النص المفهرس

صفحات 261-280

مناف القرشِيُّ المطّلبيُّ ( الشافعيُّ رضي الله عنه ) الإِمام العَلَم ، روى
عن مالك وإبراهيم بن سعد وابن عيينة وعمّه محمد بن عليّ بن
شافع(١) وخلق ، وعنه أبو بكر الحُمَيْدِيّ(٢) وأحمد بن حنبل والبويطي
وأبو ثور وحرملة وطائفة . حفظ القرآن وهو ابن سبع سنين ، وكان كثيرَ
المناقب جمَّ المفاخر منقطِعَ القرين ، اجتمع له من العلومِ بالكتاب
والسنّة وكلامِ الصحابة وآثارِهِمْ واختلافِ أقاويلِ العلماءِ ومعرفةِ كلامِ
العرب واللغةِ والشعرِ ما لم يجتمع في غيره . وشيوخُهُ الذين نقل عنهم
الحديثَ والفقه تزيدُ على الثمانين . وكان مكثراً من الحديث ، ولم
يكثر من الشيوخ كعادة أهل الحديث لإقباله على الاشتغال بالفقه حتى
حصل منه ما حصل . وكان يقسم الليل ثلاثَةَ أجزاء : ثلثاً للعلم وثلثاً
للصلاة وثلثاً للنوم ليقوم للفجر نشيطا . وكان يختم في كل شهر ثلاثين
ختمة ، وفي رمضان ستين ختمة سوى ما يقرأ في الصلاة . وقال رحمه
الله فيما رواه ابن أبي حاتم(٣): ماشبعت منذ ست عشرة سنة لأن الشِّبَعَ
يُثْقِلُ البدن وَيُفسِّي القلب ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويُضعِفُ صاحبَهُ
عن العبادة . قال الغزالي : فانظر إلى حكمته في ذكر آفات الشبع ثم
في جدّه للعبادة إِذْ طَرَح الشُّبَعَ لأجله وقد قالوا : رأس التعبد تقليل
الطعام . وقال الشافعي : ما حلفت بالله لا صادقاً ولا كاذبا . قال
(١) قال الخزرجي في خلاصته : محمد بن علي بن شافع المطّلبي ... وثقه الإِمام
الشافعي .
(٢) هو عبد الله بن الزبير الحميدي المتوفى عام (٢١٩ هـ). مرت ترجمته في
ص : ١٢٩ .
(٣) عبد الرحمن بن محمد أبي حاتم الرازي من كبار حفاظ الحديث. له (( الجرح
والتعديل)) و((علل الحديث)). توفي عام ( ٣٢٧ هـ).
٢٦١

الغزالي : فانظر إلى حرمتِهِ وتوقيره لله تعالى ودلالة ذلك على علمه
بجلال الله . وكان يقول : من ادّعى أنه جمع بين حبّ الدنيا وبين
خالقها في قلبه فقد كذب . ودعا رضي الله عنه مرة حجّاماً ليأخذ من
شعره فوَهَبَ له خمسين دينارا ، وسقط سوطُهُ من يده ودفعه له إنسانٌ
فوهبه تسعة دنانير أو سبعة ، وسخاوته أكثر من أن تحصى .
وقال رحمه الله : وددت أن الناس انتفعوا بهذا العلم وما نُسِبَ
إليّ منه شيءٌ . قال الغزالي : فانظر كيف اطلع على آفة العلم وطلب
الاسم به ، وكيف كان منزه القلب عن الالتفات إليه بمجرّد النية فيه
لوجه الله تعالى .
وقال الشافعي : ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطىء .
وقال : ما أوردت الحق والحجة على أحد فقبلها مني إلا هِبتُهُ واعتقدت
محبته ، ولا كابَرَني أحد على الحق ودافَعَ الحجة إلا سَقَطَ من عيني
ورفضته .
وكان رضي الله عنه معظّما للآثار مقدِّماً لها على الرأي ، متى
بلغه الحديث لم يتجاوَزِ القولَ بمقتضاه ، قال البيهقي (١): قرأت في
كتاب زكريا بن يحيى الساجي(٢) فيما حدثه البصريون أن الشافعي إنما
وضع الكَتْبَ على مالك أنّه بلغه أن بالأندلس قَلَنْسُوَةً (٣) لمالك يُستَسقَى
(١) هو أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقيّ (ت: ٤٥٨ هـ) وقد مرّ ذكره مرات ،
وستأتي ترجمته في ص : ٣٥٩ .
(٢) أبو يحيى الضبي البصري الساجي محدث البصرة في عصره . توفي عام
( ٣٠٧) هـ .
(٣) قال صاحب القاموس : القَلَنْسُوَة والقُلَنْسِيَةُ: إذا فتحت ( أي القاف) ضممت=
٢٦٢

بها وكان يقال لهم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون :
قال مالك فقال الشافعي : إن مالكا بشر يخطىء . فدعاه ذلك إلى
تصنيف الكتاب في اختلافه معه .
وأخرج الحاكم من طريق محفوظ بن أبي توبة قال : سمعت
الشافعي يقول : يقولون إني إنما أخالفهم للدنيا ، وكيف يكون ذلك
والدنيا معهم ، وإنما يريد الإِنسان الدنيا لبطنه وفرجه وقد مُنعت ما
أَلَّذُّ(١) من المطاعم، ولا سبيل إلى النكاح - يعني لما كان به من
البواسير - ولكني لست أخالف إلا من خالف سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم .
ولازم الربيعُ الشافعيَّ قبل أن يدخل مصر، فسأله عن أهل مصر،
فقال له: هم فرقتان: فرقةٌ مالَتْ إلى قولِ مالك وناضَلَتْ عليه وفرقةٌ
مالت إلى قول أبي حنيفة وناضلت عليه . فقال : أرجو أن أقدم(٢) مصرّ
إن شاء اللّه فَآتِيَهُمْ بشيء أشغلهم به عن القولين جميعا . قال الربيع :
ففعل ذلك والله حين دخل مصر . وقال البُوَيْطيّ : سمعتُ الشافعيّ
يقول : ألّفتُ هذه الكتب ولم آلُ(٣) فيها ولا بدّ أن يوجد فيها الخطأ
لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافاً
السين ، وإذا ضممتَ كسرتَها تُلبَس في الرأس ج قلانس وقلانيس وقَلْسٍ وقلاسِيّ
=
وقلاسٍ .
(١) لَّذَّ الطَّعامُ: صار لذيذاً، ولَذَّه ولُذّ بِهِ والتذَّه والتذّ به واستلَذّه وجده لذيذاً.
(٢) قدِمَ يقدَم من باب عَلِمَ أي من الباب الرابع .
(٣) أَلَ يألو أَلْواً وَأَلُوا وأُلِيّا قصّر وأبطأ، ويقال: ما أَلَوته : ما استطعته، وما ألوت
الشيءَ أَلْوًّا وأُلُوّا : ما تركته . ( من القاموس ) .
٢٦٣

