النص المفهرس

صفحات 161-180

ينتحله . قتله الحجاج بن يوسف(١) صبراً (٢) . وقيل : إنه معبد بن
عبدالله بن عويمر(٣). قال يحيى بن يعمر : ( فانطلقتُ أنا وحُميد)
بالتصغير ( بن عبدالرحمن الحميري ) البصري الفقيه ، وثَّقه العجلي ،
قال ابن سيرين: هو أفقه أهل البصرة . ( حاجّين أو مُعتمرين فقلنا : لو
لقينا أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما
يقول هؤلاء في القدر ، فَوُفَق ) بضم الواو وكسر الفاء المشددة ( لنا
عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما داخلاً المسجد ) قال
النووي : معناه جعل وفقاً لنا ، وهو من الموافقة التي هي الالتحام ،
يقال : أتانا لٍتيفاق الهلال ومِيفاقه أي حين أهلّ لا قبله ولا بعده ،
وهي لفظة تدلّ على صدق الاجتماع والالتئام ، وفي مسند أبي يعلى
الموصلي (٤) ((فوافق لنا)) بزيادة الألف ، والموافقة المصادفة انتهى
( فاكتنفته أنا وصاحبي ) يعني صرنا في ناحيتيه ثم فسّره فقال : أحدنا
مشهور، عفّ عن الدنيا حينما بسطها المنصور بين يديه . (٨٠ - ١٤٤ هـ).
=
(١) الحجاج بن يوسف الثقفيّ، الأمير الحازم ، والخطيب المفوّه، ولي الأمور في
العراق للأمويين فارتكب فيها الأهوال . ( ٤٠ - ٩٥ هـ) .
(٢) قتله صبراً : أي حبسه ورماه حتى مات .
(٣) في تهذيب التهذيب (١٠ / ٢٢٢ الترجمة ٤٠٥): معبد بن خالد الجهني ، يكنى
أبا زرعة ، له صحبة، .. وزعم بعضهم أن هذا هو المقتول رأس القدرية ، وليس
كذلك. وفي تهذيب التهذيب أيضاً ( ١٠ / ٢٢٥ الترجمة ٤١٤) : معبد الجهني
البصري ، يقال إنه ابن عبد الله بن عكيم ، أو ابن عبد الله بن عويم ، ويقال : ابن
خالد. قال أبو حاتم : كان صدوقاً في الحديث ، وكان أول من تكلم في القدر
بالبصرة ، وكان رأساً في القدر ، قدم المدينة فأفسد بها ناساً ، قتله عبد الملك سنة
ثمانين .
(٤) سيرد التعريف به وبمؤلفه في ص : ٣٢٢.
١٦١

عن يمينه والآخر عن شماله ، وكنفا الطائر جناحاه ، وفي هذا تنبيه على
أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم وهو أنهم يكتنفونه ويحفون به
(أَحَدُناعن يمينه والآخَرُ عن شِمَالِهِ فظننتُ أنَّ صاحِبِي سَيَكِلُ الكلامَ
إليّ) معناه : يسكت ويفوضه إلي لإِقدامي وجرأتي وبسطة لساني ،
فقد جاء عنه في رواية : لأني كنت أَبْسَطَ لساناً ( فقلت: أبا(١)
عبد الرحمن إنَّه قد ظَهَرَ قِبَلَنَا ناسٌ يقرؤُونَ القُرآنَ وَيَتَقَفَّرُوْنَ العلم )
بتقديم القاف على الفاء معناه : يطلبون ويتبعون ، هذا هو المشهور ، وقیل
معناه يجمعونه ، ورواه بعض شيوخ المغاربة من طريق ابن ماهان :
يتفقَّرون بتقديم الفاء على القاف وهو صحيح أيضا ومعناه : يبحثون عن
غامضه ويستخرجون خفيه . وروي في غير مسلم ((يتقفّون)) بتقديم
القاف وحذف الراء وهو صحيح أيضاً ، ومعناه أيضاً يتتبعون . قال
القاضي عياض: ورأيت بعضهم قال فيه ((يتقعرون )) بالعين ، وفسره
بأنهم يطلبون قعره أي غامضه وخفّيه ، ومنه : تقعّر في كلامه إذا جاء
بالغريب منه ، وفي رواية أبي يعلى الموصلي: (( يتفقهون)) بزيادة الهاء
وهو ظاهر . (وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ وأَنَّهم يزعمون أنْ لا قَدَرَ وأنَّ الأمر
أُنْف) هذا الكلام من كلام بعض الرواة الذين دون يحيى بن يعمر ،
والظاهر أنه من ابن بريدة الراوي عن يحيى بن يعمر ، يعني : وذكر ابن
يعمر من حال هؤلاء ، ووصفهم بالفضيلة في العلم والاجتهاد في
تحصيله والاعتناء به. و((أنف)) بضم الهمزة والنون أي مستأنف لم
يسبق به قَدَر ولا علم من الله تعالى ، وإنما يعلمه بعد وقوعه كما قدمنا
حكايته عن مذهبهم الباطل ، وهذا القول قول غلاتهم وليس قول جميع
(١) في ط : يا أبا .
١٦٢

