النص المفهرس
صفحات 361-380
الأئمة ، قال ابن معين : ثقة ، وقال أحمد : صالح حدّث بمئة ألف حديث . مات سنة (١٩٩) عن أربع وسبعين سنة ( أنبأنا (١) عمرو بن الحارث ) بن يعقوب الأنصاري أبو أمية البصري الفقيه المقرىء أحد الأئمة وثّقه ابن معين. مات سنةً (١٤٨) (عن سعيد ابن أبي هلال) الليثي مولاهم أبو العلاء المقرىء نزيل المدينة المنورة ، موثق ، مات سنة (١٣٠) وقيل خمس ( عن محمد(٢) بن المنكدر ) القرشي التيمي المدني أحد الأئمة الأعلام ، له نحو مئتي حديث . قال ابن حبان : كان لا يتمالك البكاء إذا قرأ حديث النبى صلى الله عليه وسلم ، ويُروى أنه قال : كابدت نفسي أربعين سنة فاستقامت . وثّقه ابن معين وأبو حاتم. مات سنة (١٣٠ ) (عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم: لَا تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْق ) السين والتاء للوجدان أو للعد ( فَإِنّهُ لَمْ يَكُنْ عَبْدٌ يَمُوتُ حَتّى يَبْلُغَه ) أي يصل إليه (آخِرُ(٣) رِزْقٍ هُوَ لَهُ) أي في الدنيا (فَاتَّقُوا اللّهَ وَأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ مِنَ الحَلَاَلِ وتَرْكِ الحَرَامِ ) في ((الجامع الصغير)) أخذ الحلال وترك الحرام)) بجعل ((أخذ)) بدلاً مما قبله ، ولعلهما روايتان(٤) والله أعلم . (١) في ب ، ط : قال أنبأنا عمرو . (٢) سقط من م : بن . (٣) في ط : أخير وهو خطأ (٤) رواه ابن ماجه في أبواب التجارات (٢ / ٣) عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر بلفظ مختلف قليلاً . قال السندي في حاشيته : وفي الزوائد إسناده ضعيف لأن فيه الوليد بن مسلم وابن جريج وكل منهما كان يدلس وكذلك أبو الزبير وقد عنعنوه . ولكن لم ينفرد به المصنف من حديث أبي الزبير عن جابر فقد رواه ابن حبان في صحيحه بإسنادين عن جابر . ٣٦١ الكتاب الخامس والعشرون تاريخ الإمام الحافظ ابن عساكر لِ مَشّ الشّام ( قال الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن(١)) بن هبة الله بن عبد الله بن الحسين ( الشهير بابن عساكر الدمشقي ) الملقب ثقة الدين ، كان محدث الشام في وقته ومن أعيان الفقهاء الشافعية ، غلب عليه الحديث فاشتهر به وبالغ في طلبه الى أن جمع منه ما لم يتفق لغيره ، ورحل وطوّف وجاب البلاد ولقي المشايخ ، وكان رفيق الحافظ أبي سعد عبد الكريم ابن السمعاني (٢) في الرحلة ، وكان حافظا ديّنا جمع بين المتون والأسانيد وصنّف التصانيف المفيدة ، وخرّج التخاريج ، وكان حسن الكلام على الأحاديث محفوظا في الجمع والتأليف وكان مولده في أول المحرم سنة ( ٤٩٩) وتوفي ليلة الاثنين في (٢١) رجب سنة (٥٧١) بدمشق ، ودفن عند والده وأهله بمقابر باب الصغير ، وصلّى عليه الشيخ قطب الدين النيسابوري ، وحضر (١) في م : الحسين . (٢) عبد الكريم بن محمد التميمي السمعاني المروزي ، مؤرخ ، حافظ . رحالة توفي عام (٥٦٢ هـ). لقبه ابن العماد بمحدث المشرق (الشذرات ٢٠٥/٤). ٣٦٢ الصلاة عليه السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى. ( في تاريخه المذكور ) وهو التاريخ الكبير لدمشق على نسق تاريخ بغداد ، أتى رحمه الله فيه بالعجائب، وقد ذكر ابن خلّكان(١) أن الحافظ عبدالعظيم المنذري قال لما جرى ذكر هذا التاريخ عنده وطال الأمر في استعظامه : ما أظن أن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه وشرع في الجمع من ذلك الوقت ، وإلّ فالعمر يقصر عن ان يجمع الانسان مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال . انتهى أقول : هذا من المبالغة في الاستعظام ومن بقايا التوكؤ على عكاز الراحة والخمول ، وفي الحقيقة هي الهمة ، فمن صان وقته عن الضياع وضنّ به ، وجدّ في التفرغ والانجماع على مطلوبه ظفر بمراده . وقال بعض الحكماء : نستغرب كثيراً حينما نرى أو نسمع بعدد المجلدات الضخمة التي ألّفها كتّاب العصور الماضية ، ولكن إذا علمنا أن سر تلك الأعمال هو استعمال الأوقات بالاجتهاد زال استغرابنا ، لأن الحياة المشغولة بالأعمال تستطيع أن تملأ العالم من الفوائد . انتهى. وقد يسر الله تعالى بفضله للعبد الضعيف مطالعة هذا التاريخ ، وذلك في النسخة المجزأة تسعة عشر جزءاً ضخاماً المودعة في المكتبة الكائنة في تربة الملك الظاهر عندنا بدمشق ، ونقلت منه كثيراً لتاريخي ((مآثر دمشق الشام))(٢) والنسخة المذكورة ناقصة جزءاً من أثناء كتاب الباء الى حرف الثاء من الكنى كما يعلم ذلك بالإِمعان والتأمل ، وليست تامة (١) وفيات الأعيان (٤٢٢/١) والترجمة مأخوذة من الوفيات . (٢) هو كتاب ((تعطير المشام في مآثر دمشق الشام))، مخطوط في أربعة مجلدات= ٣٦٣ كما وُهم ، ولا تخلو من خرم في الأثناء وتحريف كثير يظهر للعارف ، ثم ظفرت بعد ذلك بجزء من حرف الياء والكنى طالعته أيضاً بحمده تعالى . فائدة : قد توسع المؤرخون في ذكر الأحاديث الباطلة في فضائل البلدان ولا سيما بلدانهم فإنهم يتساهلون في ذلك غاية التساهل ، ويذكرون الموضوع ولا ينبهون عليه، كذا في (( الفوائد المجموعة(١))) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه في ((منهاج السنة)): من الناس من قصد رواية كل ما رُوي في الباب من غير تمييز بين صحيح وضعيف كما فعله أبو نعيم ، وكذلك غيره ممن صنّف في الفضائل ، ومثل ما جمعه أبو الفتح بن أبي الفوارس وأبو علي الأهوازي وغيرهما في فضائل معاوية ، وكذلك ما جمعه أبو القاسم بن عساكر في تاريخه في فضائل علي وغيره . انتهى . ( بالسند إليه (٢) أخبرنا أبو العباس أحمد بن الفضل بن أحمد قال : أنبأنا أبو بكر أحمد بن الفضل بن محمد(٣) الباطرقاني(٤) ) نسبة ضخمة ألفه الشيخ خلال إحدى عشرة سنة (١٣٠٨ - ١٣١٩ هـ) واعتمد فيه على اكثر من خمسين كتاباً من كتب التاريخ المطبوعة والمخطوطة . انظر : جمال الدين القاسمي لمؤلفه ابنه ظافر القاسمي ص : ٦٥١ . (١) الفوائد المجموعة للشوكاني (ص : ٤٣٦) باب: فضائل الأمكنة والأزمنة . قال الشوكاني بعد أن ذكر كثيراً من هذه الأحاديث الموضوعة: وسببه : ما جبلت عليه القلوب من حب الوطن والشغف بالمنشأ . ا.هـ. (٢) في ط زيادة : قال أخبرنا (٣) سقط من ط : بن محمد . (٤) أحمد بن الفضل (٣٧٢ - ٤٦٠ هـ) شيخ القراء في عصره وكان صاحب حديث. ٣٦٤ الى باطرقان قرية بأصبهان ( قال : حدّثنا أبو بكر محمد بن علي بن أحمد الخطيب قال : حدّثنا أبو جعفر محمد بن الحسن البزّار بباب الطاق ) في القاموس : الطاق بلد بسجستان وحصن بطبرستان وبه سكن محمد بن النعمان (١) شيطان الطاق ، واليه نسبت الطائفة الشيطانية من غلاة الشيعة . انتهى . أقول: سمّى الشهرستاني في كتابه (( الملل والنحل)) هذه الفرقة بالنعمانية (٢) ( قال : حدثنا محمد بن المعافى الصيداوي بصور قال : حدثنا أبو يحيى زكريا بن يحيى الوقار (٣) قال: قرأ عليّ عبدالله بن وهب (٤) وأنا أسمع قال الثوري ) هو سفيان بن سعيد بن مسروق أبو عبدالله الكوفي أحد الأئمة الأعلام المجمع على إمامته مع الإِتقان والضبط والحفظ والمعرفة والزهد والورع، قيل إنه رُوي عنه عشرون ألفا . قال ابن المبارك : ما كتبت عن أفضل من سفيان ، وكان لا يسمع شيئاً إلّ حفظه . وكان يقول: إذا رأيت القارىء محببا الى جيرانه فاعلم أنه مداهن . مراده بالقارىء : الفقيه ، اصطلاح سلفي معروف ومنه ((لِيُؤمكم أَقْرَؤُكُمْ)) (٥) وتعرف أنه مداهن بذلك من سكوته (١) محمد بن علي بن النعمان فقيه مناظر من غلاة الشيعة ، انفرد بآراء وصفت بأنها طامة . كان معاصراً لأبي حنيفة ويقال : إن الإِمام هو من لقبه بشيطان الطاق . مات عام ( ١٦٠ هـ) . (٢) انظر الملل والنحل على هامش الفصل لابن حزم. ج ٢٣/٢ . (٣) زكريا بن يحيى البصري، وثقه ابن حبان، وحسّن القول فيه تلميذه أبو زرعة . مات عام (١٨٧ هـ) وقيل (١٨٩ هـ). (٤) سبقت ترجمته في ص : ٣٦٠ . (٥) رواه مسلم ( برقم: ٢٩٠، ٢٩١) والترمذي ( برقم ٢٣٥ ) والإِمام أحمد (١١٨/٤، ١٢١، ٢٧٢/٥) وغيرهم من حديث أبي مسعود البدري الأنصاري = ٣٦٥ على ما لا يخلون عنه من المناكر التي يأتون بها ، والصادع بالحق ممقوت غالبا ، ومنه : (( ما ترك الحقُّ لِعمَرَ من صديق(١))) فافهم . توفي سنة (١٦١) ومولده سنة ( ٧٧ ) ( قال مجالد ) هو ابن سعيد بن عمير الهمداني أبو عمرو الكوفي أحد الأعيان (٢)، ضعّفه ابن معين ، وقال ابن عديّ : عامة ما يرويه غير محفوظ ، روى له مسلم مقرونا ( قال أبو الودّاك ) كشدّاد جبر بن نوف ، بفتح النون ، البِكالي ، بكسر الموحدة ، الكوفي ، صدوق وله أوهام ، وقال ابن معين ثقة ( قال أبو سعيد الخدري ) هو سعد بن مالك بن سنان بن عبد بن ثعلبة بن عبيد