النص المفهرس
صفحات 81-100
وقد ترجم السخاويّ عدداً وافراً منهم في تاريخه ((الضوء اللامع))(١) وكذا السيوطي (٢) في ((حسن المحاضرة)) وبعده إلى عصرنا هذا. نعم ربما انقضت طبقات من العلماء في بلدة لم يكن فيهم من بلغ مرتبة الاجتهاد ويكون في غيرها من البلاد أئمة ظهروا في هذا الشأن ، وهذا لا يجهله وينكره إلا من لم يطّلع على المصنفات التاريخية ولم يقف على طبقات الأعيان من سائر البلدان . وقال بعض المحققين : ((دعوى أن الوقت خلا عن المجتهد المطلق لا دليل عليها، فهل عرف القائل بذلك جميع المسلمين وهم يُعدّون بمئات الملايين ، وتحقق أنّ كل واحدٍ منهم مقلد ؟ )) اهـ . وقرأت في حواشي ((تنبيه الأفهام)) ما نصّه: ((لا ندري ما هو الباعث لبعض المتفقهة على إنكار الاجتهاد وحَجْرِهِ على غير أئمة المذاهب ، والمبالغة في التقليد إلى درجةٍ حملت بعض المستشرقين الأوروبيين على الظن بأن الفقهاء إنما هم يعتقدون في الأئمة منزِلَةً التشريع لا منزلَةَ الضبطِ والتحرير، وهذا ، وإن يكن سوءَ ظنٍ أوجبه . الفقهاء أنفسُهُمْ ، إلا أن الحقيقة ليست كما ظَنَّه ذلك المستشرقُ مَعَاذَ الله، لأن الشارِعَ واحد والشرْعَ كذلك، والأئمة لم يَنْهَوا أحداً عن العمل بالدليل ، والرجوع إلى الكتاب والسنة إذا تعارض القول والنص، ومن كلام الإِمام الشافعي (٣) بهذا الصدد: ((إذا صحّ (١) ((الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع) للسخاوي محمد بن عبد الرحمن (ت: ٩٠٢) (٢) جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (٨٤٩ - ٩١١ هـ) (ترجمته في ص : ٤٢٨ ) . (٣) الإِمام محمد بن إدريس الشافعي (١٥٠ - ٢٠٤) ( ترجمته وأقواله في ص : ٢٥٧ وما بعدها . ٨١ الحديث فهو مذهبي )) وقال: (( إذا رأيتم كلامي يخالفُ الحديث فاعملوا بالحديث واضربوا بكلامي عرض الحائط)) . ومن كلام الإِمام الأعظم (١) قوله: (( لا ينبغي لمن لا يعرفُ دليلي أن يأخذ بكلامي)) لهذا كان مَنْ جاء بعدهم مِن أصحابهم أو مَنْ يُوَازيهم في العلم مِنَ المرجحين يخالفون أئمتهم في كثيرٍ من الأحكام التي لم يتقيّدوا بقولٍ إمامِهِمْ فيها لما قامَ لهم الدليل على مخالفتها لظاهر النص ؛ وإنما بعضُ الفقهاء الذين يستُرُون جهلَهُمْ بالتقليد ينتحلون لدعواهم التقيُّدَ بقول الإِمام دونَ نصِّ الكتاب أو السنة أعذاراً لا يُسَلَّمُ لهم بها أحد من ذَوِي العقل الراجح من أفاضل المسلمين وعلمائهم العاملين الذينَ هُمْ على بصيرةٍ من الدين . وقرأت في الحواشي المذكورة : يعتذر بعضهم عَنْ سَدِّ باب الاجتهاد بسَدِّ باب الخلافِ وجمع شَتَات الأفكارِ المتأتي عن تعدد المذاهب . والحال أنَّ الاجتهاد على طريقة السلف لا يؤدي إلى هذا المحذور ، وليس بعد إيراد الدليل مع الحكم أدنى طريقٍ للخلاف أو الاختلاف اللهم إلا فيما لم يوجد بإزائه نصٌّ صريح أو إجماع من الصحابة أو التابعين واحتيج فيه إلى الاستنباط من أصول الدين، وليس في هذا من الخطر أو تشتت الأفكار ولو جزء يسير مما في طريقة الترجيح والتخريج عند الفقهاء الآن على أصول أيّ مذهب من المذاهب الأربعة، ويكفي ما في هذه الطريقة من تشتت الأفكار في خلاف المخرّجين والمرجّحين في المسألة الواحدة خلافاً لا ينتهي إلى غاية يرتاح إليها ضمير مستفيد، لِقذفِهِمْ بفكرِهِ في تيارٍ تتلاطم أمواجه بين قولهم: المعتَمَدُ والمعوَّل عليه كذا، أو الصحيح كذا، والأصح (١) أبو حنيفة النعمان بن ثابت (٨٠ - ١٥٠ هـ) ( ترجمته المفصلة في ص : ٢٤٨ ). ٨٢ كذا ، والمفتَى به كذا ، إلى غير ذلك من الخلاف العظيم في كل مسألة لم ينصّ عليها الإِمام نصاً صريحاً ، ولا يخفى ما في هذا من الافتئات على الدين مما لا يعدّ شيئاً في جانبه خلاف الأئمة المجتهدين ، ومنشؤه التقيد بالتقليد البحت وعدم الرجوع إلى الكتاب والسنة ولو عند تعذر وجود النص ، ومع هذا فإنهم يَرَونَ هذا الافتئات على الدين من الدين ، ويوجبون على المؤمن العمَلَ بأقوالهم بلا حجةٍ تقومُ لهم ولا لَهُ يومَ الدين ، مع أن الله تعالى يقول في كتابه العزيز : ﴿هُوُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَولَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِباً﴾ ( سورة الكهف: ١٥ ) وفي هذا دليل على فساد التقليد ، وأن لا بد في الدين من حجة ثابتة ، لهذا كان التقليدُ البحتُ لا يرضاه لنفسه إلا عاميّ أعمى أو عالِمٌ لم يصل إلى مرتبة كبار الفضلاء من عُقَلاءِ المتقدّمين والمتأخّرين الذين لم يَرْضَوا لأنفسهم التقليدَ البحتَ كالإِمام الغزالي(١) وابن حزم(٢) وشيخ الإِسلام ابن تيمية (٣) والإِمام السيوطي (٤) والشوكاني(٥) وغيرهم ممن اشتهر (١) الغزالي محمد بن محمد بن محمد أبو حامد ، حجة الإسلام (٤٥٠ - ٥٠٥ ) صنف مئتي كتاب من أشهرها: (( إحياء علوم الدين)). (٢) أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري الأندلسي (٣٨٤ - ٤٥٦ هـ) عالم كبير ناصع الحجة ، قيل : لسانه وسيف الحجاج شقيقان . (٣) تقي الدين أحمد بن عبد الحليم .... ابن تيمية الحرّاني الدمشقي ( ٦٦١ - ٧٢٨ هـ) أحيا مذهب السلف ، وحارب البدع وأصحاب الأهواء والأباطيل ، ولقي في سبيل ذلك ألواناً من العذاب والمطاردة والسجن . قيل : تصانيفه تزيد على أربعة آلاف كراسة . توفي معتقلاً في قلعة دمشق . (٤) ترجمته المفصلة في ص : ٤٢٨ . (٥) محمد بن علي الشوكاني (١١٧٣ - ١٢٥٠ هـ) فقيه مجتهد ، ولي قضاء صنعاء ، (١٢٢٩) هـ ، ومات حاكمابها . ٨٣ بالاجتهاد من غير أئمة المذاهب . اهـ بالحرف . وههنا لطيفة ذكرها العراقي(١) في شرح ((جمع الجوامع)) قال : ((قلت مرة لشيخنا الإِمام البلقيني(٢): ما يقصّر بالشيخ تقي الدين السبكي(٣) عن الاجتهاد وقد استكمل الآلة وكيف يقلّد ؟ ولم أذكره هو استحياءً منه لِمَا أريدُ أن أرتّب على ذلك ، فسكت ، فقلت : ما عندي أن الامتناع من ذلك إلا للوظائف التي قُررتْ للفقهاء على المذاهب الأربعة ، فإنّ من خرج عن ذلك واجتهد لم ينله شيء من ذلك ، وحُرِمَ ولاية القضاء ، وامتنع الناس من استفتائه ، ونسب للبدعة . فتبسم ووافقني على ذلك)) انتهى . التقليد في الشرع ( ومُقلديهم أجمعين ) ، اعلم أن التقليد مأخوذ عند أهل اللغة من القلادة التي يقلد الإِنسان غيره بها ، ومنه تقليد الهَدْي (٤)، فكأن المقلد يجعل ذلك الحكم الذي قلد فيه المجتهد كالقلادة في عنق (١) الإِمام الحافظ أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين الشهير بالحافظ العراقي . (٧٢٥ - ٨٠٦) . له كتب وشروح وتعليقات كثيرة على أمهات كتب الحديث . أقام في مصر وتوفي فيها . (٢) عمر بن رسلان البُلقيني (٧٢٤ - ٨٠٥ هـ) المصري الشافعي من حفاظ الحديث . ولي قضاء الشام وتوفي بالقاهرة . (٣) أبو الحسن علي بن عبد الكافي الشهير بتقيّ الدين السبكي ( ٦٨٣ - ٧٥٦ هـ) شيخ الإِسلام ، وأحد الحفاظ المفسرين ، ووالد التاج السبكي الشهير . (٤) الهذيُ ويشدد ( الهديّ) ما يُهْدَى الى البيت الحرام من النعم لتُنْحَر، وقد يطلق على جميع الإِبل وإن لم تكن هَدْيا تسمية للشيء ببعضه. وتقليد الهَدْي : تقليدها شيئاً يميزها ويُعلم به أنها هدي . ٨٤ المجتهد . وأما في الاصطلاح فهو العمل بقول الغير من غير حجة ، فيخرج العملُ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعمل بالإِجماع، والعملُ من العاميّ بقول المفتي ، والعملُ من القاضي بشهادة الشهود العُدُول ، فإنها قد قامت الحجة في جميع ذلك لها ، أما العمل بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وبالإِجماع عند القائلين بحجيته فظاهر ، وأما عمل العاميّ بقول المفتي فلوقوع الإجماع على ذلك ، وأما عمل القاضي بشهادة الشهود العدول فالدليل عليه ما في الكتاب والسنة من الأمر بالشهادة والعمل بها ، قد وقع الإِجماع على ذلك . ويخرجُ عن ذلك أيضاً قبول رواية الرواة فإنه قد دل الدليل على قبولها ووجوب العمل بها ، وأيضاً ليست في الحقيقة قول الراوي يل قول المروي عنه وهو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقال ابن الهمام(١) في ((التحرير)): ((التقليد : العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة)) وهذا الحد أحسن من الذي قبله . وقال القفال(٢). ((هو قبول قول القائل وأنت لا تعلم من أين قاله)). وقد حكى الأستاذ أبو إسحاق(٣) في ((شرح الترتيب)) أن المنع من (١) هو محمد بن عبد الواحد الشهير بابن الهمام (٧٩٠ - ٨٦١ هـ) من أئمة الحنفية. من كتبه: ((التحرير)) في أصول الفقه، و((فتح القدير في شرح الهداية)). في فقه الحنفية . (٢) هو أبو بكر محمد بن علي الشاشي (٢٩١ - ٣٦٥ هـ) من كبار علماء عصره في الفقه والحديث واللغة والأدب . قد يذكر بالقفال الكبير تمييزاً له من القفال الصغير عبد الله بن أحمد المتوفى عام (٤١٧ هـ) . (٣) الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الشهير بالأسفراييني المتوفى عام : (٤١٨ هـ). رحل الى نيسابور وبنيت له فيها مدرسة عظيمة ، عالم بالفقه والأصول ، ثقة في رواية الحديث . ٨٥ التقليد في أصول