النص المفهرس
صفحات 21-40
فغضب إسحاق من قوله ورسالته . وكان عبد الله بن طاهر يجري له في الشّهر ألفي درهم ، فقطع إسحاق عنه الرزق ، وكتب إلى عبد الله بالخبر ، فکتب إلیه عبد الله : قد صدق أبو عبيد في قوله ، وقد أضعفت له الرزق ، من أجل فعله ، فأعطه فائته ، وأدر عليه بعد ذلك ما يستحقّه (١) . وكما لم يؤثر صنيع أبي عبيد هذا على الأمير عبد الله بن طاهر ، وإنما زاده إجلالاً ورفعةً عنده ، فكذلك بالنّسبة لابنه طاهر ، فإنه كان يتفقده ويحبه ويرعاه ، ويدلّك على هذا : القصة الثالثة : قال علي بن عبد العزيز : حضرتُ أبا عبيد ببغداد ، حتى جاءه رجل يخدمُ السّلطان ، فجثا بين يديه وقال : بعثني الأمير طاهر بن عبد الله بن طاهر ، وبلغه عنك علَّة ، وقد أتيتُكَ بمتطبّب ، فكشف أبو عبيد سراويله عن ساقيه ، وبه قرحٌ ، فقال له المتطّبِّبُ : هذه مِرَّةٌ بين الجلدين ، كم أتى عليك ؟ فقال أبو عبيد : وما في هذا ممّا يُسْتَفاد ؟ قال : لأحمل الدّواء على قَدْر القُوى . فقال - وعقد بيده - ثمانياً وستين(٢) . (١) معجم الأدباء: (٢٦٠/١٦) وإنباه الرواة: (١٧/٣) وسير أعلام النبلاء: (٤٩٦/١٠ - ٤٩٧) وعدم إتيان أبي عبيد طاهراً ليس أنفةً ولا كبراً، حاشاه ، وإنما كما قال: ((العلم يقصد))، وهذا ما فعله أبو عبيد نفسه مع علي بن المديني وعباس العنبري ، فإنهما عندما أرادا سماع ((غريب الحديث)) منه، كان صاحبنا يحمل كل يوم كتابه ، ويأتيهما في منزلهما، فيحدّثهما فيه، وعلق القفطي في ((إنباه الرواة)): (١٧/٣) عليه بقوله : ((إجلالاً لعلمهما، وهذه شيمة شريفة، رحم الله أبا عبيد)). وانظر: ((تهذيب الكمال)) : (ص ١١٠٩ - مخطوط مصوّر) . (٢) طبقات النحويين واللغويين: (ص ٢٠١) . ٢١ وكان عبد الله بن طاهر يقول : الناس أربعة : ابن عباس في زمانه ، والشّعبيّ في زمانه ، والقاسم بن معن في زمانه ، وأبو عبيد في زمانه(١) . وكان أبو عبيد - عليه الرّحمة - إذا ألّف كتاباً، أهداه إلى عبد الله بن طاهر، فيحمل إليه مالاً خطيراً، استحساناً لذلك(٢). ولما عمل أبو عبيد كتاب ((غريب الحديث ، عرضه على ابن طاهر ، فاستحسنه وقال : إن عقلًا بعث صاحبه على عمل مثل هذا الكتاب ، لحقيق أن لا يُحْوَجَ إلى طلب المعاش ، فأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر(٣) . وعقب الخطيب على الخبر ، بقوله : ((كذا قال لي الأزهري: عشرة آلاف درهم في كل شهر))(٤). وقال غيره : خمسمائة درهم في كل شهر . قال الحارث بن أبي أسامة : حمل ((غريب حديث)) أبي عبيد إلى عبد الله بن طاهر ، فلما نظر فيه ، قال : هذا رجل عاقل ، دقيق النظر . (١) نزهة الألباء : (١٤٠) وسير أعلام النبلاء: (١٠/ ٥٠١). (٢) تاريخ بغداد: (٤٠٤/١٢) وسير أعلام النبلاء : (١٠ /٤٩٣) ومعجم الأدباء : (٢٥٥/١٦) و((إنباه الرواة)): (١٣/٣) و((طبقات المفسرين)): (٣٥/٢) وتهذيب الكمال: (ص ١١١٠) مخطوط وطبقات الشافعية الكبرى : (٢٧١/١). (٣) البداية والنهاية: (٢٩١/١٠) ووفيات الأعيان: (٦١/٤) و((طبقات الحنابلة)): (٢٦١/١) ومعجم الأدباء: (٢٥٥/١٦) وسير أعلام النبلاء : (٤٩٥/١٠) وتهذيب الكمال : (ص ١١٠٩) مخطوط . (٤) تاريخ بغداد: (١٢ /٤٠٦) وسير أعلام النبلاء: (٤٩٥/١٠). ٢٢ فكتب إلى إسحاق بن إبراهيم بأن يجري عليه في كلّ شهر خمسمائة درهم ، فلما مات عبد الله ، أجرى عليه إسحاق بن إبراهيم من ماله ، فلما مات أبو عبيد بمكة أجرى إسحاق بن إبراهيم على ولده ، حتى مات(١) . قلت . مات أبو عبيد قبل عبد الله بن طاهر بستّ سنين(٢)، فَذِكْرُ وفاة عبد الله بن طاهر في هذا الخبر وهم، كذا قال الخطيب وتبعه الذّهبي(٣) وغيره . ويستفاد من الخبر السابق : أن أبا عبيد تزوّج ، وله ذريّة ، وإن لم تزوّدنا كتب التراجم بتفصيلٍ كافٍ حول هذا الأمر . سبق أن قلنا: إن أبا عبيد - رحمه الله تعالى - في سنة (٢١٠ هـ) وما بعدها كان في بغداد ، ولكنه لم يترك الرّحلة في طلب العلم ، فإنه في هذه الفترة لم يكن مشغولاً بمنصب ولا بغيره ، وإنما كان في ناحية عبد الله بن طاهر، يؤلّف ويكتب ، وسنح له هذا الأمر(٤) أن ينهل من العلماء في شتى الأقطار والبلدان . فقدم صاحبنا - رحمه الله - مِصر مع يحيى بن معين سنة ثلاث عشرة (١) تاريخ بغداد: (١٢ /٤٠٦ - ٤٠٧) وسير أعلام النبلاء : (١٠ /٤٩٥ - ٤٩٦). (٢) توفي عبد الله بن طاهر سنة (٢٣٠) هـ، بينما توفي أبو عبيد سنة (٢٢٤) هـ ، أي قبله بست سنوات ، وهذا يؤكد ما قلنا ، والله أعلم . (٣) انظر: ((تاريخ بغداد)): (٤٠٧/١٢) و((سير أعلام النبلاء)»: (٤٩٦/١٠) و(تهذيب الكمال)): (ص ١١٠٩) . (٤) أعني : تأليفه وتفرّغه معاً، واستفدتُ ذلك من كلام المزّي في ((تهذيب الكمال)): (ص ١١٠٩) فقال بعد أن ذكر ولايته القضاء بطرسوس: ((فاشتغل عن كتابة الحديث - أي بسبب القضاء - فلما صنّف احتاج أن يكتب عن يحيى بن صالح وهشام بن عمار)) ونحوه في ((السير)): (٥٠١/١٠) و((إنباه الرواة)): (١٥/٣). ٢٣ ومئتين ، وكتب بها(١) . وأشار في ((غريب الحديث)): (٢٢٦/١) و(١٦٨/٤) إلى رحلته هذه إلى مصر . وذهب إلى دمشق ، وتلقّى الحديث على جمهرةٍ من شيوخها(٢) . وأقام بمروٍ فترة من الزّمن ، ولعلّها كانت قبل اتّصاله بابن طاهر ، إذ مفاد الخبر أنه لم يكن مشهوراً ولا معروفاً آنذاك . نقل الخطيب في ((تاريخه)) وغيره : أنّ طاهر بن الحسين ، حين سار إلى خُراسان ، نزل بمرو، فطلب رجلاً يحدّثه ليلة ، فقيل: ما ها هنا إلا رجلٌ مُؤدّب ، فأدخلوا عليه أبا عبيد ، فوجده أعلمَ الناس بأيّام النّاس والنّحو واللغة والفقه . فقال له : مِنَ المظالم تركُكَ أنت بهذه البلدة ، فأعطاهُ ألف دينار ، وقال له : أنا مُتوجّه إلى حرب ، وليس أُحِبُّ استصحابك شفقاً عليك ، فأنفِقْ هذه إلى أن أعودَ إليك، فألّف أبو عبيد ((غريب المصنّف)) وعاد طاهرُ بن الحسين من ثغر خُراسان ، فحمل معه أبا عبيد إلى سُرّ مَنْ رأى(٣). و((خرج أبو عبيد إلى مكة سنة تسع عشرة ومائتين))(٤) ولم يزل بها حتى (١) تهذيب الكمال: (ص ١١٠٩) و((سير أعلام النبلاء)): (٤٩٢/١٠) نقلاً عن ((تاريخ ابن يونس)). (٢) طبقات المفسرين (٣٤/٢) ولهذا ترجم له ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)). (٣) تاريخ بغداد: (١٢ /٤٠٥ - ٤٠٦) وإنباه الرواة: (١٥/٣). (٤) تهذيب الأسماء واللغات: (٢٥٨/٢) ونزهة الألباء: (ص ١٤١) وطبقات المفسرين: (٣٧/٢) وذكر ياقوت في ((معجم الأدباء)): (٢٥٤/١٦) وتبعه بروكلمان في = ٢٤ توفّي ، وكان لبقائه فيها سبب، وهي: رؤيا رأى فيها رسول الله عَ ◌ّه، فلما قضى حجه ، وأراد الانصراف ، اكترى إلى العراق ، ليخرج صبيحة الغدّ ، قال أبو عبيد : فرأيتُ النبيَّ ◌َّرَ في رؤياي ، وهو جالس ، وعلى رأسه قوم يحجبونه ، والناس يدخلون ويسلّمون عليه ويصافحونه ، قال : فكلما دنوتَ لأدخل مع النّاس، مُنِعْتُ، فقلتُ لهم: لم لا تُخلُّون بيني وبين رسول الله الصَّ؟ فقالوا لي : لا والله ، لا تدخل عليه ، ولا تسلّم عليه ، وأنت خارج غداً إلى العراق ، فقلتُ لهم : إني لا أخرج إذن . فأخذوا عهدي، ثم خَلّوا بيني وبين رسول الله وَلِّ ، فدخلتُ ، وسلّمتُ عليه، وصافحني، وأصبحتُ ، ففسختُ الكراء ، وسكنتُ مكة(١). وكان حجّه بعدما صنّف من كتبه ما صنّف(٢) . شيوخه : كان أبو عبيد ذا فنون عديدة ، فاشتغل في الفقه والحديث والقراءات واللغة والشعر ، ولهذا تعددت مشايخه . فأخذ القراءة عرضاً وسماعاً عن : علي بن حمزة الكسائي وشجاع بن أبي نصر وسليمان بن حماد وإسماعيل بن جعفر وحجاج بن محمد وهشام بن عمار وعبد الأعلى بن مسهر = ((تاريخ الأدب العربي)): (١٥٥/٢) أن خروج أبي عبيد إلى مكة كان سنة (٢١٤ هـ) !! ووقع في ((طبقات الحنابلة)): (١ /٢٦٠) أن خروجه كان سنة (٢٢٤ هـ) !! (١) طبقات اللغويين والنحويين: (ص ٢٠٠) ووفيات الأعيان: (٦٢/٤) ومعجم الأدباء: (٢٥٦/١٦) ومرآة الجنان: (٨٥/٢) وطبقات ابن قاضي شهبة: (٢٢٤/٢) . (٢) طبقات اللغويين والنحويين: (ص ١٩٩) والفهرست: (ص ٧٨) . ٢٥ وسليم بن عيسى ويحيى بن آدم(١) . وسمع الحروف من طائفة (٢). وسمع : إسماعيل بن جعفر ، وشريك بن عبد الله - وهو أكبر شيوخه -، وهُشيماً ، وإسماعيل بن عيّاش، وسفيان بن عيينة ، وأبا بكر بن عياش ، وعبد الله بن المبارك ، وسعيد بن عبد الرحمن الجمحي ، وعبيد الله الأشجعي ، وغُنْدَراً، وحفص بن غياث ، ووكيعاً، وعبد الله بن إدريس ، وعبّاد بن عبّاد ، ومروان بن معاوية ، وعبّاد بن العوّام ، وجرير بن عبد الحميد ، وأبا معاوية الضّرير، ويحيى القطّان، وإسحاق الأزرق ، وابن مهدي ، ويزيد بن هارون ، وخلقاً كثيراً ، إلى أن ينزل إلى رفيقه هشام بن عمّار ونحوه . وأخذ اللغة عن : أبي عبيدة ، وأبي زيد ، وجماعة (٣). وسمعه - ذات مرة - ابنُ إدريس ، وهو يتلهّف على بعض الشّيوخ ، فقال له: يا أبا عبيد: مهما فاتك من العلم ، فلا يفوتنّك من العمل (٤). (١) غاية النهاية في طبقات القراء: (١٨/٢) وسير أعلام النبلاء: (١٠ /٥٠٦ - ٥٠٧) والعقد الثمين : (٢٣/٧). (٢) سير أعلام النبلاء : (٤٩١/١٠). (٣) سير أعلام النبلاء: (٤٩١/١٠) وانظر في أسماء شيوخه أيضاً: ((طبقات الشافعية الكبرى)): (٢٧٠/١) و((العقد الثمين)): (٢٣/٧) و(«تهذيب الأسماء واللغات)): (٢٥٧/٢) و((تهذيب الكمال)): (ص ١١٠٩) ومقدمة ((الخطب والمواعظ)): (ص ١٤ - ٢٤) . (٤) تاريخ بغداد: (٤٠٩/١٢) و ((سير أعلام النبلاء)): (٤٩٨/١٠). ٢٦ تلاميذه : قال ابن النديم : ((ومن أصحاب أبي عبيد ، ممن روى عنه ، وأخذ منه : علي بن عبد العزيز ، ومات سنة سبع وثمانين ومائتين . وثابت بن عمرو بن حبيب مولى علي بن رابطة ، روى عنه كتبه كلها . والمسعري، واسمه : علي بن محمد بن وهب))(١). ((وروى عنه القراءة : أحمد بن إبراهيم ، وراق خلف . وأحمد بن يوسف التغلبي . وعلي بن عبد العزيز البغوي . والحسن بن محمد بن زياد القرشي . ومحمد بن أحمد بن عمر البابي . وأحمد بن الحسن بن عبد الله المقري . كذا ذكره أبو علي الرّهاوي . ونصر بن داود . وثابت بن عمرو بن أبي ثابت))(٢) . وكان علي بن عبد الله الطوسي من أعلم أصحاب أبي عبيد(٣). (١) الفهرست : (ص ٧٨). (٢) غاية النهاية: (١٨/٢) وانظر في أسماء تلاميذه أيضاً: ((تهذيب الكمال)): (ص ١١٠٩) ومقدمة ((الخطب والمواعظ)): (ص ٢٤ - ٣١) . (٣) طبقات النحويين واللغويين: (ص ٢٠٥). ٢٧ والظاهر أنه لم يكثر من رواية الحديث ، ولهذا لم يجتمع عليه المحدّثون ، ولا طلبة الحديث . قال ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)): (١١١/٧): سألتُ أبي عنه ، فقال : كنتُ أراه في مسجده ، وقد أحدق به قوم معلمون ، ولم أر عنده أهل الحديث ، فلم أكتب عنه . * هل وقعت له رواية في الكتب الستة ؟ ولم يتفق وقوع رواية لأبي عبيد في الكتب السّتة ، لكن نقل عنه أبو داود في «سننه»: (٢٤٨/٢ - ٢٤٩) شيئاً في تفسير أسنان الإبل في الزّكاة . وحكى أيضاً عنه البخاري في ((التاريخ الكبير)) و((خلق أفعال العباد)) و((جزء القراءة خلف الإِمام)) وكتاب ((الأدب))، بل حكى عنه تفسير بعض الغريب في ((الصحيح)) في مواطن، منها: (٤٧٤/٦) و(٣٤٧/٣) و(٣٣٣/١١) - مع الفتح ، وفي الموطن الأخير ، قال ابن حجر: ((ليس لأبي عبيد في البخاري إلا هذا الموضع)) !! وهذا وهم منه رحمه الله تعالى، وذكر في ((الفتح)): (٢٤٣/١) أيضاً أن غالب المباحث الفقهية التي في ((صحيح البخاري)) مستمدة من أبي عبيد وأمثاله . وذكره الترمذي في ((الجامع)) في غير موضع، منها: في (( أبواب القراءات)): (١٨٦/٥) قال: وقرأ أبو عبيد: ((والعين بالعين)) يعني بضم لنّون . * عقيدته واتّباعه للسنّة وعلاقته مع الإِمام أحمد : كان أبو عبيد يقصد الإِمام أحمد ، ويحكي عنه أشياء . روی أبو بكر بن أبي الدنيا قال : قال أبو عبيد القاسم بن سلام : ٢٨ زرتُ أحمد بن حنبل ، فلما دخلتُ عليه بيته قام ، فاعتنقني ، وأجلسني في صدر مجلسه . فقلتُ : يا أبا عبد الله ! أليس يقال : صاحب البيت - أو المجلس - أحقّ بصدر بيته ، أو مجلسه ؟ قال : نعم ، ويُقعد مَنْ یرید . قال : فقلتُ في نفسي : خذ إليك أبا عبيد فائدة . ثم قلتُ : يا أبا عبد الله ! لو كنت آتيك على حقّ ما تستحق ، لأتيتُك كل يوم . فقال : لا تقل ذاك ، فإن لي إخواناً ، ما ألقاهم في كل سنة إلا مرّة ، أنا أوثق في مودتهم ، ممن ألقى كلّ يوم . قال : قلتُ : هذه أخرى يا أبا عبيد . فلما أردتُ القيام ، قام معي ، قلتُ : لا تفعل يا أبا عبد الله ! قال : فقال: قال الشعبي: ((من تمام زيارة الزّائر: أن يُمشى معه إلى باب الدّار ، ويؤخذ بركابه)) . قال : قلتُ : يا أبا عبد الله ، مَنْ عن الشعبي ؟ قال : ابن أبي زائدة عن مجالد عن الشعبي . قال : قلت : يا أبا عبيد ، هذه ثالثة . قال : فمشى معي إلى باب الدار ، وأخذ بركابي(١). وتأثر صاحبنا بعقيدة الإِمام أحمد ، فكان شديداً على المبتدعة والرّافضة ، حتى أثر عنه أنه قال : (١) طبقات الحنابلة: (٢٥٩/١) ومناقب الإِمام أحمد: (ص ١١٣ - ١١٤). ٢٩ عاشرتُ النّاسَ ، وكلّمتُ أهل الكلام ، فما رأيتُ قوماً أضعف ولا أوسخ ولا أقذر ولا أضعف حجة ، ولا أحمق من الرّافضة ، ولقد وليت قضاء الثّغر، فأخرجتُ منهم ثلاثةً جهميين ورافضّاً ، أو رافِضِيّيْن وجَهميّاً . وقلت : مثلكم لا يُجاوِرُ الثّغورَ(١). وقال العباس الدّوري : سمعتُ أبا عبيد القاسم بن سلام ، وذكر الباب الذي يروى فيه الرؤية والكرسي موضع القدمين ، وضحك ربنا ، وأين كان ربنا ، فقال : هذه أحاديث صحاح ، حملها أصحاب الحديث والفقهاء ، بعضهم عن بعض ، وهي عندنا حقّ لا نشكّ فيها ، ولكن إذا قيل : كيف يضحك ؟ وكيف وضع قدمه ؟ قلنا : لا نفسّر هذا، ولا سمعنا أحداً يُفسِّرهُ(٢). ولهذا كان الإِمام أحمد يقول في صاحبنا : أبو عبيد، ممن يزداد عندنا كلَّ يومٍ خيراً(٣). (١) طبقات النحويين واللغويين: (ص ٢٠٠) وتاريخ ابن معين: (٤٨٠) وغاية النهاية : (١٨/٢) وسير أعلام النبلاء: (١٠ /٥٠٤) ووقع فيه نقص لم يهتد إليه محققه . (٢) طبقات النحويين واللغويين (ص ١٩٩ - ٢٠٠) . وسير أعلام النبلاء: (٥٠٥/١٠) وعلّق الذّهبي عليه بقوله: («قلت : قد فسّر علماء السّلف المهمّ من الألفاظ ، وغيرَ المهم ، وما أبْقوْا مُمكناً ، وآياتُ الصّفات وأحاديثها ، لم يتعرّضوا