القدرية ، وكذب قائله وضل وافترى عافانا الله وسائر المسلمين . أفاده
النووي .
واعلم أن ظهور هؤلاء كان في آخر عصر الصحابة رضي الله
تعالى عنهم ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه ( الفرقان ) : ثم في
آخر عصر الصحابة رضي الله عنهم حدثت القدرية . وأصل بدعتهم
كانت من عجز عقولهم عن الإِيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده
ووعيده ، وظنوا أن ذلك ممتنع ، وكانوا قد آمنوا بدين الله وأمره ونهيه
ووعده ووعيده ، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من
يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن
يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه ولا يعصيه ، وظنوا أيضاً أنه إذا علم
أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلُق من يعلم أنه يُفسد . فلما بلغ قولهم
بإنكار القدر السابق للصحابة ، أنكروا إنكاراً عظيما وتبرؤوا منهم حتى
قال عبدالله بن عمر ما رواه مسلم وهو: (فقال: إذا(١) لقيت أولئك
فَأَخْبِرْهُمْ أنّي بَرِيءٌ مِنهم وأنّهم بَرَاءٌ مني(٢)، والذي يحِلفُ به
عبدُ اللهِ بِنُ عُمَرَ: لو أن لأحدهم مثلَ أُحُدٍ ذَهَبا
فأنفقه) يعني في سبيل الله كما جاء في رواية أخرى
(ما قَبِلَ اللهُ منه حَتّى يُؤْمِنَ بالقَدَرِ. ثم قال) ابن عمر
(حَدّثني أبي عُمَرُ بنُ الخطّاب رضي الله عنه(٣) قال: بينما نحنُ عندَ
رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليهِ وآله وسلم ذَتَ يوم إذْ طَلَعَ علينا رَجُلٌ شديدٌ
(١) في صحيح مسلم (١ / ٣٧) قال : فإذا .
(٢) في صحيح مسلم و(ط): بُرَءَاءُ .
(٣) ليس في صحيح مسلم : رضي الله عنه .
١٦٣
:

بَيَاضِ الثيابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، ولا يعِرِفُهُ
مِنْا أَحَد، حتى جَلَسَ إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَأَسْنَدَ
رُكَبَتَيْهِ إلى ركبتيه، ووضع كَفَّيْهِ على فخذيه) قال الحافظ في
(الفتح)(١) وفي رواية لسليمان التيميّ(٢): (( ليس عليه سَحْنَاءِ(٣) السفر
ولا من البلد ، فتخطّى حتى برك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم
كما يجلس أحدنا في الصلاة ، ثم وضع يديه على ركبتي النبي صلى
الله عليه وسلم)) وكذا في حديث ابن عباس وأبي عامر الأشعري (٤):
(( ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم)) فأفادت هذه
الرواية أن الضمير في قوله: ((على فخذيه)) يعود على النبي صلى الله
عليه وسلم ، وبه جزم البغوي(٥) واسماعيل التيمي (٦) لهذه الرواية ،
(١) فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر (١ / ١١٦). وقد لخص
المؤلف جُلّ البحث عن المرجع المذكور (١ / ١١٤ - ١٢٥).
(٢) سليمان بن طرخان التيمي القيسي مولاهم أبو المعتمر أحد سادة التابعين وشيوخ
الإِسلام . روى عن حسن وأنس وغيرهما . تقي ورع، كان إذا حدّث عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم تغيّر لونه . توفي عام (١٤٣) هـ .
(٣) قال ابن الأثير في النهاية (٢ / ١٦٢): السَّحْنَة: وهي بشرة الوجه وهيئته وحاله.
وهي مفتوحة السين وقد تكسر، ويقال فيها : السَّحْنَاء أيضاً بالمدّ .
(٤) قيل اسمه عبد الله بن هانىء، وقيل ابن وهب ، وقيل عبيد بن وهب . له عن النبيّ
صلى الله عليه وسلم حديث واحد . قيل توفي في خلافة عبد الملك . انتهى
ملخصاً من تهذيب التهذيب (١٢ / ١٤٤، رقم : ٦٨٦ ).
(٥) أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي : ت : ١٦٤ .
(٦) قال صاحب الخلاصة : إسماعيل بن إبراهيم التيمي أبو يحيى الأحول . ضعّفه أبو
حاتم والبخاري وغيرهما . وقال ابن عدي : له أحاديث حسان وليس فيما يرويه منكر
المتن ... ويكتب حديثه . (ص : ٣٢) وأشار ابن حجر في تهذيب التهذيب
(١ / ٣٢٨) الترجمة: (٥٨٩) إلى ان ابن حبان ذكره في الثقات: وأنه ممن روى
عنه ابن ماجه وأبو زرعة . توفي عام ٢٣٢ هـ .
١٦٤

ورجّحه الطيبي بحثاً لأنه نسق الكلام خلافاً لما جزم به النووي ووافقه
التوربشتي من أنه وضع يديه على فخذي نفسه ، وحمله على أنه جلس
كهيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه ، وهذا وإن كان ظاهراً من السياق
لكنّ وضعه يديه على فخذي النبي صلى الله عليه وآله وسلم صنيع منبّه
للإِصغاء اليه ، وفيه إشارة لما ينبغي للمسؤول من التواضع والصفح
عما يبدو من جفاء السائل . والظاهر أنه أراد بذلك المبالغة في تعمية
أمره ليقوى الظن بأنهُ من جُفاة الأعراب ، ولهذا تخطى الناس حتى
انتهى الى النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم ، ولهذا استغرب
الصحابة صنيعه ، ولأنه ليس من أهل البلد وجاء ماشياً ليس عليه أثر
سفر .
(وقال: يا مُحَمَّدُ أَخْبِرْني عَنِ الإِسْلَامِ. فقال: [رسولُ اللهِ
صلّى الله عليه وآله وسلّم: الإِسلامُ](١) أَنْ تَشْهَدَ أَنّ لَا إِلهَ إِلّ اللهُ وَأَنَّ
مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ وَتُقيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْثِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتحجّ
البيتُ إِنِ اسْتَطَعْتَ إلَيهِ سَبِيلا. قال: صَدَقْتَ. فعجبنا لهُ يسأله
ويَصدّقه) ووجه العجب أن سؤاله يقتضي عدم علمه ، وتصديقه
يقتضي علمه ، وأنَّ كلامه دالٌ على خبرته بالمسؤول عنه مع أنه لم
يكن اذ ذاك من يعرف هذا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فساغ
التعجب منه ، ثم زال بإعلامهم أنه جبريل ، لأنه بان به أنه جبريل ،
وأنه عَالِمٌ في صورة متعلم ليعلّمهم . (قَالَ: فَأَخِرْنِي عَنِ الإِيْمانِ )
تقدم لنا أول الترجمة الكلام على الإِيمان والإِسلام وبعض مباحثهما
فتذكر : ( قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) قال الشّرّاح : أي بوجوده ، وهذا جرى
(١) ما بين المعقوفتين ليس في : م .
١٦٥

