النص المفهرس

صفحات 121-140

ووقعت وحشة بينه وبين الذهليّ (١) في مسألة اللفظ بالقرآن بعد
أن قدم نيسابور في سنة خمسين ومئتين ، وكان أقام بها مدة يُحدِّث ،
واختلفوا عليه أنّه قال: ((لفظي بالقرآن مخلوق)) لما سئل عن اللفظ
بالقرآن ، ومنع الذهليُّ الناس من الاختلاف اليه حتى هجر وخرج من
نيسابور . وفي تلك المحنة قطعه أكثر الناس غير مسلم فإنه لم يتخلف
عن زيارته . وقال الحاكم : لما ترك مسلم مجلس الذهلي قال
الذهلي : لا يساكنني هذا الرجل في البلد ، فخشي البخاري وسافر
وهو بريء مما نسب اليه كما رواه (( غنجار))(٢) في تاريخ بخارى. وقال
الحاكم أبو عبد الله : سمعت محمد بن صالح بن هانىء يقول :
سمعت أحمد بن سلمة النيسابوري (٣) يقول : دخلت على البخاري
فقلت : يا أبا عبد الله إن هذا رجل مقبول بخراسان ، وقد لجّ في هذا
الأمر حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى ؟ قال : فقبض على
لحيته ثم قال : ﴿ وأفوض أمري إلى الله ان الله بصير بالعباد ﴾ ( سورة
غافر: ٤٤) ((اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشراً ولا
بطراً (٤) ولا طلباً للرياسة وإنما أبت عَلَيَّ نفسي الرجوع الى الوطن
(١) خالد بن أحمد الذهلي . عالم بالحديث . مات في سجن المعتمد العباسي عام
( ٢٦٩ هـ)
(٢) محمد بن أحمد غُنجار (٣٣٧ - ٤١٢) مؤرخ صنف : تاريخ بخارى .
(٣) أحمد بن سلمة النيسابوري البزار . من الحفاظ . رافق الإِمام مسلم في رحلته الى
بلخ والبصرة . توفي عام (٢٨٦) هـ .
(٤) البَطَر : الطغيان عند النعمة وطول الغنى ، وكراهية دون أن يستحق الكراهة .
والأشَرُ : البَطَر وقيل: أشد البطر كما ذكر ذلك ابن الأثير في النهاية (١ /٤١)
والراغب في المفردات (٣٣/١) قال: فالأشَرَ أبلغ من البَطَر، والبَطَر أبلغ من
الفرح .. والأشر لا يكون إلّ فرحاً بسبب قضيّة الهوى .
١٢١

لغلبة المخالفين، وقد قصدني هذا الرجل حسداً لما آتاني الله لا غير،
ثم قال لي : يا أحمد إني خارج غداً لتخلصوا من حديثه لأجلي .
ثم وقع بينه وبين أمير بخارى(١) وحشة ، قال أحمد بن منصور
الشيرازي : لما رجع أبو عبد الله البخاري الى بخارى نُصِبَتْ له
القباب على فرسخ من البلد ، واستقبله عامة أهل البلد حتى لم يبق
مذكور ، ونثر عليه الدراهم والدنانير ، فبقي مدةً ثم وقع بينه وبين الأمير
فأمره بالخروج من بخارى ، فخرج إلى بيكند . وقال غنجار في
تاريخه : بعث الأمير خالد بن أحمد الذهلي والي بخارى الى محمد
ابن إسماعيل أن حمل إليَّ كتاب الجامع والتاريخ لأسمع منك، فقال
محمد بن إسماعيل لرسوله : قل له إني لا أذل العلم ولا أحمله الى
أبواب السلاطين فإن كانت له حاجة الى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو
في داري ، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان فامنعني من المجلس
ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم ، قال : فكان
سَبَبَ الوحشة بينهما . زاد الحاكم : فاستعان خالد بحريث بن أبي
الورقاء وغيره من أهل بخارى حتى تكلموا في مذهبه فنفاه عن البلد .
قال: فدعا عليهم فاستجيب له فيهم .
وقال ابن عديّ : سمعت عبد القدوس بن عبد الجبار(٢) يقول:
خرج البخاري إلى ((خَرْتَنْك)) قرية من قرى سمرقند وكان له بها أقرباء
فنزل عندهم ، قال : فسمعته ليلة من الليالي وقد فرغ من صلاة الليل
يقول في دعائه : اللهم قد ضاقت عَلَيّ الارض بما رَحُبَتْ فاقبضني
(١) هو خالد بن أحمد الذهلي .
(٢) سقط من الأصل ( عبد) والتصحيح من مقدمة فتح الباري ص : ٤٩٣ .
١٢٢

إليك ، قال : فما تم الشهر حتى قبضه الله وتوفي ليلة السبت بعد
صلاة العشاء ، وكانت ليلة عيد الفطر، ودفن يوم الفطر بعد صلاة
الظهر سنة ست وخمسين ومئتين بـ (( خرتنك)) بفتح الخاء المعجمة وسكون
الراء وفتح التاء المثناة فوق وسكون النون وبعدها كاف .
وكان البخاريّ نحيف الجسم لا بالطويل ولا بالقصير . ونسبة
البخاريّ الى سعيد بن جعفر الجعفي والي خراسان ، وكان له عليهم
الولاء فنسبوا إليه(١) اهـ. (في أول صحيحه)(٢) قال الإِمام ابن
الملقن (٣) في ((البدر المنير)): وأما صحيح الإِمام أبي عبد الله
البخاري فهو أصح الكتب بعد القرآن : روينا عنه أنه قال : ما أدخلت
في كتاب الجامع إلا ما صحّ ، وتركت من الصحاح لحال الطول .
وروينا من جهات عنه أنه قال : صنفت كتاب الصحيح لستَّ عشرة
سنة ، خرجته من ستمئة ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله عز
وجل . وأما زعم أبي محمد بن حزم الظاهري أن فيه حديثاً موضوعاً هو
حديث شق الصدر إلى آخره فلا يقبل منه ، وقد أجاب عن ذلك ابن
(١) قال الحافظ ابن حجر ( مقدمة فتح الباري ص : ٤٧٧ ) هو أبو عبد الله محمد بن
إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة الجعفيّ ... ( كما ضبطه ابن ماكولا
٢٥٩/١). وكان بَرْدِزْبَة فارسيا على دين قومه، ثم أسلم ولده المغيرة على يد
اليمان الجعفي وأتى بُخارى فنسب اليه نسبة ولاء .. وإنما قيل له الجعفيّ لذلك .
انتهى ملخصاً .
(٢) في ب زيادة : المشهور .
(٣) عمر بن علي الأنصاري الشافعي (٧٢٣ - ٨٠٤ ) من أكابر علماء الحديث والفقه
وتاريخ الرجال . قال ابن العماد ( الشذرات ٤٤/٧ ) : توفي والده وله من العمر سنة
واحدة وأوصى الى الشيخ شرف الدين عيسى المغربي الملقِّن لكتاب الله بالجامع
الطولوني ، وكان صالحاً ، فتزوج أمه وربّاه فعُرِف بابن الملقن نسبة اليه .
١٢٣

