النص المفهرس

صفحات 41-60

باب
صفة الغريب
الذي لو أقسم على الله لأبر قسمه
٢٧ - أخبرنا محمد قال ثنا أبو العباس عبد الله بن الصقر السكري
قال حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب قال ثنا اسحاق بن ابراهيم
ابن سعيد قال ثنا صفوان بن سليم عن عبد الله بن دينار عن أبي
صالح السمان عن أبي هريرة أن النبي عَّ له قال: «طوبى لعبد
مغبرة قدماه في سبيل الله عزوجل، شاعث رأسه، إن كانت الساقة
كان فيهم، وإن كان الحرس كان منهم، وإن شَفَعَ لم يُشَفَّع وإن
استأذن لم يؤذن له، طوبى له، ثم طوبى»(٤٣).
(٤٣) - أخرجه البخاري في صحيحه (٤١/٤ - ٤٢) تعليقا عن شيخه عمرو بن
مرزوق عن عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه به، والبغوي في شرح السنة (٢٦٢/١٤)
من طريقه بلفظ مقارب مع زيادة أخرى ووصله الطبراني في الأوسط كما في مجمع البحرين
(٤٩٥/٤) عن أبي مسلم عن عمرو به. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد
(٢٦٤/١٠ - ٢٦٥) مطولا ولفظه: « تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وتعس
عبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن منع سخط، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش،
طوبى لعبد ... الحديث » وقال: « رواه البخاري خلا من قوله طوبى لعبد إلى آخره فرواه
تعليقا، ورواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح » اهـ
قلت : وإسناده صحيح .
=
٤١

٢٨ - أخبرنا محمد قال أخبرنا أبو سعيد الحسن بن علي الجصاص
قال ثنا محمد بن عزيز الأيلي قال حدثني سلامة بن روح عن
عقيل بن خالد عن ابن شهاب قال حدثني أنس بن مالك قال :
قال رسول الله عَ لٍ: « رب أغير ذو طمرين (٤٤) لايؤبه له، لو أقسم
على الله عزوجل لأبره »(٤٥).
= قال ابن حجر في الفتح (٨٢/٦): «وقد وصله أبو نعيم - يعني في المستخرج - من
طريق أبي مسلم الكجي وغيره عن عمرو بن مرزوق » اهـ. وقال أيضا في شرحه لهذا
الحديث: « قوله: إذا كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في
الساقة، هذا من المواضع التي اتحد فيها الشرط والجزاء لفظا ولكن المعنى مختلف، والتقدير إن
كان المهم في الحراسة كان فيها، وقيل معنى فهو في الحراسة أي في ثواب الحراسة ، وقيل هو
للتعظيم أي إن كان في الحراسة فهو في أمر عظيم، وقال ابن الجوزي: المعنى أنه خامل الذكر
لايقصد السمو، فإن اتفق له السير سار، فكأنه قال: إن كان في الحراسة استمر فيها، وإن
كان في الساقة استمر فيها. قوله إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع: فيه ترك حب
الرياسة والشهرة وفضل الخمول والتواضع » اهـ
(٤٤) - الطمر : الثوب الخلق يعني البالي .
النهاية لابن الأثير (١٣٨/٣).
(٤٥) - أخرجه البزار عن أنس ولفظه: « رب ضعيف متضعف لو أقسم على الله
لأبره ».
ذكره الهيثمي في المجمع (٢٦٤/١٠) ثم قال: « سلامة بن روح وثقه ابن حبان وضعفه غير
واحد » اهـ.
ورواه أبو نعيم في الحلية (٧/١) والحاكم (٢٩١/٣ - ٢٩٢) وصححه من طريق محمد بن =
٤٢