على أن معرفته تعالى نظرية . والتحقيق أن العلم به تعالى ضروري
معروف بالفطرة ﴿قالت رُسُلُهُم : أفي اللّهِ شكّ﴾(١) ( سورة إبراهيم:
١٠) فالمشركون من عُبّاد الأصنام وغيرهم من أهل الكتاب معترفون
بالله ومقرّون به أنه ربهم وخالقهم ورازقهم ، وأنه ربّ السماوات
والأرض والشمس والقمر ، وأنه المقصود الأعظم ، ولهذا قال النبي
صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين(٢): ((كم تعبُدُ اليوم إلهاً؟))
قال: ستة في الأرض وواحداً في السماء ، قال: (( فأَيَّهم تعدّ لرغبتك
ورهبتك ؟ )) قال : الذي في السماء . رواه الترمذي .
فالله تعالى فطر الخلق كُلهم على معرفته فطرة توحيد ، حتى من
خُلق مجنوناً مطبقاً مصطلماً لا يفهم شيئاً ما يحلف إلا به ولا يلهج
بلسانه بأكثر من اسمه تعالى المقدس ، فطرة بالغة .
والمقصود أن الأولى في معنى أن تؤمن بالله ، أي بتفرده
بربوبيته، فإن الرسل إنما بعثت لتدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا
شريك له ، وإلّ فمعرفة الله تعالى فطرية فطرت عليها جميع
المخلوقات كما قدّمنا .
نعم إن أريد بالمعرفة المعرفة التامة ، وهو معرفته بصفات الكمال
ونعوت الجلال فيما لم يزل ولا يزال ، ومعرفة أسمائه وما أمر به وما
(١) في الأصل: قالت لهم رسلهم ... والآية الكريمة بتمامها: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ : أفِي
اللهِ شَكَّ فاطِرِ السَّمَوَاتِ والأرضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى
أَجَلٍ مَسَمَّى ... ) الآية .
(٢) عمران بن الحصين الخزاعي من علماء الصحابة . له (١٣٠ ) حديثاً . توفي عام
(٥٢ هـ) .
١٦٦

نهى عنه وما أخبر به وما أراده من عباده شرعاً وما كرهه منهم ولم
يرضه ، فهذا ما يُعْلَمْ الاّ بالسمع من جهة الرسل صلوات الله وسلامه
عليهم أجمعين . (وملائكته ) أي بأنهم عباده المكرمون ، وأنهم لا
يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ، وأنهم جنوده تعالى لا يحصي
كثرتهم إلّ هو سبحانه وتعالى ، وأنهم المتنزلون بوحيه على أنبيائه
﴿تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ والرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلُّ أَمْرٍ﴾ (سورة القدر: ٤)
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ آلْأَمِينُ عَلَىْ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِين﴾ (سورة الشعراء:
١٩٣ و١٩٤).
والملائكة خلق روحاني عاقل قائم بنفسه يُفيضون العلم بإذن الله
على روح أنبيائه بما هو موضوعُ الدين ، وهم من عالم الغيب فلا
نبحث عن حقيقتهم . ( وكُتّبه ) أي بأنها كلامه المنزل غير مخلوقة .
( ورُسُله) أي بأنهم مصطفون لرسالته وتبليغ أحكامه الى عباده فلا
يُفرقُ بين أحد منهم بأن يُؤمن ببعض منهم ويكفر بآخرين ، بل يؤمن
بصحة رسالة كل منهم تحقيقاً للحق وتخطئة لأهل الكتابين حيث آمنوا
ببعض وكفروا ببعض . (واليوم الآخر) وفي البخاري(١) (( وتؤمن
بالبعث)) والمراد بالإِيمان به التصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان
والجنة والنار ، وقد وقع التصريح بذكر الأربعة بعد ذكر البعث في رواية
سليمان التيمي وفي حديث ابن عباس أيضاً . ووصف اليوم المذكور
بالآخر لأنه آخر الدنيا وآخر الأزمنة . ( وتُؤمن بالقدر خيره وشرِهِ ) قال
شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في عقيدته الواسطية :
((وتؤمن الفرقة الناجية من أهل السنة والجماعة بالقدر خيره وشره)).
(١) فتح الباري (١ / ١١٦).
١٦٧