لتأويلها أصلاً، وهي أهمُّ الدّين ، فلو كان تأويلُها سائِغاً أو حتماً ، لبادروا إليه ، فَعُلِمَ قطعاً أن قراءتها وإمرارَها على ما جاءت هو الحقّ ، لا تفسيرَ لها غيرُ ذلك، فنؤمن بذلك، ونسكت اقتداءً بالسَّلف ، معتقدين أنها صفاتٌ لله تعالى ، استأثر الله بعلم حقائقها ، وأنها لا تشبه صفات المخلوقين ، كما أن ذاته المقدّسة لا تماثل ذوات المخلوقين، فالكتاب والسنّة نطق بها، والرسول ◌َ# بلغ، وما تعرّض التأويل ، مع كون الباري قال ﴿لِتُبِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم﴾ فعلينا الإِيمان والتّسليم للنّصوص ، والله يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيم)). (٣) تاريخ بغداد: (٤١٤/١٢) ونزهة الألباء: (١٤١) وطبقات الحنابلة : = ٣٠ وكان أبو عبيد يهابه ويحترمه ، فقال : جالستُ أبا يوسف القاضي ومحمد بن الحسن ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ، فما هبتُ أحداً في مسألة ، ما هبتُ أبا عبد الله أحمد بن حنبل(١) . وقال أيضاً : انتهى العلم إلى أربعة : إلى أحمد بن حنبل ، وهو أفقههم فيه ، وإلى ابن أبي شيبة ، وهو أحفظهم له ، وإلى علي بن المديني ، وهو أعلمهم به ، وإلى يحيى بن معين . وهو أكتبهم له (٢). وقال أبو بكر الأثرم : كنا عند أبي عبيد ، وأنا أناظر رجلاً عنده ، فقال لي الرجل : من قال بهذه المسألة ؟ فقلت : مَنْ ليس في شرق ولا غرب مثله . قال : من ؟ قلت : أحمد بن حنبل . قال أبو عبيد : صدق ، مَنْ ليس في شرق ولا غرب مثله ، ما رأيتُ رجلاً أعلم بالسنّة منه(٣). وكان أبو عبيد يعود الإِمام أبا عبد الله أحمد بن حنبل ، ودخل إليه - ذات يوم - وعنده يحيى بن معين وعلي بن المديني ، فقال له يحيى : اقرأ = (٢٦٢/١) وإنباه الرواة: (٢١/٣) وسير أعلام النبلاء: (٥٠٤/١٠) وتذكرة الحفاظ: (١ /٤١٧) . (١) مناقب الإِمام أحمد بن حنبل: (ص ١١٣). (٢) المرجع السابق : (ص ١١٢). (٣) المرجع السابق: (ص ١١٣) . ٣١ علينا كتابك الذي عملته للمأمون ((غريب الحديث))، فقال : هاتوه ، فجاؤوا بالكتاب ، فأخذه أبو عبيد ، فجعل يبدأ يقرأ الأسانيد ، ويدعُ تفسير الغريب ، فقال علي : دَعْنا من الإِسناد ، نحن أحذق بها منك . فقال يحيى له : دعه يقرأ على الوجه ، فإن ابنك معك ، ونحن نحتاج أن نسمعه على الوجه . فقال أبو عبيد : ما قرأته إلا على المأمون ، فإن أحببتم أن تقرؤوه ، فاقر ؤوه . فقال له ابن المديني : إن قرأته علينا ، وإلّ لا حاجة لنا فيه . ولم يعرف أبو عبيد عليّ بن المديني ، فقال ليحيى : من هذا ؟ فقال : هذا علي بن المديني ، فالتزمه ، وقرأه عليهم ، فمن حضر ذلك المجلس ، جاز أن يقول : حدثنا ، وغير ذلك ، فلا يقول(١). وقال عبد الله بن أحمد : عرضتُ كتاب ((غريب الحديث)) لأبي عُبيد على أبي ، فاستحسنه ، وقال : جزاه الله خيراً(٢) . وكان الإِمام أحمد يرشد طلبة العلم في المهمات إليه ، قال محمد بن أبي بشر : أتيتُ أحمد بن حنبل في مسألة ، فقال لي : ائت أبا عبيد ، فإن له بياناً لا تسمعه من غيره . قال : فأتيتُه ، فشفاني جوابه(٣). (١) طبقات الحنابلة: (٢٦١/١ - ٢٦٢) وإنباه الرواة: (١٧/٣ -١٨) وتاريخ بغداد: (١٢ /٤٠٧ - ٤٠٨) وسير أعلام النبلاء : (١٠ /٤٩٧). (٢) نزهة الألباء: (١٣٨) وتاريخ بغداد: (١٢ /٤٠٧) وإنباه الرواة: (١٦/٣) وسير أعلام النبلاء : (١٠ /٤٩٦). (٣) غاية النهاية: (١٨/٢) ومناقب الإِمام أحمد: (ص ١١٤) وزاد: ((فأخبرتُه بقول أحمد ، فقال : يا بن أخي ذاك رجل من عمال الله ، نشر الله رداء عمله