طاهر المقدسي في جزء مفرد . انتهى .
قال الفربري(١) : سمع صحيح البخاري من مؤلفه تسعون ألف
رجل ، ومن أراد الوقوف على فضائل هذا الصحيح فعليه بمقدمة
الفتح(٢) .
٠
( لطيفة ) : ذكر الإِمام محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي (٣) في
كتاب ((الاستعاذة)) في الفصل الحادي والعشرين نقلاً عن أبي زيد
المروزي الفقيه الزاهد(٤) قال : كنت نائماً بين الركن والمقام فرأيت
النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي : يا أبا زيد إلی متی تدرس کتاب
الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ فقلت : وما كتابك ؟ قال : جامع محمد
ابن إسماعيل البخاري. وكان أبو زيد يرويه عن الفربري ، وهو
أجلّ من رواه عنه . انتهى. ونقلها القسطلاني رحمه الله أيضاً في مقدمة
شرحه(٥) .
(١) هو أبو عبد الله محمد بن يوسف الفربري ( ضُبط بفتح الفاء وكسرها ) صاحِبُ
البخاريّ (٢٣١ - ٣٢٠ هـ). ثقة ورع. نسب إلى ( فربر) وهي بُليدة مما يلي
بخارى كما قال ابن خلّكان .
(٢) مقدمة فتح الباري ص : ٤٨٠ .
(٣) شمس الدين أبو عبد الله (٧٠٨ - ٧٦٣ هـ). كان أعلم أهل عصره بمذهب الإِمام
أحمد . نعته ابن العماد (١٩٩/٦) بشيخ الإِسلام وأقضى القضاة .
(٤) محمد بن أحمد المروزي الفاشاني الزاهد الحافظ للمذهب الشافعي ، أخذ عنه
القفال ، وسمع من الدارقطني والمحاملي . جاور بمكة سبع سنوات حدّث فيها
بصحيح البخاري عن الفربري . توفي عام (٣٧١) هـ .
(٥) نقلها القسطلاني في كتابه : إرشاد الساري الى شرح صحيح البخاري ج ١ ص :
٣٦.
١٢٤

( بسم الله الرحمن الرحيم باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم) إنما لم يفتتح البخاري رحمه الله كتابه
بالخطبة اكتفاءً بالتلويح عن التصريح حيث صدر الكتاب بترجمة بدء
الوحي وبالحديث الدال على أن العمل دائر مع النية ، أو حمد وتشهّد
نطقاً عند وضع الكتاب ولم يكتب ذلك اقتصاراً على البسملة ، ويؤيده
أن أول شيء نزل من القرآن الكريم ﴿ اقْرَأ باسم رَبِّك ﴾ ( سورة
العلق: ١) فطريق التأسي به الافتتاح بالتسمية والاقتصار عليها ،
ء بده أيضاً وقوع كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك
وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون الحمدلة وغيرها كما في قصة
هرقل وصلح الحديبية وغير ذلك من الأحاديث . وقد استقر عمل الأئمة
المصنفين على افتتاح كتب العلم بالبسملة ، وكذا معظم كتب
الرسائل . واختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعراً، فمنعه
الشعبي (١)، وقال الزهري: (٢) مضت السنة ان لا يكتب في الشعر
البسملة ، وجوزه سعيد بن جبير(٣) وتابعه على ذلك الجمهور ، وقال
الخطيب : هو المختار .
قال عياض : ( بَدْءُ الوحي ) روي بالهمز مع سكون الدال
من الابتداء، وبغير همز مع ضم الدال وتشديد الواو
(١) عامر بن شراحيل الشعبيّ. (ترجمته في ص : ٣١٧).
(٢) محمد بن مسلم الشهير بابن شهاب الزهريّ. ( ترجمته في ض : ٢٠٣ ).
(٣)؛ سعيد بن جبير الكوفي الأسدي بالولاء . تابعيّ، كان أعلمهم على الإِطلاق .
(٤٥ - ٩٥). قال الإِمام أحمد: قتَل الحجاجُ سعيدًا وما على وجه الأرض أحد إلّ
وهو مفتقر إلى علمه .
١٢٥

من الظهور، والأول هو الذي سمع من أفواه المشايخ ،
والوحي يطلق في اللغة على الإِعلام في خفاء وعلى غيره ، وفي الشرع
الإِعلام بالشرع ، وقد يُطلَق ويراد به : الموحى وهو كلام الله المنزل
على النبي صلى الله عليه وسلم . والمراد من ( بدء الوحي ) حاله مع
كل ما يتعلق بشأنه أيّ تعلق كان . وأتى بالصلاة والسلام امتثالاً لأمره
سبحانه: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (سورة الأحزاب ٥٦ )
والأحاديث الواردة بالأمر بالصلاة عليه واسعة ، وأما كيفية العبارة فيها
فكل عبارة تؤدي ذلك مُجْزِئة ، وأفضلها ما علَّم أمته لما سألوه عن
كيفية تأديتها وقال : صلى الله عليه وسلم، ولم يقل: وعلى آله ،
وهكذا اطَّرَدَ لأئمة الحديث ، في مؤلفاتهم في القديم والحديث ،
حذف الآل ، عند الصلاة على خاتمة أهل الإِرسال ، وهم الذين رووا
لنا حديث التعليم، في صحاح كتبهم التي يجب لها التعظيم والتكريم،
ولا يتم الامتثال في الإِتيان بالصلاة التي علَّمها صلى الله عليه وآله
وسلم أمته إلّ بذكرهم ، ولعل العذر لأئمة الحديث في عدم رقم
الصلاة على الآل التقوى لأهل الجفاء والضلال . الذين عادوا أهل
محمد صلى الله عليه وسلم وأخافوهم كل مخافةٍ وشردوهم كل مُشَرّد ،
كما وقع في عصر الأموية والعباسية ، وإن كانوا يعدون أنفسهم من
الآل ، فإنه يقول منهم لسان الحال :
واقتلوا مالكاً معي
اقتلوني ومالکا
فافتقر أئمة الحديث وهم في تلك الأعصار ، الى حذف الصلاة
على الآل في تصانيفهم الصغار والكبار، وفي إملائهم في مجالس
الرواية ، عند الخوض في علوم الدراية ، والتقيّة تبيح مثل هذا . على
أنَّا نحمل أولئك الصالحين من ذلك السلف ، ممن صنّف في الحديث
١٢٦

وألّف، أنهم وإن حذفوا الصلاة على الآل خطّاً، لا يحذفونها عند
الكتابة لفظا، ثم إنها ذهبت التقية، وانقرضت دولة تلك الفرق الغَويّة،
ولكنه قد شاب على ذلك الكبير، وشبّ عليه الصغير، وقد بسط السيد
العلامة محمد بن إسماعيل بن صلاح(١) الأمير اليمني رحمه الله الكلام
على هذا في حواشي شرح العمدة . وقال في جمع الشتيت : سئلت
قديما عن ذلك فأجبت بجوابٍ حاصله ما سبق ، قال : مع أني لم
أجد كلاماً ممن سبق. انتهى ملخصاً من ((عون الباري)) للإِمام
صديق حسن خان(٢) رحمه الله تعالى. ( وقول الله عزّ وجل : )
يجوز فيه الرفع على الابتداء وخبره قوله (( إنا أوحينا إليك)) والجر عطف
على الجملة التي أضيف اليها الباب.) ﴿إِنّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا
إِلَى نُوْحٍ والتَِّّينَ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ الآية ) ( سورة النساء١٦٣ ) إنما بُدِىء بذكر
نوح لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الشرائع والأحكام ، وأول
نبي عذِّبت أمته لردهم دعوته .
( وبالسند اليه ) متعلق بمحذوف تقديره : وأروي بالسند المتصل
اليه ، و((ال)) عوض عن المضاف اليه ، أي بسندي اليه أنه (قال :
حدثنا ) اعلم أن الإِمام البخاري عقد في كتاب العلم باباً مستقلاً لقول
المحدث : حدثنا وأخبرنا وأنبأنا(٣)، وذكر عن شيخه الحُمَيْدي أنه كان
(١) مجتهد من بيت الإِمامة في اليمن، لقب بالمؤيدّ بالله . نشأ وتوفي بصنعاء
(١٠٩٩ - ١١٨٢ هـ). له مؤلفات وشروح كثيرة .
(٢) محمد صدّيق حسن خان (١٢٤٨ - ١٣٠٧ هـ) من رجال النهضة الإِسلامية
المجدّدين . سافر الى بهوبال طلباً للمال فأثرى وتزوج من ملكتها . له كتب
كثيرة .
(٣) الكتاب الثالث: كتاب العلم (١٤٤/١) من فتح الباري .
١٢٧

عند ابن عُيَيْنة حدثنا واخبرنا وأنبأنا وسمعتُ واحداً ، قال الحافظ في
الفتح : وإيراده قول ابن عُيَيْنة دون غيره دال على أنه مختاره ، ثم قال
الحافظ : ولا خلاف عند أهل العلم أن التحديث والإِخبار والإِنباء
بالنسبة الى اللغة سواء ، ومن أصرح الأدلة فيه قوله تعالى ﴿ يَوْمَئِذٍ
تُحَدِّثُ أَخْبَارَها﴾ ( سورة الزلزلة ٤) وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ
خَبِير﴾ (سورة فاطر ١٤). وأما بالنسبة الى الاصطلاح ففيه
الخلاف ، فمنهم من استمر على أصل اللغة وهذا رأي الزهري ومالك
وابن عيينة(١) ويحيى القطان (٢) وأكثر الحجازيين والكوفيين ، وعليه
استمر عمل المغاربة ، ورجحه ابن الحاجب(٣) في مختصره ونقل عن
الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة . ومنهم من رأى إطلاقَ ذلك حيثُ
يقرأ الشيخ من لفظه، وتَقييدَهُ حيث يُقْرأ عليه ، وهو مذهب إسحاق بن
راهويه (٤) والنسائي وابن حبان وابن منده(٥) وغيرهم . ومنهم من رأى
التفرِقَة بين الصيغ بحسب افتراق التحمّل فَيَخُصُّون التحديثَ بما يَلِفِظُ
(١) سفيان بن عيينة. ( ترجمته في ص : ١٣٠ ).
(٢) أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان التميمي (١٢٠ - ١٩٨ هـ). حافظ ، ثقة .
(٣) جمال الدين عثمان بن عمر بن الحاجب ( ٥٧٠ - ٦٤٦ هـ) من كبار المالكية .
(٤) أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم بن مَخْلَد المروزي الشهير بابن راهْوَيه ، الحافظ ،
عالم المشرق . قال الإِمام أحمد : لا أعلم بالعراق له نظيرا . توفي عام
(٢٣٨ هـ) . قيل ولِدَ أبوه في طريق مكة فقال أهل مرو: راهويه أي ولد في
الطريق وعرف ابنه بعد ذلك بابن راهويه .
(٥) محمد بن إسحاق العبدي (٣١٠ - ٣٩٥) من كبار حفاظ الحديث الراحلين في
طلبه . قال ابن العماد نقلا عن ابن خلكان : لم يكونوا عبديين وإنما أم الحافظ أبي
عبد الله المذكور واسمها برة بنت محمد كانت من بني عبد ياليل فنسب الى
أخواله . ( الشذرات ١٤٦/٣ )
١٢٨