الدين هو إجماع أهل العلم. وقال إمام الحرمين(١) في ((الشامل)): ((لم يقل بالتقليد في الأصول إلّ الحنابلة)) وقال الأسفراييني (٢): ((لم يخالف فيه إلّ أهل الظاهر)). وأما التقليد في المسائل الفرعية العملية ففي ((جمع الجوامع)) و ((شرحه)) للمَحَلي(٣) أنه يلزم غير المجتهد عامياً كان أو غيره ، وقيل بأن يتبين مُستنده ليسلم من لزوم اتّباعه في الخطأ الجائز عليه . وقيل : لا يقلد عالم وإن لم يكن مجتهداً لأن له صلاحية أخذ الحكم من الدليل بخلاف العامي . أما ظانّ الحكم باجتهاده فيحرمُ عليه التقليد لمخالفته به لوجوب اتّباع اجتهاده . انتهى ملخصا . وادّعى ابن حزم الإِجماع على النهي عن التقليد ورواه عن مالك وأبي حنيفة والشافعي ، وروى المزنّي (٤) عن الشافعي في أول مختصره أنه لم يزل ينهى عن تقليده وتقليد غيره . وقال القاضي أبو بكر(٥) : (١) هو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله إمام الحرمين (٤١٩ - ٤٧٨)، أعلم المتأخرين بفقه الشافعي ، وأكبر أساتذة حجة الإِسلام الغزالي . وصف بقولهم : الفقه فقه الشافعي ، والأدب أدب الأصمعيّ ، وفي الوعظ كالحسن البصريّ . (٢) في الأصل : الأسفرائيني . (٣) هو جلال الدين محمد بن أحمد المَحَليّ الشافعي (٧٩١ - ٨٦٤ هـ). أصولي مفسّر، مهيب صَدّاع بالحق لا يهاب في الله حاكماً أو ظالماً. من كتبه: ((تفسير الجلالين)) مع الجلال السيوطي، و((البدر الطالع في حل جمع الجوامع)). (٤) أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى : صاحب الشافعي ، عالم ، زاهد ، مجتهد . قال الشافعي : المزني ناصر مذهبي ... وقال : لو ناظر الشيطان لغلبه توفي عام (٢٦٤ هـ) (٥) القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله الإِشبيلي المالكي الشهير بابن العربي . من الحفاظ ، رحل الى المشرق . كان أديباً مجتهداً . له كتب كثيرة في الحديث والفقه والأصول وغيرها . (٤٦٨ - ٥٤٣ هـ) . ٨٦ ((ليس في الشريعة تقليد فإنه قبول القول من غير حجة)). وذهب جماعة الى التفصيل فقالوا: ((يجب على العاميّ ويحرم على المجتهد )) وبهذا قال كثيرون من أتباع الأئمة الأربعة ، ولكن هؤلاء الذين قالوا بهذا القول من أتباع الأئمة يُقرون على أنفسهم بأنهم مقلدون ، والمعتبر في الخلاف إنما هو قول المجتهدين لا قول المقلدين . والعجب من بعض المصنفين في الأصول فإنه ينسب هذا القول المشتمل على التفصيل الى الأكثر ، وجعل الحجة لهم الإِجماع على عدم الإِنكار على المقلدين، فإن أراد إجماع الصحابة فهم لم يسمعوا بالتقليد ولا ظهر فيهم ، بل كان المقصر في زمان الصحابة والتابعين يسأل العالم منهم عن المسألة التي تعرض له فيروي له النص فيها من الكتاب أو السنّة، وهذا ليس من التقليد في شيء بل هو من باب طلب حكم الله سبحانه في المسألة والسؤال عن الحجة الشرعية ، وقد عرفت مما قدمنا أن المقلد إنما يعمل بالرأي لا بالرواية من غير مطالبة بحجة ، وتتمة هذا البحث في (( السيل المتدفق الجرار على حدائق الأزهار )) للإِمام الشوكاني رحمه الله تعالى . وقال شيخ الاسلام ابن تيمية رضي الله تعالى عنه وأرضاه في كتاب ((الإِيمان)): اتفق العلماء على أنه إذا عُرف الحق لا يجوز تقليدٌ في خلافه ، وانما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال وإن كان عاجزاً عن إظهار الحق الذي يعلمه ، فهذا كمن عرف أن دين الإِسلام حق وهو بين النصارى ، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز (١) عنه ، وهؤلاء كالنجاشي وغيره ، وقد أنزل الله في ١ (١) عجز: من باب ضَرَب وسَمِع أي من البابين الثاني والرابع . ٨٧ هؤلاء آيات من كتابه كقوله تعالى : ﴿وإنَّ منْ أهلِ الكتابِ لمنْ يُؤمنُ بالله وما أُنْزِلَ اليكم وما أُنزل اليهم﴾ ( سورة آل عمران ١٩٩) وقوله : ﴿ومنْ قوم مُوسى أُمّةٌ يهدُون بالحقّ وبه يعدلُون(١)﴾ ( سورة الأعراف ١٥٩) وقوله: ﴿وإذا سمعُوا ما أُنزل إلى الرَّسُول ترى أعيُنَهُم تفيضُ من الدّمع ممَّا عرفُوا من الحقِّ ﴾ ( سورة المائدة ٨٣). وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزاً عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر(٢) عليه مثله من الاجتهاد في التقليد فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة ، وأما إن قلد شخصاً دون نظيره بمجرد هواه ، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحقّ فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيباً لم يكن عمله صالحاً ، وإن