والإِيمان بالقدر على درجتين تتضمن شيئين :
( فالدرجة الأولى ) الإِيمان بأن الله تعالى علم ما الخلق عاملون
بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلاً وأبداً ، وعلم جميع أحوالهم من
الطاعات والمعاصي والأرزاق والآجال ، ثم كتب الله تعالى في اللوح
المحفوظ مقادير الخلائق ، فأول ما خلقه الله القلم فقال : اكتب
فقال : ما أكتب ؟ قال : اكتب ما هو كائن الى يوم القيامة ، فما أصاب
الإِنسان لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه ، جفت الأقلام
وطُوِيَتِ الصُّحُفُ كما قال سبحانه ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ
وَالَأَرْضِ إِنَّ ذِلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيْرٌ﴾ (سورة الحج:
٧٠) وقال: ﴿مَاْ أَصَابَ مِنْ مُصِيْبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلْ فِيْ أَنْفُسِكُمْ إِلّ فِي
كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (سورة الحديد: ٢٢) وهذا التقديرُ التابعُ
لعلمه سبحانه يكون في مواضع ، جملةً وتفصيلا ، فقد كتب في اللوح
المحفوظ ما شاء ، فإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه
ملكاً فيؤمر بأربع كلمات ، فيقال له : اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي
أم سعيد ونحو ذلك .
فهذا القدر قد كان ينكره غُلاةُ القدرية قديما ، ومنكروه اليوم
قليل .
( وأما الدرجة الثانية ) فهو مشيئة الله تعالى النافذة وقدرته
الشاملة ، وهو الإِيمان بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وأنه ما
في السموات والأرض من حركة ولا سكون إلّ بمشيئة الله سبحانه ، لا
يكون في ملكه إلّ ما يريد ، وأنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير
من الموجودات والمعدومات ، فما من مخلوق في الأرض ولا في
السماء إلّ اللّه خالقه سبحانه لا خالق غيره ولا رب سواه ، وقد أمر
١٦٨

العباد بطاعته وطاعة رسله ونهاهم عن معصيته ، وهو سبحانه يحب
المتقين والمحسنين والمقسطين ، ويرضى عن الذين آمنوا وعملوا
الصالحات ولا يرضى عن القوم الفاسقين ، ولا يأمر بالفحشاء ، ولا
يرضى لعباده بالكفر ، ولا يحب الفساد ، والعباد فاعلون حقيقةً والله
خالق أفعالهم ، والعبد هو المؤمن والكافر والبرّ والفاجر والمصلّي
والصائم، وللعباد قدرة على أعمالهم وإرادة ، والله خالقهم وخالق
قدرتهم وإرادتهم كما قال: ﴿ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيْمَ ، وَمَا تَشَأْؤُوْنَ
إلّا أَنْ يَشَاءَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِيْنَ﴾ (سورة التكوير: ٢٨ و٢٩).
وهذه الدرجة من القدر يُكذِّب بها عامةُ القدرية ، ويغلو فيها قوم
من أهل الاثبات حتى يسلبوا العبد قدرته واختياره ، ويُخرِجون عن
أفعال الله وأحكامه حكمها ومصالحها . انتهى (١).
وقال الإِمام ابن حزم في ( الفِصَل ) : ذهب بعضُ الناس الى أن
في هاتين اللفظتين : القضاء والقدر معنى الإِكراه والإِجبار ، وليس كما
ظنوا ، وإنما معنى القضاء في لغة العرب التي بها خاطبنا الله ورسوله
وبها نتخاطب ونتفاهم مرادنا : أنه الحكم فقط ، ولذلك يقولون :
القاضي بمعنى الحاكم ، وقضى الله عز وجلّ بكذا أي حكم به ،
ويكون أيضاً بمعنى: أمر، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَا تَعْبُدُوا إلّ
إِيَّاهُ﴾ (سورة الإِسراء: ٢٣) إنما معناه بلا خلاف أنه أمر بذلك،
ويكون أيضاً بمعنى: أخبر، قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الَأَمْرَ أَنَّ
دَأْبِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِيْنَ﴾ بمعنى: أخبرناه (سورة الحجر: ٦٦)
(١) العقيدة الواسطية بشرح زيد بن عبد العزيز بن فياض ص : ٣٥٢ - ٣٥٣ من فصل
بعنوان: ((الإِيمان بالقدر)) .
١٦٩

ويكون أيضا بمعنى : أراد ، وهو قريب من معنى حكم ، قال تعالى :
إِذَاْ قَضَى أَمْراً) الآية (سورة آل عمران(١): ٤٧ ورسورة مريم(٢):
٣٥) أي حكم بكونه فكوّنه .
ومعنى القدر في اللغة العربية الترتيب والحدّ الذي ينتهي اليه
الشىء ، تقول : قدّرت البناء تقديراً إذا رتبته وحدّدته ، قال تعالى :
﴿وَقَدَّر فيها أَقْوَأْتَهَا﴾(٣) (سورة فصلت: ١٠) بمعنى رتب أقواتها
وحدودها، وقال تعالى: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاْهُ بِقَدَرٍ﴾ (سورة القمر:
٤٩) أي برتبة وحدّ، فمعنى قضى وقدّر: حكم ورتب . ومعنى
القضاء والقدر : حُكمُ الله تعالى في شيء بحمده أو ذمّه وبكونه وترتيبه
على صفة كذا والى وقت كذا فقط انتهى . وهو ألطفُ ما قيل في هذا
المقام وأحقهُ بالقبول .
(قال: صَدَقت. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحسانِ، قال: أَنْ تَعْبُدَ
اللهَ كَأنك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك) قال الحافظ في الفتح. (٤)
أشار في الجواب الى حالتين ، ارفعهما أن يغلب عليه مشاهدةُ الحق
بقلبه حتى كأنه يراه بعينه وهو قوله: (( كأنك تراه )) أي وهو يراك ،
(١) من قوله تعالى: ﴿قَالَتْ: رَبّ أنّى يكونُ لِي وَلَدٌ ولم يَمْسَسِي بَشَر، قال: كَذَلِكِ
اللهُ يَخْلُقُ ما يَشَاءُ إِذَا قَضَى أمراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ الآية .
(٢) من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلّهِ أنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ
كُنْ فَيَكُونُ﴾ الآية .
(٣) من قوله تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرضَ فِي يَوْمَيْنٍ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادَاً
ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِيْنَ. وَجَعَل فيها رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وبارَكَ فيها وَقَدَّرَ فيها أقْوَاتَهَا في
أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءٌ للسَّائِلِينَ﴾ ( فصلت: ٩ و١٠).
(٤) ١ / ١٢٠ .
١٧٠
١