به الشيخ ، والإِخبارَ بما يُقرأ عليه، وهذا مذهب ابن جريج(١)
والأوزاعيّ والشافعيّ وابنٍ وهب(٢) وجمهور أهل المشرق ، ثم أحدث
أتباعهم تفصيلاً آخر : فمن سَمِعَ وحدَهُ مِنْ لفظ الشيخ أفْرِدَ فقال :
حدثني ، ومن سمع مع غيره جَمَعَ ، ومن قرأ بنفسه على الشيخ أفرد فقال :
أخبرني، ومن سمع بقراءة غيره جمع، وكذا خصصوا الإِنباء بالإِجازة
التي يشافه بها الشيخ من يجيزه .
وكل هذا مستحسن وليس بواجب عندهم ، وإنما أرادوا التمييز
بين أحوال التحمّل ؛ وظن بعضهم أن ذلك على سبيل الوجوب فتكلفوا
في الاحتجاج له وعليه بما لا طائل تحته . نعم يحتاج المتأخرون الى
مراعاة الاصطلاح المذكور لئلا يختلط لأنه صار حقيقةً عُرْفِيَّةً عندهم ،
فمن تجوّز عنها احتاج الى الإِتيان بقرينة تدلّ على مراده ، وإلا فلا
يؤمن اختلاط المسموع بالمجاز بعد تقرير الاصطلاح ، فيحمل ما يرد
من ألفاظ المتقدمين على محمل واحد بخلاف المتأخرين (٣). انتهى
( الحُمَيْدِيّ) (٤) هو أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى منسوب الى
حميد بن اسامة بطن من بني أسد بن عبد العزى بن قصيّ رهط
خديجة أم المؤمنين ، وهو إمام كبير مصنف ، رافق الشافعي في
(١) عبد الملك بن عبد العزيز بن جُريج الرومي ثم المكي، فقيه الحرم المكي ( ٨٠ -
١٥٠ هـ) لزم عطاء بن أبي رباح ثمانية عشر عاماً . قيل : هو أول من صنف العلم
في مكة.
(٢) أبو محمد عبد الله بن وهب الفهري بالولاء (١٢٥ - ١٩٧ هـ) من أصحاب الإِمام
مالك . جمع بين الفقه والحديث. متعبد ، أريد حمله على القضاء فرفض ولزم داره .
(٣) من فتح الباري ( كتاب العلم ، الباب الرابع ١ / ١٤٤ - ١٤٥)
(٤) الحديث الأول من صحيح البخاري وقد جاء أوله: ((حدثنا الحُميديُّ عبدُ الله بن=
١٢٩

الطلب عن ابن عُيينة وطبقته ، وأخذ عنه الفقه ورحل معه الى مصر ،
ورجع بعد وفاته الى مكة ومات بها سنة (٢١٩) ( قال : حدثنا سفيان )
هو ابن عيينة بن أبي عمرو الهلالي المكي ، اصله ومولده الكوفة ، وقد
شارك مالكاً في كثير من شيوخه . توفي سنة (١٩٨) ( قال : حدثنا
يحيى بن سعيد الأنصاري ) من صغار التابعين ، وَلِيَ قضاء المدينة ،
وأقدمه المنصور العراق وولاه القضاء بالهاشمية ، وتوفي سنة ثلاث وقيل
أربع وأربعين ومئة ، ووقع في رواية أبي ذر : عن (١) يحيى بن سعيد
الأنصاري . ( قال : أخبرني محمد بن إبراهيم التيميّ ) من أوساط
التابعين ، كثير الحديث ، توفي سنة (١٢٠) ( أنه سمع علقمة بن
وقاص) بتشديد القاف ( الليثي ) المدني من كبار التابعين ، وفي
((المعرفة)) لابن منده ما ظاهره أن علقمة صحابي. وفي ((التقريب))
للحافظ ابن حجر إخطاء من زعم أن له صحبة (٢)، وقيل : إنه ولد في
عهد النبي صلى الله عليه وسلم . توفي بالمدينة أيام عبد الملك بن
مروان . ( يقول : سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ) بن نفيل بن
عبد العُزّى العدوي أبا حفص ، أحد فقهاء الصحابة ، ثاني الخلفاء
الراشدين ، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأول من سُمي أمير
الزُّبير .. )) الحديث (الفتح، ٩/١)
(١) أي ((حدثنا سفيان عن يحيى .. )) بدل: حدثنا سفيان قال حدثنا .. قال ابن حجر
في الفتح (١٠/١) وعلى رواية أبي ذر يكون قد اجتمع في هذا الإِسناد أكثر الصيغ
التي يستعملها المحدّثون وهي : التحديث والإخبار والسماع والعنعنة ، والله أعلم .
(٢) قال ابن حجر: علقمة بن وقّاص ... ثقة ثبت ، من الطبقة الثانية ، أخطأ من زعم
أن له صحبة . ( تقريب التهذيب ٣١/٢ الترجمة: ٢٩٠ )
١٣٠

