النص المفهرس

صفحات 381-400

وَمِنَ الأَدْوَاءِ (١) دَاءٌ قَرِيبٌ
فَلْتُبَادِرْ هجماتِ المنَايَا
وَإِذَا ما الليلُ أَرْخَى سُدُولاً
فَلْتَئِبْ وَتْبَةَ سَاهٍ غَفُولٍ
وَأَفِضْ عبرةَ بَاكِ ذُنُوباً
وتذلَّلْ وتضرَّعْ وَنَاد
يَا كريماً وَسِعَ الخَلْقَ جُوداً
عَبْدُكَ البائس وَافَاكَ نِضْواً
مُضْمِرٌ بين الحشَا(١٠) حَدِيثاً
وأعِدْ ثُمَّ أَعِدْ ثم رَدِّدْ
وإِذَا لَبَّاكَ لَبَّاكَ مَا فِى (١٢)
وَعُضَال (٢) أبداً فى ازْدِيَادِ
باعْتزام (٣) صَادقٍ واجْتهادِ
وتطعمت لذيذ المهاد
دَبَّ فى أَثْوابِهِ صِلُّ (٤) وادٍ (٥)
أخلفته (٦) { ذَا حيرةٍ فى العبادِ ](٧)
فعسَى (٨) يُسْمَعُ صَوْتُ المنَادِ
دَائِمَ السَّيْبِ خفياً(٩) وَبَادٍ
مُثْقَلِ الظَّهْرِ ضعيف العِمَادِ
بَاتَ منه فَوْقَ شَوْكِ القَتَادِ (١١)
صَوْتَ مُضطرٍ مُرَوَّعِ الفُؤَادِ
مُلكِه مِنْ ناطق أوْ جَمَادٍ.
وكان عبد العزيز [ بن سلمان ] (١٣) هذا لا ينام إلا مغلوباً، ولم يكن له فراش ينام
عليه .
وقال عبد السلام [ بن حرب ] (١٤): ما رأيت أحداً أصبر على سهر الليل من خلف
ابن حوشب (١٥)، لقد سافرت معه إلى مكة ، فما رأيته نام بلیل حتی رجع .
(١) فى ظ : الأوراء.
(٢) الداء العضال : هو المرض الذى يعجز الأطباء عن علاجه .
(٣)فىّ ظ : باغترار .
(٤) الصّل : هى الحية التى إذا نهشت قتلت من ساعتها .
((٥) وقع هذا البيت فى ز هكذا : فلتثب وثبة شاة غفول نهشتها فى الحال رقشاء واد .
(٦) فى ز : جعلته .
(٧) ناقص فى : ز .
(٩) أى: فى السر واخفء.
(٨) فى ز: فعساه .
(١١) القتاد: شجر له شوك أمثال الإبرد
(١٠) فى ز : الحشايا.
(١٢) فى ظ : باقى.
(١٣) زيادة من: ز، وقد وقع فى ز: سليمان .
(١٤) ناقصة فى: ز، وانظر هذا الخبر فى صفة الصفوة (٣/ ٧٨)، وهو: عبد السلام بن حرب الملائى ، أبو
بكر البصرى الكوفى ، من حفاظ الحديث ، ثقة صدوق ولد (٩١ هـ ) وتوفى ( ١٨٧ هـ ) عن ٩٦ عاماً .
الأعلام (٣٥٥/٣).
(١٥) هو: أبو عبد الرحمن خلف بن حوشب، كوفى ، روى عن طلحة بن مصرف وعطاء بن أبي رباح ، روى عنه =
٣٨١

١٨٣ ظ
/ وَيُرْوَى أن الله عز وجل أوحى إلى عيسى ابن مريم عليه السلام: ((يا عيسى
اذكرنى فى الدنيا أذكرك فى الآخرة ، وتيقظ فى ساعات الليل ، وأسمعنى لذاذة الإنجيل
فى مساجدى ، ولتجتمع (١) جوارحك ، وليضطرب قلبك خوفاً منى ، وقل لقومك إذا
دخلوا مسجداً لا يدخلوه إلا بقلوب خاشعة وأبصار خافضة وأيدٍ طاهرة ، وأخبرهم أنى
لا أقبل دعاء ظالم حتى يرد المظلمة إلى صاحبها . يا عيسى ، لا تجالس الخطائين ، فإن
مجالستهم معصية تُقسّى (٢) القلب ، وتوبوا إلى الله تعالى بمفارقتهم.
وكان كرز بن وبرة من المجتهدين، وكان مقيماً (٣) بمكة، وكان يطوف فى كل يوم
سبعين أسبوعاً (٤) وفى الليل (٥) مثل ذلك ، فحسب ذلك فكان ثلاثين ميلاً ، ويصلى لكل
أسبوع ركعتين فتلك مائتان وثمانون ركعة سوى ما يصلى من نوافل الليل والنهار ، ويختم
القرآن فى اليوم والليلة مرتين (٦)، ودخل عليه بعض أصحابه فوجده يبكى فقال له : مالك
١٦٢ ز / أتاك موت بعض أهلك؟ فقال: أشد لم أقرأ حزبى البارحة . وقد تقدم بأكثر من هذا
الكلام الأخير (٧) .
وقال ابن شبرمة : كان كرز بن وبرة قد سأل الله تعالى أن يعطيه اسمه الأعظم على
ألا يسأل به شيئاً من الدنيا ، فأعطاه الله إياه ، فسأله الله به أن يقويه على أن يختم القرآن
فى اليوم والليلة ثلاث مرات (٨) .
وقال أبو جعفر السايح : سمعت أبا بشر يقول : كان كرز بن وبرة من أعبد الناس
وأخشى الناس فى زمانه ، وامتنع من الطعام حتى إنه لم يوجد عليه من اللحم ما يوجد على
العصفور ، وكان يطوى (٩) أياماً ، وكان إذا دخل فى الصلاة نسى مواقيتها من كثرة
اشتغاله بالصلاة و فکر ته فیھا (١٠)
وقال له سليمان الأشعث وليث بن أبى سليم : يرحمك الله كيف نشاطك للصلاة؟
قال : ما أظن أحداً يسمع بذكر الجنة والنار تأتى عليه ساعة لا يكون فيها راكعاً أو ساجداً
= شعبة وابن عيينة وعبد السلام بن حرب. انظر: الجرح والتعديل (٣٦٩/٣)، وحلية الأولياء (٧٣/٥).
(١) فى ز: ولتخشع .
(٢) فى ز: تقى .
(٤) المقصود أنه كان يطوف كل يوم كما لو سار مسيرة أسبوع .
(٣) فى ز : من المقيمين .
(٦) فى ز : ثلاث مرات .
(٥) فى ظ : الليلة .
(٧) فى ز: الآخر، وقد ورد بعض هذا الخبر فى صفة الصفوة (٧٩/٣).
(٨) صفة الصفوة (٧٩/٣).
(٩) أى : يجيع نفسه أياماً فلا يأكل .
(١٠) سير أعلام النبلاء (٨٦/٦)، وفيه أن الراوى عن كرز هو أبو حفص السائح.
٣٨٢