٢٩ - أخبرنا محمد قال ثنا أبو بكر بن أبي داود قال ثنا
محمود (٤٦) بن خالد قال حدثنا سويد بن عبد العزيز قال ثنا زيد بن
= عزيز عن سلامة بلفظ مقارب، وزاد في آخره: « منهم البراء بن مالك » قلت : سلامة بن
روح قال فيه ابن حجر: «صدوق له أوهام»، ومحمد بن عزيز قال عنه: « فيه ضعف »
كذا في التقريب، ولا أدري أهو في إسناد البزار أيضا أم لا ، فنظرة إلى ميسرة، وأخرج مسلم
في صحيحه (٢٠٢٤/٤، ٢١٩١) والبغوي في شرح السنة (٢٦٩/١٤) من حديث أبي
هريرة مرفوعا: « رب أشعث أغبر مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره » وأخرجه البزار
من نفس الطريق كما في التعليق على تحفة الأشراف (١٠٧/١). وأخرجه الترمذي (٣٨٥٤)
من حديث أنس وحسنه، ولفظه: « كم من أشعث ذي طمرين أغبر لايؤبه له، لو أقسم
على الله لأبره منهم البراء بن مالك » وإسناده صحيح.
وأخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٥٠/١) من حديث أنس بلفظ مقارب للرواية
الأخيرة . وعن أبي هريرة مرفوعا: « رنب أشعث أغبر ذي طمرين تنبو عنه أعين الناس، لو
أقسم على الله لأبره». أخرجه الحاكم (٣٢٨/٤) وصححه ووافقه الذهبي وأبو نعيم في الحلية
(٧/١) وإسناده ضعيف، فيه كثير بن زيد الأسلمي، وهو صدوق يخطىء وقد اضطرب في
إسناده، ووقع في فيض القدير للمناوي (١٥/٤) « محمد بن زيد الأسلمي» وهو خطأ، أو
أن يقال: أبو محمد کثیر بن زيد الأسلمي .
قلت: واللفظ الأخير للحديث فيه ضعف، فيستغنى عنه بالأحاديث المتقدمة، ومن أراد
استيفاء الأحاديث في هذا الشأن فليراجع مجمع الزوائد (٢٦٤/١٠ - ٢٦٥).
(٤٦) - في الأصل «محمد » وفي الهامش «محمود » وهو الصواب الذي تبين لنا من
مراجعة كتب الرجال: مثل التقريب (٢٣٢/٢).
٤٣

واقد عن بسر بن عبيد الله عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل
عن النبي عَ لٍ قال: « ألا أخبركم عن ملوك أهل الجنة؟ » قالوا: بلى
يارسول الله. قال: « كل ضعيف أغبر ذي طمرين لايؤبه له، لو أقسم
على الله عز وجل لأبره »(٤٧).
(٤٧) - أخرجه معناه ابن ماجه (٤١١٥) من طريق سويد بن عبد العزيز به. قلت:
وسويد قال عنه ابن حجر في التقريب: « لين الحديث »، ولكن يغني عنه ما أخرجه كل
من أحمد (٣٠٦/٤) والبخاري (١٩٨/٦، ٨/ ٢٤، ١٦٧) ومسلم (٢١٩٠/٤)
والترمذي (٢٦٠٥) وصححه والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف (١١/٣) وابن
ماجه (٤١١٦) والبيهقي (١٩٤/١٠) والبغوي في تفسيره (١١١/٧) والطبراني في الكبير
(٢٦٥/٣ - ٢٦٦) من حديث حارثة بن وهب أنه سمع النبي عَّ الله قال: «ألا أخبركم
بأهل الجنة؟ » قالوا: بلى. قال: «كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره ». ثم قال:
« ألا أخبركم بأهل النار؟ » قالوا: بلى. قال: « كل عتل جواظ متكبر» واللفظ لمسلم.
وأخرجه أحمد (١٤٥/٣) بلفظ مقارب من حديث أنس، وذكره الهيثمي في المجمع
(٢٦٤/١٠) وقال: « فيه ابن لهيعة وحديثه يعتضد». اهـ
قلت : ابن لهيعة صدوق اختلط كما في التقريب. وأخرجه أحمد أيضا في الزهد (ص١٣) وابن
أبي الدنيا في كتاب الأولياء (١٢) عن أنس مرفوعا بلفظ مقارب، وفيه انقطاع بين الأعمش
وأنس .
وأخرجه أحمد أيضا في الزهد (ص٣٩٦) عن المبارك بن فضالة عن الحسن مرفوعا به،
وإسناده ضعيف لارساله ولعنعنة المبارك فهو مدلس.
وفي الباب عن صحابة آخرين يراجع مجمع الزوائد (٢٦٥/١٠).
٤٤