بن خدرة ، بايع تحت الشجرة ، وشهد ما بعد أحد ، وكان من علماء الصحابة ، له ألف ومئة حديث وسبعون حديثا ، اتفقا على ثلاثة وأربعين وانفرد البخاري بستة وعشرين ومسلم باثنين وخمسين توفي سنة (٧٤) ( قال عمر بن الخطاب ) رضي الله عنه ( قال رسول الله صلى الله عليه) وآله بلفظ: ((يؤم القوم أقرؤهم للقرآن)) أو ((أقرؤهم لكتاب الله)) والحديث طويل . كما روى نحوه الإِمام أحمد (٣/ ٤٨، ٥١، ٨٤) من حديث أبي سعيد الخدري ، ومن حديث أنس (١٦٣/٣) . (١) جاء في كشف الخفاء (١٨٣/٢) قال النجم: هذا غير معروف في كتب الحديث لا عنه ولا عن غيره، وإنما روى ابن سعد في طبقاته عن أبي ذر قال: (( ما زال بي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى ما ترك الحق لي صديقاً)). وقد روي في الجامع الكبير عن الحكيم الترمذي ، وفي تاريخ ابن عساكر عن الفضل بن عباس قوله: ((الحق بعدي مع عمر بن الخطاب حيث كان )) وقال الصاغاني : موضوع . على أنه قد ورد في أبواب المناقب من كتب الحديث الصحيحة أحاديث كثيرة في فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة الكرام (٢) توفي عام (١٤٤ هـ). كان صاحباً للشعبي ٣٦٦ ( وسلم : قال أخي موسى يا رب ، وذكر كلمة فأتاه الخضر ، وذكر الطبراني هذا الحديث مبسوطاً بسنده المذكور(١) من(٢) محمد بن المعافى الى أبي سعيد الخدري قال : قال عمر بن الخطاب قال رسول الله صلى الله عليه) وآله (وسلم: قال أخي موسى عليه الصلاة والسلام : يا رب أرني الذي كُنْتَ ) بفتح التاء ( أريتني ) إياه ( في السفينة ، فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى إنّك ستراه ، فلم يلبث إلّ يسيراً حتى أتاه الخضر وهو فتى طيب الريح حسن بياض الثياب مشمّرها ) أي رافع ذيلها ( فقال : السلام عليك ورحمة الله يا موسى ابن عمران ، إن ربك يقرأ عليك السلام ، قال موسى : هو السلام واليه السلام) فإن كل سلام ورحمة له ومنه وهو مالكها ومعطيها ، فالسلام منه بدأ وإليه يعود ، قال السهيلي(٣): تسمّى جلّ جلاله بالسلام لما شمل جميع الخليقة وعمهم بالسلامة من الاختلال والتفاوت ، إذ الكلّ جارٍ على نظام الحكمة ، وكذلك سلم الثقلان (٤) من جَوْرٍ وظلم أن يأتيهم من قبله سبحانه وتعالى ، فهو في جميع أفعاله سلام لا حيف(٥) ولا ظلم ولا تفاوت ولا اختلال . ( والحمد لله رب العالمين ) عقب السلام بالحمد تعجيلاً نشكر المولى على إجابة دعائه بجمعه عليه ( الذي لا أحصي نِعَمَه ولا أقدر على أداء شكره الا (١) سقط من ط : بسنده المذكور . (٢) في م ، ط : عن . (٣) عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي السهيلي المتوفى عام ( ٥٨١ هـ) وقد سبق ذكره في ص : ٢٠٨ . (٤) الثقلان : الإِنس والجن . (٥) الحيف : الجور والظلم ، ويقال : بلد أحيف وأرض حيفاء ، لم يصبهما المطر . ٣٦٧ بمعونته . ثم قال موسى : أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعدك ) أي بعد مفارقتك ( قال الخضر : يا طالب العلم إن القائل ) بمعنى الواعظ والمرشد كالمدرس والخطيب (أقل ملالة ) أي سآمة وإعراضا ( من المستمع فلا تُملّ جلساءك إذا حادثتهم ) أي بطول الحديث وكثرته ( واعلم أن قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك ، واعزف) بكسر الزاي وضمها أي انصرف ( عن الدنيا وانبذها(١) وراءك فإنها ليست لك بدار ، ولا لك فيها محل قرار ، وإنما جُعلت بُلغَةً للعباد ) البلغة بالضم ما يتبلغ به من العيش ولا فضل فيه ، قاله الزهري(٢) (والتزوّد منها للمعاد(٣)، ورُضْ نفسك ) أي ذللها ( على الصبر تخلصْ من الإِثم ) والرياضة مجاز من راض المهر يروضه : ذلّله ، والمراد أن يحصل له ملكة الثبات والاحتمال التي تهوّن على صاحبها كل ما يلاقيه في سبيل تأييد الحق ونصر الفضيلة ، وإنما أثِم فاقده لإِقراره على باطل يراه ومنكر يشاهده ، أو مقاسمة العصاة تبرماً من الثبات على مقاومة الناس ومحادّتهم (٤)، ولذلك كان من لم يتواص به في خُسرٍ كما أفصحت عنه سورة العصر(٥)، وجعل التواصي به فيها مقروناً بالتواصي بالحق إذ لا بد للداعي الى الحق (١) النَّبْذُ : طرح الشيء والفعل: نَبَذَ يَنْبِذُ من الباب الثاني . (٢) هو محمد بن مسلم الشهير بابن شهاب الزهري وقد مرّ ذكره كثيراً . (٣) المعاد : الآخرة ، وقد