المؤمنين ، له خمسمئة وثلاثون حديثاً اتفقا على عشرة وانفرد البخاري
بتسعة ومسلم بخمسة عشر . وقد شهد بدراً والمشاهد إلا تبوك ، وولي
إمرة الأمة بعد أبي بكر رضي الله عنه ، وفتح في أيامه عدة أمصار ،
أسلم بعد أربعين رجلاً. عن ابن عمر مرفوعاً ((إن الله جعل الحق على
لسان عمر وقلبه(١)))، ولما دفن قال ابن مسعود : ذهب اليوم تسعة
أعشار العلم . استشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين ودفن في أول سنة
أربع وعشرين وهو ابن ثلاث وستين ، وصلى عليه صهيب(٢) ، ودفن
في الحجرة النبوية ، ومناقبه جمة ( على المنبر ) بكسر الميم مشتق من
النبر وهو الارتفاع، واللام للعهد ، أي منبر المسجد النبوي ( يقول :
سمعت رسول الله (٣) صلى الله عليه وسلّم يقول: ((إِنَّما الأعْمَالُ بِآلنِّيَّاتِ
وَإِنّمَا لِكُلِّ آمْرِىءٍ(٤) مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى دُنْيَا يُصِيْبُهَا أَوِ
آَمْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلى مَا هَاْجَرَ إِلَيْهِ))(٥) ذكر المصنف قبل(٦) عن الحافظ
أنه قال : كذا وقع في جميع الأصول التي اتصلت لنا عن البخاري
بحذف أحد وجهي التقسيم وهو قوله: (( فمن كانت هجرته الى الله
(١) رواه الترمذي من حديث نافع عن ابن عمر (رقم ٣٦٨٣) قال : حسن صحيح .
(٢) صهيب بن سنان الرومي ، من أرمى الناس سهماً . أعتقه عبد الله بن جدعان . له
في الصحيحين أكثر من (٣٠٠) حديث. توفي رضي الله عنه عام (٣٨ هـ).
(٣) في م : النبيّ .
(٤) في ب : لكل ما نوى .
(٥) رواه البخاري في كتب عديدة من صحيحه باختلاف يسير في اللفظ (( إنما الأعمال
بالنية)). ورواه مسلم من حديث عمر أيضا (رقم ١٩٠٧) بلفظ: إنما الأعمال
بالنّة، وإنما لامرىء مانوى .. )) الحديث كما رواه الإِمام أحمد ، والإِمام مالك
وأصحاب السنن .
(٦) انظر ص: ١٠٤ ح ٣، وفتح الباري ١٥/١.
١٣١

ورسوله )) إلى آخره ، قال الخطابي : وقع هذا الحديث في روايتنا
وجميع نسخ أصحابنا مخروماً قد ذهب شطره، ولست أدري كيف وقع
هذا الإِغفال ، ومن جهة من عرض مِنْ رُوَاته ؟ فقد ذكره البخاري من
غير طريق الحُميديّ مستوفى ، وقد رواه لنا الأثبات من طريق الحُمَيْديّ
تاماً ، وقد رويناه من طريق بشر بن موسى (١) وأبي إسماعيل الترمذي(٢)
وغير واحد عن الحميدي تاما ، وهو في مصنف قاسم بن
أصبغ (٢) وَمُسْتَخْرَجَيْ أبي نعيم (٤) على الصحيحين وصحيح أبي عوانة(٥)
من طريق الحميدي . وقد أشار إليه المصنف بقوله : ( وأما الحديث
تاما فهو) قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّمَا الَأعمالُ بِالنَّاتِ
وَإِنَّمَا لِكُلُّ امُرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَت هجرتُهُ إِلى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ
إِلى اللهِ وَرَسُوْلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنيا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا
فَهِجْرَتُهُ إِلىَ مَا هاجَرَ إليه )) اشتهر أن سبب هذا الحديث قصة مهاجر أمّ
قيس المروية في المعجم الكبير للطبراني بإسناد رجال ثقات عن أبي
وائل (٦) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ((كان فينا رجل خطب
(١) بشر بن موسى بن صالح الأسدي . ثقة محتشم كثير الرواية . توفي عام (٢٨٨ هـ)
(٢) محمد بن إسماعيل السلمي الترمذي الحافظ ، نزيل بغداد ، روى عنه الترمذي
والنسائي وغيرهما . ثقة صدوق كثير العلم ، توفي عام ( ٢٨٠ هـ) .
(٣) قاسم بن أصبغ بن محمد البيّاني القرطبي (٢٤٧ - ٣٤٠ هـ) محدث الأندلس . من
كتبه ((مسند مالك)) و((الصحيح)) على هيئة صحيح مسلم .
(٤) أحمد بن عبد الله الأصبهاني. ( ترجمته في ص : ٤٢١ ) .
(٥) يعقوب بن إسحاق أبو عَوَانة ( ترجمته في ص : ٤١٨).
(٦) أبو وائل شقيق بن سلمة الكوفي ، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره ، روى
عن الراشدين ومعاذ وسعد وابن مسعود وغيرهم .. قال ابن معين : ثقة لا يسأل عن
مثله . توفي عام (٨٢ ) هـ .
١٣٢
١
١

امرأة يقال لها أم قيس ، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر ، فهاجر
فتزوجها ، فكنا نسميه مهاجر أم قيس ، قال الحافظ ابن حجر : إسناد
هذا صحيح على شرط الشيخين لكن ليس فيه أن حديث الأعمال سِيقَ
بسبب ذلك .. ولم أرَ في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك .
قال العلامة السندي (١) في حواشي البخاري : قد تكلموا على هذا
الحديث في أوراق فذكروا له معاني ، والوجه عندي في بيان معناه أن
يقال : المراد بالأعمال مطلق الأفعال الاختيارية الصادرة عن
المكلفين ، وهذا إمّا لأن الكلام في تلك الأفعال إذ لا عبرة بغيرها ولا
يبحث عنها في الشرع ولا يلتفت اليها ، أو لأن العمل لا يقال إلا
للفعل الاختياري الصادر عن أهل العقل كما نص عليه البعض ،
فلذلك لا يقال : عمل البهائم كما يقال : فعل البهائم. وقد تقرر أن
الفعل الاختياري يكون مسبوقاً بقصد الفاعل الداعي له إليه ، وهو
المراد بالنية ، فالمعنى أن الأفعال الاختيارية لا توجد ولا تتحقق إلّ
بالنية والقصد الداعي للفاعل الى ذلك الفعل . لا يقال : هذه مقدمة
عقلية فأي تعلق للشارع بذكرها ، لأنّا نقول : ذكرها الشارع تمهيداً لما
بعدها من المقدمات الشرعية ، ولا يستبعد عن الشارع ذكر مقدمة عقلية
اذا كان لتوضيح بعض المقدمات الشرعية ، بل لا يستبعد بدون ذلك
ايضاً .
ثم بيّن صلى الله عليه وسلم بقوله: ((وإنما لكل امرئ ما نوى))
أن ليس للفاعل من عمل إلا نيته ، أي الذي يرجع إليه من العمل نفعاً
أو ضراً هي النية ، فإن العمل بحسبها يُحسَبُ خيراً وشراً ، ويجزى
(١) محمد بن عبد الهادي السندي الحنفي ( سبق ذكره في ص : ٩٢ ).
١٣٣