٣٠ - أخبرنا محمد قال أخبرنا أبو القاسم عبد الله بن محمد
العطشي قال ثنا أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الحكم النسائي
قال حدثني محمد بن الحسين البرجلاني قال حدثني الحسين بن
أحمد الشامى قال سمعت ذا النون المصري - رحمه الله - يقول:
ركبنا البحر نريد مكة ومعنا في المركب رجل عليه أطمار رثة،
فوقع في المركب تهمة، فدارت حتى صارت إليه، فقلت له: إن
القوم قد اتهموك. فقال: إياي تعني ؟ فقلت: نعم. قال: فنظر إلى
السماء وقال: أقسمت عليك. ثم قال: أقسمت عليك إلا ما
أخرجت ما فيه (٤٨) من حوت بجوهرة. قال: فلقد خيل إلي أن مافي
البحر حوت إلا وقد خرجت في فيها لؤلؤة أو جوهرة ثم رمى بنفسه
في البحر فذهب . (٤٩)
٣١ - أخبرنا محمد قال: أنشدني أبو بكر عبد الله بن حميد
المؤدب في ذلك :
رب ذي طمرين نضو
يأمن العالم شره (٥٠)
(٤٨) - يعني ما في البحر .
(٤٩) - قلت: وردت هذه القصة في كتاب التوابين لابن قدامة المقدسي
(ص٢٢٤ - ٢٢٥) باختلاف في السياق. فقد ذكر هنالك أن الشاب المذكور وثب إلى
البحر قبل سؤاله لله، وأنه جلس على أمواج البحر . وأقول : وفي القصة نكارة، والله أعلم .
(٥٠) - النضو: المهزول .
٤٥

لايرى إلا غنيا وهو لا يملك ذرة
ثم لو أقسم في شيء على الله أبره
١
٣٢ - أخبرنا محمد قال: وأنشدنا أبو بكر محمد بن أحمد بن
هارون العسكري قال : أنشدنا ابراهيم بن الجنيد لبعض المتعبدين:
ألا رب ذي طمرين أشعث أغبرا
يدافع بالأبواب إذ ظل معسرا
مطيع يخاف الله في كل أمره
يكاد من الأحزان أن يتفطرا
ولو يقسمن ألفا عليه أبره
وكان حقيقا أن يجاب ويجبرا
٣٣ - أخبرنا محمد قال حدثني أبو محمد بن صاعد قال ثنا
الحسين بن الحسن قال أخبرنا الفضل بن موسى قال حدثنا حزم بن
مهران القطعي قال سمعت معاوية بن قرة يقول بلغني أن كعبا كان
يقول : طوبى لهم، طوبى لهم. فقيل: ومن هم ياأبا اسحاق ؟ قال:
طوبى لهم، إن شهدوا لم يدخلوا، وإن خطبوا لم ينكحوا، وإن ماتوا لم
يفتقدوا .
٣٤ - قال أبو بكر محمد بن الحسين حدثني بعض أصحابنا عن
٤٦