يقصد بها في غير هذا الموضع : المرجع والمصير والحج ومكة والجنة . (٤) المحادة مصدر فعل : حادّه إذا غاضبه وخالفه وعاداه . (٥) قوله تعالى: ﴿والعصر إنَّ الإِنسانَ لَفِي خُسْرٍ إلا الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالحات وَتَوَاصَوْا بالحقّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. ٣٦٨ منه ، وفضيلته أم الفضائل التي تربّي ملكات الخير في النفس ، فما من فضيلة إلّ وهي محتاجة إليه ، وقد ذكر في القرآن سبعين مرة ولم تذكر فضيلة أخرى بهذا المقدار . ( يا موسى تفرّغ للعلم إن كنت تريده فإنما(١) العلم لمن تفرّغ له ، ولا تكن مكثاراً بالمنطق مهذارا (٢) ، فإن كثرة المنطق يشين العلماء ويبدي مساوىء السخفاء ) المساوى : العيوب ، وقد اختلفوا في مفردها ، قال بعض الصرفيين : هي ضد المحاسن جمع سوء على غير قياس (٣)، وأصله الهمز، ويقال : إنه لا واحد (٤) لها كالمحاسن ، والسخفاء : جمع سخيف وهو ضعيف العقل ناقصه ( ولكن عليك بالاقتصاد فإن ذلك من (٥) التوفيق والسداد) الاقتصاد في الشيء كالقصد ضد الإفراط ، وهو ما بين الإِسراف والتقتير، والقصد في المعيشة أن لا يسرف ولا يقتر ، وَقَصَدَ في الأمر لم يتجاوز فيه الحدّ ، (١) في ط : فإن. (٢) هَذَر في منطقه يهذر ويهذُر وأهذر: هذى، والهَذَر: سقط الكلام ، والكثير الرديء، ويقال : رجل هَذِر وهُذَرة وهَذّار ومِهذار ومِهِذَر إذا كثر في الخطأ والباطل كلامُه . (٣) القياس في جمع ((فُعْل)) أن يجمع على أفعال وفِعَال وَفُعُول ، قال الرضي في شرح شافية ابن الحاجب: اعلم أن ((فُعْلًا)) يكسر في القلة على ((أفعال)) في الأجوف كان أو في غيره، وقد يجيء للقليل والكثير نحو أركان وأجزاء ، وقد شذّ في قِلّته أَفْعُل كأركُن. ويُكَسّر في الكثرة على فِعَال وَفُعُول، وفُعُول أكثر كبروج وجنود وبرود ، وفِعَال في المضاعف كثير كقِفَاف وخِفَاف وعشاش . هذا هو الغالب في ((فُعْل ))، وقد يجيء فيه فِعَلة كقِرَطة وحِجَرَة ... وَفُعْل كقوله تعالى: ﴿حتى إذا كنتم في الفُلك وجرين بهم) ا. هـ. بتصرف يسيرج ٩٤/٢ (٤) في الأصل : واجد . (٥) في ب : من كثرة . ٣٦٩ ورضي بالتوسط لأنه في ذلك يقصد الأسدّ . ( وأعرِضَ عن الجهّال و) عن ( باطلهم ، واحلم عن السفهاء فإن ذلك فضل الحكماء وزين العلماء ، وإذا شتمك الجاهلُ فاسكت عنه حلما وجانبه حزما ) أي عقلا ( فإن ما بقي من جهله عليك وسبِّه إياك أكثر وأعظم يا ابن عمران ، ولا ترى أنك أوتيت العلم (١) إلّ قليلا فإن الاندلاث (٢)) أي التقدم بلا فكرة ولا روية (والتعسّف) يروى : والتخطرف ، وهو بمعنى الاندلاث ، يقال : خطرف : أسرع في مشيته وجعل خطوتين خطوة في وساعته كتخطرف فيهما . ( من الاقتحامِ والتكلّف ) ويروى : من الانقحام ، في القاموس : فحم في الأمر كَنصرَ قحوماً رمى بنفسه فيه فجأة بلا روية ، وقحمه تقحيماً وأقحمته فانقحم واقتحم . انتهى . ( يا ابن عمران لا تفتحنَّ باباً لا تدري ما غلقه)(٣) كناية عن عدم إدخال نفسه في مشاكل لا يدري كيف الخلاص منها ( ولا تغلق (٤) باباً لا تدري ما فتحه ) كناية أيضاً عن عدم قطعه شيئا لا يمكن وصله لو أراده بعد ، كذا ظهر والله أعلم . ( يا ابن عِمْرَان من لا تنتهي من الدنيا نَهْمَته ) أي شهوته وحاجته ( ولا تنقضي عنها رغبته كيف يكون عابدا ) لأن العبادة الكاملة يلزمها (١) في ط : من العلم . (٢) في النهاية: الاندلاث: التقدم بلا فكر ولا رويّة (٢٩/٢)، وفي اللسان: اندلث : مضى على وجهه ، وقيل : أسرع وركب رأسه فلم ينهنهه شيء في قتال . قال الأصمعي : المندلث : الذي يمضي ويركب رأسه لا يثنيه شيءٍ . (٣) يقال أغلق الباب ضد فتحه . وفي لغة رديئة : غَلَق الباب يغلقه غلقاً بمعنى أغلقه . والغَلَق : ما يُغلق به الباب وجمعها أغلاق وأغاليق . (٤) في ب ، ط : تغلقَنّ . ٣٧٠ . التجرد عن الرغبات الدنيوية والحظوظ العاجلة ( ومن يحقر حَالَهُ ) بكسر القاف أي يستصغر ما هو عليه مما قدّر له ( ويتهم الله فيما قضى له ) فيقول إذا قتر عليه رزقه : ربي أهانني ولم يكرمني(١) بالتوسعة ظنا منه أن الإِكرام والإهانة في ذلك ( كيف يكون زاهدا ، هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه ، أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه ، لأن سعيه) في الظاهر بسبب طلبه العلم ( الى آخرته وهو ) بشهواته وهواه وجهله ( مُقبل على دنياه . يا موسى تعلّم ما تعلمتَ لتعملَ به ولا تَعلّمه) بحذف إحدى التاءين ( لتحدث به فيكون عليك وباره ) (٢) لعله وباله أو بواره ، فإن الوبار لم أجد له في القاموس وشرحه معنى يناسب المقام ، فلينظر الأصل . ( ولغيرك نوره . يا موسى بن عمران اجعل الزهد والتقوى لباسك ، والعلم والذكر كلامك ، واستكثر من الحسنات فإنك تصيب السيئات ) أي ومن كان يقارف السيئات احتاج الى مكفّر لها وهو الحسنات كما قال تعالى : ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (سورة هود: ١١٤) وفي الحديث ((وأتبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا)) (١) (وزعزع بالخوف قلبك) أي حرّكه تحريكا (١) من قوله تعالى: ﴿فَأَمَا الإِنسانُ إذا ما ابتَلَهُ رَبُّهُ فأكرَمَهُ ونَعَّمَهُ فِيقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنٍ. وَأَمّا إذا ما ابْتَلَاهُ فَقَدَر عَلَيْهِ رِزْقَهُ فيقولُ: رَبّي أَهَانَنِ﴾ ( الفجر: ١٥ و ١٦ ) . (٢) في م : بواره . والبوار: الهلاك، أما الوبار فليس له في المعاجم - كما قال المؤلف - ما يناسب المعنى ، وقد أشار صاحب اللسان إلى أنه اسم موضع واستشهد لذلك . (٣) رواه الترمذي ( برقم ١٩٨٨) والإِمام أحمد (١٥٣/٥، ١٥٨ ) من حديث أبي ذر الغفاري ، كما رواه الإمام أحمد (٢٣٦/٥) من حديث معاذ بن جبل . قال الترمذي : الصحیح حديث أبي ذر . ٣٧١ شديدا، في القاموس: الزعزعة: تحريك الريح الشجرة ونحوها، أو كل تحريك شديد. انتهى ( فإنّ ذلك يُرضي رَبَّكَ، واعملْ خَيْراً فَإِنّك لا بُدَّ عاملٌ سواه، وَقَدْ وُعِظْتَ إِن حَفِظتَ. فتولّى الخَضِرِ وَبَقِيَ مُوسی حَزِینا مَكْرُ وباً بَيْكِي). ولا بأس بختم هذه النصائح الخضرية بمعرفة الخضر فنقول : قال العماد بن كثير (١) في تفسيره عند قوله تعالى : ﴿وما فعلته عن أمري﴾ (سورة الكهف: ٨٢) فيه دلالة لمن قال بنبوّة الخضر عليه السلام مع ما تقدّم من قوله : ﴿فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلمناهُ من لدُنا علما﴾ (سورة الكهف: ٦٥) وقال آخرون : كان رسولا ، وقيل : بل كان ملكا نقله الماوردي في تفسيره . وذهب كثيرون الى أنه لم يكن نبيا بل كان وليّا فالله أعلم (٢). وذكر ابن قتيبة في ((المعارف)) أن الخضر كان من أبناء الملوك ، ذكره النووي في (( تهذيب الأسماء)) (٣) وحكى وهو وغيره في كونه باقيا الى الآن ثم الى يوم القيامة قولين ، ومال هو وابن الصلاح الى بقائه وذكروا في ذلك حكايات وآثاراً عن السلف وغيرهم ، وجاء ذكره في بعض الأحاديث ، ولا يصح شيء من ذلك ، وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف . ورجّح آخرون من المحدّثين وغيرهم خلاف ذلك واحتجوا بقوله تعالى : ﴿وما جعلنا لبشرٍ من قبلك الخلد﴾ ( سورة (١) أبو الفداء عماد الدين اسماعيل بن عمر بن كثير، وقد سبق ذكره في ص : ٢١٥ (٢) تفسير ابن كثيرج ٣٢٠/٥ وقد فصّل ابن كثير القول في الأخبار والآثار الواردة في قصة موسى مع الخضر عليهما السلام ج ٣٠٥/٥ وما بعدها . (٣) لم أجد ذلك في ((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي ولعلي أخطأت مكانه . ٣٧٢ الأنبياء : ٣٤) وبقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: ((اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض)) (١) وبأنه لم ينقل أنه جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حضر عنده ولا قاتل معه ، ولو كان حيّاً لكان من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، لأنه عليه السلام كان مبعوثا إلى جميع الثقلين الجن والإِنس ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : ((لو كان موسى وعيسى حيّين لما وسعهما إلّ اتباعي)) وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مئة سنة من ليلته تلك عين تطرف(٢) إلى غير ذلك من الدلائل . وقال تقيّ الدين بن تيمية عليه الرحمة والرضوان في بعض فتاويه : الخضر الذي كان مع موسى عليه السلام مات ، ولو كان حيا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لوجب أن يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويؤمن به ويجاهد معه ، فإن