النص المفهرس
صفحات 61-80
(( المراد بالحديث في عرف الشرع ما يضاف الى النبي صلى الله عليه وسلم)) وكأنه أريد به مقابلة القرآن لأنه قديم . وقال في شرح النخبة: ((الخبر عند علماء الفن مرادف للحديث فيطلقان على المرفوع (١) وعلى الموقوف(٢) والمقطوع (٣). وقيل : الحديث ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والخبر ما جاء عن غيره . ومن ثمّ قيل لمن يشتغل بالسنة : محدث ، وبالتواريخ ونحوها : إخباري . وقيل : بينهما عموم وخصوص مطلق فكل حديث خبر ولا عكس . وقيل: (( لا يطلق الحديث على غير المرفوع إلّ بشرط التقييد . وقد ذكر النووي في النوع السابع من تقريبه أن المحدثين يسمّون الموقوف (١) قال ابن الصلاح في مقدمته (ص : ٥٠): المرفوع: ما أضيف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، ولا يقع مُظْلَقُهُ على غير ذلك نحو الموقوف على الصحابة وغيرهم. وقال السيوطي في ((تدريب الراوي (١ / ١٨٣): هو ما أضيف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً كان أو فعلًا أو تقريراً. (٢) قال ابن الصلاح في مقدمته (ص : ٥١) الموقوف : ما يروى عن الصحابة رضي الله عنهم من أقوالهم وأفعالهم ونحوها فيوقف عليهم ولا يُتَجَاوَز به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم إنّ منه ما يتصل الإِسناد فيه إلى الصحابي فيكون من الموقوف الموصول ، ومنه ما لا يتصل إسناده فيكون من الموقوف غير الموصول ... وقد يستعمل مقيّداً في غير الصحابي فيقال: حديث كذا وكذا وقفه فلان على عطاء أو طاووس أو نحو هذا ( ارجع إلى تقريب النواوي وشرحه تدريب الراوي ١ / ١٨٤، وقواعد التحديث للقاسمي ص : ١١١). (٣) المقطوع وجمعه المقاطع والمقاطيع : ما جاء عن التابعين موقوفاً عليهم من أقوالهم وأفعالهم ، قال ابن الصلاح : وهو غير المنقطع . قال القاسمي : الغالب استعماله ( أي المنقطع ) في رواية مَنْ دون التابعي عن الصحابة كمالك عن ابن عمر (ارجع إلى تفصيلات مهمة أوردها ابن الصلاح ص ٥١ وما بعدها ، كما أوردها السيوطي في تدريب الراوي ١ / ١٨٥ وما بعدها، وأورد القاسمي بعضها في قواعد التحديث ص : ١١١ ) ٦١ بالأثر والمرفوع بالخبر . ويقال : أثرت الحديث بمعنى رويته ، ويسمى أثرياً نسبة للأثر(١). وقال الشيخ فتح الدين بن سيِّد الناس(٢): ((وأما المحدّث في عصرنا فهو من اشتغل بالحديث رواية ودراية، وجمع الرواة ، واطلع على كثير من الرّواة والروايات في عصره ، وتميز في ذلك حتى عُرف فيه خطه واشتهر فيه ضبطه . فإن توسع في ذلك حتى عرف شيوخه وشيوخ شيوخه طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقة أكثر مما يجهله منها فهذا هو الحافظ . وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم : كنا لا نعدّ صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الإملاء ، فذلك بحسب أزمنتهم )) انتھی وقال الإِمام الحافظ أبو شامة : علوم الحديث الآن ثلاثة : أشرفُها حفظُ متونه ومعرفة غريبها وفقهها ، والثاني حفظ أسانيده ومعرفة رجالها وتمييزُ صحيحها من سقيمها ، والثالث جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وطلب العلوّ فيه والرحلة الى البلدان)) انتهى ملخصا(٣). قال الحافظ ابن حجر: من أخلّ بالأولين فلا حظّ له في اسم الحافظ، ومن أحرز الأوّل وأخلّ بالثاني كان بعيداً من اسم المحدث عرفا، ومن أحرز الثاني وأخلّ بالأول لم يبعد عنه اسم المحدث ولكن فيه نقص بالنسبة الى الأول ، وبقي الكلام في الفن (١) تدريب الراوي بشرح تقريب النواوي ١ / ٤٢ . (٢) هو أبو الفتح محمد بن محمد اليعمري الأندلسي المصري المتوفى عام ٧٣٤ هـ، مؤرخ ، عالم بالأدب ، من حفاظ الحديث ، وله شعر رقيق . (٣) ارجع إليه بمزيد من التفصيل في التدريب ١ / ٤٤ . ٦٢ ١ الثالث ، ولا شك أن من جمع ذلك من الأولين كان أوفر سهما ، ومن اقتصر عليه كان أخس حظا وأبعد حفظا(١) ومن جمع الثلاثة (٢) كان فقيهاً محدثاً كاملاً، ومن انفرد باثنين منها كان دونه ، إلّ أن من اقتصر على الثاني والثالث فهو محدث صرف لا حظّ له في اسم الفقيه ، كما أن من انفرد بالأول فلا حظّ له في اسم المحدث ، ومن انفرد بالأول والثاني فهل يسمى محدثا ؟ فيه بحث . اهـ وفي كلامه ما يُشعر باستواء المحدث والحافظ ، وكذا كان السلف يطلقون المحدث والحافظ بمعنى ، والحق أن الحافظ أخصّ . وبالجملة فالمراتب ثلاث : حافظ ومحدث ومسند ( بكسر النون)وهو من يروي الحدیث بإسناده سواء كان عنده علم به أو لیس له إلا مجرد رواية . انتهى ملخصا من مقدمة التدريب (٣). ( وَخَصّهم بحفظ أَسَانِيْد ) الباء داخلة على المقصور وهو الأكثر في الاستعمال بعد مادة الاختصاص كما حققه العلامة ياسين الحمصي (٤)، والأسانيد جمع سند وهو الإِخبار عن طريق المتن ، وأخذه ، إمّا من السند وهو ما ارتفع وعلا من سفح الجبل لأن المسند (١) جاءت العبارة في الأصل: كان أحسن خطاً وأبعد حفظاً . وهي في تدريب الراوي (١ / ٤٥): ولا شك أن من جمع ذلك من الأوّلين كان أوفر سهماً وأحظ قسماً، ومن اقتصر عليه كان أخسّ حظاً وأبعد حفظاً . انتهى . (٢) في الأصل نقلاً عن التدريب : الثلاث . (٣) تدريب الراوي ١ / ٤٢ وما بعدها . (٤) ياسين بن زين الدين الحمصي الشهير بالعليمي ، ولد بحمص ونشأ وتوفي بالقاهرة عام (١٠٦١ هـ). شيخ عصره في علوم العربية ، له شروح وحواش على بعض الكتب النحوية والبلاغية نحا في كثير منها نحواً منطقياً وعراً . ٦٣ يرفعه إلى قائله ، أو من قولهم : فلان سند أي مُعتمد ، فسمّي الإِخبار عن طريق المتن سنداً لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليه ، وأما الإِسناد فهو رفع الحديث الى قائله ، قاله الطيبي (١)، وهما متقاربان في معنى اعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليهما ، وقال ابن جماعة (٢) : المحدثون يستعملون السند والإِسناد لشيء واحد. (في) الزمن (القديم والحديث) وهو نقيض القديم. لطيفة: قال ابن دُرستويه(٣): (( العامة تقول هو حدث السن كما تقول هو حديث السن ، وهو خطأ ، لأن الحدث صفة الرجل نفسه ، وكان في الأصل مصدراً فوصف به ، ولا يقال للسن حدث ، ولا للضرس حدث ولا للناب ، ولا تحتاج معه الى ذكر السن ، وإنما يقال للغلام نفسه هو حدث لا غير . قال : فأما الحديث فصفة يوصف بها كل شيء قريب المدة والعهد به ، وكذلك السن الحديثة النبات ، والحديث السن من الناس : القريب السن والمولد . ثم قال: وعليه أكثر شراح الفصيح)) كذا في ((تاج العروس في شرح (١) الحسن بن محمد شرف الدين الطيبي من علماء الحديث والتفسير والبيان . توفي عام (٧٤٣ هـ) . (٢) إسماعيل بن إبراهيم من فقهاء الشافعية ، له شرح الألفية في الحديث للحافظ العراقي . توفي عام (٨٦١ هـ) وقد اشتهر بابن جماعة ، كما اشتهر بذلك أيضاً عبد العزيز بن محمد بن إبراهيم الحافظ ، قاضي القضاة المتوفى في مكة عام (٧٣٩ هـ) . (٣) هو عبد الله بن جعفر بن محمد بن درستويه بن المرزبان العالم اللغوي . توفي عام (٣٤٧ هـ) . ٦٤ ١ القاموس )) للزبيدي(١). والظاهر أن المجرور ظرف لـ ((خصّ)) وفيه من الصناعة البديعية الطباق وهو الجمع بين متضادين أو متقابلين في الجملة ، وبين (( الحديث)) هنا والسابق المراد به العلم الجناس التام المماثل وهو اتفاق اللفظين في أعداد الحروف وأنواعها وترتيبها وهيئاتها من نوع واحد . فائدة في شرف الإسناد قال الحافظ السخاوي(٢): ((الإِسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة ، وسنة بالغة من السنن المؤكدة وقد روينا من طريقٍ الى العباس قال : سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول : ان الله قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإِسناد ، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد ، إنما هو صحف في أيديهم ، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم ، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإِنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات ، وهذه الأمة إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف في زمانه (١) محمد بن محمد بن عبد الرزاق أبو الفيض الملقب بمرتضى الزبيدي . ولد في الهند عام (١١٤٥ هـ) ونشأ في زبيد باليمن ثم استقر بعد ترحال في مصر . انهالت عليه الهدايا ، وكاتبه الملوك وحظي بشهرة ذائعة . علامة باللغة والحديث والرجال والأنساب. أشهر كتبه: ((تاج العروس في شرح القاموس)) و((إتحاف السادة المتقين في شرح إحياء علوم الدين)). توفي عام (١٢٠٥ هـ). له ترجمة واسعة في حلية البشر للبيطار (٣ / ١٤٩٢ - ١٥١٦). (٢) محمد بن عبد الرحمن السخاوي (٨٣١ - ٩٠٢ هـ) مؤرخ وعالم بالحديث والتفسير. له مؤلفات كثيرة أشهرها: ((الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع)). ٦٥ المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم ، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ ، فالأضبط فالأضبط ، والأطول مجالسة فمن فوقه عمن كان أقل مجالسة ، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجها أو أكثر حتى يهذبوه من الغلط والزلل ، وقد يضبطون حروفه ويعدونه عدّا ، فهذا من فضل نعم الله على هذه الأمة)). وقال أبو حاتم الرازي(١): لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلّ هذه الأمة)). وقال ابن