أبي الفضل الشكلي قال: رأيت شابا في الطريق وعليه خلق، وكأني
لم أحفل به، فالتفت إلي ثم قال :
لاتناً (*) عني بأن ترى خلقي فإنما الدر داخل الصدف
علمي جديد وملبسي خلق ومنتهى اللبس منتهى الصلف (٥١)
قال فجعلت ألوذ به، وأنست به .
٣٥ - أخبرنا محمد قال ثنا الفريابي قال أخبرنا إسماعيل بن عبيد
ابن أبي كريمة الحراني قال ثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي عبد
الرحيم عن أبي عبد الملك عن القاسم عن أبي أمامة عن نبي الله
حَ الٍ قال: «إن أغبط الناس عندي لمؤمن خفيف الحاذ(٥٢)، ذو
حظ من صلاة، أحسن عبادة ربه عزوجل وكان رزقه
كفافا(٥٣) لايشار إليه بالأصابع، وصبر على ذلك حتى يلقى الله
عزوجل، ثم حلت منيته وقل تراثه (٥٤)، وقلت بواكيه(٥٥)».
(*) - في الأصل لاتأن .
النهاية لابن
(٥١) - الصلف: الغلو في الظرف، والزيادة على المقدار مع التكبر.
الأثير (٤٧/٣).
(٥٢) - الحاذ والحال واحد، وأصل الحاذ طريقة المتن وهو ما يقع عليه اللبد من ظهر
النهاية (٤٥٧/١).
الفرس ، أي خفيف الظهر من العيال .
(٥٣) - الكفاف: هو الذي لايفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه. النهاية
(١٩١/٤).
(٥٤) - التراث : ما يخلفه الرجل لورثته.
النهاية (١٨٦/١).
(٥٥) - أخرجه الطيالسي (٢٠٨٢ - منحة المعبود) وأحمد في مسنده =
٤٧

٣٦ - أخبرنا محمد بن الحسين قال أنشدني أبو بكر عبد الله بن
حميد المؤدب في ذلك :
خفيف الحاذ مسكنه القفار
أخص الناس بالايمان عبد
ومن صوم إذا جاء النهار
له في الليل حظ من صلاة
= (٢٥٢/٥، ٢٥٥) وفي الزهد (ص١١ ) ابن المبارك في الزهد ( ١٩٦ - زيادات نعيم بن
حماد) والترمذي (٢٩٦/٣ - تحفة الأحوذي ) وابن أبي الدنيا في كتاب الخمول والتواضع
كما في تفسير ابن كثير (٣٤٤/٦) وأبو نعيم في الحلية (٢٥/١) والبيهقي في الزهد
(ق١/٢٣) والبغوي في شرح السنة (٢٤٦/١٤) والحاكم (١٢٣/٤) وصححه، وقال
الذهبي : « لابل إلى الضعف هو » ..
قلت : أخرجه جميعهم من طريق أبي عبد الملك به، وإسناده ضعيف كما ذكر الذهبي، لأن
أبا عبد الملك هو علي بن يزيد الألهاني ضعيف كما في التقريب .
ورواه أيضا كل من الحميدي (٩٠٩) ومن طريقه أخرجه الخطابي في العزلة (ص٣٦) من
طريق عبيد الله بن زحر عن أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن. (كذا في الكتابين
المذكورين بإسقاط علي بن يزيد الألهاني، والصواب إثباته كما في المصادر السابقة).
وأخرجه ابن ماجه (٤١١٧) بلفظ مقارب من طريق صدقة بن عبد الله عن ابراهيم بن
مرة عن أيوب بن سليمان عن أبي أمامة. قال السندي في شرحه (٢: ٥٢٨ - ٥٢٩):
« وفي الزوائد : إسناده ضعيف لضعف أيوب بن سليمان، قال أبو حاتم: مجهول. وتبعه
على ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها، وصدقة بن عبد الله متفى على تضعيفه » اهـ
قلت: وهذان الطريقان لايقوي أحدهما الآخر نظرا لشدة الضعف الموجود في الطريق الثاني،
والله أعلم .
٤٨