الله فرض على كل نبي ادرك محمداً ولو كان من الأنبياء أن يؤمنوا به ویجاهدوا معه كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ ميثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ (١) رواه مسلم في كتاب الجهاد ( برقم ١٧٦٣) والترمذي (٣٠٨١) والإِمام أحمد (٣٠/١، ٣٢) من حديث عمر بن الخطاب، كما رواه الإمام أحمد مطولاً من حديث علي بن أبي طالب (١١٧/١). وهو في سيرة ابن هشام (٦٢٦/٢). وفي صحيح مسلم من حديث أنس ( رقم : ١٧٤٣ ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يوم أُحُد: ((اللهم إن تَشَأْ لا تُعْبَدْ في الأرض)). (٢) روى الإِمام أحمد قال: دخل أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له علي: أنت الذي تقول: (( لا يأتي على الناس مئة سنة وعلى الأرض عين تطرف)) إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((لا يأتي على الناس مئة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو حيّ الآن ... )) الحديث ( المسند ٩٣/١، ١٤٠) . ٣٧٣ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُّنَّهُ، قَالَ: أَأَقْرَرْتُم وأُخَذْتُم عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِيٍ (١)؟ قَالُوْا أَقْرَرْنا، قَالَ: فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِيْن ﴾ (سورة آل عمران: ٨١). قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم يبعث الله نبيًا إلّ أخذ الله عليه الميثاق على أمته لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه ، ولم يذكر أحد الصحابة أنه رأى الخضر ولا أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فإِن الصحابة كانوا أعلم وأجل قدراً من أن يلتبس الشيطان عليهم ، ولكن لبّس على كثير من بعدهم فصار يتمثل لأحدهم في صورة النبي ويقول : أنا الخضر ، وإنما هو شيطان ، كما أن كثيراً من الناس يرى ميته خرج وجاء اليه وكلمه في أمورٍ وقضاء حوائج فيظنه الميت نفسه وإنما هو شيطان تصوّر بصورته . انتهى (١) قال الراغب في مفرداته (٣٤/١): الإِصر : العهد المؤكدّ الذي يثبط ناقضه عن الثواب والخيرات ، قال تعالى : ﴿أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري﴾. ٣٧٤ ١ الكتاب والسّارس وَالعشرون تاريخ بحَى ابْ مُعِين ◌َلشه في أحَوَال الرّجَالٌ ( وهو مرتب على حروف المعجم . قال الإِمام أبو زكريا يحيى المذكور ) ابن معين بن عون الغطفاني البغدادي الحافظ الإِمام العَلَمَ ، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والإِمام أحمد وخلق . قال الإِمام أحمد : كل حديث لا يعرفه يحيى فليس بحديث . قال ابن أبي خيثمة (١): مات بالمدينة سنة (٢٣٣) وغسل على أعواد النبيّ صلى الله عليه وسلم وحمل على سريره صلى الله عليه وسلم ، ونودي بين يديه : هذا الذي يذبّ الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( في كتابه المسطور (٢) بالسند إليه(٣): حدثنا ابن أبي مريم (٤) قال: (١) هو أحمد بن زهير الحافظ المتوفى عام (٢٧٩) هـ وقد سبق ذكره في ص : ١٨٧ . (٢) أي كتابه (( التاريخ الكبير))، قال الدارقطني: لا أعرف أغزر فوائد من تاريخه، تذكرة الحفاظ (١٥٦/٢) (٣) في ط : قال : حدثنا . (٤) هو أبو محمد سعيد بن الحكم الجمحي المصري الحافظ الفقيه، روى عن مالك والليث ويحيى بن أيوب ، وروى عنه البخاري وابن معين وغيرهما . وثّقه الكثيرون . توفى عام (٢٢٤ هـ ) عن ثمانين سنة . ٣٧٥ حدثنا) عبد الله ( ابن لَهِيعة) بفتح اللام وكسر الهاء ابن عقبة الحضرمي الغافقي أبو عبد الرحمن المصري قاضيها وعالمها ومسندها عن عطاء والأعرج وعكرمة وخلق ، وعنه خلق . قال أحمد : احترقت كتبه وهو صحيح الكتاب ، وما كتب عنه قديماً فسماعه صحيح ، قال يحيى بن معين : ليس بالقوي ، قرنه مسلم بآخر وروى له البخاري والنسائي ولم يصرّحا باسمه . قال الجوزجاني (١) : لا نور على حديثه ولا ينبغي أن يحتج به ، وقال ابن مهدي (٢): لا أحمل عن ابن لهيعة شيئاً . وقد ولي القضاء بمصر للمنصور سنة ( ١٥٥ ) فبقي تسعة أشهر وأجرى له في الشهر ثلاثين دينارا . توفي سنة (١٧٤ ) (عن أبي الأسود )(٣) يتيم عروة ( عن عروة بن الزبير ) بن العوام الأسدي أبي عبد الله المدني أحد الفقهاء السبعة وأحد علماء