كَثِيْراً﴾ ( سورة النساء : ٨٢) فما وجدتم من كتبي هذه مما يخالف .
الكتاب والسنة فقد رجعت عنه .
.--
وقال الربيع : سمعتُ الشافعيّ يقول : إذا وجدتم في كتابي
خلافَ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بها وَدَعُوا ما قُلتُهُ .
قال : وسمعته يقول : متى رويتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
حديثاً صحيحاً ولم آخُذْ به فَأَشْهِدُكُم أن عقلي قد ذهب(١) .
وقال المزني : قال الشافعي : إذا وجدتم سنّة صحيحة فاتّبعوها
ولا تلتفتوا إلى قول أحد . وقال الإِمام أحمد : كان أحسن أمرِ الشافعيّ
أنّه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله . وقد اشتهر عنه
قوله : إذا صحّ الحديث فهو مذهبي . قال الحافظ ابن حجر : رويناه
بالسند الصحيح إلى الطبراني (٢) قال: سمعت عبد الله بن أحمد(٣)
يقول : سمعت أبي يقول : قال لي الشافعيّ : إذا صحّ الحديث فقل
لي أذهبْ إليه حجازياً كان أو عراقيا، شامياً كان أو مصريا .
ومما نقل عنه في اتّباع السلف في المعتقد قوله : لَأَنْ يلقى الله
المرء بكل ذنب ما خلا الشركَ خيرٌ من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء .
قال : حُكمي في أهل الكلام أن يُضرَبوا بالجريد (٤) ويُحْمَلوا على
(١) انظر هذه الأقوال وتفصيل الموضوع في توالي التأسيس لابن حجر (ص : ٦٣).
(٢) سليمان بن أحمد الطبراني المتوفى عام (٣٦٠ هـ) وستأتي ترجمته في ص :
٣٩٧ .
(٣) هو عبد الله بن أحمد بن حنبل ( ترجمته في ص : ٢٨٧ ).
(٤) الجَرِيدة: سَعَفَة النخل وجمعها جريد وجرائد، وفي الحديث : كتب القرآن في
جرائد. اهـ من النهاية (١٨١/١).
٢٦٤

الإِبل ويُطَافَ بهم في العشائر والقبائل وينادى عليهم : هذا جزاءُ من
ترك الكتابَ والسنة وأقبل على الكلام . وقال رضي الله عنه : كلّ
متكلّم من الكتاب والسنة فهو الحق وما سواه هذيان .
وقال عليه الرضوان : عليكم بأصحابِ الحديث فإنهم أكثرُ صواباً
من غيرهم . وقال رحمه الله تعالى : إذا رأيت رجلاً من أصحاب
الحديث فكأنما رأيت رجلا من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم
جزاهم الله خيرا ، هم حَفِظوا لنا الأصل فَلَهُمْ علينا الفضل .
وقد صُنِّفَ في مناقبه وآثاره ◌ِتِآلِيفُ جَمَّةٌ منها (( توالي التأسيس
بمعالي ابن ادريس )) للحافظ ابن حجر وقد نقلت هذه الجملة منها .
كانت ولادته سنة ( ١٥٠ ) بغزة على الأصح ، وحمل منها إلى
مكة وهو ابن سنتين فنشأ بها ، ثم رحل إلى الإِمام مالك وقدم بغداد سنة
(١٩٥) فأقام بها سنتين . وسبب دخوله العراق أنه كان خرج إلى
اليمن فأقام بها أشهراً وارتفع له بها شان ، وكان بها والٍ من قبل
الرشيد ، وكان ظَلُوماً غشوما ، فكان ربما أخذ على يديه ومنعه من
الظلم ، وكان جماعة باليمن من العلويين قد تحركوا ، فكتب الوالي
إلى الرشيد أن العَلَوِيَّةَ قد تحركوا وأرادوا أن يخرجوا ، وأن ههنا رجلاً
من ولد شافع بن السائب من بني المطلب لو أراد الخروج لم يبقَ أحدٌ
إلا تَبِعِه فلا أمرَ لي معه ولا نهي ، فكتب إليه الرشيد أن يقبض عليهم ،
فقرن الإِمام الشافعي وأُوثق بالحديد ، فلما أُدخِل على الرشيد قال : يا
أخا شافع شَقَقْتَ العصا وخرجت مع العلوية علينا ، فقال له : يا أمير
المؤمنين أَدع من يقول إني ابن عمه وأصير إلى من يقول إني عبده؟
قال : فأطلق عنه ووصله بخمسمئة دينار وأضيف إليه مثلها ، ثم قال له
٢٦٥