المبارك(٢): ((الإِسناد من الدين، ولولا الإِسناد لقال من شاء ما يشاء)) وعنه: ((مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم)). وقال سفيان الثوري(٣): ((الإِسناد سلاح المؤمن ، فاذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل ؟)) . وقال الشافعي (٤): ((مَثَل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كَمَثَل حَاطِبٍ لَيْل )) . (١) محمد بن إدريس الحنظلي . حافظ من أقران البخاري ومسلم . توفي عام ( ٢٧٧ هـ) . (٢) أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١ هـ). انظر ترجمته ص : ( ٣٨٩ ) . (٣) سفيان بن سعيد الثوري (٧٧ - ١٦١ هـ). ترجم له المؤلف في ص : (٣٦٥). (٤) أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي (١٥٠ - ٢٠٤) هـ. انظر ترجمته المفصلة في ص : ٢٦٠ وما بعدها . ٦٦ أ ١ وفي تاريخ الحاكم(١): قال بقيّة (٢): ((ذاكرتُ حَمّاد بن زيد(٣). بأحاديث فقال : ما أَجْوَدَها لو كان لها أجنحة يعني: إسناد)) انتهى . وقد كَثُرَ في هذه الأمة وضعُ الأحاديث على النبيّ صلى الله عليه وسلم فارتفع الأمانُ عن الأخبار ما لم يوجد لها سَنَد مُعْتَمَدٌ ، ومن ههنا نَصُوا على أنه لا عبرَةً بالأحاديث المنقولَةِ في الكتب المبسوطةَ ما لم يَظَهَرْ سَنَدُها ويُعلم اعتمادُ أربابِ الحديث عليها وإن كان مصنّفها فقيها جليلا يُعتَمَدُ عليه في نقل الأحكام وحكم الحلال والحرام ، ألا ترى إلى صاحب ((الهداية)) من أجلّة الحنفية (٤)، والرافعي (٥) شارح ((الوجيز)) من أجلّة الشافعية مع كونهما ممن يُشَار إليه بالأنامل ، ويَعتَمد عليه الأماجد والأماثل ، قد ذُكِر في تصانيفهما ما لا يوجد له أثر ، عند خبير بالحديث يستفسرُ، كما لا يخفى على من طالَعَ تخريج أحاديث ((الهداية)) للزيلعي (٦)، وتخريج أحاديث ((شرح الرافعي)) (١) هو الإِمام ابو عبد الله محمد بن عبد الله بن البيع الشهير بالحاكم النيسابوري (٣٢١ - ٤٠٥ هـ). انظر ترجمته في ص : ٤١١ . (٢) بقية بن الوليد (١١٠ - ١٩٧) هـ كان محدث الشام في عصره. (٣) حماد بن زيد الأزدي (٩٨ - ١٧٩ هـ) شيخ العراق في عصره. من كبار الحفّاظ. خرّج له الأئمة الستّة . كان يعرف بالأزرق . (٤) هو شيخ الإِسلام علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني ، ومرغينان كما جاء في مقدمة (( نصب الراية لأحاديث الهداية)) مدينة من بلاد فرغانة وراء جيحون وسيحون ، وأيضاً فهي قرية من قرى فارس . (٥) عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني (٥٥٧ - ٦٢٣ هـ). (٦) هو الإِمام عبد الله بن يوسف جمال الدين أبو محمد الزَّيلَعِي المتوفى عام ( ٧٦٢ هـ) فقيه، عالم بالحديث. أصله من ((زيلع)) في الصومال. من كتبه: (( نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية )) . ٦٧ لابن حجر العسقلاني(١). وإذا كان حال هؤلاء الأجلة هذا فما بالك بغيرهم من الفقهاء الذين يتساهلون في إيراد الأخبار ولا يتعمقون في سند الأثر، ولذا قال القاري (٢) في رسالة ((الموضوعات)): حديثُ من قضى صلاته من الفرائض في آخر جمعة من رمضان الخ باطل قطعاً ، ولا عبرة بنقل صاحب ((النهاية)) (٣) وغيره من شُرّاح الهداية فإنهم ليسوا من المحدثين ، ولا أسندوا الحديث إلى أحدٍ من المخرّجين)» انتهى . وطلب الإِسناد العالي سنة عمّن سلف كما قال الإِمام أحمد (٤) وأعلى ما وقع لنا من الصحيح بيننا وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم أربعة عشر رجلاً وهو أرفع إسناد يوجد على وجه الأرض فيما نعلم (٥) ، وهو من مستخرجات الفقير كما بيّنت ذلك في ثبتي المسمى: (( الطالع السعيد في مهمات الأسانيد)). (١) الإِمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (٧٧٣ - ٨٥٢ )هـ وقد ترجم المؤلف له في ص : ٣٠٦ . (٢) هو علي بن محمد سلطان الهروي المعروف بملا علي القاري والمتوفى عام (١٠١٤ هـ) . كان فقيها حنفيا . من كتبه : تذكرة الموضوعات . (٣) هو أبو السعادات مجد الدين المبارك بن محمد الجزري الشيباني المعروف بابن الأثير، صاحب: ((النهاية)) في غريب الحديث. توفي عام (٦٠٦) هـ وهو أخٌ لابن الأثير المؤرخ وابن الأثير الكاتب . (٤) أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (١٦٤ - ٢٤١ هـ) وقد فصّل المؤلف القول في حياته ومسنده (ص : ٢٧١ - ٢٨٧ ) (٥) أورد المؤلفون كثيراً من الأقوال في أصح الأسانيد . ومن أراد الاطلاع على شيء من ذلك فليرجع إلى : مقدمة ابن الصلاح وشرحها للحافظ العراقي (ص : ١١ )، وتقريب النواوي وشرحه تدريب الراوي للسيوطي (١ / ٧٧) وقواعد التحديث للقاسمي ( ص : ٥٧ ) . ٦٨ ( وَأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّ الله ) : أي أُذعنُ بقلبي وأعترفُ بلساني وأعمل بمقتضى ذلك أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله ، فمن عَبَدَ من دونه أو معه فعبادته زور وظلم وبهتان وأنا بريء من العابد وعبادة ذلك المعبود . واشتقاقُ الإِلهِ من التولُّهِ ومعناه : المألوه ، وهو الذي تتألَّهُهُ القلوب بالمحبة والتعظيم والإِجلال والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل والإِنابة وذبح النسك ، ثم استُعِمْلَ في كل ما يعبد بما ذكر من دون الله أو معه، فنفى ذلك بـ ((لا)) النافية للجنس ، وأثبت الألوهية لمستحقها وهو الله بـ ((إلا)) المفيدة للحصر . ( وَحْدَه ) أي حال كونه مُنفرداً بها عَمّا سواه . (لَا شَرِيكَ له) حال ثانية مؤكدة للأولى، أي لا شريك له في هذه الألوهية التي نُفِيّت عن غيره واختصّت بجلاله وعظمته، فالعبادات بأنواعها له، خاصّة به لَيْس لأحدٍ منها شيء البَتَّة. فهذه الكلمة الطيبة التي قد قامت بها الأرضُ والسموات ، وفطر الله عليها جميعَ المخلوقات ، وعليها أُسست المِلّة، ونُصِبَت القبلة، ولأجلها جُردت سيوفُ الجهاد ، وبها أَمَرَ اللّهُ جميعَ العباد ، وهي كلمة الإِسلام ، ومفتاح دارِ السلام ، وأساس الفرضِ والسنة ، ومن كان آخر كلامه : لا إله إلا الله دخل الجنة ( شَهَادةً تُبُلِّغُ قَائِلَهَا مراتِبَ مَنْ سَارَ فِي سَبِيلِ الخَيْرِ السَّيْرَ الحَثيثَ ) أي السريع ، يقال : رجل حثوث وحثيث جاد سريع في أمره كأنّ نفسه تحثه ، وولّى حثيثا أي مسرعاً حريصا . ( وَأَشْهَدُ أنّ سيّدنا ونبيّنَا محمداً عبدُه وَرَسُولُه) أتى بالشهادتين ٦٩ عملاً بحديث ((كل خطبة ليس فيها تَشَهُّد فهي كاليد الجذماء))(١) رواه أبو داود بإسناد صحيح كما في الجامع الصغير وشرحه ، وقدّم الوصف الأول لحديث: (( ولكن قولوا : عبد الله ورسوله)) ولأنه أشرف أوصافه صلى الله عليه وسلم لأنه دُعِيَ به في أشرف المواطن كالإِسراء(٢) وإنزال الكتاب(٣). أقوال العلماء في إضافة لفظ سيدنا في الصلاة على النبي لطيفة: للعلماء اختلاف في زيادة لفظ ((سيدنا)) في الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وقد وقفت على سؤال رفع لأبي المفضل الحافظ ابن حجر في ذلك فأجاب عنه وأجاد ، وهاكه بنصّه : ((سُئِل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن صفة الصلاة على النبيّ صلى الله عليه السلام في الصلاة أو خارج الصلاة سواء قيل بوجوبها أو بندبها: هل يشترط فيها أن يصفَه صلى الله عليه وسلم بالسِّيَادَة بأن يقول مثلاً: اللهم صَلِّ على سيّدِنا محمدٍ أو على سيّدِ الخلقِ أو سيّد (١) أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ( رقم ١١٠٦ ) وقال : حسن صحيح غريب ، وأخرجه أبو داود في كتاب الأدب برقم (٤٨٤١) كما أخرجه الإمام أحمد (٢ / ٣٠٢، ٣٤٣) باختلاف يسير في اللفظ . والجدماء : المقطوعة من الجذم وهو القطع كما ذكره صاحب النهاية (١ / ١٧٨ ) . (٢) قال تعالى في أول سورة الإِسراء: ﴿سُبْحَانَ الذي أسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إلَى المسجِدِ الأقْصَى الذي باركنا حَوْلَه .. ) الآية. (٣) قال تعالى: ﴿الحَمّدُ لِلهِ الذي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ ( سورة الكهف: ١) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي نَزْلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلعَالَمِينَ نَذِيرا﴾ ( سورة الفرقان : ١ ). ٧٠ وَلَدِ آدَمَ أو يقتصر على قوله : اللهم صلّ على محمد ، وأيّهما أفضل : الإِتيانُ بلفظ السيادةِ لكونِهَا صفةً ثابتةً له صلى الله عليه وسلم أو عَدَمُ الإِتيانِ لِعَدَم ورُود ذلك في الآثار؟ فأجاب رضي الله عنه : نعم اتّباعُ الألفاظِ المأثورةِ أرجح ، ولا يقال : لعلَّهُ ترك ذلك تواضعاً منه صلى الله عليه وسلم . کما لم یکن یقول عند ذكره صلی الله عليه وسلم : صلى الله عليّ وسلّم وأمّتُهُ مندوبة إلى أن تقول ذلك كلما ذُكر، لأنّا نقول: لو كان ذلك راجحا لجاء عن الصحابة ثم عن التابعين ، ولم نَقِفْ في شيءٍ من الآثار عن أحدٍ من الصحابة ولا التابعين أنه قال ذلك مع كثرة ما وَرَدَ عنهم من ذلك، وهذا الإِمامُ الشافعي أعلى الله درجته - وهو من أكثر الناس تعظيماً للنبيّ صلى الله عليه وسلم - قال في خطبة كتابه الذي هو عمدة أهل مذهبه : اللهم صلّ على محمد إلى آخر ما أدّاه إليه اجتهاده وهو قوله : كلما ذَكَرَهُ الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون ؛ وكأنه استنبط ذلك من الحديث الصحيح الذي فيه : ((سبحان الله عدد خلقه))(١) . وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال لأم المؤمنين ورآها قد أكثرت التسبيح وأطالته: ((لقد قلت بعدك كلمات لو وزنت بما قلت لوزنتهن))(٢) وذكر ذلك. وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه الجوامع في الدعاء . (١) روى الترمذي من حديث صفية انها قالت: ((دخل عليّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وبين يدي أربعة آلاف نواةٍ أُسَبِّحُ بها، قال: لَقَدْ سَبَّحْتِ بهذه، أَلَا أُعَلّمَكِ بِأَكْثَرَ مَمَا سَبَّحْتِ به؟ فَقُلْتُ: بَلَى عَلَّمْنِي: فَقَالَ: قولي: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ)) الحديث ( رقم ٣٥٤٩) تفرد به الترمذي وقال: غريب ... وليس إسناده بمعروف . (٢) رواه مسلم من حديث ابن عباس عن جويرية بنت الحارث بلفظ: لَقَدْ قُلْتُ بعدَكِ أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مراتٍ لو وُزِنَتْ بما قلت منذ اليوم لَوَزَنْهُنّ: سُبْحَانَ الله وبحمده عَدَد خَلْقِهِ وَرِضَى نَفْسِهِ وَزْنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ)) الحديث (رقم: ٢٧٢٦ ) وفي = ٧١ وقد عقد القاضي عياض (١) بابا في صفة الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم في كتابه ( الشفا) ونقل فيه آثاراً مرفوعه عن جماعة من الصحابة والتابعين ليس في شيء منها عن أحد من الصحابة وغيرهم لفظ: سيدنا ، منها حديث عليّ (٢) أنه كان يعلمهم كيفية الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وسلم فيقول: ((اللهم داحيَ المدحوّات وبارىء المسموكات اجعل سوابغ صلواتك ونوامي بركاتك وزائد تحننك على محمدٍ عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق)) (٣) الحديث. وعن عليّ أيضاً أنه كان يقول: (( صلوات الله البر الرحيم رواية أخرى : غير أنه قال : سُبحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَى نَفْسِهِ ، = سُبْحَانَ الله زِنَّةَ عَرْشِهِ، سبحان الله مِدَادَ كلماته)) الحديث ، وقد رواه الترمذي بنحو ذلك برقم (٣٥٥٠) والإِمام أحمد (١ / ٢٥٨، ٣٥٣، ٦ / ٤٣٠) غير أنهما روياه بتكرار التسبيحات ثلاث مرات ، وروى ابن ماجه الحديث في باب فضل التسبيح (٢٢١/٢ ) . (١) عياض بن موسى اليحصبي (٤٧٦ - ٥٤٤) المشهور بالقاضي عياض . ترجم المؤلف له في ص : ٣٨١ . (٢) علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، أمير المؤمنين ، وابن عم الرسول الأمين . انظر ترجمة المؤلف له في ص : ٣٠٩ . (٣) رواه المتقي الهندي في ((منتخب كنز العمال)) (١ / ٣٥٤) نقلاً عن الطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإيمان ، ورواه أبو نعيم في عوالي سعيد بن منصور عن سلامة الكندي قال : كان علي يعلم الناس الصلاة على نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم داحي ... )) الحديث وقد رواه المتقي بطوله . وفي ((النهاية)) (٢ / ١٦): دحا في حديث علي وصلاته على النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم يا داحي المدحوات ، وروي : المدحيات ، الدحو : البَسْط ، والمدحُوّات: الأرضون. وفي ((النهاية)) أيضاً (٢ / ١٩٨): وبارىء المسموكات أي السموات السبع ، والسامك العالي المرتفع . ٧٢ والملائكة المقربين والنبيين والصدّيقين والشهداء والصالحين وما سبّح لك من شيء يا ربّ العالمين على محمد بن عبد الله خاتم النبيين وإمام المتقين )) الحديث . وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يقول: (( اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على محمد عبدك ورسولك إمام الخير ورسول الرحمة)) (١) الحديث . وعن الحسن البصريّ(٢) أنه كان يقول: ((من أراد أن يشرب بالكأس الأروى مِن حوض المصطفى فليقل : اللهم صلّ على محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأولاده وذريته وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشياعه ومحبيه )) . فهذا ما ذكره في ( الشفا ) مما يتعلق بهيئة الصلاة عليه عن الصحابة ومن بعدهم وذكرته عن ذلك . نعم ورد في حديث ابن مسعود أنه كان يقول في صلاته على النبيّ صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اجعل فضائل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيّد المرسلين))(٣) (١) جاء في منتخب كنز العمال (١ / ٣٥١): ((إذا صَلَّيْتم عليّ فأحسنوا الصَلاةِ فإنكم لا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذلك يُعرَض عليّ، قولوا: اللهم اجعَلْ صَلَوَاتِكَ وَبَرَكَاتِكَ على سيّد المرسَلِينَ وإمامِ المتَّقِينَ وخَاتَمِ النبيّين عبدِكَ ورسولِكَ إمام الخير وقائد الخير وإمام الرحمة .... )) الحديث رواه