التابعين ، قال ابن سعد : ثقة كثير الحديث فقيه عالم ثبت مأمون ، لم يُدخِل نفسه في شيء من الفتن . كان يتألف الناس على حديثه ، وكان يقرأ كل ليلة ربع القرآن ، ومات وهو صائم سنة اثنتين وتسعين ، وقيل بعدها ، وولادته سنة تسع وعشرين ( عن المِسوَرِ بنِ مَخْرَمَة ) بن نوفل الزهري ، له اثنان وعشرون حديثاً اتفقا على حديثين وانفرد البخاري بأربعة ومسلم بحديث . أصابه حجر المنجنيق وهو يصلي في الحِجرْ في محاصرة ابن (١) ابراهيم بن يعقوب أبو إسحاق الجوزجاني محدّث الشام . قال ابن العماد: كان من كبار العلماء ، نزل دمشق وجرح وعدل ، وهو من الثقات ( الشذرات : ١٣٩/٢). له كتاب في الجرح والتعديل وآخر في الضعفاء . توفي عام ( ٢٥٩ هـ). (٢) عبد الرحمن بن مهدي الأزدي مولاهم المتوفى عام (١٩٨ هـ) وقد سبق ذكره في ص : ٢٢٧ . (٣) هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل بن الأسود المدني . وثّقه أبو حاتم وغيره . توفي في آخر خلافة بني أمية عام (١٣١) هـ وقيل (١٣٧) هـ. ٣٧٦ الزبير فمكث خمسة أيام ومات رضي الله عنه . (عن أبيه(١) رضي الله عنهما قال : لقد أظهَرَ رسولُ اللّهِ صلّى الله عليه وسلّم الإِسْلامَ فَأَسْلَمَ أهلُ مَكَّةَ كُلُّهُم وذلك قبل أن تُفْرَضَ الصلاة ، حتى إن كان لَيَقْرَأُ بِالسَّجْدَةِ فَيَسْجُدُ فِيسْجُدُونَ وما يستطيع بعضُهُمْ أن يسجُدَ مِنَ الزِّحام وضيقِ المَقَام لكثرة الناس ، حتى قَدِمَ رؤوسُ قُريش الوليدُ بنُ المغيرة(٢) وأبو جهل(٣) وغيرُهُما، وكانوا بالطائِفِ في أرضِهِمْ، فقالوا : أَتَدَعُونَ دينَكم وَدِينَ آبَائِكُمْ؟ فَكَفَرُوا ) كنت استشكلت هذا الخبر بأنه يقتضي أن أهل مكة كلهم أسلموا ثم ارتدّوا لهذا السبب ، وهو باطل قطعاً، وقد تتبعت جملة من كتب السِّير فلم أر لما يؤيد هذا الخبر نقلا ، غاية ما في ذلك أنه رُوي أنه صلّى اللّه عليه وسلم لما دعا قومه ولم يردّوا عليه ولم يجيبوه صار كفار قريشٍ غير منكرين لما يقول ، فكان إذا مرّ عليهم في مجالسهم يشيرون إليه أنَّ غلامَ ابنٍ عبد المطلب لَيُكَلَّمُ من السماء ، وكان ذلك دَأْبَهُم حتى عابَ آلهتهم وسفّه عقولهم وضلل آباءهم فتناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته . انتهى . ثم رأيت في عمدة القارىء تخريج حديث ابن معين المذكور عن الطبراني في المعجم الكبير ثم قال : قال شيخنا زين الدين : ولا يصح (١) مخرمة بن نوفل الزهري. أسلم يوم الفتح. كان عالماً بالأنساب . عمرّ طويلاً ومات بالمدينة عام ( ٥٤ ) هـ . (٢) في م : مغيرة . وهو الوليد بن المغيرة المخزومي والد خالد بن الوليد ، من أشراف قريش في الجاهلية. ومن قضاة العرب. أدرك الإِسلام وهو كبير السن فعاداه وحاربه وأشار على الناس أن ينعتوا الرسول الكريم بأنه ساحر . توفي عام (١ ) للهجرة. (٣) عمرو بن هشام أعدى أعداء الإِسلام . وقد سبق ذكره وترجمته في ص : ١٤١ ح : ٣٧٧ هذا الحديث ففي إسناده ابن لهيعة . انتهى . وقد علمت تجريح الحفاظ له . نعم لو رُدّ إلى الرواية الثانية التي ذكرناها لاستقام ولكن يحتاج إلى إخراج ألفاظه عن تراكيبها الوضعية في العرف الشرعي وفيه من التعسف ما لا يخفى . وقوله : حتى كان ليقرأ بالسجدة فيسجدون لا يدل على إسلامهم ، فقد روى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإِنس(١). قال في ((العمدة)): وإنما سجد المشركون مع أنهم لا يعتقدون القرآن لأنهم سمعوا أسماء أصنامهم حيث قال: ﴿ أَفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزَّى، وَمَنَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢)﴾ (سورة النجم: ١٩ و٢٠) فظنوه مدحاً لها . انتهى. وقد يكون ذلك لبلاغة السورة وشدة قرعها (١) رواه البخاري في كتاب سجود القرآن باب سجدة النجم (رقم ١٠٧١ ) وفي كتاب التفسير ( برقم ٤٨٦٢). كما روى البخاري ( يرقم : ١٠٧٠ ) عن عبد الله بن مسعود أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم فسجد بها فما بقي أحد من القوم إلا سجد ، فأخذ رجل من القوم كفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى وجهه وقال : يكفيني هذا. فلقد رأيته بعدُ قُتِلَ كافراً)) الحديث. ورواه ( برقم: ٤٨٦٣) بزيادة في آخره (( ... فرأيته بعد ذلك قتل كافراً وهو أمية بن