والثانية أن يستحضر أن الحق مُطلع عليه يرى كلّ ما يعمل وهو قوله :
فإنه يراك)) وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته ، وقد عبر في
رواية عمارة بن القعقاع بقوله: ((أن تخشى الله كأنك تراه )) وكذا في
حديث أنس .
( قال : فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ) أي : متى تقوم ، وصرح به في
رواية القعقاع، واللام للعهد ، والمراد يوم القيامة . (قال: مَا المَسْؤُولُ
عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ ) قال في الفتح : زاد في رواية أبي فروة :
فنكس فلم يجبه ، ثم أعاد فلم يجبه ثلاثاً ، ثم رفع رأسه فقال : ما
المسؤول الخ(١)))
قال القرطبي : مقصودُ هذا السؤال كفُّ السامعين عن السؤال
عن وقت الساعة لأنهم كانوا قد أكثروا السؤال عنها كما ورد في كثير
من الآيات والأحاديث ، فلما حصل الجواب بما ذكر هنا حصل اليأس
بمعرفتها ، بخلاف الأسئلة الماضية فإن المراد بها استخراج الأجوبة
ليتعلمها السائلون ويعملوا بها ، ونبّه بهذه الاسئلة على تفصيل ما يمكن
معرفته مما لا يمكن .
( قال : فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَتِها(٢) ) كـ ((علامتها)) زنةً ومعنى
( قال : أن تلِدَ الأمةُ رَبّتها) وفي رواية للبخاري: ((رَبَّها (٣))) وفي
(١) فتح الباري (١ / ١٢١ ).
(٢) في طـ : أمَارَاتها .
(٣) الفتح (١ / ١١٤ برقم : ٥٠).
١٧١

رواية لمسلم من طريق آخر: ((بعلها (١))) ومعناه ترؤس أولاد الإِماء
الذين من شأنهم أن يكونوا أرقاء أسافل فيصبحون وهم سادة الناس إما
بتسري الملوك بأمهاتهم فيخلفون آباءهم ، وإما بتقريب الكبراء لهم
وجعلهم مماليكهم فيترشحون للإِمارة حتى ينالوها ، وقد وقع ذلك في
الدول الغابرة ولن يزال واقعا ، وما ذكرنا في معنى هذه الجملة هو
الظاهر الواضح ، والقصد الإِشارة الى أن الساعة يقرب قيامها عند
انعكاس الأمور بحيث يصير السافل عاليا ، وهو مناسب للعلامة التي
بعدها ( وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَة ) بتخفيف اللام أي الفقراء ،
جمع: عائل، من عال: افتقر كـ ((كاتب وكتبة)) بالألف منقلبة عن ياء
والأصل: ((عَيَلَة)) (رِعَاء الشّاء(٢)) بكسر الراء وبالمد جمع : راع
( يَتَطَاوَلُونَ في البُنْيَان ) كناية عن كون الأسافل يصيرون ملوكاً أو
کالملوك .
(قَالَ: ثم انطَلَقَ) أي ذهب السائل (فَلَبِثْتُ مَلِيّاً) قال
النووي: ضبطناه ((فلبث)) من غير تاء ، قال : وفي كثير من الأصول
المحققة ((لبثتُ)) بزيادة تاء المتكلم، وكلاهما صحيح. وأما ((مليّا))
بتشديد الياء فمعناه : وقتاً طويلا ، وفي رواية أبي داود والترمذي (٣) أنه
قال ذلك بعد ثلاث . وفي شرح السنة للبغوي : بعد ثالثة ، وظاهر هذا
(١) صحيح مسلم (١ / ٣٩ برقم: ٦).
(٢) الشاء : مفردها شاة وتجمع على : شياه وشاء وشِوَى وشِوَاه ... والشاةُ: الواحدة
من الغنم للذكر والأنثى أو يكون من الضأن والمَعِزِ والظباء والبَقّر والنَّعام ... (من
القاموس المحيط مادة : شاه ) .
(٣) الترمذي في الإِيمان (٧ / ٢٧١ برقم: ٢٦١٣) وأبو داود في كتاب السنة باب القدر
( ك : ٣٤ ب : ١٧ برقم : ٤٦٩٥ ) .
١٧٢

أنه بعد ثلاث ليال ، وفي ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة
بعد هذا: ((ثم أَدْبَرَ الرَّجُلُ فقالَ رَسُولُ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: رُدُوا
عَلَيَّ الرَّجُلِ، فَأَخَذُوا لِيَرُدُّوهُ فَلَمْ يَرَوا شيئا، فقال النبيُّ، صَلّى الله عَلَيْهِ
وَسَلَّم: هَذَا جبريل ... )) فيحتمل الجمع بينهما أن عمر رضي الله
عنه لم يحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحال بل كان قد قام
من المجلس ، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الحاضرين في
الحال ، وأخبر عمر رضي الله عنه بعد ثلاث إذ لم يكن حاضراً وقت
إخبار الباقين والله أعلم . (ثُمّ قال ) أي النبي صلى الله عليه وسلم
(لِيْ(٢): يا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِل؟ قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) قال
زين العرب في ((شرح المصابيح)) لم يقل: (أعلما) لأن ((من))
التفضيلية مقدرة ، أي : الله ورسوله أعلم من غيرهما انتهى . أي وإذا
كانت مقدرة فأفعل التفضيل على تفرّد دائما(٢)، أفاده المدابغي .
( قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَكُمْ يُعَلَّمكمْ دِينَكُمْ ) فيه أن الإِيمان والإِسلام
والإِحسان تسمی كُلها دينا .
واعلم أن هذا الحديث يجمع أنواعاً من العلوم والمعارف
والآداب واللطائف بل هو أصل الإِسلام كما حكاه القاضي عياض .
ومن فوائد الحديث أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم
بأهل المجلس حاجة إلى مسألة لا يسألون عنها أن يسأل هو عنها
(١) سقط من طـ : لي .
(٢) إذا جاء اسم التفضيل مجرداً من (ال) والإِضافة وجب إفراده وتذكيره وجرّ المفضَّل
عليه بـ ( مِنْ ) وقد تكون ( مِنْ ) مقدّرة ، وقد جاء الوجهان في قوله تعالى: ﴿أنا
أَكثَرُ مِنْكَ مالاً وَأَعِزُّ نفراً﴾ ( سورة الكهف : ٣٤).
١٧٣