المرء بحسبها على العمل ثواباً وعقابا ، ويكون العمل تارة حسناً وتارة
قبيحاً بسببها ، ويتعدد الجزاء بتعددها ، ولذلك قال صلى الله عليه
وسلم: ((أَلَا إنّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإِذَا
فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَ وَهِيَ القَلْبُ))(١)
لا يقال : يلزم من هذا المعنى أن تنقلب السيئات حسنات
بحسبها ، لأنا نقول : لا بد في النية من كون العمل صالحاً لها
ضرورة ، إن النية الغير الصالحة لأن تكون نية في العمل لا تعتبر نية
بالنظر الى ذلك العمل فهي كلانِيّة، بل يقال : قصد التقرب بالسيئات
يعد قصداً قبيحاً ، ونيته تزيد العمل شراً فهي داخلة في شر النيات لا
في خيرها والمرء يجزى بحسبها عقابا فهي داخلة في الحديث .
وإذا تقرر هاتان المقدمتان ترتب عليهما قوله: ((فَمَنْ كَانَتْ
هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ )) أي قصداً وَنِيًّ ((فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسولِهِ))
أي أجراً وثواباً. انتهى .
بقي أن الفقهاء يسوقون هذا الحديث لاشتراط النية في
العبادات ، والظاهر أنه غير مسوق لذلك كما صرح به القاضي
البيضاوي (٢) في ((شرح المصابيح))، وذلك لأن قوله ((لكل امرىء ما
(١) رواه الشيخان من حديث طويل للنعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله صلى الله
عليه وسلم يقول: ((الحَلَال بيّن والحرام بيّن ... )) الحديث (بخاري برقم ٥٢ ،
م برقم : ١٥٩٩) وروى ابن ماجه نحوه في باب الفتن، ورواه الإِمام أحمد
مختصراً في (٤ / ٢٧٤). وأكثر الروايات: ((ألا وإنّ في الجسد ... ))
الحديث ، والمضغة : اللحم ، أو القطعة منه بمقدار ما يمضغ .
(٢) عبد الله بن عمر، قاضٍ ، مفسر، استقر في تبريز، توفي فيها عام (٦٨٥ هـ).
H
١٣٤

نوى)) أي ما نواه من خير أو شر، وكذا قوله: ((فمن كانت
هجرته ... )) الخ بالتفريع على ما تقدم بالفاء يأبى تخصيص النية
بالنية الشرعية ، ويقتضي أن المراد بالنية في الحديث مطلق القصد أعم
من أن يكون نية خير أو شر . قال القاضي : النية لغةً القصد ، وشرعاً
توجه القلب نحو الفعل ابتغاءً لوجه الله تعالى وامتثالاً لأمره ، وهي في
الحديث على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه على ما بعده وتقسيمه
بقوله: ((فمن كانت هجرته ... )) الخ، فالمعنى أن الأعمال أي
الأفعال الاختيارية لا توجد الأ بالنية والقصد الداعي للفاعل الى ذلك
الفعل ، أفادة السندي في حواشي النسائي ، وبه يتبين أن ما يذكره
الفقهاء في شرائط النية والتلفظ بها في أوائل العبادات بمعزل عن
مقصد الحديث المذكور .
قال الفخر الرازي(١) في تفسيره عند قوله تعالى في سورة البقرة:
﴿بَلَى مَنْ أُسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٍ﴾(٢))) (سورة البقرة: ١١٢) ما
نصه :
المسألة الخامسة : اعلم أن الجاهل إذا سمع الوجوه العقلية
والنقلية في أنه لا بد من النية فيقول في نفسه عند تدريسه وتجارته :
نويت أن أدرّس الله وأتَّجِرَ لله ، يظن أن ذلك نية وهيهات فذاك حديث
نفسٍ أو حديث لسان والنية بمعزلٍ عن جميع ذلك ، إنما النية انبعاث
النفس وميلها إلى ما ظهر لها أن فيه غرضها إمّاً عاجلاً وإمّا آجلاً،
(١) أبو عبد الله محمد بن عمر فخر الدين الرازي (٥٤٤ - ٦٠٦ هـ) العالم، المفسّر،
إمام زمانه في المعقول والمنقول .
(٢) تتمة الآية الكريمة: ﴿ ... فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هم يَحْزَنُون﴾.
١٣٥