أو داعياً . ودخل مكة فقال عُبَّادُهَا لما رأوا من عبادته وصبره: نشهد أنك أعيدُ أهل الأرض.
ويُرْوى أن الله عز وجل أوحى إلى بعض الأنبياء : إن لى عباداً من عبادى يحبوننى
وأحبهم ، ويذكروننى وأذكرهم ، ويشتاقون إلى وأشتاق إليهم ، وينظرون إلى وأنظر
إليهم ، فإن حذوت حذوهم أحببتك ، وإن عدلت عنهم مقتك . قال : يارب ،
وما علامتهم ؟ قال : يراعون الظلال بالنهار كما يراعى الراعى غنمه ، ويحنّون إلى
غروب الشمس كما تحنَّ الطير إلى أوكارها ، فإذا جن عليهم الليل وخلا كل حبيب
بحبيبه نصبوا لى أقدامهم ، وافترشوا لى وجوههم ، وناجونى بكلامى ، وتملقونى
بإنعامى ، فبين صارخ وباكٍ ، وبين متأوه وشاكٍ، بعينى / ما يتحملون (١) من أجلى ، ١٨٤ ظ
وبسمعى ما يشكون (٢) من حبى .
أول ما أعطيهم أقذف من نورى فى قلوبهم ، فيخبرون عنى كما أخبر عنهم ،
والثانية لو كانت السموات السبع والأرضون فى موازينهم لاستقللتها لهم ، والثالثة أقبل
بوجهى عليهم، فترى من أقبل بوجهى عليه يعلم أحد ما [ أسِيد أن ](٣) أعطيه.
وقال بعضهم : نهارك وليلك رأس مالك ، فلا تصرفهما إلا فيما هو أعود عليك ،
ولا تقطعهما إلا فيما هو أرجح لك، ولا تضيعهما فيذهبا من [ يدك وَيَفُتُّ فى ] (٤)
عضدك ، واغتنم منهما النفس الواحد واللحظة الواحدة ، فربما كان فيهما ربحك وفى
تضييعهما خسرانك .
زار قيسُ بن مسلم محمد بن جحادة (٥) بعد صلاة العشاء فوجده قائماً يصلى ،
فأحرم قيس بالصلاة فى ناحية من المسجد ، ورأى ألا ينتظره قاعداً دون صلاة ، ولم يعلم
به محمد بن جحادة ، فلم يزل هذا يصلى وهذا يصلى حتى طلع الفجر ، فلما طلع رجع
قيس إلى محلته وكان إمام قومه فصلى بهم الصبح فى مسجدهم ، فلما صلى محمد بن
جحادة الصبح قيل له : زارك البارحة أخوك قيس بن مسلم فلم تلتفت إليه . فقال : ما
علمت بمكانه . ثم مشى إليه فلما رآه قيس مقبلاً قام إليه حتى تلقاه فاعتنقا ، [ ثم قعدا
(١) فى ز: يتحمل المتحملون .
(٣) ناقصة فى : ز .
(٢) فی ز : يشتكون .
(٤) فى ز : يديك فيتفانى .
(٥) هو: محمد بن جحادة الأودى الكوفى ، وثقه أحمد وابن معين وأبو حاتم الرازى، روى عنه شعبة والثورى ، مات
عام (١٣١ هـ). الجرح والتعديل (٢٢٢/٧).
٣٨٣

١٦٣ ز جميعاً] (1) فجعلا(٢) / يبكيان .
وأنشد بعضهم :
يَا عَثُم المِقْلَةِ والقَلْبِ
هَلَّ تَيقظت وجُنْحُ الدُّجَى
، وقُمْتَ فِيه سَاكِباً عبرةً
وبين جَنْبَيْكَ لَظَى حَسْرَةٍ
على ليالٍ بِتَّهَا مُرْسِلا
وَغَافلا عَنْ صَرْعَة الذَّنْبِ
مَدَّ من الشرقِ إلى الغربِ
كأَنَّها تسكبُ من سُحُبٍ
تَسُد (٣) مِنْ جَنْبٍ إِلى جَنْبٍ
خَيْلَكَ فِى لَهْوٍ وفِى لَعِبِ
ثَانِياً عِطْفَكَ من زَهْرٍ ومن عَجَبٍ
سكرانَ مِن خَمْرِ الهَوَى
كَمرِّ الرِّيح فى اللهبِ
تُسَرُّ باللذَّاتِ (٤) وإِنْ مَرَّتْ
٠
معقِبَ كربٍ أيما كَرْبٍ
ورُبِمَا كَانَ سُرورُ الفَتَى
...
وكان موسى بن أبى عائشة من القائمين بالليل ، كان يُدعى المجتهد من كثرة سهره
وطول قيامه .
وقال ذو النون المصرى رحمه الله تعالى : إن سفر الآخرة لا يقطع بالراحات ، بل
تحمل النفس فيه على التعب والمشقات .
وأقام أبو بكر بن عياش (٥) خمسين سنة لم يفرش له فراش .
ويُرْوَى عن واثلة بن الأسقع صاحب النبى # قال : من قام من الليل فتوضأ ثم
صلى باهى الله تعالى به الملائكة يقول : انظروا إلى عبدى قام من فراش وطىء إلى ماء
بارد ملتمساً رحمتی ، لأرحمنه ثم لأرحمنه .
وكان عبد الله بن الزبير [إبن ](٦) ابن عمة النبى عليه لا ينام الليل، وكان يقرأ القرآن
(١) ناقص فى : ز .
(٢) فى ز : فجَعَلا جميعاً .
(٣) فى ز : تشتد .
(٤) فى ز : باللذة جهلاً .
(٥) اختلفوا فى اسمه، فقيل: شعبة وقيل: محمد، والصحيح أنه لا يعرف إلا بكنيته، توفى بالكوفة عام
(١٩٣ هـ)، وقد جاوز التسعين بثلاث سنين، وقد ورد هذا الخبر فى صفة الصفوة (١٠٩/٣).
(٦) زيادة من عندنا حتى لا يلتبس الأمر على القارئ ويظن أن عبد الله هوابن عمه النبى، بينما الصواب أن ابن عمة
٣٨٤