الديلمي عن ابن مسعود ، قال الحافظ ابن حجر : المعروف أنه موقوف عليه . (٢) الحسن بن يسار البصري (٢١ - ١١٠ هـ) من كبار التابعين، إمام أهل البصرة . شب في كنف علي رضي الله عنه ، وكان عظيم الهيبة فصيح اللسان بليغ الموعظة شديد التأثير . (٣) انظر الحاشية الأولى. ٧٣ الحديث أخرجه ابن ماجه لكن إسناده ضعيف ، وحديث عليّ المشار إليه أولاً أخرجه الطبراني بإسناد ليس به بأس ، وفيه ألفاظ غريبة رويتها مشروحة في كتاب فضل النبيّ صلى الله عليه وسلم)) لأبي الحسين بن فارس . وقد ذكر الشافعية أن رجلاً لو حَلَفَ لَيُصَلَِّنَّ على النّبيّ صلى الله عليه وسلم أفضل الصلاة فطريق البّر أن يصلّي على النبيّ صلى الله عليه وسلم : اللهم صلّ على محمد كلما ذكره الذاكرون وسها عن ذكره الغافلون. وقال النووي(١): (( والصواب الذي ينبغي الجزم به أن يقال : أفضله ما يقال عقيب التشهد : اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم . الحديث . وقد تعقبه جماعة من المتأخرين بأنه ليس في الكيفيتين المذكورتين ما يدلّ على ثبوت الأفضلية فيها من حيث النقل ، وأما من حيث المعنى فالأفضلية ظاهرة في الأول . والمسألة مشهورة في كتب الفقه ، والغرض منها أن كل من ذكر هذه المسألة من الفقهاء قاطبة لم يقع في كلام أحد منهم : سيدنا ، ولو كانت هذه الزيادة مندوبة ما خفيت عليهم كلهم حتى أغفلوها ، والخير كله في الاتباع)) اهـ كلام ابن حجر . ورأيت في (( قواعد التصوف )» للإمام ابن زرّوق(٢) قدّس سره في قاعدة ( ١٠٩) ما نصّه: ((ما خَرَجَ مَخْرَجَ التعليم وُقِفَ به على وجهه من غير زيادةٍ ولا نقص)) إلى أن قال: ((نعم اختُلِف في زيادة : سيدنا في الوارد من كيفية الصلاة على النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، والوجهُ (١) محيي الدين النووي أو النواوي . زاهد مشهور، حافظ للحديث (٦٣١ - ٦٧٧ ). (٢) أحمد بن أحمد بن محمد البرنسي الفاسي أبو العباس ، فقيه ، محدث ، صوفي (٨٤٦ - ٨٩٩ ) . ٧٤ أن يُقْتَصَر على لفظه أي الوارد حيث تعبد به ، ويُزَاد حيث ما يُرادُ الفضلُ في الجملة )) انتهى وهو كلام فصل . ( المُرْسَل بِأَشْرَفِ كِتَاب ) أي أعلاه وأحسنه، قال تعالى: ﴿اللّهُ نَزّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ ( سورة الزمر: ٢٣ ) وذلك من جهة اللفظ والمعنى إذ هو أفصح الكلام وأجزله وأبلغه ، وقد بيّن جميع الدين : أصوله وفروعه ، باطنه وظاهره ، علمه وعمله . ( وَأَجْمَعِهِ ) قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتابَ تِبْيَانَاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدَىٍّ وَرَحْمَةً وَيُشْرَى للمُسْلِمِينَ ﴾ ( سورة النحل: ٨٩) وقال تعالى: ﴿ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تصديقَ الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شيءٍ وَهُدَىَّ وَرَحْمَةً لِقَومٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (يوسف: ١١١) (مُمَيَّزاً) بصيغة اسم المفعول (فِيهِ بين الطيّب والخبيث ) الطيّب : الهدى أو الحق أو الإِيمان ، والخبيث : الضلال أو الباطل أو الكفر، ولذا كان من أسمائه ( الفرقان)(١). (١) الفرقان ما يفرق به بين الحق والباطل والحجة والشبهة ، قال الراغب في مفرداته : (٣ / ٢٣٠): وقوله: ﴿يَجْعَلْ لَكُم فُرِقانا﴾ (الأنفال: ٢٩) أي نوراً وتوفيقاً على قلوبكم يفرق به بين الحق والباطل .... وقوله: ﴿يَوْمَ الفرقان يَومَ التقى الجَمعانِ﴾ ( الأنفال: ٤١) قيل : أريد به يوم بدر فإنه أول يوم فرق به بين الحق والباطل في الاعتقاد والصدق والكذب في المقال ، والصالح والطالح في الأعمال ، وذلك في القرآن والتوراة والانجيل : ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان .. ) الآية ( البقرة: ٥٣ ) ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارونَ الفرقان .. ) الآية (الأنبياء: ٤٨) و﴿ تَبَارَكَ الذي نَزّل الفُرقان على عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالِمِينَ نَذِيراً﴾ ( الفرقان: ١). ٧٥ ( صَلَّى اللّهُ وَسَلَّم عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ ) أصل الصلاة في اللغة يرجع إلى معنيين : أحدهما الدعاء والتبريك ، والثاني العبادة . وقد اختلف الناس في معنى الصلاة منه سبحانه على أقوال : أحدها أنها رحمته ، والثاني أنها مغفرته ، وقد ضعّفهما الإِمام ابن القيّم(١) الدمشقي في كتابه ((جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير الأنام )) من خمسة عشر وجهاً، قال في الوجهِ الثالِثَ عَشَرَ: (( إن هذه اللفظة لا تعرف في اللغة الأصلية بمعنى