خلف)). (٢) اللات : صنم كان بالطائف، وكانت العرب تعظمه ، وهناك أقوال مختلفة في موضعه وأصله ، فقد قيل إن رجلاً كان يلتّ (أي يمزج ) السويق ( الدقيق ) بالسمن والزبيب على صخرة ثم يطعم من يمر به فلما مات عبدوه ، واللات اسم فاعل من ((لت)) ((بتشديد التاء))، وقيل بل عُبدت الصخرة نفسها ، قال ابن حيان في تفسيره : (((وتلخص في اللات أهو صنم أو حجر يُلَتّ عليه أو صخرة يُلَتّ عندها أو قبر اللاتْ أو شجيرات ثم صخرة أو اللاتّ نفسه: أقوال ((ا. هـ. ( البحر المحيط ١٦١/٨). وقرئت اللات بتشديد التاء ، غير أن أكثرهم على التخفيف . والعزى ومناة صنمان كانا بالكعبة على الأرجح . ٣٧٨ وعظم وقعها . وأما ما قيل بأنهم سمعوا بعد ذكر آلهتهم تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى (١) فباطل ، لأن قصة الغرانيق موضوعة ، قال ابن إسحاق (٢): هي من وضع الزنادقة ، وقال أبو بكر بن العربي(٣): إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له ، ووافقه القاضي عياض والمحققون بعده . وأما دعوى الحافظ ابن حجر أن القصة رويت مرسلة (١) روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالنجم فلما وصل إلى قوله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى﴾ ألقى الشيطان على لسانه ((تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى )) فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا ، فنزل قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلكَ من رَسُولٍ ولا نبيّ إلا إذا تمنّى ألقى الشيطانُ في أمنيته ، فينسَخُ الله ما يُلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم﴾ (الحج: ٥٢) قال ابن عباس: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه ... وقيل أمنيته: قراءته ، قال الفراء : التمني: التلاوة. وقيل غير ذلك والمراد بالغرانيق العلى : الملائكة ، وكان الكفار يقولون : الملائكة بنات الله ، وكانوا يعبدونها. وقصة الغرانيق موضوعة مردودة عند أكثر المحققين ، ومن أخذ بما روي بشأنها ذهب في تأويلها مذاهب أكثرها لا يصح لمكان الرسول صلى الله عليه وسلم من العصمة وأنه ليس للشيطان عليه ولاية في اليقظة أو النوم . وقيل : إن المشركين خافوا أن يذكر آلهتهم بذم أو شر فبادروا إلى ذلك الكلام فخلطوه بتلاوة الرسول صلى الله عليه وسلم على عادتهم في قولهم: ﴿لا تسمَعُوا لهذا القُرآنِ وَالغَوافِيْهِ﴾ ( فصّلت: ٢٦). وقيل: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يرتل القرآن فارتصد الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكياً نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها . وهذا أحسن الوجوه عند من اعتقد بأن لقصة الغرانيق أصلاً (٢) هو محمد بن إسحاق المؤرخ المتوفى عام (١٥١ هـ) وقد سبق ذكره (٣) أبو بكر بن العربي محمد بن عبد الله الإِشبيلي المالكي القاضي المتوفى عام ( ٥٤٣ هـ) ٣٧٩ من ثلاث طرق على شرط الصحيح(١) فقد ذهب عليه كما قال في ((الإِبريز)) أن العصمة من العقائد التي يطلب فيها اليقين ، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أيّ وجه جاء ، وقد عدّ الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها ، وهذا لو فرض اتصال الحديث فما ظنك بالمراسيل ؟ فتدبر ولا تكن أسير التقليد . (١) فصّل ابن حجر القول في ذلك في كتابه ((فتح الباري)) ج ٨ ص : ٤٣٩ وبين الطرق التي رويت فيها القصة مرسلة ، الأولى من رواية أبي بشرعن سعيد بن جبير ، والثانية ما أخرجه الطبري من حديث الحارث بن هشام ، والثالثة ما أخرجه الطبري أيضاً من حديث أبي العالية . وقد رد بشدة على القاضي ابن العربيّ والقاضي عياض وقال: ((إن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها دلّ ذلك على أنّ لها أصلاً، وقد ذكرت أن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح ، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل ، وكذا من لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض)) ا. هـ. وكان القاضي ابن العربي قد قال: ((ذكر الطبري في ذلك رواياتٍ كثيرةً باطلة لا أصل لها )) وقال القاضي عياض (( هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده ... )). ٣٨٠