الرشيد : عظني ، فوعظه إلى أن بكى . وقد ساق الحافظ هذه القصة
في ((معالي ابن إدريس)) بروايات متنوعة هذا ملخصها . ثم خرج
رضي الله عنه إلى مكة ، ثم عاد إلى بغداد سنة (١٩٨ ) فأقام بها
أشهرا ، ثم رجع إلى مصر وكان وصوله إليها سنة (١٩٩) وقيل (٢٠١ )
ولم يزل بها إلى أن توفي يوم الجمعة سلخ رجب سنة (٢٠٤ ) ودفن
بعد العصر من يومه بالقرافة الصغرى رضي الله عنه وأرضاه .
وفي خاتمة ((الدرر المنتثرة)) ما نصه : فائدة : قال ابن تيمية:
ما اشتهر من أن الشافعي وأحمد اجتمعا بشيبان الراعي وسألاه فهو باطل
باتفاق أهل المعرفة لأنهما لم يدركا شيبان . قال : وكذلك ما ذكر من
أنه اجتمع بأبي يوسف عند الرشيد لأنه لم يجتمع بالرشيد إلا بعد موت
أبي يوسف(١) . اهـ .
(في أول(٢) مسنده المذكور: كتاب الطهارة. وبالسند إليه قال:
أخبرنا مالك ) تقدّم ذكره (عن صفوانَ بِن سُلَيم ) بضم السين وفتح
اللام الزهري ، مولاهم أبو عبد الله المدني ، قال أحمد : ثقة من خيار
عباد الله الصالحين . مات سنة (١٣٢) (عن سعيد بن سلمة )
المخزومي ( رجل من آل ابن الأزرق ) وثّقه النّسائي ( أن المغيرة بن
أبي بردة ) الكناني وثّقه النسائي ، وقد ولي إمرة الغزو بالمغرب ، مات
بعد المئة ( وهو من بني عبد الدار ) في القاموس وشرحه : الدار صنم
(١) يعقوب بن إبراهيم الأنصاري أبو يوسف صاحب أبي حنيفة وأول من نشر مذهبه .
فقيه حافظ . ولي القضاء أيام المهدي والهادي والرشيد . أول من دعي : قاضي
القضاة . توفي عام (١٨٢ هـ) .
(٢) سقط من الأصل : أول ، والتصحيح من م ، ب ، ط .
٢٦٦

به سُمِّي عبد الدار بن قصيّ بن كلاب أبو بطن ، والنسبة إليه :
العبدريّ ، قال سيبويه : هو من الإِضافة التي أخذ فيها من لفظ الأول
والثاني ، وقال أبو الحسن(١): كأنهم صاغوا من عبد الدار اسماً على
صفة جعفر ثم وقعت الإِضافة إليه ، وهو أكبر ولد أبيه وأحبهم ، وكان
جعل له الحجابة(٢) واللواء (٣) والسقاية(٤) والندوة(٥) والرفادة(٦). انتهى
( أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : سأل رجل ) وقع في
بعض الطرق أن اسمه عبد الله ، وأورده الطبراني فيمن اسمه عبد ،
(١) أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش الأوسط المتوفى عام (٢١٥ هـ)
(٢) الحجابة : أي حجابة الكعبة أو سدانتها ، ومن يتولى ذلك لا يفتح بابها إلا هو،
وهو الذي يلي أمر خدمتها . وقد كانت الحجابة في بني عبد الدار ، ولما فتحت
مكة طلبها العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم فأراد النبي أن يعطيه مفتاح
الكعبة فنزل قوله تعالى: ((إنّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَات إلى أَهْلِهَا)) (النساء:
٥٨ ) فرده إلى بني عبد الدار وسلمه الى عثمان بن طلحة بن عبد العزى .
(٣) بَنَى قصيُّ بنُ كلاب دارَ الندوة ، وكان إليه أمر اللواء فكانت لا تعقد راية الحرب
إلا بيده ، ثم جعلها إلى ابنه عبد الدار بن قصيّ .
(٤) السقاية: أي سقاية الحُجاج فكانت تُملأ لهم أحواض من الماء وتُحلّى بشيء من
التمر والزبيب .
(٥) أي رئاسة دار الندوة حيث كانوا يتشاورون بأمورهم ، ويزوجون بناتهم ، ولا يُسمح
بدخولها إلا لمن بلغ الأربعين على الأقل .
(٦) الرّفادة أي إكرام الحجاج بالطعام. وقد رأى قصيّ بن كلاب أن إكرام الحجاج
مكرمة تترك في نفس الحاج أثراً باقياً فطلب إلى بطون قريش أن تشارك في هذه
المأثرة ليكون لكل قرشي نصيب في إطعام الحاج .
وقد كان عبد الدار بن قصي هو الذي يلي هذه الأمور كلها ، وتوارتها عنه أبناؤه ،
ثم نازعهم عليها أبناء عمهم عبد مناف بن قصي وأرادوا انتزاعها منهم ، وانقسمت
قريش أحلافاً وذر قرن الفتنة ، ثم اصطلحوا على أن تكون لبني عبد مناف السقاية
والرفادة ، ولبني عبد الدار اللواء والحجابة .
٢٦٧

وتبعه أبو موسى الأصبهاني(١) في معرفة الصحابة فقال : عبد أبو زمعة
البلوي ، وقيل : اسمه عبيد ( رسولَ الله صلى الله عليه ) وآله ( وسلم
فقال : يا رسولَ الله إنَّا تَرْكَبُ البَحْرَ ) أي في مراكبه وهي سفنه . قال
أبو عبد الملك : فيه جواز ركوبه لغير حج ولا عمرة ولا جهاد ، لأن
السائل إنما ركبه للصيد كما جاء في بعض الطرق(٢) ( وَنَحمِلُ مَعَنَا
القَلِيْلَ مِنَ المَاءِ ) بقدر الكفاية ( فإِن تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَتَتَوَضَّأَ بِمَاءِ
البَحْرِ ) في الأصل الذي شرح عليه الزرقاني : أفنتوضأ به (فَقَالَ
رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللهُ عليه) وآله ( وَسَلَّم: هُوَ) أي البحر (الطَّهُورُ
مَاؤُهُ ) بفتح الطاء أي المطهر، أراد منه: طَاهِرٌ يُتَطَهَّرُ بهِ . وفي
القاموس : والطَّهور : المصدر واسم ما يُتَطَّهَّر به أو الطاهر المطهّر ،
والأخير حُكِيَ عن ثعلب حيث قال : الطَّهور ما كان طاهراً في نفسه
مطهراً لغيره . ( الحِلَّ مَيْتَتُهُ ) أي الحلال كما جاء في بعض الروايات .
قال الرافعي (٣): لما عرف صلى الله عليه وسلم اشتباه الأمر على
السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم مَيْتَتِهِ وقد يُبتَلَى بها
راكب البحر فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة ، وهذا من
محاسن الفتوى بأكثر مما يسأل عنه تتميماً للفائدة وإفادةً لعلمٍ آخَرَ غيرِ
(١) محمد بن عمر الأصبهاني المديني أبو موسى ، من حفاظ الحديث المصنفين فيه .
قال السبكي : فضائله كثيرة توفي عام ( ٥٨١) هـ .
(٢) روى الإِمام أحمد من حديث أبي هريرة أن ناساً أتوا النبي صلى الله عليه وسلم
فقالوا : إنا نبعد في البحر ولا نحمل من الماء إلا الإِدَاوَة أو الادَاوَتَّيْنِ لأنا لا نجد
الصيد حتى نبعد، أفنتوضأ بماء البحر؟ قال: نعم فإنه الحِلّ مَيْئَتُهُ الطَّهُورُ ماؤه))
الحديث (٣٧٨/٢). الإِداوة : إناء صغير من جلد يتخذ للماء ج أداوى .
(٣) عبد الكريم بن محمد الرافعي الشافعي (ت: ٦٢٣ هـ) .
٢٦٨

المسؤولِ عنه . انتهى.
و((المَيْتَةُ)) بفتح الميم ، لأن المراد العين الميتة . وأمّا الميْتَة
بكسر الميم فهي هيئة الموت ، وهي لا توصف بحل ولا حرمة ، قال
الخطابي (١) في كتابه (( إصلاح الخطأ)): عَوَامُ الرُّوَاةِ يولَّعُون بكسر
الميم في هذا الموطن وهو خطأ ، وكذا قال صاحب المشارق(٢): من
رواه بالكسر فقد أخطأ. و((الميتة)) بالتشديد والتخفيف بمعنى واحد
في موارد الاستعمال . وفصّل بعضهم بينهما قال البطليوسي (٣) في
شرح ((أدب الكاتب)): فرّق قوم بين المَيْت بالتخفيف والميّت
بالتشديد فقالوا : الأول ما قد مات والثاني ما سيموت ، وهذا خطأ .
وأوضح ابن عطية (٤) في تفسيره هذا إلا أنه قال بالتشديد يستعمل فيما
مات وفيما لم يمت بعد . انتهى
والحديث - كما قال ابن الأثير - صحيح مشهور أخرجه الأئمة في
كتبهم واحتجوا به ، ورجاله ثقات(٥) ، وقال الترمذي : سألت البخاريّ
(١) مرّ ذكره مرات، وهو حَمْد بن محمد الخطابي (ت: ٣٨٨ هـ)
(٢) هو القاضي عياض بن موسى في كتابه ((مشارق الأنوار على صحاح الآثار)).
(٣) عبد الله بن محمد البَطَلْيَوْسي الأندلسي . من علماء اللغة والأدب . توفي عام
(٥٢١ هـ). وقد سمى كتابه: ((الاقتضاب في شرح أدب الكتاب)) لابن قتيبة
الدينوري .
(٤) عبد الله بن عطية أبو محمد المقرىء المفسر ، من أهل دمشق ، له تفسير مشهور
توفي عام (٣٨٣ هـ)، وُصف بقولهم (المتقدم ) تمييزاً له من ابن عطية المفسر
الأندلسي عبد الحق بن غالب المتوفى عام (٥٤٢ هـ) ويلقب: ((المتأخر)).
(٥) انظر ذلك في ((جامع الأصول)) لابن الأثير الجَزَري ، وقد أورد الحديث برقم
(٥٠٢٧) (ج ٦٢/٧) .
وقد أخرج الحديث أبو داود ( برقم ٨٣) والترمذي ( برقم ٦٩) وحسَّنه وصحَّحه ، =
٢٦٩

عنه فقال : هو حديث صحيح ، وقول ابن عبد البر : لو كان صحيحاً
لأخرجه في صحيحه لا يَرِدُ لأنه لم يَلْتَزِمْ إخراجَ كلّ حديثٍ صحيحٍ
واللهُ أعلم .
=
والنَّسائي ( برقم ٥٩ و٣٣٣، وفي الصيد برقم ٤٣٥٥) ومالك في كتاب الطهارة
برقم (٤٠) وفي الصبد ( برقم ١٠٦٨)، وقد رواه الإمام أحمد من حديث أبي
هريرة ، وروى نحوه من حديث جابر بن عبد الله . وقال العجلوني في كتابه (( كشف
الخفاء )) (٣٣٤/٢): رواه مالك والشافعي وأحمد والأربعة وابن حبان والحاكم عن
أبي هريرة ... وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم عن جابر رضي الله
عنه .
٢٧٠

الكتاب العاشر
مُسْندَ الإِمام أحمد
رَحمهُ اللّه تَعَالى
(قالَ) الإِمام (أبو عبدِ الله أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حَنْبَل) بن
هلال الشيباني من بني شيبان بن ذُهل بنِ ثعلبَةَ المروزي ثم البغدادي
الحافِظُ الحجةُ صاحبُ المذهب الصابرُ على المحنةِ الناصرُ للسنة وَمَنْ قال
فيه الشافعي فيما رواه حرملة: خرجت من بغداد وما خلّفت فيها أفقّهَ ولا
أَوْرَعَ وَلاَ أَزْهَدَ وَلَا أَعْلَمَ مِنْ أَحْمَدَ . ولد سنة (١٦٤) ببغداد وجيء به
إليها من مرو حملاً، ونشأ ببغداد وطلب الحديث وهو ابنُ خمسَ عَشَرَةً
سنة ، ورحل إلى الكوفة والبصرةِ ومكةَ والمدينةِ واليمنِ والشام.
والجزيرةٍ ، وروى عن كثيرين ، وروى له الجماعة وكثير من مشايخه
كالشافعي، وأقرانه كابن معين(٢). قال الحافظ ابن حجر في ((توالي
التأسيس (٣))) في الكلام على أصحاب الشافعي: الثالث الإِمام
أحمد ، شهرته تغني عن إيراد شيء من خبره ، وقد أفرد الأئمة مناقبه
في عدة تصانيف . ثم قال : وأول طلبه العلم في سنة تسع وسبعين ،
(١) في م : أحمد بن حنبل .
(٢) يحيى بن معين أبو زكريا المتوفى عام (٢٣٣ هـ). ترجمته في ص : ٣٧٥ .
(٣) ص : ٣٨.
٢٧١