۔۔
وقوت النفس يأتي في كفاف وكان له على ذاك اصطبار
إليه بالأصابع لايشار
وفيه عفة وبه خمول
وقل الباكيات عليه لما قضى نحبا وليس له يسار
فذلك قد نجا من كل شر ولم تمسسه يوم البعث نار
٣٧ - أخبرنا محمد قال ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال
ثنا أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال حدثني علي بن حكيم
قال أخبرنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي عن محمد بن مسلم
الطائفي عن عثمان بن عبد الله بن أوس عن سليمان بن هرمز عن
عبد الله بن عمرو قال: أحب شيء إلى الله - عزوجل - الغرباء.
قيل وما الغرباء ؟ قال: الفرارون بدينهم يجتمعون إلى عيسى بن مريم
عليه السلام يوم القيامة (٥٦).
(٥٦) - أخرجه أحمد في الزهد (ص٧٧) من طريق الهيثم بن جميل عن محمد بن مسلم
به .
قلت : إسناده ضعيف، محمد بن مسلم قال عنه ابن حجر: صدوق يخطى وعثمان بن
عبد الله قال عنه: مقبول، يعني حيث يتابع، وإلا فلين .
وأخرجه مرفوعا كل من أحمد في الزهد (ص١٤٩) وعنه أبو نعيم في الحلية (١ : ٢٥)
والبيهقي في الزهد (ق ١/٢٤) من طريق سفيان بن وكيع عن عبد الله بن رجاء عن ابن
جريج عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عمرو مرفوعا به .
قلت: وهذا إسناد ضعيف، سفيان بن وكيع هو ابن الجراح قال فيه ابن حجر: « كان =
٤٩

٣٨ - أخبرنا محمد قال أخبرنا الفريابي قال أخبرنا عبد الرحمن بن
ابراهيم الدمشقي قال أخبرنا ابن أبي فديك قال حدثني يحيى بن
عبد الله بن أبي قتادة عن نافع بن مالك قال: دخل عمر بن
الخطاب المسجد فوجد معاذ بن جبل جالسا إلى بيت النبي عَّةٍ،
وهو يبكي فقال له عمر: ما يبكيك يا أبا عبد الرحمن ؟ هلك أخوك
- لرجل من أصحابه - ؟ قال: لا، ولكن حديثاً حدثنيه حبي
عَظ له وأنا في هذا المسجد. فقال: ماهو ياأبا عبد الرحمن ؟ قال:
أخبرني أن الله عزوجل يحب الأخفياء الأتقياء الأبرياء، الذين إذا غابوا
لم يفتقدوا، وإن حضروا لم يعرفوا، قلوبهم مصابيح الهدى، يخرجون
من كل فتنة عمياء مظلمة »(٥٧).
= صدوقا، إلا أنه ابتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط
حديثه » اهـ
وابن جريج مدلس وقد عنعن .
(٥٧) - في إسناده يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، ذكره كل من البخاري في تاريخه (٨ :
٢٨٥) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٩: ١٦٠ - ١٦١) ولم يوردا له جرحا ولا
تعديلا .
وأخرجه بلفظ مقارب كل من ابن ماجه (٣٩٨٩) وابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء (٦)،
وكذلك أخرجه باختلاف يسير في الألفاظ الحاكم (١: ٤، ٤: ٣٢٨) وقال في الموضع
الأول: «صحيح، ولا يحفظ له علة» وصححه في الموضع الثاني ووافقه الذهبي في
الموضعين .
٥٠

= قلت: في إسناده عيسى بن عبد الرحمن بن أبي فروة، وهو متروك كما في التقريب، وقد سقط
من إسناد الحاكم في الموضع الأول، والصواب إثباته كما تبين من مراجعة الاسناد، وأما قول
السندي في تعليقه على ابن ماجه (٢: ٤٧٩): «وفي الزوائد: في إسناده عبد الله بن لهيعة
وهو ضعيف » فمتعقب بما قيل في عيسى بن عبد الرحمن لأنه أشد ضعفا من ابن لهيعة،
خاصة أن الراوي في هذا الاسناد عن ابن لهيعة هو عبد الله بن وهب، وابن لهيعة صحيح
الحدیث إذا روی عنه ابن وهب إذا صح باقي السند .
وأخرجه الحاكم من طريق آخر (٣: ٢٧٠) وصححه، ورده الذهبي بقوله: « أبو قحذم
- يعني النضر بن معبد الذي في إسناده - قال أبو حاتم: لايكتب حديثه، وقال
النسائي : ليس بثقة » اهـ
قلت: هكذا في التعليق على المستدرك، وأما في الميزان له (٤ : ٢٦٣) وفي الجرح والتعديل
لابن أبي حاتم (٤٧٤/١/٤) قال أبو حاتم: « لين الحديث، يكتب حديثه. » والله أعلم.
ورواه أيضا الطبراني في الصغير (٢: ٤٥ - ٤٦) وفيه من لم أهتد إلى ترجمته، ثم أطلعني
أحد الاخوة - جزاه الله خيرا - على طريق أخرى لهذا الحديث في الأسماء والصفات
للبيهقي (ص٤٩٩ - ٤٥٠) وإسنادها صحيح والله أعلم.
.
٥١