في الدنيا ، وذخر له عنده الزّلفى. أما تراه محبباً، ألوفاً مألوفاً، ما رأت عيناي بأرض العراق رجلاً ، اجتمعت فيه خصال هي فيه ، فبارك الله فيما أعطاه من الحلم والعلم والفهم)) . ٣٢ وكان أبو عبيد يعظّم السنّة ، وينافح عنها ، حتى كان يقول : المُتَّبِعُ السنَّةَ كالقابضِ على الجمر ، هو اليوم عندي أفضلُ من ضرب السّيف في سبيل الله(١). نعته ابن حبان بـ ((ذبّ عن الحديث ونصره ، وقمع مَنْ خالفه ، وحاد عنه))(٢) . وناظر يحيى القطان، وردّه إلى مذهب أهل السنّة في عثمان، وناظر عبد الله الخُريبي في مسألة من مسائل الأشربة ، حتى إنه كان يرجو بردّه هذا دخول الجنّة، ولَنَدَعْ الكلام لأبي عبيد نفسه، قال رحمه الله تعالى : فعلتُ بالبصرة فِعْلَتين ، أرجو بهما الجنّة : أتيتُ يحيى القطّان ، وهو يقول : أبو بكر وعمر . فقلتُ : معي شاهدان من أهل بدر يشهدان أن عثمان أفضلُ مِن عليّ ! قال : مَنْ ؟ قلت : أنت حدثتنا عن شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النَّزَّال بن سَبْرَة قال : خطبنا ابنُ مسعود ، فقال : أُمَّرْنَا خيرَ مَنْ بقي ، ولم تَأْلُ . قال : ومن الآخر ؟ قلت : الزُّهري عن حُمَيد بن عبد الرحمن عن المِسْوَرِ قال : سمعتُ عبد الرحمن بن عوف يقول : شاورتُ المهاجرين الأوّلين ، وأمراءَ الأجناد ، وأصحاب رسول الله وَّ ، فلم أَرَ أحداً يَعْدِلُ بعثمان . (١) طبقات الحنابلة: (٢٦٢/١) وتاريخ بغداد: (١٢ /٤١٠) وسير أعلام النبلاء: (٤٩٩/١٠) . (٢) الثقات: (١٧/٩). ٣٣ قال : فترك يحبى قوله ، وقال : أبوبكر وعمر وعثمان . قال : وأتيتُ عبد الله الخُريبي ، فإذا بيتُه بيتُ خمَّار ، فقلتُ : ما هذا ؟ قال : ما اختلف فيه أوّلُنا ولا آخرنا . قلتُ : اختلف فيه أوّلُكم وآخِرُكم . قال : من ؟ قلت : أيّوب السَّخْتياني عن محمد عن عبيدة قال : اختُلِفَ عليَّ في الأشربة ، فما لي شرابٌ منذ عشرين سنة إلا عسل أو لبن أو ماء . قال : ومن آخِرنا ؟ قلتُ : عبد الله بن إدريس . قال : فأخرج كلَّ ما في منزله ، فأهرقه(١). * مناظرته مع الإِمام الشافعي في القرء : كان الشافعي يقول : إنّه الحيض ، وأبو عبيد يقول : إنه الطّهر ، فلم يزل كل منهما يقرر قوله ، حتى تفرّقا ، وقد انتحل كل واحد منهما مذهب صاحبه ، وتأثّر بما أورده من الحجج والشواهد . علّق السبكي على هذا فقال : ((وإن صحت هذه الحكاية ، ففيها دلالة على عظمة أبي عبيد ، فلم يبلغنا عن أحدٍ أنه ناظر الشافعي ، ثم رجع الشافعي إليه ، ففيها دلالتان على رفعة مقداره بمناظرته مع الشافعي ، ثم رجوع الشافعي إلى مذهبه))(٢). (١) تاريخ بغداد: (١٢ /٤٠٩) وسير أعلام النبلاء: (٤٩٨/١٠). (٢) طبقات الشافعية الكبرى : (٢٧٣/١). ٣٤ وقد حكى الرافعي في شرحه هذه الحكاية ، وقال : إنها تقتضي أن يكون للشافعي قول قديم ، أو حديث يوافق مذهب أبي حنيفة . وتعقّبه السبكي فقال : ((قلت : وليس ذلك بلازم ، فقد تناظر المرء على ما لا يراه ، إشارة للفائدة ، وإبرازاً لها ، وتعليماً للجدل ، فلعله لما رأى أبا عبيد ، يعتقد أنه الحيض ، انتصب عنه ، مستدلاً عليه ، لينقطع معه ، فيعلم أبو عبيد ضعف مذهبه فيه ، ولهذا يتبيّن أن الشافعيَّ لم يرجع إلى أبي عبيد في الحقيقة ، لأن المناظرة لم تكن إلا لما ذكرناه))(١) . وكان أبو عبيد يقول في الإِمام الشافعي : ما رأيت رجلاً قط أكمل من الشافعي (٢). وفي رواية: ((أعقل)). وفي رواية: ((ولا أورع ولا أفصح)) (٣). علمه وأدبه وهديه وسمته وثناء العلماء عليه : قال ابن حبان : ((كان