الرحمة أصلا ، والمعروف عند العرب من معناها إنما هو الدعاء والتبريك والثناء)). قال: ((وإن ذكرت صلّى عليها وزمزما : أي بارك عليها ومدحها ، ولا تعرف العرب قط صلّى عليه بمعنى رحمه ، فالواجب حمل اللفظة على معناها المتعارف باللغة )). وتتمة هذا البحث النفيس في الكتاب المذكور ، وقد طالعته بتمامه وكتبته(٢) بحمد الله تعالى وانتفعت بفرائده، فجزى الله تعالى جامعه خير الجزاء. وفيه أن الآل اختُلِف فيهم على أربعة أقوال ، الصحيح منها أنهم الذين حُرّمت عليهم الصدقة، لأن النبي صلّى الله عليه وسلم قد رَفَعَ الشبهة بقوله : ((إنّ الصدقة لا تَحِلّ لآلِ محمد))(٣) وقوله: ((إنّما يأكُلُ آلُ (١) هو محمد بن أبي بكر الزرعي الدمشقي الشهير بابن القيّم أو ابن قيّم الجوزية ، (٦٩١ - ٧٥١) عالم سلفي مجاهد ، من تلاميذ ابن تيمية ، امتحن معه وسجن وضُرِب . (٢) رأيته بعد أن نسخته مطبوعاً في مطبعةٍ من مطابع الهند (ج) . (٣) روى مالك في الموطأ أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تحل الصَّدَقَةُ لِإِلِ مُحمدٍ إنّمَا هِيَ أوساخُ النَّاس .. )) (الموطأ برقم ١٨٤٠). وروى = ٧٦ محمد من هذا المال))(١) وقوله: ((اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتاً))(٢) وهذا لا يجوز أن يرادَ به عمومُ الأمة قطعا، فأوْلى ما حُمِل عليه الآلُ في الصلاة : الآلُ المذكورون في سائر ألفاظه ، ولا يجوز العُدُول عن ذلك . وأما تنصيصه على الأزواج والذرية في حديث أبي حميد (٣): ((اللهم صلّ على محمد وأزواجه وذريّته)) (٤) فلا يدلّ على = الامام أحمد في مسنده (٢ /٢٧٩) من حديث أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم وجد في فَمِ الحسن بن علي رضي الله عنهما تمرةً من تمر للصدقة كان يوزعه، فأخرجها من فيه وقال له: ((أما علمت أن الصدقة لا تحل لآل محمد )). (١) رواه الشيخان (ب: ١٤٦٠، م: ١٧٥٩) من حديث عائشة أنها أخبرته أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكرٍ الصدّيق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أفاء الله عليه بالمدينة وفَدَك وما بقي مِن خُمس خيبر فقال أبو بكر : إن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا نُورث، ما تركناه صَدَقة، إنما يأكل آل محمد صلى الله عليه وسلم في هذا المال)) .. الحديث بطوله ، ورواه الإمام أحمد (١ /٤ ) بنحو ذلك (٢) رواه الشيخان (ب: ٢٤٢٦، م برقم ١٠٥٥ في كتابي الزكاة والزهد ) من حديث أبي هريرة . وفي رواية ( كفافا)، والحديث في الترمذي ( برقم ٢٣٦٣) وابن ماجه في الزهد (باب القناعة ٢ /٢٧٨)، ورواه الإِمام أحمد في مسنده (٤٤٦/٢، ٤٨١)، وفي (٢ /٢٣٢) بلفظ (( ... رزق آل بيتي .. )) الحديث والقوت : ما يمسك الرمق من المطعم (٣ /٣١٧ من النهاية ) . (٣) أبو حميد الساعدي الصحابي . اختلف في اسمه والأشهر أنه عبد الرحمن بن سعد . روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم وله معه ذكر في الصحيحين . شهد أُحُداً وما بعدها . قال الواقدي : توفي في آخر خلافة معاوية أو أول خلافة يزيد ( الإصابة ٤ / ٤٦ الترجمة رقم : ٣٠٣ ) . (٤) رواه الامام أحمد من حديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قولوا: اللهمّ صلّ على محمدٍ وأزواجه وذريته كما صليت على آل ابراهيم . وبارِكْ على محمدٍ وأزواجه وذريته كما باركتَ على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)» (٤٢٤/٥) كما رواه صاحب منتخب كنز العمال من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (١ /٣٥٠) = ٧٧ اختصاص الآل بهم ، بل هو حجة على عدم الاختصاص بهم لما روى أبو داود(١) من حديث نعيم المجمر(٢) عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصلاة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (( اللهم صلّ على محمد النبيّ وأزواجه أمّهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم)) (٣) فجمع بين الأزواج والذرية والأهل ، وإنما نصَّ عليهم بتعيينهم لتبيين أَنَّهِم حَقِيقُونَ بالدخول في الآل ، وأنهم ليسوا بخارجين منه بل هم أحقّ مَنْ دخل فيه ، وهذا كنظائره من عطف الخاص على العام وعكسِهِ تنبيهاً على شرفه وتخصيصاً له بالذكر من بين النوع لأنه من أحق أفراد النوع بالدخول فيه . اهـ . ( وَأَصحابِهِ ) جمع صحب جمع صاحب ، والصحابيّ من لقي بلفظ : من سرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلّى علينا أهل البيت فَلْيَقُلْ : = اللهم صَلّ على محمدٍ النبيّ وأزواجه أُمَّهَاتِ المؤمِنِينَ وذريته وأهل بيته ... )) الحديث . كما رواه الإِمام أحمد في (٥ / ٣٧٤) عن رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باختلاف يسير في اللفظ . (١) هو الإِمام أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (٢٠٢ - ٢٧٥) (ترجمته المفصلة في ص : ١٧٦ ) . (٢) أبو عبد الله نعيم بن عبد الله المجمر ( بإسكان الجيم وكسر الميم ) ويقال : (المُجَمِّر ) لقب به والده لأنه كان يجمّر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يبخّره ، وأطلق على ابنه نعيم مجازا . وثّقه أبو حاتم وابن معين وابن سعد وغيرهم . روى عن أبي هريرة وجابر وغيرهما . (٣) رواه أبو داود في كتاب الصلاة (ج ١ / ٦٠١ الحديث ٩٨٢) وقبله: ((من سَرّه أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلّى علينا أهل البيت فليقل: اللهم ... )) الحديث وفي نهايته: ((إنك حميد مجيد)) . ٧٨ النبيّ صلى الله عليه وسلم واجتمع به مؤمناً ومات على ذلك . وفي الجمع بين الأصحاب والآل مخالفة للمبتَدِعَةِ لأنهم يُوَالُونَ الآَلَ دونَ الأصحاب ، وإنّما قَدّم الآل للأمر بالصلاة عليهم . (وَالتَّابِعِيْنَ ) لهم ( بِإِحْسَان ) أي فلم يغيّروا بعدَهم ولم يُبَدّلوا سيرتَهُم الحسنى ، فالمتّبعُ لهم العامِلُ بمنهاجھم والمقتدي پھدیھم هو الذي لم يُحدِثْ في الدین، ولم يغيّر ما جاءت به سُنَّ سيّد المرسلين ، فمن لم يَتَبع ، بل غَيّر وبَدّل فهو مبتدع، وقد أثنى الله على الذين يطلبون المغفرة من ربهم لأنفسهم ولمن سبقهم من المؤمنين فقال تعالى: ﴿والَّذِينَ جَاؤُ وا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإِيمانِ ولا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّ لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٍ﴾ (سورة الحشر: ١٠) فهذا هو المطلوب بعكس ما عليه أهل الأهواء ، وقد قال الإِمام مالك رحمه الله: ((مَنْ أصبَحَ وفي قلبه بُغضٌ لأحَدٍ مِنَ الصحابَةِ فقد أصابته الآية)) يعني قوله تعالى: ﴿لِيَغِيْظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾(١) (سورة الفتح: ٢٩). (وَ) على ( الأَئِمَّةِ المجْتَهِدِيْنَ ) جمع مجتهد وهو الفقيهُ (١) من قوله تعالى: ((مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ، تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً بَيْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللهِ وَرِضْوَانا، سِيْمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرَ السُّجُود ، ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ، وَمَثَلُهُم في الإِنجيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَازَرَه فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيْظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ .. )) الآية . قال الراغب في مفرداته (٢ / ٢٢٢) : وشطء الزرع: فروخ الزرع وهو ما خرج منه وتفرع في شاطئيه أي في جانبيه، وجمعه: أشطاء. وفي (١ /٣٩): الأزْر: القوة، وآزره : أعانه وقَوّاه ... وتأزّر النبات : طال وقوي . ٧٩ المستفرغُ لِوُسْعِهِ لتحصيل ظن بحكم شرعي ، والمراد باستفراغ الوُسْع هو بذلُ تمامِ الطاقة بحيث يحسّ من نفسه العجز عن المزيد عليه . ولا بد أن يكون عالماً بما اشتملت عليه مجاميعُ السنّة التي صنّفها أهل الفن كالأمهات الست وما يلحق بها ، مُشرِفاً على ما اشتملت عليهِ المسانيدُ والمستخْرَجاتُ(١) والكتبُ التي التزم مصنفوها الصحة ، ولا يُشْترط أن تكون محفوظةً له مستحضرةً في ذهنه ، بل یکون ممن یتمکن من استخراجها من مواضعها بالبحث عنها عند الحاجة إلى ذلك بتمييز الصحيح منها والحسن والضعيف . ومن أعظم الكتب التي لم يَشُذَّ عنها شيء إلا النادر كتاب ((الجامع الكبير)) (٢) و((كنز العمّال ومنتخبه))(٣) وقد عَلَّقت على المنتخب المذكور حاشية وجيزة سميتها : (( شمس الجمال على منتخب كنز العمال )» فلله الحمد على ذلك . الدعوة الى الاجتهاد ولا يجوز خلوّ الزمان عن مجتهد ، ومن سَبَرَ تراجم الأخيار من الأقطار في كل عصر من الأعصار يَرَ في كل قرنٍ عدةً من المجتهدين ، (١) انظر في تعريف المستخرج (ص: ٤٠٧) من هذا الكتاب، وكذلك ((تقريب النواوي )) وشرحه تدريب الراوي (١١٢/١ - ١١٦). (٢) الجامع الكبير أو جمع الجوامع للجلال السيوطي الذي اختصره في الجامع الصغير . ولعبد الرزاق الصنعاني الجامع الكبير الذي وصف بأنه خزانة علم . (٣) ((كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال)) لعلي بن حسام الدين الشهير بالمتّقي الهندي ، وقد حذف منه المكرر في كتابه (( منتخب كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال )) وفيه اثنان وثلاثون ألف حديث دون تكرار . ٨٠