فى ليلة ، وكان [(١) يواصل الأيام صياماً ، ولما صلبه الحجاج بن يوسف وقف عليه عبد الله
ابن عمر بن الخطاب - رضى الله عنهما - وقال: السلام عليك يا أبا خبيب ، أما والله إن
كنت لَصَوَّاماً قَوَّاماً وَصُولا للرحم (٢) .
وقال مخلد بن الحسن - وكان ثقة - : حدثنى هشام بن حسان قال : كان منصور بن
زاذان يصلى إلى جانبى فى رمضان بين المغرب والعشاء، وكانوا يؤخرون العشاء إلى ربع
الليل ، فكان يختم القرآن مرتين وفى الثالثة يبلغ الطواسين . قال : وكانت له عمامة فكان
يحلُّها كَوْراً كَوْراً (٣) ويمسح بها دموعه ، فإذا ابتلت وضعها بين يديه . قال مخلد : فلو أن
غير هشام حدثنى بهذا الحديث ما صدقته (٤) .
قال : وكان أول ما يبلى من ثوب منصور موضع ركبته من كثرة سجوده ، قال :
وكان يختم القرآن فى صلاة الضحى ، وكان يختم أيضا من الأولى والعصر .
وعن العلاء قال : أتيت مسجد واسط فأذن مؤذن الظهر ، وجاء منصور بن زاذان
فرأيته سجد إحدى عشرة سجدة قبل أن تقام الصلاة . وقال ابن حرب : لو قيل لمنصور
ابن زاذان إنك تموت غداً ما کان عنده مزید .
وكان عبد الله بن الوليد المزنى أعبد الناس ، وكان بالحيرة ، وكان رهبانها يقولون :
ما كنا نظن أن فى الحنيفية مثل هذا ، کأنه جذع قائم الليل كله .
١٦٤ ز
وكان ورَّاد العجلى من العابدين ، وكان يقطع عامة ليله بكاء وتضرعاً ، وكان إذا
قرب الفجر سجد ثم / بكا ، ثم قال : مولاى ، عبدك يحب الاتصال بطاعتك فأعنه على
ذلك بتوفيقك ، أيها المنان ، عبدك يحب اجتناب سخطك فأعنه على ذلك بمنك ، أيها
المنان ، عبدك عظيم الرجاء لخيرك فلا تقطع رجاءه منه يوم يفرح بخيرك العابدون . هذا
ونحوه من الدعاء والتضرع، ولا یزال کذلك حتی یطلع الفجر . و کان قد عاهد الله عز
وجل ألا يضحك حتى يرى وجهه الكريم جل جلاله (٥) .
= النبى هو أبوه. الزبير بن العوام وأمه هى صفية بنت عبد المطلب وهى عمة النبى ◌ّثة ، بينما أم عبد الله هى أسماء
بنت أبى بكر أخت عائشة زوجة النبى عَّه .
(١) من أول هذا القوس المعقوف إلى آخره فى ص (٣٨٦) زيادة من : ز.
(٢) صفة الصفوة (٣٩١/١).
(٣) كل لفة للعمامة على الرأس تسمى كَوْراً .
(٤) صفة الصفوة (٦/٣ ).
(٥) صفة الصفوة (١٠٧/٣).
٣٨٥

وكان أبو يونس القوى (١) من العابدين. قال ابن وضاح: قال وكيع بن الجراح ذات
يوم : حدثنا أبو يونس القوى عن الحسن . فقيل له : من أبو يونس القوى ؟ قال : ذاك الذى
بكى حتى عمى ، وصلى حتى احدودب (٢)، وخاف حتى أقعد (٣).
وكانت حفصة بنت سيرين (٤) أخت محمد بن سيرين (٥) من العابدات القانتات من
ثقات النساء اللاتى يؤخذ عنهن حديث رسول الله # ، وروى عنها ثقات المحدثين .
قال هشام بن حسان : كان فراش حفصة بنت سيرين مصلاها أربعين سنة . قال :
وكانت تسرج سراجها من الليل ثم تصلى ، فربما طُفِئَ السراج فيضىء لها البيت حتى
يصبح(٦) .
وقال مهدى بن ميمون : مكثت حفصة بنت سيرين فى مصلاها ثلاثين سنة ما تخرج
١٨٥ ظ إلا لقائلة أو لقضاء] (٧) / حاجة .
يقول : لا تخرج منه إلا لنوم القائلة التى يستعان بها على صلاة الليل ، أو لقضاء
حاجة الإنسان التى لابد [ له ](٨) منها .
وقال محمد بن هشام : كانت حفصة تقول لنا : يا معشر الشباب ، خذوا من
[ أنفسكم] (٩) واعملوا للآخرة ، فإنى والله ما رأيت العمل إلا فى الشباب . قال: وقرأت
القرآن وهى بنت ثنتى عشرة سنة ، وماتت وهى بنت تسعين سنة .
وقال أبو سليمان الدارانى ؛ سمعت رابعة العدوية تقول فى جوف الليل : يا دليل
المتحيرين فى الفلوات (١٠)، وأنيس المستوحشين فى الخلوات ، بك أنسى إذا أنس البطالون
(١) فى ظ ، ز: المقبرى، وهو تصحيف، بل هو القوى، سمى بذلك لقوته على العبادة، وهو الحسن بن يزيد العجلى،
كوفى ثقة. انظر صفة الصفوة (٨٠/٣)، والجرح والتعديل (٤٢/٣).
(٢) احدودب ظهره : هو خروج الظهر ودخول البطن والصدر.
(٣) ورد هذا الخبر فى صفة الصفوة (٨٠/٣).
(٤) فى ز : بشر بن ، وهو تحريف من الناسخ .
(٥) البصرى الأنصارى، أبو بكر، إمام وقته فى البصره ، تابعى ، مولده ووفاته بالبصرة ( ٣٣ - ١١٠ هـ ) عن ٧٧
عاماً، اشتهر بالورع وتعبير الرؤيا، نشأ بزازاً ( بائع أقمشة). (الأعلام ١٥٤/٦).
(٦) صفة الصفوة (٢٢/٤).
(٧) إلى هنا زيادة من: ز، وانظر: صفة الصفوة (٢١/٤).
(٩) ناقصة فى: ز، وقد ورد هذا الخبر فى صفة الصفوة (٢١/٤).
(٨) ناقصة فى : ز .
(١٠) الفلوات : جمع فلاة وهى الصحراء .
٣٨٦

