بذلك -كعادته- تحقيقي الذي أجريته عليها في (الصحيحة))، وقوَّيته بالشواهد، فقال: ((ما أُورد شواهدَ لهذه الزيادة، فلا يصح))! ثم أحال على ((الصحيحة)) (١٤٧٤ و ١٤٧٥)! لقد ذكرت هناك لهذه الزيادة في حديث ابن عمر - رضي الله عنه- أربعة شواهد من طرق مختلفة: عن أبي هريرة، وزيد بن أرقم، ومعاذ بن جبل، ورجل من النَّخَع، وهي سالمة من الضعف الشديد؛ فهي بمجموعها صالحةٌ لتقوية الزيادة؛ حسب قاعدة العلماء التي هي من القواعد التي أعرض عنها؛ وتفرَّع منها تضعيفُهُ لعشراتِ الأحاديث الصحيحة التي قوّاها العلماء؛ كما تقدم التنبيهُ على ذلك في المقدمة؛ فلا داعي للإعادة. ١٨ - ((وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: إنَّ الدنيا قد ترحّلت مُدبرَةً، وإنَّ الآخرة قد ترحّلت مقبلة ... فإنَّ اليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل)»: قال الجاهل في تخريجه (١/ ١٠٠): ((ذكره السيوطي في ((جامعه الكبير))، ونسبه للدِّينَوَرِيِّ، وابن عساكر، وانظر (كنز العمال)) (٧١٩/٣))). ٧٦ ( ... (النصیحة فأقول: ليس من خُطَّتي في ردّي -هذا- على هذا الجاهل -الهالك في عُجبه وغروره- تَعَقُّبُهُ فيما يخرجّه من الآثار الموقوفة؛ لأنَّه هو لم يلتزم ذلك - أوّلاً-، ولأنَّه بابٌ واسع جداً - ثانياً-، وحَسْبُ الناصح لنفسه القادر على تمييز صحيح حديث نبيه وَ لّ من ضعيفه أن يفعل ذلك، وأن يدُلَّ الآخرين عليه؛ لأنَّ حديثه وَِّ ليس كحديث أصحابه، فضلاً عَمَّن بعدهم - كما هو معلوم-؛ وقد أشار ◌َّ إلى ذلك بقوله: ((إنَّ كذباً عَلَيَّ ليس ككذبٍ على أحد؛ فمن كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار))؛ متّفق عليه. وإنَّما توجّهت الهِمّةُ لتَبُّعه في تخريجه لهذا الأثر، تأكيداً لكونهِ جاهلاً بهذا العلم الشريف متطفِّلاً عليه، لا عناية له بدراسة السنة وأصولها، إلا بمقدار ما تساعده الفهارس المُقَرِّبةِ للبعيد منها، وبخاصة ما أَلِّف في العصر الحاضر منها، ولهدم السنة، لا لنصرها ونشرها بين الناس! فهو ومن يلوذ به - فيما نَعْلَمُ- على خلاف السنة - عقيدةً وفقهاً وسلوكاً-، وإنَّما يكتب ويخرِّج ليباري العلماء، ويصرف وجوه الناس إليه، وهو ليس على شيء سوى (الجعجعة)، وما تقدم -ويأتي - أكبرُ دليلٍ على ذلك، ومنه هذا التخريج؛ فأقول: أولاً : لو كان الرجل على شيءٍ من العلم؛ لاستحيى من نقل هذا التخريج الضَّحْل؛ وبواسطة كتاب ((الكنز))، لا من كدّه ولا من كدّ أبيه! لو أنه كان كما قلتُ لعلا وارتفع، وخرَّج من الأصول والأمَّهات - كما يقال: (ومن وَرَد البحر استقلّ السواقِيا) ! - ولكنْ أنّى له ذلك، وليست غايتُه في كل تخريجاته إفادةَ القرّاء؟! وإنّما التَّحويش والهدم، حتّى فيما يعزوه إلى الشيخين أو أحدهما؛ فهو يقتصر على التحويش ومجرّد النقل عنهما؛ إلا في س حالة هدم وتضعيف شيءٍ من أحاديثهما !! ثانياً: سكوته عن هذا التخريج يدلّ على أحد شيئين؛ أحلاهما مرّ؛ ٧٧ ((النصيحة ... )) أحدهما: عدم اهتمامه بالنقد فيما ليس له فيه هوىّ، وثانيهما: الجهل بتراجم الرجال، والحقيقةُ أنّ الأمرين مجتمعان هنا، أمّا الأوّل: فظاهرٌ؛ فلو أنّه كان على علم لوقف عند نسبته لـ (الدِّينوريّ)؛ فهذا - واسمُهُ: أحمد بن مروان- قد ضعّفه الإمام الدارقطنيُ -بل اتّهمه-فيما نقله الذهبيُّ في ((الميزان)) (١٥٦/١)، و((المغني)) (٦٠/١)، و((الديوان)) (٣٦/١)-، وهو صاحب كتاب (المجالسة)) -المشهور-، والأثَرُ -المذكورُ- فيه، برقم (٢٧٧). ومِن طريق الدِّينَوَري: أخرجه ابن عساكر في ((تاريخ دمشقَ)) (١٢/ ٣٨٠): نا محمد بن عبد العزيز الدِّينَوَري: نا أبي، عن وكيع، عن عمرو بن منبّه - بسند منقطع-، عن عليّ ... به. قلت: فهو إسناد ضعيف -إن لم يكن ضعيفاً جدّاً-؛ أبعلم منه كان سكوتُه عنه أم بجهل؟! أحلاهما مرّ! هذا حال إسناد المصدرَيْنِ اللذَيْنِ عزَا إليهما (الهدَّام) تقليداً لغيره! وهو المجتهد الأكبر (!) الذي يضعّف المئاتِ من الأحاديث الصحيحة !! ويردُّ على حفّاظ الأمّة وأئمّة الدّين تصحيحَهم إيّاها !! ثالثاً: هل كان صادقاً في قوله: ((ذكره السيوطي ... ))؟! فأقول: مع الأسف؛ لم يكن صادقاً؛ وهو يرى أنّه ليس عنده الجملة الأخيرة: ((فإنّ اليوم عمل ... )) إلخ. رابعاً: ما فائدةُ إحالة القراء إلى ((كنز العمّال)) سوى التزوير والتضليل، وإيهامِهِم أنّ الأثر فيه بتمامه - كما هو في كتاب ابن القيِّم-، والواقعُ خلافه؟! خامساً: لقد كان في غِنىّ عن أن يقع في مثل هذه المصائب والمخازي؛ لو أنّه كان باحثاً -ولا أقول: حافظاً !!- مُخْلصاً غيرَ مقلّد؛ إذن ٧٨ ((النصيحة ... )) لوجد ما يرتفع به عن ذاك العزو النازل مصادرَ عديدةً، وفيها تلك الجملةُ !! ولكنْ ﴿ لِيَقضيَ الله أمراً كان مفعولاً﴾، ولِيَتَحَقّقَ ما قيل: (ما أسرَّ أحدٌ سريرةً إلاَ ألبسه الله رداءَها)(١). من تلك المصادر: ((صحيح البخاري))، فقد ذكره معلّقاً بصيغة الجزم في أوّل كتاب ((الرّقائق)) في الباب الرّابع منه، وقد وصله الحافظ برواية بعض المصادر الآتية، مع ذكر ما خفي عليه من حال أحد رواته، فأقول: قال وكيع في ((الزهد)) (١٩١/٢ ٢٩٢): حدّثنا ابن أبي خالد، عن زُبيد اليامي، ويزيدَ بن أبي زياد، عن مُهاجر العامِري، عن عليّ؛ قال ... فذكره بتمامه، وفي أوّله زيادة. ومن طريق وكيع أخرجه أحمد في ((الزَّهد)) (ص ١٣٠)، و((فضائل الصحابة)) (٥٣٠/١)، إلا أنّه لم يذكر في سنده (زُبيداً اليامي)، وقال: (يزيد 3 ابن زياد بن أبي الجعد)، مكان (يزيد بن أبي زياد). وأخرجه عبد الله بن المبارك في ((الزهد)) (٢٥٥/٨٦): أخبرنا إسماعيل ابن أبي خالد، عن زُبيد اليامي، عن رجل من بني عامر؛ قال ... فذكره. وكذلك رواه أبن أبي شيبة في ((المصنَّف)) (٢٨١/١٣/ ١٦٣٤٢، ١٦٣٤٣)، وهنّاد في ((الزهد)) (٢٩٠/١ -٢٩١) من طرقٍ عن إسماعيل بن أبي خالد ... به، لكن ابن أبي شيبة في الرواية الثانية سمّاه: (مهاجراً العامري). وتابعه أبو مريم، عن زبيد، عن مهاجر بن عُمير، عن عليّ: (١) وقد رُوي حديثاً، ولا يصحُّ، ولذلك خرجتُهُ في ((الضعيفة)) (٢٣٧)، وفي معناه بعض الآثار، ويشهد لمعناه القرآن. انظر تفسير سورة (محمد)، وسورة (الفتح) في ((تفسير ابن