ليحصل الجواب للجميع .
وفيه أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل ويُدنيهُ منه ليتمكن من
سؤاله . أفادهُ النووي رضي الله عنه . ( وذكر) الإِمام مسلم رحمه الله
هذا ( الحديث من طُرُقٍ أخرى برواياتٍ مُختلفة (١)) ذات معانٍ
مؤتلفة .
( فائدة جليلة ) في سبب الاختلاف في الروايات ، قال بعض
المحققين : إن أكثر من مضى من أهل الأثر كانوا لا يكتبون ، ومن
كتب منهم إنما كان يكتُبُ لهم بعد السماع، فكل من أقام الإِسناد
وحفظه ولو غيّر اللفظ كان مقبولا ، لأن هذا واسع عند أهل العلم إذا لم
يتغير المعنى ، فقد روينا عن الترمذي بسنده الى واثلة ابن الاسقع (٢) أنه.
قال: ((إذا حدّثناكم على المعنى فحسبكم)) وبه الى محمد بن
سيرين(٣) قال: ((كنت أسمع الحديث من عشرة اللفظ مختلف
والمعنى واحد )) وبه الى مجاهد (٤) قال: ((انقُص من الحديث ولا تزد
(١) رواه البخاري كذلك في باب التفسير (٣١/ ٢) والإِيمان (٣٧) وأبو داود في السنة (١٦)
والترمذي في الإِيمان (٤) وابن ماجه في المقدمة (٩) والإِمام أحمد في مواضع كثيرة من
المسند (١ / ٢٧، ٥١، ٥٣، ٣١٩، ٣/ ١٠٧، ٤٢٦، ٤ / ١٢٩، ١٦٤).
(٢) واثلة بن الأسقع الليثي الكناني ، صحابي من أهل الصفة ، شهد فتح دمشق واستقر
بنواحي بيت المقدس . كان آخر الصحابة موتاً (٨٣ هـ) عن أكثر من مئة عام .
(٣) أبو بكر البصري الأنصاري بالولاء . تابعي من أشراف الكتاب ، كان إمام عصره
في علوم الدين . (٣٣ - ١١٠ هـ).
(٤) أبو الحجاج مجاهد بن جبر مولى بني مخزوم ، تابعي أخذ التفسير عن ابن عباس ،
قيل : قرأه عليه ثلاث مرات . توفي عام (١٠٤ هـ).
٠٤
١٧٤

فيه)) وبه الى سفيان الثوري أنه قال: ((إن قلت لكم إني أحدثكم كما
سمعت فلا تصدّقوني، إنما هو المعنى)). وبه الى وكيع (١) قال: ((إن
لم يكن المعنى واسعاً فقد هلك الناس ، وإنما تفاضل أهل العلم
بالحفظ والإتقان والتثبت عند السماع)) أما من لم يحفظ الإِسناد فزاد فيه
أو نقص أو غيّر الإِسناد أو جاء بما يتغيّر فيه المعنى فهذا لا يحتج به .
وقد بسط هذا المبحث الإِمام الترمذي في آخر جامعه))(٢).
وفي ((أسد الغابة )) في ترجمة سليم بن أكيمة الليثي بالسند اليه
قال : قلت يا رسول الله إني أسمع منك الحديث ولا أستطيع أن أؤديه
كما أسمع منك، أزيد حرفاً أو أنقص حرفا . قال: إذا لم تُحلُّوا حَرَاماً
أو تُحرِمُوا حلالاً وأصبتم المعنى فلا بأس)) أخرجه ابن منده وأبو
نعيم (٣) . انتهى .
(١) وكيع بن الجرّاح أبو سفيان ( ترجمة المؤلف له في ص : ١٥٣).
(٢) سنن الترمذي في كتاب العلل (٩ / ٤٤٣ وما بعدها).
(٣) قال الإِمام ابن حجر في كتابه: الإصابة (٢ / ٧٣ برقم الترجمة: ٣٤٣٤): رواه
الطبراني من حديث سليم بن أكيمة عن أبيه: ((إذا لم تحلوا حراماً ... ))
الحديث ، ورواه من وجهٍ آخر عنه فقال : سليمان بدل سليم . وأورده ابن الجوزي
في الموضوعات وليس كما زعم فقد أخرجه ابن منده في كتاب الوصية من
وجهين ... انتهى ملخصاً.
١٧٥