والميل إذا لم يحصل لم يقدر الإِنسان على اكتسابه وهو قول الشبعان :
نويت أن أشتهي الطعام ، أو أقول الفارغ : نويت أن أعشق، بل لا
طريق الى اكتساب الميل الى الشيء إلا باكتساب أسبابه ، وليست هي
إلّ تحصيل العلم بما فيه من المنافع، ثم هذا العلم لا يوجب هذا الميل
إلّا عند خلوّ القلب عن سائر الشواغل ، فإذا غلبت شهوة النكاح ولم
يعتقد في الولد غرضاً صحيحاً لا عاجلاً ولا آجلاً لا يمكنه أن يواقع
على نية الولد ، بل لا يمكن إلّ على نية قضاء الشهوة ، إذ النية هي
إجابة الباعث ، ولا باعث إلا الشهوة فكيف ينوي الولد ؟
فثبت أن النية ليست عبارة عن القول باللسان أو بالقلب بل هي
عبارة عن حصول هذا الميل ، وذلك أمر معلق بالغيب ، فقد يتيسر في
بعض الأوقات وقد يتعذر في بعضها(١). انتهى .
وقال الإِمام شمس الدين ابن القيم الدمشقي رضي الله عنه في
((زاد المعاد )): كان صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة قال:
(( الله أكبر)) ولم يقل شيئاً قبلها ولا تلفظ بالنّة البتة ولا قال : أصلي
لله صلاة كذا مستقبل القبلة أربع ركعات إماماً ومأموماً ، ولا قال : أداءً
ولا قضاء ولا فرض الوقت ، فهذه عشر بدع لم ينقل عنه أحد قط بإسناد
صحيح ولا ضعيف ولا مسند ولا مرسل لفظة واحدة منها البتة ، بل
ولا من أحد من أصحابه ، ولا استحسنه أحد من التابعين ولا الأئمة
الأربعة ، وإنما غرّ بعض المتأخرين قول الشافعي رضي الله عنه في
الصلاة : إنها ليست كالصيام ولا يدخل أحد إلا بذكر ، فظن أن الذكر
تلفّظ المصلي بالنية ، وإنما مراد الشافعي رحمه الله بالذكر : تكبيرة
(١) مفاتيح الغيب المشتهر بالتفسير الكبير للرازي: (ج ١ / ٤٥٦).
١٣٦

الإِحرام ليس إلا ، وكيف يَستحبُّ الشافعي أمراً لم يفعله النبي صلى
الله عليه وسلم في صلاةٍ واحدةٍ ولا أحدٌ من خلفائه وأصحابه، وهذا
هديهم وسيرتهم فإن أوجدنا أحد حرفاً عنهم واحداً قبلناه وقابلناه
بالتسليم والقبول، ولا هدي أكمل من هديهم، ولا سنة إلا ما تلقوه عن
صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم، وكان دأبه في إحرامه لفظه: الله
أکبر لا غیرها، ولم ينقل أحد عنه سواها (١). انتهى.
وقد بسط هذا المبحث قبله شيخه الإِمام شيخ الإِسلام تقي الدين
أحمد بن تيمية الحراني ثم الدمشقي في فتاويه الجليلة .
( وبالسَّند إليه) أي الإِمام البخاري رحمه الله تعالى (قال(٢):
حدثناعبد الله بن يوسف) المصري التنيسي من أجلّ من روى الموطأعن
مالك ، وأكثر البخاري عنه في صحيحه وقال : كان أثبت الشاميين .
مات بمصر سنة (٢١٨). ونسبته الى ((تِنْس)) بكسر التاء المثناة من
فوق والنون المكسورة وسكون الياء : بلدة بمصر على ساحل البحر
واليوم خراب ، وأصله من دمشق ثم نزل بِتِنيس . ( قال : أخبرنا
مالك ) بن أنس إمام دار الهجرة . قال أبو القاسم الدولعي(٣): أخذ
(١) انظر نفصيل البحث في ((زاد المعاد)) ١ / ٢٠١ وما بعدها . وقد فصّل شيخ
الإِسلام القول في ذلك جواباً على سؤال يتعلق بالنية في العبادات ، وهل محل
ذلك القلب أو اللسان (انظر فتاوى ابن تيمية المجلد ٢٢ أبواب الفقه الصلاة ص:
٢١٧ - ٢٢٧ ) .
(٢) الحديث الثاني من صحيح البخاري . ( فتح الباري ١ / ١٨ ).
(٣) في الأصل : الدّولقي، وهو أبو القاسم عبد الملك بن زيد الدولعيّ نسبه إلى
الدولعية في العراق قرب الموصل . ولي التدريس في الشام وتوفي عام (٥٩٨ هـ)
قال ابن العماد ( الشذرات ٤ / ٣٣٦) نقلًا عن الإِمام النووي : كان عبد الملك
شيخ شيوخنا .
١٣٧

مالك عن تسعمئة شيخ منهم ثلاثمئة من التابعين وستمئة من تابعيهم
ممن اختاره وارتضى دينه وفهمه وقيامه بحق الرواية وشروطها وسكنت
النفس اليه . وممن أخذ عنه من الأئمة أبو حنيفة والشافعي وغيرهما كما
ذكره الزرقاني (١) في أول شرح الموطأ مبسوطا . وسيأتي شذرة من
ترجمته عند ذكر موطئه(٢) ( عن هشام بن عروة ) بن الزبير بن العوام
القرشي الأسدي، أحد الأعلام ، تابعي مدني ، رأى ابن عمر ومسح
برأسه ودعا له ، وجابراً(٣) وغيرهما. ولد سنة (٦١) ومات ببغداد سنة
(١٤٥) (عن أبيه) عروة بن الزبير وهو أبو عبد الله ، مدني تابعى
مجمع على إمامته وكثرة علمه وبراعته ، وهو أحد الفقهاء السبعة ،
وبقيتهم سعيد بن المسيّب (٤) وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن
مسعود(٥) والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق(٦) وسليمان بن يسار
الهلالي (٧) وخارجة بن زيد بن ثابت(٨)، وفي السابع ثلاثة أقوال :
(١) محمد بن عبد الباقي الزرقاني المتوفى عام (١١٢٢ هـ) خاتمة المحدّثين بالديار
المصرية . من كتبه ((شرح موطأ مالك)).
(٢) ترجمته في ص: ٢٢٦ - ٢٣١، والتعريف بالموطأ في ص: ٢٣٢ - ٢٣٥.
(٣) جابر بن عبد الله. (ترجمته في ص : ١٨٢).
(٤) سعيد بن المسيب القرشي المخزومي ، سيد التابعين . (١٣ - ٩٤ هـ ) كان أحفظ
الناس لأقضية عمر حتى لقب براوية عمر إلى زهد وورع .
(٥) أبو عبد الله الهذلي مفتي المدينة ، من أعلام التابعين . قال ابن سعد : كان ثقةً
عالماً فقيهاً كثير الحديث والعلم بالشعر . توفي عام (٩٨ هـ).
(٦) من سادات التابعين ، قال سفيان بن عيينة : كان القاسم أفضل أهل زمانه . توفي
عام (١٠٧ هـ) عن سبعين عاماً.
(٧) أبو أيوب مولى ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها . كان سعيد بن المسيب يقول
لمن يستفتيه : اذهب إلى سليمان فإنه أعلم من بقي اليوم . توفي عام (١٠٧) هـ .
(٨) الأنصاري المدني، تابعي، تفقه على والده. توفي عام (٩٩) هـ وقيل (١٠٠) هـ .
١٣٨
١
١