١٠٠
باب ذكر من كان يحب الغربة
ويخفي نفسه وينتقل من موضع إلى موضع
٣٩ - أخبرنا محمد قال أخبرنا أبو الفضل العباس بن يوسف
الشكلي قال ثنا محمد بن اسحاق السلمي قال ثنا محمد بن صالح
التيمي قال: قال أبو عبد الله مؤذن مسجد بني حرام: جاورني
شاب، فكنت إذا أذنت للصلاة وأقمت فكأنه في نقرة قفاي(٥٨)،
فإذا صليت صلى ثم لبس نعليه ثم دخل منزله، فكنت أتمنى أن
يكلمني أو يسألني حاجة، فقال لي ذات يوم: ياأبا عبد الله! عندك
مصحف تعيرني أقرأ فيه ؟ فأخرجت إليه مصحفا فدفعته إليه فضمه
إلى صدره، ثم قال : ليكونن اليوم لي ولك شأن، ففقدته ذلك اليوم،
فلم أره يخرج، فأقمت للمغرب فلم يخرج، فأقمت لعشاء الآخرة
فلم يخرج، فساء ظني، فلما صليت عشاء الآخرة جئت إلى الدار
التي هو فيها، فإذا فيها دلو ومطهرة، وإذا على بابه ستر، فدفعت
الباب وإذا به ميتا والمصحف في حجره، فأخذت المصحف من
حجره واستعنت بقوم على حمله حتى وضعناه على سريره، وبقيت
ليلتي أفكر من أكلم حتى يكفنه، فأذنت للفجر بوقت ودخلت
المسجد لأركع فإذا بضوء في القبلة، فدنوت منه، فإذا بكفن ملفوف
في القبلة فأخذته وحمدت الله تعالى، وأدخلته البيت، وخرجت
(٥٨) - كذا رسمها.
٥٣

فأقمت للصلاة، فلما سلمت وإذا عن يميني ثابت البناني ومالك بن
دينار وحبيب الفارسي وصالح المري فقلت لهم: يا إخواني ! ماغدا
بكم ؟ قالوا لي : مات في جوارك الليلة أحد ؟ قلت : مات شاب
كان يصلي معي الصلوات. قالوا لي: أرناه. فلما دخلوا عليه كشف
مالك بن دينار الثوب عن وجهه ثم قبل موضع سجوده ثم قال: بأبي
أنت ياحجاج، إذا عرفت في موضع تحولت منه إلى موضع غيره
حتى لاتعرف خذوا في غسله. وإذا مع كل واحد منهم كفن، فقال
كل واحد منهم: أنا أُكفنه. فلما طال ذلك منهم قلت لهم: إني
فكرت في أمره هذه الليلة فقلت من أكلم حتى يكفنه فأتيت
المسجد فأذنت ثم دخلت لأركع فإذا كفن ملفوف لاأدري من
وضعه. فقالوا يكفن في ذلك الكفن. فكفناه، وأخرجناه فما كدنا
نرفع جنازته من كثرة من حضره من الجمع.
٤٠ - أخبرنا محمد بن الحسين قال أنشدنا أبو الفضل العباس بن
يوسف الشكلي قال أنشدني بعض أصحابنا :
ألا رب ذي طمرين في مجلس غدا
زرابيه مبثوثة ونمارقه(٥٩)
(٥٩) - الزرابي: هي البسط ، المبثوثة: أي الموضوعة ههنا وههنا لمن أراد الجلوس عليها،
راجع تفسير ابن كثير (٤ : ٥٠٣).
والتمارق هي الوسائد .
٥٤