فاتفق له من نمط ما اتفق للشافعي فإنه ولد في السنة التي مات فيها
الإِمام أبو حنيفة ، وأحمد ابتدأ طلب العلم في السنة التي مات فيها
الإِمام مالك .
وقد شارك الشافِعِيَّ في أكثر شيوخه ، وأكثر عنه مُسلم وأبو داود ،
وأما البخاري فكأنه لم يلقه إلا بعد أن امتنع من التحديث فما أخرج عنه
إلا شيئا يسيرا، وأخرج عنه الترمذي والنَّسائي وابن ماجه وابنُ
خزيمة (١) بواسطة .
ومن عظيم ما روي من حفظه ما قاله عبد الله بن أحمد : سمعت
أبا زُرْعَةَ(٢) يقول: كان أبوكَ يحفظُ ألف ألفٍ حديث ، فقلت : وما
يدريك ؟ فقال : ذاكرته وأخذت عليه الأبواب . وعن أبي زُرْعَةَ :
حزرت كتب أحمد يوم مات فبلغت اثني عشر حِمْلاً وعِدْلا ما كان على
ظهر كتابٍ منها حديث فلان ، ولا في بطنه حدثنا فلان ، وكلُّ ذلكَ كان
يُحفَظُ عن ظهر قلبه . وقال عبد الله : قال لي أبي : خذ أيّ كتاب
شئت من كتب وكيع ، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك
بالإِسناد ، وإن شئت بالإِسناد حتى أخبرك عن الكلام . وقال إبراهيم
الحربيّ (٣): رأيت أحمد كأنّ اللّه جمع له علم الأوّلين والآخِرِينَ.
وقال عبد الرحمن بن مهدي(٤) : ما نظرتُ إلى أحمد بن حنبل إلا
(١) هو محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت: ٣١١ هـ). ترجمته في ص : ٣٣٣.
(٢) أبو زُرعة ولي الدين عبيد الله بن عبد الكريم (ت: ٢٦٤ هـ) .
(٣) أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي الحافظ . نقل عن الإِمام أحمد مسائل
كثيرة ، وكان يشبه به في وقته . توفي ببغداد عام ( ٢٨٥ هـ) .
(٤) أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي العنبري البصري اللؤلؤي الحافظ . قال أحمد بن=
٢٧٢
١

تذكرتُ به سفيان الثّوري . وقال قتيبة(١): إذا رأيتَ الرجلَ يحبُّ أحمد
فاعلم أنه صاحبُ سنة . وقال أيضاً : لولا أحمد لأحدثوا في الدين .
وثناء الأئمة عليه كثير .
وأما زهدُهُ وورعه وتقلُّلُهُ من الدنيا فقد سارت بأخباره الركبان ،
وقد أفرد جماعة من الأئمة التصنيف في شأنه ، منهم البيهقيّ وأبو
إسماعيل الأنصاري وأبو الفرج بن الجوزي .
1
ودُعِيَ إلى القول بخلق القرآن فلم يُجِبْ، فضُرب وحُبس وهو
مصرّ على الامتناع، وكان ضربُهُ في العَشْرِ الأخيرِ من شهرِ رمضان سنة
(٢٢٠)، ولا بأس أن نذكر ابتداء المحنة وسبَبَها لتشوّف كثير إلى
مصدرها فنقول: ذكر الشيخ الإِمام ناصر السنة جمال الدين أبو الفرج
عبد الرحمن بن الجوزي في كتاب ((مناقب الإِمام أحمد )) في الباب
السادس والستين : أنَّ الناس لم تزل على قانون السلف وقولِهِم إن
القرآن كلامُ اللّهِ غيرُ مخلوقٍ حتى نَبَغَتِ(٢) المعتزلة فقالت بخلق
القرآن ، وكانت تُسِرُّ ذلك ، وكان القانون محفوظاً في زمن الرشيد . ثم
أُسند إلى هرون الرشيد أمير المؤمنين أنه قال : بلغني أن بشراً
المرّيسي (٣) زعم أن القرآن مخلوق ، عليّ - إن ظفرت به - لأقتلنَّه قتلةً
حنبل ، هو أفقه من يحيى القطان وأثبت من وكيع . وقال الشافعي : لا أعرف له
=
نظيراً في الدنيا . (ت : ١٩٨ هـ).
(١) قتيبة بن سعيد من أقران الإِمام أحمد. ( ترجمته في ص : ١٨٧ ).
(٢) نبغ كمنع ونَصَرَ وضَرَب : ظَهَرَ .
(٣) بشر بن غياث بن أبي كريمة فقيه معتزلي ، عارف بالفلسفة ، رُمي بالزندقة .
( ت : ٢١٨ هـ ).
٢٧٣