بسواك ، إلهى [ وسيدى](١)، قد انكدرت (٢) النجوم ونامت العيون وأنت الحى القيوم،
لا تأخذك سِنَةٌ ولا نوم ، وقد علَّقَتْ الملوك أبوابها وأرخت ستورها ، وخلا كل حبيب
بحبيبه وكل أنيس بأنيسه ، وخلوت بمناجاتك يا محبوب ، فوعزتك وجلالك لو قطعتنى
قطعاً، وصيبت علىَّ البلاء (٣) صباً ما تزيدت فى قلبى إلا حباً. ثم قالت : الله أكبر،
فقرأت القرآن كله فى أربع ركعات .
وقال مسمع بن عاصم : قالت رابعة - يعنى هذه - : اعتللت علة قطعتنى عن قيام
الليل ، ثم رزقنى الله العافية ، وأعقبتنى العلة [ عن ] (٤) فترة ، فكنت قد سكنت إلى
قراءة حزبى بالنهار وانقطع عنى قيام الليل ، فبينما أنا ذات ليلة رأيت فى منامى كأنى
دُفِعْتُ إلى روضة خضراء ذات قصور [وقِبَابٍ حِسَان ] (٥) ، فبينما أنا أجول فيها
وأتعجب من حسنها إذا أنا بجارية تطارد طائراً أخضر كأنها تريد أخذه ، فشغلنى حسنها
عن حسنه - تريد حسن الجارية عن حسن الطائر - فقلت لها : ما تريدين منه / دعیهِ فو الله
ما رأيت [قط ] (٦) طائراً أحسن منه؟ .
١٦٥ ز
قالت : فهل لكِ أن أرِيَكِ شيئاً هو أحسن منه؟ قلت : بلى ، فأخذت بيدى فأدارتنى
فى الروضة حتى أتت بى إلى باب قصر ، فاستفتحت ففتح لها . قالت : افتحوا لى بيت
المقة - أى بيت المحبة - فَفْتِحَ لها باب شاع منه شعاع استنار من نوره ما بين يدى وما خلفى
[ فدخلتْ ، ثم قالت : ادخلي . فدخلتُ ] (٧) إلى بيت يحار فيه البصر يتلألأً حسناً ، ما
أعرف له فى الدنيا شيئاً أشبهه به . قالت : فبينما نحن نجول فیه إذ رفع لنا باب ینخرق إلى
بستان . قالت : فأهوت نحوه وأنا معها ، فتلقانا وصفاء (٨) كأن وجوههم اللؤلؤ ، بأيديهم
المجامر (٩) .
قالت : أين تريدون ؟ قالوا : نريد فلاناً قُتِلَ شهيداً فى البحر . قالت لهم : أفلا
تجمّرون (١٠) هذه المرأة؟ - [ تعنى أن ] (١١) يبخرونى (١٢) بذلك البخور الذى كان فى
(١) ناقصة فى : ز .
(٣) فى ز : العذاب .
(٤) ناقصة فى : ز .
(٦) ناقصة في : ز .
(٧) ناقص فى : ز .
(٩) المجامر : المباخر .
(١٠) فى ز: تبخرون، وهو معنى تُجمِّرون .
(١١) فى ز : تعنينى أى .
(١٢) فى ظ، ز: يبخروننى، والصواب: يبخرونى، كما أثبتناه ؛ لأن الفعل المضارع هنا وقع بعد أن الناصبة للفعل =
٣٨٧
٠٦
(٢) اتكدرت النجوم: تناثرت في السماء.
ڼ(٥) فى ز : ونبات حسن.
(٨) فى ظ : وصفان .

المجامر - قلن لها : قد كان لها حظ من قيام الليل فتركته . قالت : فأرسلت يدها من يدى
ثم أقبلت علىّ فقالت :
ونَوْهُكِ ضِدٌّ للصلاةِ عَتِيدُ
صَلاَتُكِ نُورٌ والعِبَادُ رُقُودُ
تسيرُ ويبقى (١) دائباً ويبيدُ
وعمركِ غُنْمَ إِنْ عَقَلْتِ ومُهْلَةٌ
ثم غابت عنى واستيقظت . قالت رابعة : فما ذكرتها إلا طاش عقلى ،
١٨٦ ظ وأنكرت نفسى . قال مسمع : فحدثنى دَهثم العجلى قال: ما / نامت رابعة بعد هذه
الرؤيا [بليل ] (٢) حتى ماتت رحمها الله .
وكانت منيفة العابدة (٣) إذا هجم الليل قالت: يا نفسى ، قد جاء سرور المؤمنين ،
فتقوم فى محرابها كأنها الجذع القائم حتى تصبح ، فإذا أصبحت وأمكنت الصلاة قامت
تضلى فهى فى صلاة إلى العصر ، فإذا صلت العصر نامت ، فكان ذلك دأبها . فقيل
لها : لو جغلت هذه النومة بالليل كان أهدأ لبدنك ، فقالت : والله لا أنام فى ظلمة
الليل أبداً. فكان ذلك دأبها أربعين سنة حتى ماتت رحمة الله عليها ، وكانت تسكن
البحرين (٤).
قال عامر [ بن بابك أى ] (٥) من أهل البحرين: رأيت منيفة هذه فى النوم بعد
موتها ، فقلت لها : يا منيفة ، كيف حال الناس هنالك؟ فقالت : عن أى حال تسأل ؟ الدار
واحدة لأهل الطاعة لكنهم يتعالون (٦) فيها بالأعمال ، ولا تسأل عن حال أهل النار .
[ فبكيت فى منامى من قولها: ولا تسأل عن حال أهل النار ](٧)، ثم وليت فأتبعتنى صوتاً:
يا عامر، عليك بالجد والاجتهاد ، لعلك تسلك مسالك السابقين وتسعى سعى المجتهدين .
۵
قال عامر: فمرضت والله من رؤياى هذه شهراً (٨).
= فتحذف منه النون الأولى والثانية هى نون الوقاية فلا تحذف .
(١) فى ز : ويفنى .
(٢) ناقصة فى : ز .
(٣) منيفة العابدة : هى: منيفة بنت أبى طارق ، عابدة بحرانية .
(٤) صفة الصفوة (٦٨/٤).
(٥) ناقص فى : ز، وفى صفة الصفوة : عامر بن مليك .
(٦) فى ز : يتفاوتون .
(٧) ناقص فى : ز .
(٨) صفة الصفوة: ٤ /٦٨.
٣٨٨