كان متبوعه مخطئا كان آثما ، كمن قال في القرآن برأيه فإن أصاب فقد أخطأ ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعدهُ من النار ، وهؤلاء من جنس من عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة (٣)، فإن ذلك لما أحب المال حباً منعه عن عبادة الله وطاعته صار عبداً له ، وكذلك هؤلاء ، فيكون فيه شرك أصغر ، ولهم (١) وردت الآية في الأصل: يهدون إلى الحق. قال تعالى: ((ومِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ)) ( الأعراف: ١٨١) (٢) يقال: قَدَر يَقْدِرُ كضَرَب، وقَدَرَ يقدُرُ كنَصَر ، وقدِرَ يَقْدَرُ كَفَرِحَ . (٣) الخميصة : ثوب خز أو صوف معلم، وقيل: لا تسمَّى خميصةٌ إلا أن تكون سوداء معلمة ، وجمعها : خمائص . والقطيفة كساء له خمل . قال الراغب : وقد تكرر ذكرهما في الحديث . وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه : (( تَعِس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة ، إنْ أُعطي رضِيَ وإن لم يُعطّ لم يرض)) (كتاب الجهاد برقم: ٢٨٨٦) وهو في الترمذي ( أبواب الزهد : باب في المكثرين ٢ /٢٧٧ ) باختلاف لفظي يسير . وللحديث روايات أخرى بزياداتٍ طويلة ( البخاري : ٢٨٨٧، ٦٤٥٣ ابن ماجه ٢ / ٢٧٧ ). ٨٨ من الوعيد بحسب ذلك، وفي الحديث: ((إنَّ يسير الرِّياء شركٌ(١))) وهذا مبسوط عند النصوص التي فيها إطلاق الكفر والشرك على كثير من الذنوب)) انتهى كلام ابن تيمية . ( ولا سِيَّمَا الذين لهم الاعتناء )(٢) أي الاهتمام ، يقال : اعتنى به أي اهتمّ. (بالتدريس) مصدر ((درّس)) في القاموس : درس الكتاب يدرسُه ويدرِسُه درساً ودراسةً قرأه كأدْرَسهُ ودرّسهُ تدريساً ، قال الصاغاني(٣): شدّد للمبالغة وقال غيره : درس الكتاب يدرسه درساً ذلّلهُ بكثرة القراءة حتى خفّ حفظه عليه من ذلك . وعلى كل حال هو في المعنى المذكور مجاز، وحقيقته محوُ الأثر، يقال : دَرَسَ الرسم دروساً عفا، ودَرَسهُ القومُ عفوا أثره . كذا يؤخذ من تاج العروس . ( والتحديث ) أي قراءة الحديث . ( أما بعد ) أتى بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب قال : أما بعد ، رواه الطبراني ، وذِكْرُها في خُطبه صلى الله عليه وسلم مشهور في الصحيحين وغيرهما ، قال في التوضيح: (( هذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من غرض إلى آخر ، ويندب الإتيان بها في الخطب (١) رواه ابن ماجه من حديث عمر بن الخطاب عن معاذ بن جبل: ((إنَّ يَسِير الرِّیاءِ شِرْكٌ. وإنّ مَنْ عَادى لله وَلِيّا فقد بارَزَ الله بالمحاربة ... )) الحديث بطوله ( أبواب الفتن: باب من تُرجَى له السلامة من الفتن ٢ /٢٤٩) وفي حاشية السندي : وفي الزوائد : في إسناده عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف . (٢) في م : اعتناء . (٣) الحسن بن محمد العمري الصاغاني أعلم أهل زمانه باللغة . فقيه ، محدث . (٥٧٧ - ٦٥٠ هـ) ٨٩ والمكاتبات كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي بها في خطبه ومكاتباته )) رواه عبد القادر الرهاوي في الأربعين عن أربعين صحابيا(١). ( فيقول العبد الفقير إلى مولاه الغني الفتاح إسماعيل العجلوني ). المولد الدمشقيّ المنشأ والوفاة ( ابن محمد جرّاح ) بفتح الجيم وتشديد الراء لقب لوالده ، وما ذكره المرادي(٢) في تاريخه من قوله ( الجراحي ) نسبة الى أبي عبيدة بن الجرّاح(٣) أحد الصحابة العشرة المبشرة بالجنة رضوان الله عليهم ينافيه ما ذكره ابن الأثير(٤) في ((أسد الغابة )) في ترجمة أبي عبيدة بن الجراح أنه انقرض ولده ، ثم رأيت المصنف لما ترجم نفسه في أول ثبته المسمى: ((حلية أهل الفضل والكمال باتصال الأسانيد بِكُمَّلِ الرجال)) قال: ((إني الفقير إليه تعالى إسماعيل بن محمد جرّاح بن عبدالهادي بن عبدالغني بن جرّاح الجرّاحي نسبة الى جرّاح المذكور)) ثم قال: (( وقد اشتهر في بلادنا بلاد عجلون أن اهلنا من ذريّة أبي عبيدة الجراح والله أعلم بالواقع ، (١) أنظر تدريب الراوي (١ / ٦١ ). (٢) هو محمد خليل بن علي المراديّ مفتي الأحناف ( ١١٧٣ - ١٢٠٦ هـ) وصاحب كتاب: ((سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر)). (٣) هو الصحابي الجليل عامر بن عبد الله ، الأمير القائد ، فاتح الديار الشامية . توفي بطاعون عمواس عام ( ١٨ هـ) . (٤) علي بن محمد الشيباني الجزري أبو الحسن عز الدين ابن الأثير ( ٥٥٥ - ٦٣٠ ) مؤرخ كبير، أشهر كتبه: ((الكامل)) في التاريخ، و« أسد الغابة في معرفة