ما قتلها أحد قط . قال أحمد بن إبراهيم الدورقيّ(١): وكان بشر
متواريا أيام هارون نحواً من عشرين سنة ، ولما توفي الرشيد كان الأمر
كذلك في زمن الأمين(٢). فلما ولي المأمون (٣) خالطه قوم من المعتزلة
فحسّنوا له القول بخلق القرآن والدعوة إليه ، فكان يتردد في حمل الناس
على ذلك ويراقب بقايا الأشياخ ، ثم قَوِيّ عزمُهُ على ذلك فحمل الناسَ
عليه .
وأمّا قصة الإِمام رضي الله عنه مع المأمون فقد قال العلماء بالسِّيَر
إن المأمون كتب وهو بالرقة إلى إسحاق بن إبراهيم (٤) وهو صاحب
الشرطة ببغداد بامتحان الناس فامتحنهم . ثم أسند إلى صالح (٥) بن
الإِمام أحمد قال : سمعت أبي يقول : لما أدخلنا على إسحاقَ بنِ
إبراهيمَ للمحنة قرىء علينا كتابُ الذي صار إلى طرسوس يعني
المأمون ، فكان فيما قرىء علينا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ( سورة
الشورى: ١١) وهو ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ( سورة الأنعام: ١٠٢ ،
(١) أحمد بن إبراهيم العبدي النَّكْري البغدادي الدورقيّ الحافظ الصدوق . توفي عام
(٢٤٦ هـ). وهو أخو يعقوب بن إبراهيم الدورقيّ محدث العراق في عصره .
والذي أخذ عنه الأئمة الستة . توفي عام (٢٥٢ هـ) .
(٢) محمد بن هارون الرشيد، بويع بالخلافة عام (١٩٥ هـ) وقتل عام (١٩٨ هـ)
وكانت ولادته عام ( ١٧٠ هـ) .
(٣) عبد الله بن هارون الرشيد أبو العباس ، عالم، محدث ، لغوي ، نحوي . نشطت
في عهده العلوم المختلفة ، وقويت حركة الترجمة . (ت : ٢١٨ هـ) .
(٤) المصعبي الخزاعي صاحب الشرطة أيام المأمون والمعتصم والواثق والمتوكل توفي
عام ( ٢٣٥ هـ) .
(٥) صالح بن أحمد بن حنبل نشأ في كنف أبيه الإِمام وأخذ عنه ، تولى قضاء أصبهان
وتوفي فيها عام ( ٢٦٥ هـ ) .
٢٧٤

سورة الرعد : ١٦ ، سورة الزمر : ٦٢، سورة غافر : ٦٢) فقلت :
﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البصير﴾ (سورة الشورى: ١١). قال صالح: ثم
امتُحِنَ القومُ فوجه لمن امتنع إلى الحبس فأجاب القوم جميعا غير
أربعة: أبي ومحمد بن نوح(١) وعبيد الله بن عمر القواريري(٢) والحسن
ابن حمّاد (٣) ، ثم أجاب عبيد الله بن عمر والحسن بن حماد وبقي أبي
ومحمد بن نوح في الحبس ، فمكثا أياماً في الحبس ، ثم ورد الكتاب
من طرسوس (٤) بحملهما إليها، فحُمِلا مُقَيَّدَين زميلين . قال صالح :
فصرت معهما إلى الأنبار ، فسأل أبو بكر الأحول أبي فقال : يا عبد الله
إن عُرضتَ على السيف تجيب ؟ قال: لا، ثم سُيِّرا وقال الإِمام أحمد:
ما سمعت كلمة كانت أوقع في قلبي من كلمة سمعتها من أعرابي في
رحبة طوف ، قال لي : يا أحمَدُ إن قَتَلَكَ الحقُّ كنتَ شهيدا وإن عِشْتَ
عِشْتَ حميدا ، فقوّى قلبي . قال ابن أبي حاتم(٥) : قال أبي : فكان
ءُ
كما قال ، لقد رفع الله عز وجل شأن أحمَدَ بنِ حنبل بعد ما امتّحِن
(١) محمد بن نوح العجلي صاحب الإِمام أحمد ورفيقه في القيود والدفاع عن السنة ،
وكان يثّت الإِمام أحمد ويشجعه ، مرض ومات في الطريق عام (٢١٨ ) هـ . قال
الإِمام أحمد : ما رأيت أَقْوَمَ بأمر الله منه .
(٢) الجشمي مولاهم أبو شعيب البصري. وثقه ابن معين. مات عام (٢٣٥ هـ).
(٣) الحضرمي البغدادي ، قال عنه الإِمام أحمد : صاحب سنة ، وثقه الخطيب وابن
حبان . مات عام ( ٢٤١ هـ) .
(٤) طَرَسوس مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم . وبها قبر المأمون
جاءها غازياً فأدركته منيته . قال ياقوت : ولا يجوز تسكين الراء إلا في ضرورة
الشعر، لأن ((فَعْلول)) ليس من أبنيتهم ، سميت بطرسوس بن الروم من أبناء سالم
ابن نوح .
(٥) عبد الرحمن بن محمد أبي حاتم (ت : ٣٢٧ -).
٢٧٥

وعظم عند الناس وارتفع أمره جدا .
ثم أسند إلى العباس بن محمد الدوري(١) قال : سمعت أبا
جعفر الأنباري يقول : لما حُمِل أحمد بن حنبل إلى المأمون أُخبرت ،
فعبرت الفرات فإذا هو جالس في الخان، فسلَّمت عليه فقال:
يا أبا جعفر تعنّيت، فقلت: ليس في هذا عناء، وقلت له: يا هذا
أنت اليوم رأسُ الناس يقتدون بكَ، فوالله لَئِن أجبتَ إلى خَلْق القرآن
ليجيبَنّ بإجابتك خلقٌ من خلق الله ، وإن أنت لم تجب ليمتنعَنّ خلق
من الناس كثير ، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت ولا بدّ
من الموت ، فاتق الله ولا تجبهم إلى شيء . فجعل أحمد يبكي
ويقول : ما شاء الله ما شاء الله ، ثم قال لي أحمد : يا أبا جعفر أعد
عليّ ما قلت ، فأعدتُ عليه ، فجعل يقول : ماشاء الله ما شاء الله .
ثم أسند إلى صالح قال : قال أبي : لما صرنا إلى أذنة ورحلنا
منها وذلك في جوف الليل وفتح لنا بابها فقال البسري : قد مات الرجل
يعني المأمون ، قال أبي: وكنت أدعو الله ألا أراه . ثم ردّ الإِمام أحمد
ومحمد بن نوح في أقيادهما ، فلما صارا إلى الرقة حبسا فيها .
قال أبو العباس الرقي وهو من الحفاظ : دخل أئمة الرقة على
أحمد وهو محبوس فيها فجعلوا يذكّرونه ما يُروَى في التقيّة(٢) من
الأحاديث ، فقال أحمد: وكيف تصنعون بحديث خبّاب (٣): إنّ مَن
(١) الهاشمي مولاهم، من حفاظ الحديث (ت : ٢٧١ هـ) .
(٢) من اتقى الشيءَ إذا حَذِره ، والتقيّة إظهار ما يأمن به المرء الشر وإخفاء حقيقة ما
يعتقده .
(٣) خباب بن الأرت ، أسلم سادس ستة ، أول من أظهر إسلامه، مرّ عليُّ بن أبي =
٢٧٦