وقال أبو سليمان الدارانى : ما اشتد عمل قط ولا ثقل مع قوة العزيمة على عمله
وإیاس النفس (١) من تر که .
وقد سأل الحواريون عيسى عليه السلام فقالوا له : كيف لنا أن ندرك جماع الصبر
ومعرفته؟ فقال (( قَدِّموا عزمكم فى الأمور كلها ، واستعملوه قبل أعمالكم ، واتخذوا
كتاب ربكم أمامكم فيما تعملون من أعمال دينكم )).
وفي الزبور: من أحب الله أحبه، ومن [ ناجى الله ](٢) بقوة العزيمة (٣) قَبِلَهُ.
وقال بعض الحكماء : من أراد الجنة وحورها ونعيمها وقصورها والنظر إلى وجه
العلى الأعلى فيها فليستعمل العزم على الزهد / فى الدنيا وعلى التوبة من الذنوب وعلى ١٦٦ ز
الاجتهاد فى قيام الليل ، فإنما الحظ لأهل العزائم .
وقال أحمد بن أبى الحوارى : قال أبو سليمان الداراني : يا أحمد ، اصبر على حر
قليل وبرد قليل وسهر قليل [ وجوع قليل ] (٤) وعطش قليل ، تقطع الدنيا بأعمال صالحة
تغتبط بها فى الآخرة ، وإنما سَوْرَةُ (٥) الجوع والعطش والسهر ساعة ، فإن صبرت فى تلك
الساعة وعزمت أدتك إلى راحة واغتباط .
ويُرْوَى عن ثوبان مولى رسول الله عنه أنه قال: قال رسول الله #: ((إنكم لتعملون
أعمالاً تعزب عنكم إلى يوم القيامة ، ويوشك العوازب أن تؤوب إلى أهلها فمسرور
ومكظوم)) تعزب : تغيب ، وتؤوب : ترجع، والمكظوم : الحزين .
مناجاة لیحیی بن معاذ :
يامن يأوى كل معتمد إليه ، ويستغنى به كل منقطع إليه ، يامن جعل دينى (٦)
توحيده، وعبادتى تمجيده ، وجعل [ أطيب ساعاتى ](٧) منه خلواتى ، وألذ أوقاتى منه
أوقات مناجاتى ، يامن أعزَّنى بالفهم عنه، وذللنى (٨) بالخوف منه، يامن أفردنى عن
أصحابى وأقرانى ، وأعزنى فى معارفی وجیرانی .
/ لقد هان لى فيك هجر الإخوان وترك الأوطان، وإنى لأتبرم (٩) بكلام الورى ١٨٧ ظ
(١) فى ظ : للنفس .
(٣) فى ظ : العزم .
(٢) فى ز : ناجاه .
(٤) ناقص فی ز .
(٥) سورة الجوع : شدته .
(٦) فى ز : دونى . وفى ظ : ذنبى .
(٧) فى ظ: أصيب ساعتى ، وفى ر: ساعاتى.
(٨) فى ز : ودلنى .
(٩) فى ظ: لأبره.
٣٨٩

وتضيق بى (١) حُجَرُ الدنيا ، وإنى لفى حبس الحياة مأسور ، وفى قيد الأحزان مصبور ،
سيدى ومولای وغايتى ومناى ، لئن كان صوتی عنك ممقوتاً لأملأن فمى تراباً، ولألبسن
من حزنى وذلى جلباباً ، ولئن كان محبوباً ليزدادن ظمأى منه شراباً ، وإنى على خوف
من ذلك ، لأرجُونَّ عفوك هنالك .
يا من جعل قلبى مأوى الأحزان ، وصدرى معدن الأشجان ، ظمئى لا يرويه
إلا رؤيتك ، وأملى لا يحققه إلا مشاهدتك، إلهى، كم تكون الأستار بينى وبين القرب
منك منسدلة ، والهموم بسبب ذلك إلى قلبى منجفلة (٢) .
طال وقوفى يارب الأرباب ، عاكفاً بالباب ، منتظراً للقبول ورفع الحجاب ، إلهى ،
قسا قلبى وجهلت أمرى ، وبخلت بالماء عينىّ ، ذهبت حياتى ودنت وفاتي ، وكأنى
بالقبور قد زيد فيها قبرى ، وأقبلت الديدان نحوى وبادرت مسرعة إلى ما قُدِّر لها من
الرزق فى بدنى ، ومزقت لفائف كفنى فلها نشيش (٣) فيما بين جلدى ولحمى، واختلاف
فى مفاصل (٤) عظمى ، تأكل فلا تُمْنع منى ولا تُصْرف بكيد الآدميين عنى ، [ يا ويح
نفسى إن تحيرت على الصراط غداً، وسُدَّ عنى الطريق إلى جنة المأوى ] (٥)، ياويح نفسى
إن سقطت عن (٦) الصراط إلى لظى ، وصرت إلى نار دخانها نار الدنيا .
سيدى ، أَبعدَ الإِيمان تعذبنى ، ومن مقطعات النيران تلبسنى ، وإلى (٧) جهنم مع
الأشقياء تحشرنى ، وإلى مالك خازنها تسلمنى ، وفيها ياذا العفو والإحسان تدخلنى ،
وعفوك الذى كنت أرجو تحرمنى ؟
وَيْحى كيف يحتمل أغلال النار عنقى ، وسرابيل القطران جسمى ، فيا أكرم
الأكرمين قَوِّ وهنى ، وفُك ماغلق من رهنى، واستعملنى عمل من استيقن حضور أجله،
بل [ من ] (٨) قد مات فرأى سوء عمله، ثم أجّلَ (٩) ساعة من نهار ليعمل للجنة (١٠) أو
النار ، ياولى المؤمنين يا أرحم الراحمين .
ومن مناجاته أيضاً :
إلهى ، كيف أدعوك وقد عصيتك؟ وكيف لا أدعوك وقد عرفتك ؟ مددت إليك يداً
(١) فى ز: لی .
، (٢) منجفلة: أى: مسرعة، فالهموم تهجم على قلبى مسرعة
(٣) أى : أن الدود يأكل فى لحمه أكلاً سريعاً، سالحة الجلد عن اللحم .
(٤) فی ز : مفاصلی و .
(٥) زيادة من : ز .
(٧) فى ز : وفى .
(٨) زيادة من : ز
(١٠) فى ظ : الى الجنة .
(٦) فى ظ : من .
(٩) فی ز : أخر .
٣٩٠