الصحابة )) وهما مطبوعان . ٩٠ ١ ويبعده أني رأيت في كلام المحب الطبري(١) في (( الرياض النضرة)) أن أبا عبيدة رضي الله عنه كان له ولدان ماتا في حياته ولم يعقبا ، ثم توسّع في ذلك فانظره(٢)). قال المرادي في ترجمة المصنف(٣): (( كان عالماً بارعاً صالحاً محدّثا مبجلا قدوة خاشعا ، له اليد الطولى في العلوم . ولد في عجلون تقريباً في سنة (١٠٨٧ ) ولما بلغ سنّ التمييز حفظ القرآن عن ظهر قلبه ، ثم قدم الى دمشق وعمره نحو ثلاث عشرة سنة لطلب العلم وذلك في منتصف شوال سنة (١١٠٠ ) واشتغل على جماعة أجلاء منهم الشيخ أبو المواهب (٤) مفتي الحنابلة بدمشق ، والشيخ محمد الكاملي) الدمشقي والشيخ الياس الكردي (٦) والعارف الشيخ عبدالغني النابلسي(٧) والشيخ يونس المصري(٨) نزيل دمشق والشيخ إسماعيل (١) أحمد بن عبد الله أبو العباس وقيل: أبو جعفر (٦١٥ - ٦٩٤) هـ فقيه شافعي، شيخ الحرم المكي وصاحب كتاب: (( الرياض النصرة في مناقب العشرة)). (٢) قال المحب في ترجمة أبي عبيدة: (( وكان له من الولد يزيد وعمير - ودرجا ولم يبق له عقب (٣١٧/٢) (٣) سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر (ج ١ / ٢٥٩ - ٢٧٢) (٤) أبو المواهب محمد بن عبد الباقي الدمشقي (١٠٤٤ - ١١٢٦ هـ). (٥) محمد بن علي الكاملي الشافعي . إمام محقق . كان عجيباً في حدة ذهنه واستحضار الفقه والحديث والتفسير. توفي عام (١١٣١) هـ (٦) الياس بن إبراهيم الكردي الشافعي نزيل دمشق ، عالم زاهد عابد جريء في الحق . توفي عام ( ١١٣٨ ) هـ (٧) الشيخ عبد الغني بن إسماعيل النابلسي (١٠٥٠ - ١١٤٣ هـ) عالم، أديب متصوف ، كثير التطواف. من كتبه: ((ذخائر المواريث في الدلالة على مواضع الحديث)) وهو فهرس لكتب الحديث الستة المشهورة . (٨) الشيخ يونس بن أحمد المحليّ الأزهري المصري (١٠٢٩ - ١١٢٠ هـ) فقيه، = ٩١ الحائك(١) والشيخ محمد عقيلة المكي (٢) والمسند الشيخ عبدالله بن سالم البصري المكي (٣) والشيخ أبو الطاهر ابن العلامة ابراهيم الكوراني (٤) والعلامة المسند أبو الحسن السندي(٥) والشيخ أحمد بن محمد النَّخليّ (٦) المكي وغيرهم، وانتقل الى الروم سنة (١١١٩) فلما كان بها انحلّ تدريس قبة النسر في الجامع الأموي عن شيخه الشيخ يونس المصري بموته فطلبه فُوجّه عليه ، وقدم دمشق واستقام يُدرّس إحدى وأربعين سنة ، ولزمه جماعة كثيرون . وله تآليف كثيرة منها : شرحه على البخاري سماه (( الفيض الجاري )) لم يتم ، ورسائل كثيرة . وكانت وفاته بدمشق في محرم سنة اثنتين وستين ومائة وألف ودفن بتربة الشيخ أرسلان ظاهر باب توما رحمه الله تعالى . مشتغل بالحديث ، قدم دمشق عام ( ١٠٧٠ ) هـ وتولى التدريس تحت قبة النسر عن = المفتي الشيخ علاء الدين الحصكفي عام (١٠٨٩ هـ) الى حين وفاته . (١) إسماعيل بن علي بن رجب الشهير بالحائك ، مفتي الحنفية بدمشق - يعرف العربية والتركية والفارسية. توفي عام (١١١٣) هـ (٢) محمد بن أحمد بن سعيد ، اشتهر والده بعقيلة الحنفي المكي ، عالم كبير ، توفي في مكة المكرمة عام ( ١١٥٠ ) هـ . (٣) الشيخ عبد الله بن سالم. فقيه شافعي من علماء الحديث . ولد في مكة المكرمة عام (١٠٤٨ هـ) ونشأ بالبصرة وتوفي بمكة عام (١١٣٤ هـ) فعرف بالبصري المكي . (٤) الشيخ محمد بن إبراهيم أبو الطاهر المدني الشافعي (١٠٨١ - ١١٤٥ هـ) ولي إفتاء الشافعية بالمدينة فترة . (٥) الشيخ محمد بن عبد الهادي أبو الحسن نور الدين السِّندي ، ولد في السند واستوطن المدينة المنورة وتوفي فيها عام (١١٣٨ هـ). عالم بالتفسير والحديث والعربية . له حواشٍ على الصحيحين وكتب السنن الأربعة . (٦) من أهل مكة، لقب بالنَّخلي نسبة الى ((نخلة)) قرب مكة. ( ١٠٤٠ - ١١٣٠ هـ) . ٩٢ ( قد وقفت على رسالة أظنها لبعض المكيّين (١) ، لكني لم أقف على اسمه ولا على تسميتها ) أقول : لعلها أوليات الشيخ العلامة سعيد سنبل (٢) ، وهو ذو شهرة في الفضل والحديث ، استجاز شيخ مشايخنا الشيخ عبدالرحمن الكزبري (٣) من أولاده الثلاثة الأجلاء الشيخ محمد والشيخ محمد طاهر والشيخ محمد عبّاس (٤) كما أورده في ثبته ، ثم تبين أنها غير الأوليات المذكورة فإن المصنف قال فيما يأتي: (( وزدت على ما فيها مسند الإمام أبي حنيفة ، وصاحب الأوليات المنوه به ساق أوليات مسند الإمام أبي حنيفة ، ثم ظهر أنها أوائل العلامة المسند الشيخ عبدالله بن سالم البصري المكي رحمه الله وهو من أشياخ المؤلف فعجبا لذلك . ( وهي مشتملة على ذكر أحاديث من أوائل بعض كتب الحديث (٥) ، منها الكتب