الكتاب الثالث
سُنن الإمَامَ أبي دَاوُد
رَحَهُ الله تعَالى
( قال الإِمامُ أبو داودَ سُليمانُ بنُ الأشعث السجستاني رضي الله
تعالى عنه ) أحد حفّاظ الحديث وعلمه وعلله ، كان في الدرجة العالية
من النسك والصلاح ، طوّف في البلاد ، وكتب عن العراقيين ،
والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزريين . وجاءه سهل بن عبد
الله التستري(١) فقيل له : يا أبا داود هذا سهل بن عبد الله قد جاءك
زائراً فرحّب به وأجلسه ، فقال : يا أبا داود لي إليك حاجة ، قال : وما
هي ؟ فقال : حتى تقول : قضيتها مع الإِمكان ، قال : قضيتها مع
الإِمكان ، قال : أخرج لسانك الذي حَدّثت به عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى أقبّله ، قال : فأخرج لسانه فقبّله .
وكانت ولادته سنة (٢٠٢ ) . قدم بغداد مراراً ثم نزل إلى البصرة
وسكنها وتوفي بها يوم الجمعة منتصف شوال سنة ( ٢٧٥) رحمه الله
تعالى . وكان ولده أبو بكر عبد الله من أكابر الحفّاظ ببغداد عالماً مُتّفقاً
عليه ، وله كتاب (( المصابيح)) . شارك أباه في شيوخه بمصر والشام ،
(١) أبو محمد (٢٠٠ - ٢٨٣ هـ) أحد أئمة الصوفية المتكلمين في علوم الإِخلاص
والرياضات .
١٧٦

وسمع ببغداد وخراسان وأصبهان وسجستان وشيراز . توفي سنة
(٣١٧)(١). واحتج به ممن صنف الصحيح أبو علي الحافظ
النيسابوري وابن حمزة الأصبهاني .
والسِّجِسْتَانِي بكسر السين المهملة والجيم وسكون السين الثانية
وفتح التاء المثناة فوقها بعد الألف نون ، هذه النسبة إلى سجستان
الإِقليم المشهور ، وقيل : بل نسبة إلى سجستان أو سجستانة قرية من
قرى البصرة والله أعلم. ( في أوّل سننه ) قال الخطابي : لم يصنّف في
علم الحديث مثله ، وهو أحسن وضعاً وأكثر فقهاً من الصحيحين(٢).
وكان أبو إسماعيل الهروي (٣) يقول : هو عندي أنفع منهما لأنهما لا
يقف على الفائدة منهما إلا المتبحر العالم ، وهو يصل إلى الفائدة منه
كل أحد من الناس . وقال ابن عبد البر (٤): سمعت محمد بن إبراهيم
ابن سعيد(٥) الحافظ يقول : خير كتاب ألف في السنن كتاب أبي داود ،
وهو أوّل من صنف في السنن . وقال . لو أن رجلاً لم يكن عنده شيء
(١) ذكره ابن العماد في وفيات عام (٣١٦ هـ)، وقال: ممن روى عنه الدارقطني
والحاكم وغيرهما .
(٢) معالم السنن للخطابي البستي (١ / ٦) والقول مأخوذ بتصرف.
(٣) هو عبد الله بن محمد شيخ خراسان في عصره ، من كبار الحنابلة ، محدث ،
لغوي ، مظهر للسنة ، عرض على السيف مرات . توفي عام ٤٨١ هـ .
(٤) هو يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر القرطبي المالكي ، من كبار حفاظ
الحديث، مؤرخ، أديب. بحاثة، أشهر كتبه: (( الاستيعاب في أسماء
الأصحاب)). توفي بشاطبة من بلاد الأندلس عام (٤٦٣ هـ).
(٥) محمد بن إبراهيم بن سعيد العبدي أبو عبد الله الفقيه المالكي الحافظ المعروف
بالبوشنجي . شيخ أهل الحديث بخراسان . روى عنه البخاري . توفي عام (٢٩٠
هـ ) .
١٧٧

من العلم إلا المصحف الذي فيه كلام الله ، ثم كتاب أبي داود لم
يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة ، وعرضته على الإِمام أحمد بن
حنبل رضي الله عنه فاستجاده واستحسنه. وفي ((البدر المنير)): قد
حكى ابن منده الحافظ عن أبي داود كما أفاده ابن طاهر أنّ شرطه
إخراج أحاديث أقوام لم يجمع على تركهم إذا صحّ الحديث باتصال
اسناد من غير قَطْع ولا إرسال(١) . وقال الحافظ أبو بكر الحازمي(٢) في
كتاب (( شروط الأئمة)) : قال أبو داود : كتبت عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم خمسَمئة ألفٍ حديثٍ انتخبتُ منها ما ضمَّنْتُهُ كتابَ السنن ،
جمعتُ فيه أربعة آلافٍ حديث ، ذكرتُ الصحيح وما يُشبهه وما يقارِبُه .
وقد اشتهر عنه من غير وجه ما معناه : أن يذكر في كل باب أصحَّ ما
عرفه في ذلك الباب . وقال : ما كان في كتابي من حديثٍ فيه وهن
شديد فقد بيّنته ، وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح ، وبعضها أصحُّ من
بعض ، نقل ذلك الشيخ تقي الدين بن الصلاح في كتابه (( علوم
الحديث))(٣)، فعلى هذا ما وَجَدْنا في كتابه مطلقا ولم يُصَحِّحْهُ غيره
من المعتَمَدِين ولا ضعّفه فهو حسن عند أبي داود أو صَحيح ، فَيُحْكَم
بالقَدْر المحقّقِ وهو أنه حسن ، فإن نصّ على ضعفه مَنْ يُعْتَمَدُ أو رأى
العارِفُ في سنده ما يقتضي الضّعف ولا جابِرَ له حَكَمْنَا بضعفه.
(١) انظر في تعريف المقطوع (ص: ٦١ ح: ٣) وفي تعريف المرسل (ص: ٩٨
ح : ١).
(٢) أبو بكر محمد بن موسى المعروف بالحازمي زين الدين ، فقيه حافظ زاهد . غلب عليه
الحديث وألف فيه كتباً كثيرة كما أفاده ابن العماد ( ٤ / ٢٨٢ من الشذرات ) توفي عام
(٥٨٤ هـ) .
(٣) مقدمة ابن الصلاح وشرحها ((التقييد والإِيضاح)) للحافظ العراقي (ص: ٠.٣٨)
١٧٨
١