أحدُهَا أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف(١) ، الثاني سالم بن عبد
الله بن عمر(٢) الثالث أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام(٣)
المخزومي (٤) ، وعلى القول الأخير جمعهم من قال :
فِقِسْمَتُهُ ضيزى عن الحق خارجه
ألا إنَّ مَنْ لا يَقتدي بأئمة
سعيدٌ أبو بكرٍ سُليمانُ خارجه
فُخذَهُمْ : عبيد الله عروةُ قاسمٌ
وأم عروة أسماء بنت الصديق ، وقد جمع الشرف من وجوه :
فرسول الله صلى الله عليه وسلم صهره ، وأبو بكر جده ، والزبير
والده ، وأسماء أمّه، وعائشة خالته . ولد سنة (٢٠) ومات سنة أربع
(١) انظر ترجمته في ص : ١٨٠ .
(٢) أحد كبار الفقهاء ومن سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم . توفي عام (١٠٦) هـ.
(٣) ابن المغيرة المخزومي ، لقب براهب قريش لعبادته . ولد في خلافة عمر وتوفي عام
(٩٤ هـ) .
(٤) قال ابن العماد (الشذرات ١ / ١٠٣): ((قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : لما
مات العبادلة : عبد الله بن عباس (ت: ٦٨ هـ) وعبد الله بن عمر (ت : ٧٤ هـ)
وعبد الله بن الزبير (ت : ٧٣ هـ) وعبد الله بن عمرو بن العاص (ت : ٦٥ هـ)
صار الفقه في جميع البلدان إلى الموالي ، فقيه مكة عطاء ( بن أبي رباح ت :
١١٤) وفقيه اليمن طاووس ( بن كيسان ت : ١٠٦) وفقيه اليمامة يحيى بن أبي
كثير (ت : ١٢٩ هـ) وفقيه البصرة الحسن البصري (ت: ١١٠) وفقيه الكوفة
إبراهيم النخعي (ت : ٩٦ هـ) وفقيه الشام مكحول (بن أبي مسلم ت: ١١٣ هـ)
وفقيه خراسان عطاء الخراساني (ت: ١٣٥ هـ ) إلا المدينة فإن الله تعالى حرسها
بقرشي فقيه غير مدافَع: سعيد بن المسيب)) وقال في (١ / ١٠٤): ((وهذه السَّنَة
( أي سنة ٩٤ هـ) تسمى سنة الفقهاء لأنها مات فيها جماعة منهم . وإنما قيل :
الفقهاء السبعة لأنهم كانوا بالمدينة في عصرٍ واحد يُنشَر عنهم العلم والفتيا . وكان
في عصرهم جماعة من فقهاء التابعين مثل سالم بن عبد الله بن عمر وغيره فلم يكن
لهم مثل ما لهم » اهـ.
١٣٩

وتسعين وقيل سنة ثلاث وقيل تسع . ( عن عائشة ) الصديقة بنت أبي
بكر الصديق رضي الله عنهما . تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم
بمكة قبل الهجرة بسنتين وقيل بثلاث وقيل بسنة ونصف أو نحوها في
شوال وهي بنت ست سنين وقيل سبع سنين ، وبنى بها في شوال أيضاً
بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة . أقامت في صحبته صلى الله
عليه وسلم ثمانِيَة أعوامٍ وخمسة أشهر ، وتوفي عنها وهي بنتُ ثماني
عشرةَ ، وعاشت خمساً وستين سنة ، وكانت من أكبر فقهاء الصحابة ،
وأحد السبعة الذين هم أكثر الصحابة روايةً المجموعين في قول
بعضهم :
من الحديثِ عن المختار خیرِ مُضَرْ
سبعٌ من الصحب فوقَ الألف قد نَقَلُوا
صدّيقة وابن عباس كذا ابن عُمّر
أبو هريرة سعد(١) جابر أنس
رُوِي لها ألفا حديث ومئتا حديث وعشرة أحاديث . ماتت بعد
الخمسين سنة خمسٍ أو ست أو سبع أو ثمان ، وأمرت أن تدفن ليلاً
بعد الوتر بالبقيع.، وصلى عليها أبو هريرة . ( أم المؤمنين رضي الله
عنها ) تكنى بذلك هي وبقية الأزواج الطاهرات أخْذاً من قوله تعالى :
وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (٢) ( سورة الأحزاب: ٦) أي في وجوب
احترامِهِنّ وَبَرّهن وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة والمسافرة وتحريم
نكاح بناتهن . ( أنّ الحارث بن هشام ) (٣) بن المغيرة المخزومي أخا
(١) هو سعد بن مالك أبو سعيد الخدري رضي الله عنه .
(٢) من قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِيْنَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ، وَأولُو
الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أولَى بِيَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ من المُؤْمِيْنَ والمُهَاجِرِيْنَ ... ﴾
الآية .
(٣) في ب وفتح الباري ١ / ١٨ زيادة : رضي الله عنه .
١٤٠