كان قبلكم كان يُنشر أحدهم بالمنشار لا يصده ذلك عن دينه(١).
قال : فأيسوا(٢) منه ، فقال أحمد : لستُ أبالي بالحبس ما هو ومنزلي
إلا واحد (٣)، ولا قتلٍ بالسيف ، إنما أخاف فتنةً بالسوط وأخاف أن لا
أصبر ، فسمعه بعض أهل الحبس وهو يقول ذلك فقال : لا عليك يا أبا
عبد الله فما هو إلا سوطان ثم لا تدري أين يقع الباقي ، فكأنه سُرّي عنه .
ورُدّ من الرقة ثم صار إلى بغداد وهو مقيّد فمكث بالياسرية أياماً
ثم صار إلى الحبس في دارٍ اكتُرِيَت، ثم نقل بعد ذلك إلى حبس العامة .
ثم أسند عن ابنه صالح قال : كان أبي يصلّي بأهل السجن وهو
مقيّد . ثم دعاه المعتصم بقيوده وعنده رؤساء الفتنة الاعتزالية ،
طالب بقبره في الكوفة فقال : رحم الله خباباً ، أسلم راغباً ، وهاجر طائعاً ، وعاش
=
مجاهداً . (ت : ٣٧ هـ) .
(١) رواه البخاريّ في كتاب المناقب من حديث خباب بن الأرتّ قال : شكونا الى
رسول الى صلى الله عليه وسلم - وهو متوسّد بُردةً له في ظل الكعبة - قلنا له : ألا
تستنصر لنا ، ألا تدعو الله لنا؟ قال : كان الرجل فيمن قبلكم يُحفَر له في الأرض
فُيُجْعَلُ فيه ، فيجاءُ بالمنشار فيوضع على رأسه فَيُشَقّ باثنتين (وفي رواية : اثنين)
وما يصدّه ذلك عن دينه ، ويُمشَط بأمشاطِ الحَدِيدِ ما دُون لحمِهِ مِنْ عَظْمٍ أو عَصَبٍ
وما يَصُدُّه ذلك عن دينه . والله لَيَتِمَّنَّ هذا الأمرُ حتى يسير الراكبُ من صنعاءَ الى
حَضْرَمَوْتَ لا يخافُ إلا اللّهَ أو الذئبَ على غنمِهِ، ولكنكم تستعجلون )) الحديث رقم
٣٦١٢، ورواه بنحو ذلك برقم ٣٨٥٢، ٦٩٤٣، والحديث في مسند الإمام أحمد
(١١١/٥، ٣٩٥/٦). وجاءت بعض الروايات بلفظ: بالميشار. قال صاحب
القاموس : وشر الخشبة بالميشار غير مهموز لغة في : أشَرَها بالمنشار إذا نشرها .
اهـ . والميشار : بوزن مفعال وأصلها : مِوْشار فقُلبت الواو ياءً لسكونها بعد كسرةٍ
كما قالوا : میزان ومیقات ومیعاد من وزن ووقت ووعد .
(٢) أَيْس من باب سَمِع بمعنى قنط، يقال: أَيِسَ منه يَأْيَس إياساً وَيَئِس بَيْأَس وَبَيْئِس
إذا قنط وانقطع رجاؤه .
(٣) جاءت في الأصل : واحداً .
٢٧٧

فحاوروا الإِمام فأجابهم ، ولما أيسوا من أن يجيبهم إلى خَلْقِ القرآن
أَغْرَوُا المعتصمَ (١) به وقالوا: إن تركتَهُ قيل : إنك تركتَ مذهب
المأمون وسَخِطْت(٢) قوله ، فهاجه ذلك على ضربه ، ثم دعا بالعقابين
والسياط وضرب حتى أغمي عليه . قال صالح : ثم خُلّي عنه فصار إلى
منزله . وكان مُكُثُه في السجن منذُ أُخِذَ وحُمل إلى أن ضُرِبَ وخُلّي عنه
ثمانيةً وعشرين شهرا . وروى أبو نُعَيم الحافظ سنده إلى مهنا بن يحيى
قال : رأيتُ يعقوبَ بنَ إبراهيم بنِ سعدٍ الزهري (٣) حين أُخرِجَ أحمدُ
من الحبس وهو يقبل جبهة أحمد ووجهه ، ورأيت سليمان بن داود
الهاشمي (٤) يقبل جبهة أحمد ورأسه .
وأسند ابن قدامة (٥) عن الحسن بن عبد العزيز (٦) قال : قلت
(١) المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد. بويع عام (٢١٨ هـ) بعهدٍ من أخيه
المأمون ، فتح عمورية ، وفتح سامراء . (ت : ٢٢٧ هـ) .
(٢) سَخِط يسخَطُ الشيءَ: كرهه، والمسخوط: المكروه، وسَخِط سُخْطا
وسَخَطاً ... ضد رضي .
(٣) الزهري المدني سمع الكثيرين وروى عنه خلق منهم يحيى بن معين ووثقه . توفي
عام (٢٠٨) هـ. قال ابن العماد : كان إماماً ثقةً ورعاً كبير القَدْر.
(٤) سليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس الهاشمي . قال ابن حجر (تهذيب
التهذيب ١٨٧/٤ برقم ٣١٨) : سكن بغداد وروى عن ابن عيينة والشافعي وابن
أبي الزناد، وعنه البخاري والأربعة بواسطة . وثقه الجميع (ت : ٢١٩ هـ).
(٥) الموفق بالله عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي
صاحب كتاب ( المغني ) . توفي في دمشق عام (٦٢٠ هـ). وكان يجمع بين
جمال الخَلْقِ والخُلُق ، وقوة الحجة وسعة العلم . قال ابن تيمية : ما دخل الشام
بعد الأوزاعي أفقه من الشيخ الموفق . وقال الشيخ ابنُ الصلاح المفتي : ما رأيت
مثل الشيخ الموفق . وأقوال العلماء فيه كثيرة جداً روى بعضها ابن العماد في
(٨٨/٥) وما بعدها .
(٦) أبو علي الجروي المصري نزيل بغداد . كان أبوه ملكاً فرفض أن يأخذ من إرث =
٢٧٨