قد اطردت أنهاره في رياضه
مع الحور والتفت عليه حداثقه
محل دیار إن حللت ديارها
نعمت بدار الخلد مع من ترافقه
رفيق وجار للنبي محمد
لقد اعطى الزلفى رفيق يرافقه
فيا حسن عبد جاور الله ربه
بدار الغنى والغانيات تعانقه
ویاحسنه والحور يمشين حوله
على فرش الديباج سبحان خالقه
٤١ - قال أخبرنا محمد بن الحسين قال وثنا أبو الفضل الشكلي
أيضا قال ثنا الحسين بن أحمد الأزدي قال: عدم المصيصة فتى من
المتعبدين فنزل في مسجد أسد الخشاب وكان يسمع من الناس
الحديث، وكان عليه أطمار، وكان ناحل الجسم ذابلا فأشرف أسد
على بعض اجتهاده فقربه وأدناه وخصه بالحديث، فلما رأى ذلك
من فعله هرب منه فافتقده، فحزن عليه حزنا شديدا فأنشأ يقول :
یامن رأى لي غريبا ثيابه أطمار
الجسم منه نحيل والوجه فيه اصفرار
عليه آثار حزن بوجهه واغتيار
يقوم في جوف ليل يناجي الجبار
٠٠
(ب) - في الأصل: ذابل .
٥٥

يقول يأسوك قلبي ياماجد غفار
فالدمع يجري بحزن فدمعه مدرار
يبغي جنان نعيم ياحسن دار القرار
فيها جوار حسان ياحسن تلك الجوار
عرائس في خيام من اللآلىء الكبار
كواعب ، غنجات، نواهد، أبكار (٦٠)
لباسهن حرير يحير الابصار
وفي الذراع سوار ياحسنه من سوار
شرابهن رحيق يفجر الأنهار
وسلسبيل وخمر .. تبارك الجبار
يامن رأى لي غريبا ثيابه أطمار
٤٢ - أخبرنا محمد قال ثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال
ثنا أبو بكر أحمد بن عتاب قال سمعت أبا بكر يقول :
يامن يريد بزعمه الإخمالا
إن كان حقا فاستعمل خصالا
ترك التذاكر والمجالس كلها
واجعل خروجك للصلاة خيالا
(٦٠) - الغنج بالضم: ملاحة العين . لسان العرب (٢ :٣٣٧)
٥٦

بل كن بها حي كأنك ميت
لايرتجي منه الغريب وصالا
وائنس بربك واعلمن بأنه
,!
يعطي ويثني بالعطاء تفضلا
عون لما تريد يسدد الإخلالا
بعد الثواب ويبسط الآمالا
من ذا يريد مع الود مؤنسا
من ذا يريد لغيره أشغالا
من ذا يلذ بغير ذكر مليكه
من ذا يريد لغيره إعمالا
لاتقنعن من الحياة بغيره
وابذل قواك وقطع الأوصالا
فلئن بلغت لأنت أكرم من بها
ولئن هلكت فما طلبت حلالا(٦١)
من ضاق كأس الخوف ضاق بدرعه
حتى ينال مراده إن نالا
حاشا مؤمل سيدي من خيبة
جلَّ الجوادُ بفعله وتعالا
(٦١) - كذا في هامش المخطوطة، وفي الاصل: «ظلمت خلالا ».
٥٧