أحد أئمة الدنيا ، صاحب حديث وفقه وورع ودين ، ومعرفة بالأدب ، وأيام النّاس ، ممن جمع وصنّ واختار)) (٤). وقال فيه الذّهبي : (١) المرجع السابق: (٢٧٣/١ - ٢٧٤). (٢) طبقات الفقهاء : (ص ٧٢) . (٣) توالي التأسيس لمعالي ابن إدريس: (ص ٧٩) . (٤) الثّقات: (١٧/٩). ٣٥ ((الإِمام الحافظ المجتهد ذو الفنون))(١) و((كان ثقةً علامةً))(٢) و((الإِمام المجتهد البحر اللغوي الفقيه))(٣). وقال ابن الجزري : ((الإِمام الكبير الحافظ العلامة، أحد الأعلام المجتهدين)) (٤). وقال السيوطي : ((كان أبو عبيد إمام أهل عصره في كلّ فنٍ من العلم))(٥) . وقال غيره : ((كان أبو عبيد فاضلاً في دينه وعلمه ، ربّانيّاً مفتياً في القرآن والفقه والأخبار والعربيّة ، حسن الرواية، صحيح النّقل))(٦). ولم تقتصر تزكية الإِمام أبي عبيد على العلماء المتأخرين عنه ، بل مدحه كثير من معاصريه ، الذين لازموه ووقفوا على علمه وكتبه ، وإليك قطوفاً من كلامهم ، على سبيل المثال ، وإلا لطال بنا المقال : قال إسحاق بن راهويه : الحقّ يحبُّهُ الله - عزّ وجلّ -: أبو عبيد القاسم بن سلام ، أفقه مني ، (١) سير أعلام النبلاء: (١٠ /٤٩٠). (٢) الكاشف : (٣٣٦/٢). (٣) تذكرة الحفاظ: (٤١٧/٢). (٤) غاية النهاية: (١٨/٢). (٥) بغية الوعاة: (٢٥٣/٢). (٦) المرجع السابق ، والنص بحروفه منه ، وقائله : أحمد بن كامل القاضي ، وقع التصريح به في: ((تاريخ بغداد)): (٤١١/١٢) و((نزهة الألباء)): (١٤٠) و((البداية والنهاية)): (٢٩٢/١٠) و((وفيات الأعيان)): (٦٠/٤) وفيه زيادة: ((لا أعلم أحداً من الناس طعن عليه في شيء من أمره ودينه)) . ٣٦ وأعلم منّي ، نحن نحتاج إليه ، وأبو عبيد لا يحتاج إلينا(١) . وناهيك بهذه مَنْقَبةٍ (٢) . وسئل يحيى بن معين عن الكتابة عن أبي عبيد ، والسّماع منه ، فقال : مثلي يُسأل عن أبي عُبيد ؟! أبو عبيد يُسأل عن الناس !! لقد كنت عند الأصمعي ، إذ أقبل أبو عبيد ، فقال : أترون هذا المقبل ؟ فقالوا : نعم . قال : لن يضيع الناس ما حيى هذا المقبل (٣). وقال إبراهيم الحربي : كان أبو عبيد كأنه جبلٌ نُفخَّ فيه الروح ، يحسن كلّ شيءٍ(٤). وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب : لو كان أبو عبيد في بني إسرائيل ، لكان عجباً(٥). وقال هلال بن العلاء الرَّيّ : منَّ الله على هذه الأمّة بأربعة في زمانهم : بالشّافعيّ ، تفقّه بحديث (١) معجم الأدباء: (٢٥٦/١٦) وإنباه الرواة: (١٨/٣) وطبقات النحويين واللغويين : (ص ٢١٧) وتذكرة الحفاظ: (٤١٧/٢) ونزهة الألباء: (١٤٠) وتاريخ بغداد: (١١١/١٢) ووقع في بعضها: ((أعلم مني ومن الإِمام الشافعي ومن الإِمام أحمد بن حنبل)) . (٢) العقد الثمين : (٢٤/٧) . (٣) نزهة الألباء: (١٤١) وتاريخ بغداد: (٤١٤/١٢). (٤) وفيات الأعيان: (٦١/٤) وتهذيب الأسماء واللغات: (٢٥٨/٢). (٥) إنباه الرواة: (١٩/٣) وسير أعلام النبلاء: (٥٠٠/١٠) وطبقات الشافعية الكبرى: (٢٧١/١) ووفيات الأعيان: (٦١/٤) ومرآة الجنان: (٨٤/٢). ٣٧ رسول الله وسل﴿، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة، ولولا ذلك لكفر النّاس، وبيحيى بن معين، نفى الكذب عن حديث رسول الله رَمليار ، وبأبي عبيد القاسم بن سلام، فسّر الغريب من حديث رسول الله وَلّة، ولولا ذلك لاقتحم الناس في الخطأ(١). وعندما سئل أبو قدامة عن الشافعي وأحمد وابن راهويه وأبي عبيد ، قال : أما أفهمهم ، فالشافعيّ ، إلا أنّه قليل الحديث ، وأما أورعهم فأحمد ابن حنبل، وأما أحفظهم فإسحاق ، وأما أعلمهم