وقال السخاوي في (( فتح المغيث)) : الصلاحية في كلامه أعمُّ
من أن تكون للاحتجاج أو للاستشهاد ، فما ارتقى إلى الصحة ثم إلى
الحسن فهو بالمعنى الأول ، وما عداهما فهو بالمعنى الثاني ، وما قصر
عن ذلك فهو الذي فيه وهن شديد وقد التزم بيانه . وقد تكون الصلاحية
على ظاهرها في الاحتجاج ، ولا ينافيه وجود الضعيف لأنه يخرّج
الضعيف إذا لم يَجِدْ في الباب غيرَهُ، قال الحافظ أبو عبد الله بن
منده : إن أبا داود يخرج الإِسناد الضعيف إذا لم يجد في الباب غيره
لأنه أقوى عنده من رأي الرجال ، وهذا أيضاً رأي الإِمام أحمد فإنه
قال : إن ضعيفَ الحديث أحبُّ إليه من رأي الرجال لأنه لا يُعْدَلُ إلى
القياس إلا عند عدم النص .
وقال ابن عساكر في أول أطرافه : صنف أبو داود كتابه الذي
سمّاهُ (( السنن)) فأجاد في تصنيفه وأحسن ، وقصد أن يأتي فيه بما كان
صحيحاً مشتهراً أو غريباً حسناً معتبراً، ويطرح ما كان مُطَّرحاً
مستنكرا .
( باب التخلّي عند قضاء الحاجة ) في تاج العروس : تخلّى برز
لقضاء حاجته انتهى. ويظهر لي أن التخلّي هنا مصدر ((تخلّى ))
بمعنى: طَلَبَ الخَلَاءَ بالمدّ وهو المكان الخالي عن أحد، و ((تَفَعَّلَ ))
يأتي للطلب نحو ((تَكّر)) كما في ((الشافية(١)))، ويدل لذلك حديث
(١) عبارة ابن الحاجب في الشافية: وبمعنى استفعل نحو تكبّر وتعظّم . وقال الرضي
في شرحه: ((تفعّلَ)) يكون بمعنى ((استفعل)) في معنيين مختصين باستفعل،
أحدهما : الطلب نحو تنجَّرته أي استنجرته أي طلبت نَجازَه ... والآخر الاعتقاد
في الشيء أنّه على صفة أصله نحو : تكبّر أي اعتقد في نفسه أنها كبيرة . انتهى
ملخصاً من شرح الرضي (١ / ١٠٤ - ١٠٦).
١٧٩

الباب فافهم . ( وبالسند إليه قال : حدثنا عبدُ اللّهِ بنُ مَسْلَمَة ) بنٍ قَعْنَب
( القَعْنَبِي ) الحرثي أبو عبد الله المدنيّ نزيلُ البصرة أحدُ الأعلامِ في
العلم والعمل ، قال عمرو بن علي (١): كان مجاب الدعوة . وقال ابن
سعد : كان عابداً فاضلا . وقال أبو حاتم : كان ثقةً حجةً لم أر أَخْشَعَ
منه. قال أبو داود: مات سنة (٢٢١) قال بعضهم بمكة ( قالَ :
حدثنا عبدُ العزِيزِ يعني ابنَ مُحَمَّدٍ ) ابن عبيد الجُهَني أو القُضاعِيّ
مولاهم أبو محمد المدني الدراوردي أحد الأعلام ، قال ابن سعد : ثقة كثير
الحديث يغلط. توفي سنة (١٨٩)(٢). قرنه البخاريّ بآخر (عن محمدٍ يعني
ابن عمرو ) بن علقمة الليثي أبي عبد الله المدني أحد أئمة الحديث ،
وثّقه النَّسائي ، قال الجوزقاني (٣) : ليس بالقويّ. وقال ابن عدي :
أرجو أنه لا بأس به ، روى له البخاري مقروناً حديثاً واحداً ومسلم
متابعة . قال الواقدي (٤): توفي سنة (١٤٤)، وقال الفلاس سنة
خمس وأربعين ومئة (عن أبي سلمة ) هو ابنُ عبدِ الرحمن بنِ عوفٍ
القرشيّ الزهريّ أحدُ الأعلام ، اسمه : عبد الله أو إسماعيل أو اسمه
(١) أبو حفص عمرو بن علي بن بحر بن كُتَيْن الباهلي الصيرفي الفلاس الحافظ ، وثقه
النسائي (ت : ٢٤٩ هـ) وقد ذكره صاحب الخلاصة ، بابن بحير مصغراً وفي التهذيب
والتقريب : بحر .
(٢) ذكره ابن العماد في الشذرات (١ / ٣١٦) في وفيات عام (١٨٧ هـ).
(٣) الحسين بن إبراهيم الهمداني الجوزقاني . حافظ . قال ابن العماد : من
مصنفاته كتاب الموضوعات أجاد فيه ، وقال : كان حافظاً عالماً بما يحويه . توفي
عام (٥٤٣ هـ )
(٤) محمد بن عمر بن واقد السهمي الأسلمي بالولاء ، من حفاظ الحديث ، ومن أقدم
المؤرخين في الإِسلام . قال ابن العماد : ضعّفه أهل الحديث ووثّقوا كاتبه محمد
ابن سعد . توفي عام (٢٠٧ هـ)
١٨٠