٤٣ - أخبرنا محمد بن الحسين قال حدثنا أبو الفضل الشكلي قال
حدثني سعيد بن عثمان الخياط قال سمعت ذا النون المصري يقول:
بينا أنا في سيري إذ لقيتني امرأة من المتعبدات كأنها والهة (٦٢)،
فقالت لي: من أين أنت ؟ فقلت: أنا رجل غريب. فقالت لي :
ياغريب! وهل توجد مع الله عزوجل أحزان الغربة وهو مؤنس الغرباء
ومعين الضعفاء؟ قال: فبكيت. فقالت: اعلم أن البكاء راحة
للقلب وملجأ يلجأ إليه، وما كتم القلب شيئا هو أولى من الشهيق
والزفير. قلت : علميني شيئا. فقالت : حب ربك واشتاق إليه، فإن
له يوما يتجلى لأهل مجبته فينيلهم ما أملوا من رؤيته. ثم أخذت
بالشهيق والزفير فتركتها على حالها ومضيت(٦٣).
٤٤ - أخبرنا محمد قال حدثني أبو القاسم عبد الله بن محمد
العطشي المقرى قال ثنا إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد قال حدثني
محمد بن الحسين البرجلاني قال: حدثني محمد بن أبي عبد الله
كذا في المخطوطة وفي تهذيب تاريخ ابن عساكر (١٥٩:٦) أما في تاريخ بغداد
(٩: ٩٩): « الحناط»، فالله أعلم بالصواب .
القاموس المحيط
(٦٢) - امرأة والهة: شديدة الحزن والجزع على ولدها.
(٤ : ٢٩٦).
(٦٣) - أخرج أبو نعيم في الحلية (٩: ٣٤١) هذه القصة باختلاف في بعض المواضع
وأطول مما هنا .
٥٨

٠٠
الخزاعي قال: حدثني رجل من أهل الشام، قال: صحبني رجل
من النصارى، في بعض الطريق، فقلت : أين تريد ؟
قال : أريد راهبا هاهنا أقتبس من علمه .
فقلت : أجيىء معك .
قال : إن شئت .
قال : فأتينا على كهف جبل ناحية عن الطريق، قال فوقف النصراني
فنادى بأعلى صوته: يا معلم الخير! أتيتك لأقتبس من علمك خيرا،
فعلمني نفعك الله بعلمك .
قال: فهتف به هاتف من داخل الكهف : أيها السائل عن سبل
المنافع ! تيقظ حين يغفل الجاهلون عن أنفسهم .
قال: فجلس النصراني يبكي، وقال: ما أراه إلا مريضا، وإني
لأخاف أن يكون قد دنا أجله، وما أرى أنا نمطر إلا به (٦٤).
فقلت : فلو دخلنا عليه .
قال : إن شئت .
قال: فانحدرنا في الكهف حتى أتينا على موضع منه وعر ، فإذا شيخ
كبير قد سقط حاجباه على عينيه وإذا هو مكبوب على وجهه وإذا
هو يقول: لئن كنت أطلت جهدي في دار الدنيا وتطيل شقائي في
(٦٤) - أي أننا نمطر بسبب دعائه، وهذا مما أجيز في ديننا الحنيف، وهو التوسل بدعاء
الرجل الصالح، وقد أفاض الكلام في التوسل وأحكامه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه
القيم « قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة » فليراجع، فإنه مهم في هذا الشأن .
٥٩

-
الآخرة، لقد أهملتني وأسقطتني من عينك أيها الكريم.
قال: فسلمنا عليه، فرفع رأسه فإذا دموعه قد بلت الأرض منها .
فقال: ما أدخلكم علي؟ ألم تكن الأرض لكم واسعة وأهلها لكم
أناسا ؟.
فلما رأيت من عقله ما رأيت قلت: والله، إني لأرغب بعقلك عن
النار .
فبكى وقال: مالذي آيسني عندك من رحمة الله التي وسعت كل
شيء ؟
قال: فقلت: إن رحمة الله لن ينالها غير أهل الاسلام دينا .
قال: فبكى ثم قال : ما أعرف غير الاسلام دينا .
قال: فاشماز النصراني وقال: يا معلم الخير! ترغب عن النصرانية
ودين المسيح ؟
قال: فأقبل عليه وقال: ثكلتك أمك! أنا على دين المسيح، وهل
كان للمسيح دينا سوى الاسلام ؟ إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه
ارتضى لهم الاسلام دينا، فمن رغب عن الاسلام فلا حظ له في
الآخرة ولا نصيب .
قال: فثار النصراني موليا .
قال : فقلت : انتظر حتى أخرج معك .
قال: فقال الراهب : دعه، فمن كتب عليه الشقاء لم يسعد أبدا .
قال: فقلت : يرحمك الله، اعتزلت الناس واغتربت في هذا الموضع ؟
قال: فقال: وأنت أي أخي فحيث ما ظننت أنه أقرب لك إلى الله
٦٠