كثير). ٧٩ ((النصيحة ... )) أخرجه أبو نعيم في ((الحلية)) (٧٦/١)، وقال: ((رواه الثوري وجماعة؛ عن زُبيد مثله، عن علي؛ مرسلا، لم يذكروا (مُهاجر بن عُمير)). قلت: هي روايةٌ لوكيع، وعنه: أحمد، عن إسماعيل بن أبي خالد. وتابعه عليها عبد الله بن موسى؛ عند ابن عساكر (٣٨٢/١٢). لكنْ؛ لعلّ رواية إسماعيل المتصلة أولى لرواية جمع لها -كما رأيت-؛ ولأنّها زيادة ثقة، وبخاصة أن ابن أبي شيبة قد قرن به سفيان، وهو الثوري. إذا عرفت هذا؛ فالإسناد صحيح، رجاله ثقات، رجال الشيخين غير (مهاجر العامري) وهو ثقة، وهو (مهاجر بن شَمَّاس)، قال ابن أبي حاتم في ترجمته (١١٨٩/٢٦١/٨): ((وهو مهاجر العامري، كوفي، روى عن عمر، وعنه فُضيل بن غزوان». وكذا في ((تاريخ البخاري))، دون قوله: ((وهو مهاجر العامري)). ثم روى ابن أبي حاتم عن ابن معين أنه قال: ((مهاجر العامري ثقة)). قلت: وخفي هذا على الحافظ؛ فقال في ((الفتح)) (٢٣٦/١١): ((وما عرفت حاله))! واغترّ به الأخ الفاضل المعلّق على ((زهد وكيع))؛ فإنه بعد أن فسّر (مهاجراً العامري) بقوله: ((هو ابن عُمير كما في ((الحلية ... ))، وذكر قول الحافظ هذا؛ قال: ((وبعد تعيينه أنه (مهاجر العامري) فقول محقّق ((فضائل الصحابة)) لأحمد: إنّه (مهاجر بن شمّاس الكوفي) ثقة؛ ليس على الصواب؛ والله أعلم)) .. وأقول: بل هو الصواب؛ لأنه مُتابعٌ لقول ابن أبي حاتم من حيث تعيينُ أنه (مهاجر بن شمَّاس)، ولابن معين من حيث التوثيقُ، ولا ينافي ذلك روايةٌ ٨٠ ((النصيحة ... ) ((الحلية)) - لو صحّت- أنه (مهاجر بن عمير العامري)؛ لأن غايةً ما فيها تسميه والد (مهاجر) بـ (عُمَير)، ولكنّها لا تصحّ؛ لأن فيها (أبا مريم) وهو (عبد الغفّار ابن قاسم الأنصاري)، وليس بثقة؛ كما قال الذهبي. وأستغرب سكوتَ الحافظ عنه؛ فإنّه الذي حمل الأخَ المشارَ إليه على التّعيين المذکور! على أن لمهاجر العامريّ متابعاً قوياً من طريق وكيع - أيضاً - عن سفيانَ، عن عطاءٍ بن السّائب، عن أبي عبد الرّحمن السُّلَمي، قال: خطب عليّ بن أبي طالب على مِنبر الكوفة؛ فحمد الله، وأثنى عليه، وقال ... فذكره. أخرجه البيهقيُّ في ((الزَّهد الكبير)) (١٩٢-١٩٣)، وابن عساكر (١٢/ ٣٨١). قلت: وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، وعطاءُ بن السّائب؛ وإن كان اختلط؛ فسفيانُ -وهو الثوري - سمع منه قبل الاختلاط. على أنّ هذا الأثر قد رُوي مرفوعاً عن علي وجابر بإسنادين ضعيفين؛ كما تراه في ((العلل المتناهية)) (٣٢٨/٢ - ٣٢٩)، و((الفتح)). وختاماً أقول: قد يقول قائل: إن ما وصفتَ به (الهدَّام) حقٌّ لا ريب فيه؛ مع إغفاله عَزْوَ هذا الأثر إلى البخاري وغيره من الأئمة، ولكن؛ لعلّ ذلك كان منه لكونه أثراً غيرَ مرفوع؟ فأقول: كلا، ولكنّه قضاء الله وحكمته -كما سبق بيانه -. ومع ذلك؛ فليس هذا بالمثال الوحيد على ما وصفت؛ فهناك ما هو أنكرُ منه، وأدلَّ على جهله، وعدم معرفته بما في كتب السّنة، فسيأتي قريباً عَزْوُهُ لما في ((الصحيحين)) إلى غيرهما؛ تقليداً منه لـ ((الكنز)) -أيضاً !!- ، انظرِ الحديثَ رقم (٢١).