بالذنوب مملوءة ويميناً بالرجاء مشحونة، حق لمن دعا بالندم تذللاً أن تجيبه بالكرم تفضلاً.
إلهى ، لوعلمت أن غيرك يتولى حسابى لزهقت من المخافة روحى ، غير أنى أعلم
أنك تحاسبنى ولا تطلع الخلق على ما كان منى ، إلهى ، أرجوك مع الذنب ، وأخافك مع
الطاعة ، لأن الطاعة لا تؤمننى والذنب لا يوئسنى ، وإنى لأرجوك مع الذنب ، لأنك
بالعفو معروف ، وأخافك مع الطاعة لأنى بالآفات موصوف .
إلهى يكون من الفقير المحتاج الدعاء والمسألة ، ويكون من الغنى(١) الجواد النبل
والعطية .
ويُروَى أن غلبة الشوق إلى الله عز وجل أخرجت سمنون المحب (٢) ليلة من مُصَلاه
قال: فلما بلغت مقابر (٣) الشونيزية سمعت فى هَدْءٍ (٤) من الليل صوتاً له أنين وحنين ،
فقربت منه فسمعته يقول : الخوف أقْصَانى، والرجاء أدْنانى، والحب حيّرنى، والشوق
/ هيَّمنى، وأنا فيما بينهما أسير، وخلاصى عليك يسير ، قال: فوجدت قلبى وقصدته ١٨٨ ظ
فلم أجد أحداً فَعُدْتُ إلى موضعى، وإنى لأَهْيُمُ مما كنت .
وقال ذو النون المصرى رحمه الله : سمعت ريحانة المجنونة ليلة جمعة تناجی وقت
السحر وتقول : إلهى ، أنت سيدى وأملى ومَنْ به تمام (٥) عملى ، أعوذ بك من بدن
لا ينتصب بين يديك ، وأعوذ بك من عين لا تبكى شوقاً إليك ، إلهى ، أنت الذى صرفت
عن جفون المشتاقين لذيذ النعاس ، وأنت [الذى سلمت ] (٦) قلوب العارفين من اعتراض
الوسواس ، وأنت الذى خصصت أولياءك بخصائص الإخلاص ، وأنت الذى تولّيْتَ
أحباءك واطلعت على سرائرهم وأشرفت على مكنون ضمائرهم ، وسرى عندك
مكشوف ، وأنا إليك ملهوف، وأنت علىَّ رءوف، فارحمنى بكرمك يا أكرم الأكرمين
يا أرحم الراحمين .
،
ء
(١) فى ز : للعفو .
(٢) هو: سمنون بن حمزة أبو الحسن الخواص ويقال: أبو القاسم ، أصله من البصرة ، سكن بغداد ، من كبار مشايخ
العراق . انظر طبقات الصوفية للسلمى (١٩٥).
(٣) فى ظ : إلى مقابر، وفى ز: المقابر.
(٤) فى ز: هدوِّ (هكذا ضبطت وفيها لغات: هَدْءٍ - هُدْءٍ - هَدأةٍ ، هَدِئ - مُدُوء)
(٦) فى ظ : سلمت ، وفى ز: الذى سلبت .
(٥) فى ظ : تم .
٣٩١

وكان يوسف بن الحسين (١) - رحمه الله - كثيراً ما يقول فى مناجاته : إلهى ،
توبةً أو مغفرةً ، فقد ضاقت علىّ أبواب المعذرة ، إلهى ، خطيئتى (٢) خطيئة صماء
وعاقبتى عاقبة بهماء ، فلا الخطيئة أحْسِنُ الخروج منها، ولا العافية أهتدى الرجوع (٣)
إليها ، ومن شأن الكرماء الرفق بالأسرى، [ وأنا أسير تدبيرك ] (٤) .
ثم ينشد على إثر هذا :
[وإِنْ كَانَ قَلْبِى] (٦) فى الوثَاقِ أَسِيرُ
وأذكُرُكُمْ فِى [ السِّرِّ والجهْر](٥) دَائِباً
يُدَبِّرُ أمرَ الخَلْقِ وَهُوَ شَكُورُ
لِتَعلَمْ نَفْسى قُدْرة الخالقِ الذِى
ومن مناجاة ذى النون الإخميمى رحمه الله :
إلهى ، سمع العابدون بذكر عذابك فخشعوا ، وسمع المذنبون بحسن عفوك
فطمعوا ، إلهى ، إن كانت الخطايا أسقطتنى لَدَيْكَ فَاعْفُ عنى بُحسْن توكلى عليك ،
إلهى ، لك تُسبّح كل شجرة ، ولك تمجد (٧) كل مدرة (٨)، ولك تُسبِّح الطير فى
أو كارها والوحوش فى قفارها والحيتان فى قعور (٩) بحارها ، بأصوات خفية ونغمات
بكية (١٠) .
اللهم إنى [قد] (١١) أثبت بين يديك قدمى ، وأشخصت إليك بصرى ، ورفعت
إليك حوائجى (١٢)، وبسطت إلى مراهبك (١٣) يدى، وخشع لك قلبى وجسدى ،
وصرخ إليك صوتى ، وأنت الكريم الرءوف الرحيم الذى لا يضجره النداء ، ولا يبرمه
إلحاح الملحّين بالدعاء ، ولا يخيب رجاء المرتجين .
يارب ، هَبْ لى من حلمك وعفوك ما يكفينى هَمَّ ذنوبى ، ويستر على عيوبى ،
وينجينى من عذابك ، ويجيرنى من سخطك وعقابك ، يا أرحم الراحمين وأكرم
الأكرمين .
(١) فى ز: ابن الحسن، كنية أبو يعقوب: سمع أحمد بن حنبل وذا النون، وتوفى عام (٣٠٤ هـ ). صفة الصفوة
(٩٤/٣)، وحلية الأولياء (٢٣٨/١٠-٢٤٣)، وقد ورد هذان البيتان فى حلية الأولياء.
(٢) فى ظـ : خطيئاتى .
(٤) ناقص فى : ز .
(٣) فى ز : بالرجوع .
(٥) فى ظ : الجهر والسر .
(٦) فى ز : وقلبى كئيب .
(٧) فى ز : تسجد .
(٩) فى ز : قعر .
(٨) المدرة : قطعة الطين اليابسة ، جمعها مدر .
(١٠) نغمات بكية : ملؤها البكاء والأسى .
(١٢) فى ز : جوانحى .
(١١) ناقصة فى : ز .
(١٣) أى: مواضع رهبتك والخشية والخوف منك.
٣٩٢