الستة المشهورة ، وقد ذکر فیها (١) جاء في هامش النسخة المطبوعة (ص: ٥) : هو الشيخ عمر البصري المكّي ، والصحيح أنّه الشيخ عبد الله بن سالم البصري المكي كما ذكره المؤلف ، وقد تقدمت ترجمته . (٢) محمد سعيد بن محمد سنبل المجلائي ، فقيه شافعي من أهل مكة . تولى الإِفتاء والتدريس في البيت الحرام ، وتوفي بالطائف عام (١١٧٥ ) هـ . طبع له كتاب : ((الأوائل السنبلية)) في أوائل كتب الحديث . (٣) عبد الرحمن بن محمد الشافعي الدمشقي الشهير بالكزبري العابد الناسك . كان أكثر انتفاعة بخاله العلامة علي بن أحمد الكزبري . توفي عام ( ١١٨٥ ) هـ وصلى عليه ولده محمد . (٤) أشهر الثلاثة الشيخ محمد بن عبد الرحمن الكزبري ، أخذ عن والده ، وشاركه في بعض شيوخه ، وجلس للتدريس في حياته ، وتولى تدريس الحديث تحت قبة النسر . وكان عالماً ، شجاعاً صداعاً بالحق ، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر . توفي عام (١٢٢١ ) هـ (٥) جاءت العبارة في (ب: ١): وهي مشتملة على ذكر أوائل بعض كتب الحديث دون الأربعين، منها ... )) صح . ٩٣ من أوائل (١) كل كتاب منها حديثاً غالبا ، وقد يذكر أكثر منه ، وقد يذكر من أواخرها ) أي أواخر بعض كتب الحديث ( ولعل غَرَضَهُ من جمعها تسهيلُ قراءتها على الشيوخ طلباً للإِجازة منهم بهذه الكتب ) ذكر في (( التدريب (٢))) أن عيسى بن مسكين قال: ((الإِجازة رأس مالٍ كبير. اهـ. وقال الحافظ ابن حجر في خطبة ((فتح الباري)): سمعت بعض الفضلاء يقول : الأسانيد أنساب الكتب (٣) ومثله قول بعض الأشياخ ((الإِسناد الى المشايخ أنساب العلماء العاملين فإنهم الآباء في الدين)) اهـ. وقد نقل أن بعض العلماء كان لا يجيز أحداً إلا إذا استخبره واستمهره وسأله : ما لفظ الإِجازة وما تصريفها وحقيقتها ومعناها؟ وممن نقل هذه القصة السيد مرتضى الزبيدي في شرح القاموس . أقول : لا بأس بالإشارة إلى جواب هذه الأسئلة الأربعة : الإجازة فأما لفظُ الإِجازة فهو مصدر من باب الإِفعال . وأما تصريفها فـ ((أجاز يجيز إجازة)) كـ ((أقام يُقيم إقامة)) وأصلها: ((إجواز)) نُقلت حركة الواو الى الجيم لأن الواو حرفُ علّة متحرك وما قبله حرف صحيح ساكن وهو أولى بتحملٌ الحركة ، ثم يقال : تحركت الواو بحسب الأصل وانفتح ما قبلها بعد النقل فقلبت ألفاً ، فالتقى ساكنان : الألف المنقلبة عن الواو والألف الزائدة للمصدر فحذفت إحداهما لالتقاء (١) في ط : أوّل (٢) تدريب الراوي للسيوطي (٢ /٤٣ ) (٣) فتح الباري: (٥/١). ٩٤ الساكنين وعُوّضت عنها تاء في الآخر فصار ((إجازة))، واختلف في أن المحذوف ألف إفعال أو عين الفعل ، ذهب الى الأول الخليل(١) وسيبويه(٢) فوزنها ((إفْعَلَة)) قالوا : لأنها زائدة والزائد بالحذف أولى ، وذهب الى الثاني أبو الحسن الأخفش (٣) فوزنها عنده ((إفالة)) قال: لأن العين كثيراً ما يعرض له الحذف في غير هذا الموضع فحذفُهُ أولى (٤). والمذهب الأول أولى لأن التقاء الساكنين إنما يحصل عند الثاني فحذفه أولى . وأما معناها ففي القاموس وشرحه ما نصه : ومن المجاز استجاز رجل رجلا : طلب الإِجازة أي الإِذن في مرويّاته ومسموعاته ، وأجازه فهو مجاز، والمجازات المرويّات ، ولله درّ أبي جعفر الفاروقي حيث يقول : جميع الذي سأل المستجيز أجاز لهم عمر الشافعيّ (٥) عليهم وذلك شرط وجيز ولم يشترط غير ما في اسمه (١) الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي أبو عبد الرحمن ، من أئمة العربية وواضع علم العروض وأستاذ سيبويه . (١٠٠ - ١٧٠ هـ) قال فيه النضر بن شميل : ما رأى الراؤون مثل الخليل ... (٢) عمرو بن عثمان الحارثي بالولاء أبو بشر. إمام نحاة البصرة ، وأول من بسط علم النحو. لزم الخليل وألف ((الكتاب)). مات شاباً (١٤٨ - ١٨٠)هـ لقب بسيبويه أي : رائحة التفاح . (٣) أبو الحسن سعيد بن مسعدة المجاشعي بالولاء الأخفش الأوسط (ت: ٢١٥ ) (٤) قال الرضي في شرح الشافية (١ /١٦٥): وحُذِفت الأولى عند الأخفش والفرّاء ... وقال: وأجاز سيبويه عدم الإِبدال أيضاً نحو: أقامَ إقاماً واستجاز استجازاً استدلالاً بقوله تعالى: ((وإقام الصلاة )) وخصَّ الفراءُ ذلك بحال الإِضافة ليكون المضاف إليه قائماً مقام الهاء، وهو أولى .. (انظر كتاب سيبويه ٢ / ٢٤٤ ) (٥) عمر بن أحمد الحلبي الشافعي الإِمام العلامة المسند المحدّث ولد سنة ( ٨٨٠) = ٩٥ يعني: العدل والمعرفة. اهـ. وعبارة ((التقريب)) مع شرحه ((التدريب (١))): ((قال أبو الحسين أحمد بن فارس اللغوي(٢): الإِجازة في