بلغات العرب فأبو عبيد(٢). ولم يقتصر كلام مادحيه على علمه فحسب ، بل تعدّاه إلى خُلُقه وهديه وسمته . قال عنه الأزهري : ((كان ديناً فاضلاً عالماً أديباً فقيهاً ، صاحب سنّة ، مَعْنِيّاً بعلم القرآن ، وسنن رسول الله وَله، والبحث عن تفسير الغريب، والمعنى المشكل))(٣). وقال الداني : ((إمام أهل دهره في جميع العلوم ، صاحب سنّة، ثقة مأمون)) (٤) وقال الداودي : ((كان أحد الأئمة في الدّين ، وعلماً من أعلام المسلمين))(٥) . (١) مناقب أحمد بن حنبل: (ص ١٢٧) وتاريخ بغداد: (١٢ / ٤١٠) وإنباه الرواة (١٨/٣) وشذرات الذهب ٥٥/٢ . (٢) تهذيب التهذيب: (٢٨٤/٨) ونزهة الألباء: (١٣٩) وإنباه الرواة: (١٨/٣). (٣) تهذيب اللغة: (١٩/١). (٤) معجم الأدباء: (١٦٢/١٦) وغاية النهاية: (١٨/٢) وبغية الوعاة: (٢٥٣/٢) وسير أعلام النبلاء : (١٠ /٥٠٦). (٥) طبقات المفسرين : (٣٤/٢). ٣٨ ووصفه ابن العماد بقوله : ((ثقة إمام فقيه مجتهد ، أحد الأعلام ، وكان إماماً في القراءات ، حافظاً للحديث وعلله الدقيقات ، عارفاً بالفقه والتعريفات ، رأساً في اللغة ، ذا مصنّفات))(١). وقال أيضاً : ((وكان أبو عبيد موصوفاً بالدّين ، وحسن المذهب ، والسّيرة الجميلة ، والفضل البارع ، وأثنى عليه علماء وقته بما يطول ذكره))(٢). ووُصِفَ بأنه ((كان ديناً ورعاً جواداً)) (٣) وأنه ((كان ذا دين وسيرة جميلة، ومذهب حسن ، وفضل بارع))(٤) . ووصفه ابن راهويه بـ ((أوسعنا علماً، وأكثرنا أدباً، وأجمعنا جمعاً)(٥). وكان صاحبنا - رحمه الله تعالى - يقسم الليل أثلاثاً ، فيصلّي ثلثه ، وينام ثلثه ، ويضع الكتب ثلثه(٦) . وكان جمّ الأدب مع شيوخه ، وكان يقول : (١) شذرات الذهب: (٥٤/٢). (٢) شذرات الذهب : (٥٥/٢). (٣) إنباه الرواة: (١٦/٣) وتهذيب الأسماء واللغات (٢٥٧/٢) ونزهة الألباء (١٣٧) . (٤) مرآة الجنان: (٨٤/٢) ووفيات الأعيان: (٤ /٦٠). (٥) تاريخ بغداد: (٤١١/١٢) والبداية والنهاية: (٢٩٢/١٠) وإنباه الرواة: (١٩/٣) وسير أعلام النبلاء: (٥٠٠/١٠). (٦) وفيات الأعيان: (٦١/٤) ومرآة الجنان: (٨٤/٢) ونزهة الألباء: (١٣٨) وطبقات الشافعية: (١٥٤/٢) وتاريخ بغداد: (٤٠٨/١٢) وإنباه الرواة: (١٨/٣) وسير أعلام النبلاء : (١٠ /٤٩٧). ٣٩ ما دقّقْتُ على محدّث بابه قط ، أو : ما أتيتُ عالماً قط ، فاستأذنتُ عليه ، ولكن صبرت حتى يخرج إليّ ، وتأوّلت قول الله تعالى: ﴿ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم﴾(١) [الحجرات:٥] وقال ثعلب : ((كان عاقلاً لو حضره النّاس ، يتعلّمون من سمته وهديه، لاحتاجوا))(٢). وكان سريع الحفظ ، وكان يقول : ((ما كان عليّ من حفظ خمسين حديثاً مئونة))(٣). وكان فطناً ، كان يقول : ((إني لأتبيّن في عقل الرّجل أن يَدَعِ الشّمس، ويمشي في الظّل)) (٤). وكان حليماً . قال أبو عبد الرحمن اللحية - صاحب أبي عبيد- وقد جاوز دار رجل من أهل الحديث ، كان يكتبُ عنه الناس ، وكان يُزَنُّ بشرّ : إن صاحب هذه الدار يقول : أخطأ أبو عبيد في مائتي حرف من ((المصنّف))، فحلم أبو عبيد، ولم يقع في الرّجل بشيء مما كان يعرف من عيوبه ، وقال: في ((المصنّف)) مئة ألف حرف ، فإن أخطىء في كل ألف حرفين ، فما هذا بكثير مما أُدرك علينا ، ولعلّ صاحبنا هذا لو بدا لنا ، (١) طبقات المفسرين: (٣٦/٢) والمدخل إلى السنن الكبرى: رقم (٦٧٦) والجامع لأخلاق الراوي: (٩١/١). (٢) تهذيب التهذيب: (٢٨٥/٨). (٣) طبقات النحويين واللغويين: (ص ٢١٨) . (٤) تاريخ بغداد: (١٢ /٤١٠) وسير أعلام النبلاء: (٤٩٩/١٠). ٤٠