ويروى عن مسمع بن عاصم قال: سمعت عابداً من أهل البحرين يقول فى مناجاته -
سمعته من جوف الليل من حيث لا يعلم بمكانى - : قرة عينى وسرور قلبى ، ما الذى
أسقطنى من عينك مانح العصمة ومنزل الرحمة ؟ ثم صرخ وبكى ، وقال: ضوبى لقلوب ١٨٩ ظ
ملأتها خشيتك ، واستولت عليها محبتك ، فخشيتك قاطعة لها عن [ سبيل] (١) كل
معصية خوفاً لحلول سخطك ، ومحبتك (٢) مانعة لها من كل لذة غير لذة مناجاتك ،
نافية (٣) لها عن كل ما يشغلها عن ذكرك ، محببة إليها الاجتهاد فى خدمتك ، ثم بكى .
ثم قال : واحزناه من خوف فَوْتِ الآخرة حيث لا رجعة إلى الدنيا ، ولا حيلة ولا
عثرة تقال (٤) ، ولا توبة تُنَال . يارب ، أشرقت بنورك السماوات ، وأنارت بوجهك
الظلمات ، وحجبت جلالك عن العيون ، فوصلت به معارف القلوب واستويت على عرشك ،
فناجاك من بسيط الأرض النبيون والصديقون ، فسمعت النجوى وعلمت السر وأخفى .
سيدى خضعت لك رقبتى ، وخشع لك قلبى ، لتدخلنى فى رحمتك ، وتكرمنى
بعزتك، وتنظر إلىَّ نظرة تجبرنى (٥) بها يا كريم (٦) .
وكانت امرأة من العوابد تقول فى مناجاتها : سبحانك ، ما أضيق الطريق على من لم
تکن دليله ، وما أوحش البلاد على من لم تكن أنيسه .
وكان ذو النون - رحمه الله - يقول فى مناجاته : يامن لعطفه (٧) بالرحمة
حسنت (٨) الشكوى، ويامن لقربه أمكنت النجوى، ويامن [ بالركود إلى أَنْسهِ طابت (٩)]
السكنى ، أذقنى برد الثقة بك وراحة التفويض إليك والتوكل عليك .
ويُروى عن أبى عبد الله البناجى (١٠) قال : تزوجت امرأة تسمى جوهرة،
فأعلمتنى أن معها ثلاثة آلاف دينار فكرهت صحبة من يريد الدنيا ويؤثر (١١) غير الله
تعالى ، فابتدأتنى وقالت لى : قد عزمت على أن أفرق مامعى على الفقراء والمساكين
وأصحبك على التجريد والإيثار والفقر ، ففعلت ذلك والتزمت قيام الليل وصيام النهار .
وكانت لا تسألنى حاجة إلا [ إذا] (١٢) ابتدأتها، فاستعرضت حوائجها يوماً فسألتنى أن
(١) ناقصة فى : ز .
(٤) فى ز : فقال ولا حيلة .
(٢) فى ظ : ومحبتها .
(٥) فى ظ : تحبونی .
(٨) فى ز: جنب .
(٣) فى ظـ: باقية .
(٦) ورد بعض هذا فى صفة الصفوة ( ٤ / ٦٧) .
(٧) فى ز : لطفه .
(٩) فى ظ : الركون بأنسه طاب .
(١٠) فى ز : الساجى ، وتقدم التعريف به .
(١٢) ناقصة فى : ز .
(١١) فى ز : تريد .
٣٩٣

أحج بها ، فأخذتها (١) على التجريد والإيثار، فبينما نحن بالنباح سمعت [ بالليل ] (٢)
صوتاً حزيناً ينادى وهو يقول:
يا حبيب من تحبب إليه ، يا قرة عين من لاذ به وانقطع إليه ، يا سيدى يا مولاى،
غلَّقَتْ الملوك أبوابها ، وأوقفت عليها حُجّابها، وخلا كل حبيب بحبيبه ، وقلوب العارفين
١٦٩ ز تأبى إلا حبك والأنس بك، وإنى قد / جئتك هذه الليلة من غير إدلال بعمل ولا استحقاق
بموهبة (٣)، وقد تركت الجنة لطالبيها ، والنعيم لسائليه ، أسألك أن تتفضل علىَّ بقربك،
ولا تحر منى طيب (٤) مناجاتك وجزيل العطية من الأنس بك، يا إلهى بالتحقيق يا حبيبى (٥)
بالتصديق .
قال : فقلت : يا جوهرة ، ما هذا الصوت الشجى فى الليل الهادى ؟ فقالت : لا علم
لى به حتى أسأل، فسألت فأخْبرتْ أنها (٦) سلامة السوداء، وأنها تعبد الله سبحانه على
١٩٠ ظ التجريد والإيثار، منذ زمان يُسمع صوتها / ولا يُعَرفُ موضعها.
قال : وسلامة كانت من المتعبدات (٧) القانتات المتجردات ، وهى التى سأل اللهَ
تعالى سبحانه إبراهيم بن أدهم أن تكون زوجته فى الجنة لتجريدها وإيثارها .
وقال حكيم بن جعفر : سمعت أبا عبد الله البرائى غير مرة يقول : كرمك أطمعنا يا
سيدى فى عفوك ، وجودك رجانا فى فضلك ، وذنوبنا تؤيسنا من ذلك، وقلوبنا - لمعرفتها
بك - تأبى أن تقطع (٨) رجاءها منك، فتفضل أيها الكريم وجُدْ بعفوك يا رحيم (٩).
وقال بعض الصالحين : كنت فى الطواف ليلة فسمعت أنين شاب يئن فى حين (١٠)
سجوده ومناجاته لمعبوده وهو يقول : إلهى ، نامت العيون ، وصرفت بمكارمك الظنون ،
إلهى ، مَن العبد الذليل حتى يناجى الملك الجليل ، إلهى ، مهما تصرفت فى عبدك فلا
تشمت به الشيطان الحاسد ، ولا تجمع بينه وبين العدو الجاحد .
وكانت شعوانة العابدة تقول فى مناجاتها : إلهى ، ما أشوقنى إلى لقائك ، وأعظم
رجائى فى ثوابك ، وأنت الكريم الذى لا يخيب لديه أمل الآملين ، ولا يبطل عنده شوق
(١) فى ز : فاخدمها .
(٢) ناقصة فی: ز .
(٣) فى ظ : لموهبة .
(٤) فى ز : طول .
(٥) فی ز : يا إلهى .
(٦) فى ظ : أن هذه .
(٧) فى ز : العابدات .
(٨) فى ز: ينقطع .
(٩) صفة الصفوة (٢٥٣/٢).
(١٠) فى ز : حال .
٣٩٤