كلام العرب مأخوذة من جواز الماء الذي تسقاه الماشية والحرث ، يقال منه : استجزتُه فأجازني إذا سقاك ماءً لماشيتك وأرضك ، قال : كذلك طالب العلم يستجيزُ العالم أي يسأله أن يجيزه علمه فيجيزه إياه ، قال ابن الصّلاح(٣): فعلى هذا يجوز أن يقال : أجزت فلانا مسموعاتي أو مروياتَي متعدياً بغير حرف جر من غير حاجة الى ذكر لفظ الرواية . ومن جعل الإِجازة إذنا وإباحة، وهو المعروف، يقول أجزت له مسموعاتي ، فعلى الحذف كما في نظائره . وعبارة القسطلاني (٤) في ((المنهج)): ((الإِجازة مشتقة من التجوز وهو التعدي، فكأنه عدّى روايته حتى أوصلها للراوي عنه )) انتهى . وقول ابن فارس المتقدم من جواز الماء: الإِضافةُ للبيان، ففي القاموس: ((والجواز كسحاب الماء الذي تقريباً وتوفي عام (٩٣٦) هـ. زادت شيوخه بالسماع على (٢٠٠). وبالإِجازة = العامة دون السماع والإِجازة الخاصة على (١٠٠) اهـ ملخصاً من الشذرات (٢١٨/٨). (١) في تقريب النواوي وشرحه تدريب الراوي (٢ /٤٢) مع اختلاف يسير في الكلام . (٢) أحمد بن فارس أبو الحسين (٣٢٩ - ٣٩٥ هـ) من كبار أئمة اللغة والأدب . ممن قرأ عليه بديع الزمان والصاحب بن عباد . (٣) ذكر ابن الصلاح ذلك في التنبيه الأول من ص: ١٥٩ من كتابه ((علوم الحديث))، الشهير بمقدمة ابن الصلاح . وقد فصّل ابن الصلاح القول في الإِجازة وأنواعها ( ص : ١٥١ - ١٦٠ ). (٤) أحمد بن محمد القسطلاني المصري الشافعي الإِمام ، الفقيه ، المقرىء ، المسند (٨٥١ - ٩٢٣ هـ) له ترجمة وافية في ((الضوء اللامع)) و((شذرات الذهب)). ٩٦ ١ يُسقاه المال من الماشية والحرث)) انتهى. وقال الامام الشَّمُنِّي(١): الإِجازة في الاصطلاح إِذْنٌ في الرواية لفظاً أو خطأً يفيد الإِخبار الإِجمالي عرفا . وأما حقيقتها فهي أحد أقسام تحمّل الحديث الثمانية المقررة في المصطلح (٢)، وأعلى أنواعها أن يجيز معينا لمعيّن كأجزتك البخاري ، قال في ((التقريب)) وشرحه (٣): والصحيح الذي قاله الجمهور من الطوائف واستقر عليه العمل جواز الرواية والعمل بها ، وادعى أبو الوليد الباجي (٤) وعياض (٥) الإِجماع عليها، وقصر أبو مروان الطَّبْنِيّ (٦) (١) تقي الدين أبو العباس أحمد بن محمد الشمني ( بضم المعجمة والميم وتشديد النون). قال السيوطي في ((بغية الوعاة)): هو شيخنا الإِمام العلامة المفسّر المحدث ... (٨٠١ - ٨٧٢ هـ) ( له ترجمة مفصلة في بغية الوعاة : ١٦٣ - ١٦٧، والشذرات: ٧ /٣١٣). وعبارة السيوطي: قال شيخنا الإِمام ( التدريب ٢ /٤٤) . (٢) ذكرها ابن الصلاح في مقدمته (١٤٠ - ١٦٩ ) وتبعه في ذلك النووي في ((التقريب)) والسيوطي في شرحه ((تدريب الراوي)) (٢ /٨ - ٦٣) وهي: السماع ، القراءة على الشيخ أو العرض ، الإِجازة ، المناولة ، الكتابة ، الإِعلام بالرواية والاقتصار على ذلك دون إذنٍ بالرواية ، الوصيّة ، الوٍجادة وهو مصدر مولّد معناه : أخذ العلم من صحيفة من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة . (٣) لخص المؤلف رحمه الله بحث((الإِجازة بأضربها المختلفة مما كتبه ابن الصلاح في المقدمة)) (١٥١ - ١٦٠) والنووي في ((التقريب)) والسيوطي في شرحه ((التدريب)) (٢٩/٢ - ٤٤)، وذكرها في قواعد التحديث (١٨٧ - ١٩١) (٤) أبو الوليد سليمان بن خلف الباجيّ ( نسبة الى باجة بالأندلس ) (٤٠٣ - ٤٧٤ هـ) فقيه مالكي طوّف في الآفاق وتولى القضاء مدة من الزمن . (٥) عياض بن موسى القاضي ، وقد مر ذكره في ص : ٧٢ ، وترجمته المفصلة في ص : ٣٨١ . (٦) عبد الملك بن زيادة الله التميمي . عالم باللغة والحديث ، شاعر . أصله من طبنة = ٩٧ الصحة عليها ، وأبطلها جماعات من المحدثين . وقال ابن حزم : إنها بدعة غير جائزة . وقال بعض الظاهرية ومتابعيهم : لا يعمل بها كالمرسل(١) مع جواز التحديث بها ، وهذا باطل لأنه ليس في الإِجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها وفي الثقة به . وعن الأوزاعي (٢) عكس ذلك وهو العمل بها دون التحديث. وقال الخطيب في ((الكفاية(٣))): (( احتج بعض أهل العلم لجوازها بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب سورة (( براءة )) في صحيفة ودفعها لأبي بكر (٤) ثم بعث علي بن أبي طالب (٥) فأخذها منه ولم يقرأها عليه ولا هو أيضا حتى وصل إلى مكة ففتحها وقرأها على الناس)). وقد أسند الرّامُهُرمُزي(٦) بالأندلس . رحل الى الشرق وعاد فأملى الكثير مما قيَّده هناك قيل : قَتَلَتْه جواريه = لإِفراطه في البخل ( ٣٩٦ - ٤٥٧ هـ). ؟ (١) قال ابن الصلاح في مقدمته ( ص : ٥٥ ): صورته التي لا خلاف فيها : حديث التابعي الكبير الذي لقي جماعة من الصحابة وجالسهم . وتابعه في ذلك النووي في التقريب والسيوطي في التدريب (١ /١٩٥) والقاسمي في قواعد التحديث (١١٤ ) وقد فصّلوا القول فيه وبسطوا الخلاف في أنواعه والحكم عليه في المواضع التي ذكرناها . (٢) الأوزاعيّ أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو، (٨٨ - ١٥٧ هـ) إمام الديار الشامية في الفقه والزهد . (٣) (الكفاية في علم الرواية)) للخطيب البغدادي أحمد بن علي (ن ترجمته في ص : ٤٠٢ ) . (٤) أول الخلفاء الراشدين، وقد ترجم له المؤلف في ص : ٢٨٩ . (٥) ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم رابع الخلفاء الراشدين . ترجم له المؤلف (ص : ٣٠٩). (٦) أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلّاد الرَّامَهُرْ مُزِيّ الفارسيّ . محدث العجم في زمانه . من أدباء القضاة . (ت : ٣٦٠ هـ ) ٩٨ ١ عن الشافعي أن الكرابيسي (١) أراد أن يقرأ عليه كتبه فأبى وقال : خذ كتب الزعفراني (٢) فانسخها فقد أجزت لك ، فأخذها أجازة . واختار بعض المحققين تفضيل الإِجازة على السماع مطلقا ، وقيل : إنهما سواء ، حكى ابن عات (٣) في ريحانة التنفس ، عن عبد الرحمن بن أحمد بن بقيّ بن مخلدٍ أنه كان يقول : الإِجازة عندي وعند أبي وجدّي (٤) كالسماع. وقال الطوفي (٥) : الحق التفصيل ، ففي عصر السلف السماع أولى ، وأما بعد أن دُوّنت الدواوين وجُمعت السنن واشتهرت فلا فرق بينهما . ومن أقسام الإِجازة أن يجيز معيناً غيرَ معيَّن ، كأجزتك جميع مسموعاتي أو مرويّاتي ، والخلاف فيه أقوى وأكثرُ من القسم الأول ، والجمهور جوّزوا الرواية بها فأوجبوا العمل بما رُوي بها . (١) الكرابيسي أبو علي الحسين بن علي تفقه على الشافعي ، عالم بالفقه والحديث والأصول ومعرفة الرجال . توفي عام (٢٤٨ هـ) وقيل: (٢٤٥) هـ . نُسب الى الكرابيس وهي الثياب الغلاظ وكان يبيعها . (٢) الحسن بن محمد الصباح الزعفراني أبو علي . فقيه ، ثقة ، من رجال الحديث ، كان راوياً للإِمام الشافعي . توفي عام: ( ٢٥٩ هـ). وذكر ابن العماد وفاته عام (٢٦٠ ) هـ (٣) أبو عمر أحمد بن هارون .. ابن عات الشاطبي ، عالم بالحديث والتاريخ . (٥٤٢ - ٦٠٩ هـ) من كتبه: (( ريحانة التنفس وراحة الأنفس في ذكر شيوخ الأندلس )» . (٤) أبوه : أحمد بن بَقيّ القرطبي الأندلسي قاضي قرطبة عشر سنوات. (٢٦٠ - ٣٢٤ هـ). وجده بقيّ بن مخلد أبو عبد الرحمن القرطبيّ الأندلسي ، حافظ ، مفسّر، محقق . له كتب كثيرة متداولة أيام حياته ( ٢٠١ - ٢٧٦ هـ) . (٥) سليمان بن عبد القوي الطوفي (٦٥٧ - ٧١٦ هـ) فقيه حنبلي . له كتب في التفسير والأصول والحديث والأدب . ٩٩ ومن أقسامها إجازة المجاز كأجزتك مُجَازاتي أو جميع ما أُجيزَ لي روايتُهُ ، وقد منعه بعضهم ، والصحيح الذي عليه العمل جوازه ، وادّعى ابن طاهر (١) الاتفاق عليه. ومن أقسامها أن يجيز غير مُعَيَّنٍ بوصف العموم كأجزت المسلمين أو كلَّ واحد أو أهلَ زماني ، وفيه خلاف للمتأخرين ، فإن قَيِّدَ الإِجازةَ العامَّةَ بوصفٍ حَاصِرٍ كأهلِ بلدٍ معيَّن أو إقليم فأقربُ إلى الجواز من غير المقيَّدَةِ بذلك ، بل قال القاضي عياض(٢): ما أظنهم اختلفوا في جواز ذلك ولا رأيت مَنْعه لأحد لأنه محصور موصوف كقوله : لأولاد فلان أو إخوة فلان . وقد روى بالعامة من المتقدمين الحافظ أبو بكر ابن خير (٣)، ومن المتأخرين الشرف الدمياطي (٤) وغيره . وأما الإِجازة للمعدوم كأجزت لفلان وما يولد له ، أولك ولولدك ولعقبك ما تناسلوا فأولى بالجواز ، وفَعَلَ الثّاني من المحدثين الإِمام أبو بكر عبد الله ابن أبي داود السجستاني(٥) فقال وقد سئل الإِجازة: ((قد أجزت لك ولأولادك ولحبل الحَبَلَةِ(٦))) يعني الذين لم يولدوا بعد . قال (١) هو محمد بن طاهر المقدسي المتوفى عام (٥٠٧ ) هـ (٢) عياض بن موسى المتوفى عام (٥٤٤ ) وقد أورد الشارح ترجمة مسهبة له في ص : ٣٨١. (٣) أبو بكر محمد بن خير الأموي الإِشبيلي (٥٠٢ - ٥٧٥ هـ ) حافظ ، لغوي ، أديب . (٤) أبو محمد شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي (٦١٣ - ٧٠٥ هـ) حافظ للحديث ، من أكابر الشافعية . (٥) أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني (٢٣٠ - ٣١٦) هـ ابن الإمام صاحب السنن . من كبار الحفاظ ، روى عند الدارقطنى والحاكم وغيرهما . (٦) في القاموس المحيط : ونُهِي عن بيع حَبَل الحَبَلَة بتحريكهما أي ما في بطن الناقة أو = ١٠٠