للحارث بن مسكين إن هذا الرجل، أعني أحمد بن حنبل، قد ضرب فاذهب
بنا إليه ، فذهبت أنا وهو فدخلنا عليه حدثان ضربه ، فقال لنا : ضُربتُ
فسقطت وسمعت ذلك - يعني رأس الفتنة ابن أبي دؤاد(١) - يقول : يا
أمير المؤمنين هو والله ضالّ مُضِلّ. فقال له الحارث : أخبرني يوسف
ابن عمرو بن يزيد (٢) عن مالك بن أنس أن الزهريّ سَعَى به حتى
ضُرِب بالسياط(٣) ، فقيل لمالك بعد ذلك : إن الزهري قد أقيم للناس
وعُلّقت كتبه في عنقه ، فقال مالك : قد ضُرِبَ سعيد بن المسيّب
بالسياط وحلق رأسه ولحيته(٤) ، وضرب أبو الزناد(٥) بالسياط ،
وضرب محمد بن المنكدر وأصحاب له في حمام بالسياط . قال : وقال
عمر بن عبد العزيز لا تغبطوا أحداً لم يصبه في هذا الأمر أذى ، قال :
أبيه شيئا وانصرف إلى العلم . قال الدارقطني: لم يُرَ مثله فضلاً وزهداً .. وهو
فوق الثقة ، وقال الحاكم : كان من أعيان المحدثين الثقات . (ت : ٢٥٧ هـ)
(١) أحمد بن أبي دؤاد ، من القضاة المشهورين ، رأس فتنة القول بخلق القرآن.
اتصل بالمأمون ، وارتفع قدره عند المعتصم ، وأخذ الواثق برأيه . توفي مفلوجاً زمن
المتوكل وذلك في عام ( ٢٤٠ هـ) .
(٢) جاء في الأصل : يوسف بن عمر بن بريد ، وصوابه يوسف بن عمرو بن يزيد
الفارسي المصري . روی عن مالك واللیث والشافعي وغيرهم ، وروى عنه يحيى بن
بكير والحارث بن مسكين . (ت عام : ٢٠٥ هـ )
( انظر خلاصة الخزرجي : ٤٣٩، وتهذيب التهذيب ٤٢٠/١١ رقم: ٨١٧ )
(٣) انظر تفصيل ذلك في ص : ٢٢٩ .
(٤) ضربه جابر بن الأسود والي المدينة حينما رفض بيعة ابن الزبير ، كما ضربه هشام
ابن إسماعيل حينما رفض البيعة لسليمان والوليد بالعهد .
(٥) عبد الله بن ذكوان مولى رملة بنت شيبة زوج عثمان بن عفان ، وكان يكنى بأبي عبد
الرحمن فغلب عليه أبو الزناد على كره منه . تولى خراج العراق لعمر بن عبد
العزيز . من فقهاء المدينة الكبار. (ت : ١٣١ هـ) .
٢٧٩

وما ذكر مالك نفسه . فأعجب أحمد بقول الحارث . قال ابن قدامة :
وما زال الناس يُبْتَلَوْنَ في الله تعالى ويصبرون ، وقد كانت الأنبياءُ
تُقْتَل، وأهل الخير في الأمم السالفة يُقتلون وَيُحْرَقُون وَيُنْشَرُ أحدهم
بالمنشار وهو ثابت على دينه . ولولا كراهية التطويل لذكرت من ذلك
بأسانيده ما يطول . انتهى ملخصا .
ومن أراد تفصيل أحواله رضي الله عنه فليرجع إلى هذا الكتاب
النادر .
وكان رضي الله عنه يُضْرَبُ به المثَلُ في اتّباع السنة
واجتناب البدعة . وكان يلبَسُ الثيابَ النقيةَ البياضِ ويتعهدُ شاربه وشَعْرَ
رأسِهِ وبدنِهِ . وكان إذا جاع أخذ الكسرة اليابسة فنفضها من الغبار ثم
صبّ عليها الماء في قصعةٍ حتى تبتل ثم يأكلها بالملح ، وكان أكثر
إدامه الخل . وكان إذا مشى في الطريق لا يمكّن أحداً يمشي معه ،
وكان من أصبرٍ الناس على الوحدة ، لا يراه أحد إلا في المسجد أو
جنازة أو عيادة . وحجّ خمس حجات وكان ينفق في كل حجة عشرين
درهما .
وكان يحث العلماء على أن يأخذوا أحكام دينهم من عين الشريعة
ولا يقنعوا بالتقليد من خلف حجابٍ أحد المجتهدين، ويقول: (( كثرة
التقليد عمى في البصيرة)) نقله الشعراني(١) في ميزانه . وكانت فتواه
رضي الله عنه مبنية على خمسة أصول (٢) :
( أحدها ) النصوص ، فإذا وَجَدَ النصَّ أفتى بموجبه ولم يلتفتْ
(١) عبد الوهاب بن أحمد الشعراني (ت: ٩٧٣) وقد تقدم ذكره ص : ٢٢٩ ح : ٢ .
(٢) انظر تفصيل ذلك في اعلام الموقعين لابن القيم (ج ٣٢/١ - ٣٦).
٢٨٠