المشتاقين (١) ، إلهى، إن كان دنا (٢) أجلى ولم يقربنى منك عملى فقد جعلت الاعتراف
بالذنب وسائلى ، فإن عفوت فمن أولَى منك بذلك ؟ وإن عذبت فمن أعدل منك هنالك ،
إلهى ، قد أخذت (٣) على نفسى فى النظر لها ، وبقى لها حسن نظرك ، فالويل لها إن لم
تسعدها ، إلهى ، إنك لم تزل بى بَرًا أيام حياتى فلا تقطع برك عنى بعد مماتى ، ولقد
رجوت ممن تولانی فی حیاتی پإحسانه أن یسعفنی عند (٤) مماتی بغفرانه .
إلهى ، كيف أيأس من حسن نظرك بعد مماتى ولم تولنى إلا الجميل فى حياتى ؟
إلهى ، إن كانت ذنوبى قد أخافتنى فإن محبتى لك قد أجارتنى ، إلهى ، لو أردت إهانتى
لما هديتنى، ولو أردت فضيحتى لما سترتنى ، إلهى ، ما أظنك تردنى فى حاجة أفنيت فيها
عمرى ، إلهى ، لولا ما قارفت من الذنوب ما خفت [ من ](٥) عقابك ، ولولا ما عرفت
من كرمك ما رجوت ثوابك .
وقال محمد بن عبد العزيز : كانت شعوانة قد كبرت وضعفت وقعدت عن العمل
فأتاها آت فى منامها فقال :
أذرى (٦) جفونك إما كنت شاجية (٧)
إن البکاء شفاء من کان محزونا
إن الدؤوب لمن فعل المطيعنا (٨)
صومی وصلى سواد الليل دائبة
وكانت من أحسن الناس صوتاً إذا قرأت أو بكت أو ناحت على نفسها ، وكان
يجتمع إليها صنوف من الناس ، من القُرّاء يأخذون من حسن صوتها ونغمتها /، وكذلك ١٧٠ ز
أصحاب النياحة وأصحاب الحدو (٩) وغيرهم، ولم يكن عندها شىء من الألحان إنما كان
حسناً رزقته من غير تكلف ولا تعمد (١٠).
/ وكانت عجردة العابدة إذا جاء الليل لبست ثيابها وتقنعت ثم دخلت محرابها (١١) ١٩١ ظـ
(١) فى ز : الشائقين .
(٢) فى ز : أتى .
(٣) فى ظ : جرت .
(٤) فی ز : بعد .
(٦) أذرت العين الدمع : صبته ، والذرى : ما انصب من الدمع .
(٥) زيادة من : ز .
(٧) فى ظ ، ز: ساجية، والشجو: الهم والحزن .
(٨) ورد هذان البيتان فى صفة الصفوة (٤٩/٤).
(٩) أصحاب الحدو : الذين يقودون الإبل فيحدون بغناء.
(١٠) صفة الصفوة (٤٩/٤).
(١١) فى ز: فى محرابها .
٣٩٥

فصلَّتْ إلى السَّحَر ، ثم قعدت تدعو إلى الفجر ، فقال لها بعض أهل الدار : لو نمت
شيئاً . فبكت وقالت: ذكر الموت لا يدعثنى أن أنام (١) .
وقال سعيد الأزرق: أتيت مكة ليلاً فبدأت بالبيت، فبينا أنا أطوف [ به ] (٢) إذا
بامرأة رافعة يديها ملتزمة البيت ، قد علا نشيجها وهى تقول: يا مَنْ لا تراه العيون ، ولا
تخالطه الظنون ، ولا تغيره الدهور ، ولا يخاف الدوائر ولا يخشى العواقب عالم مثاقيل
الجبال ومكاييل البحار ، وعدد الأمطار وورق الأشجار ، وما أظلم عليه الليل ، وما أشرق
علیه النهار .
أسألك يَامَنْ استكانت لعظمته السماوات والأرض أن تجعل خير عمرى (٣) آخره،
وخير عملى خاتمته ، وخير أيامى يوم لقائك (٤)، وخير ساعاتى ساعة خروجى من دار الفناء
إلى دار البقاء، التى تكرم فيها من أحببت من أوليائك ، وتهين فيها من أبغضت من أعدائك ،
أسألك يا إلهى عافية جامعة لخير الدنيا والآخرة ، ثم صرخت صرخة غشى عليها (٥) .
ويُرْوَى عن بكر العابد قال : تعبد شاب صغير من أهل الشام ، فبالغ فى العبادة
والاجتهاد فقالت له أمه : يا بنى ، عملت بنفسك ما لم يعمله أحد من الناس ، أما تريد أن
تنام فى ليل ولا نهار ؟ فقال لها : يا أماه، ليتك كنت بى عقيماً، ليتك لم تلدينى (٦)
يا أماه، إن لابنك فى القبر رقاداً طويلاً، وفى عرصات القيامة موقفاً مهولاً ، فقالت له :
يا بنى ، لولا أنى أعرفك صغيراً طيباً وكبيراً طيباً لظننت أنك أحدثت حدثً موبقاً وأذنبت
ذنباً مهلكاً لما أراك تصنع بنفسك. فقال لها : يا أماه ، وما يدرينى أن يكون الله عز وجل
قد اطلع علىّ ، وأنا فى بعض ذنوبى فمقتنى وقال : اذهب فلن أغفر لك ، ثم صرخ
صرخة خَرَّ منها ميتاً رحمة الله عليه (٧) .
ويُروى عن أبى عمر بن حزب الله (٨) قال : كنت فى محرس من محارس الشام ،
فسمعت رجلاً ینشد هذه الأبيات بالليل :
لَوْ عَلِمَ الراقِدُونَ مَا رَقَدُوا
وَلاَ تهنَّى مَنَامَهُ أَحَدُ
(١) صفة الصفوة (٢٦/٤).
(٣) فى ظ : عملى .
(٢) ناقصة فى : ز .
(٤) فى ظ : ألقاك .
(٥) صفة الصفوة (٣٣٥/٤، ٣٣٦).
(٦) فى ظ ، ز : تلدنى .
(٧) أورده ابن الجوزى مختصراً فى صفة الصفوة (٢٤٢/٤) ترجمة ٨١٦.
(٨) فى ز : ويروى أبى عمرو بن حرب الله .
٣٩٦

قَدْ فَازَ مَنْ فى الظّلامِ يجتهدُ
يَأيهاَ النَّائِمُونَ وَيُحَكُمُ
إِنْ كُنْتم نُوَّمَا فِإِنَّلَهُ
رِجَالَ صِدْقٍ له (١) قَد انفردُوا
قال : فقام الناس من كل جهة لما سمعوه يصلون ويتهجدون (٢).
ومرَّ قوم براهب فرأوا ما يصنع بنفسه من الاجتهاد ، فكلموه فى ذلك ، فقال : وما
هذا عندما يُرَادُ بالخلق (٣) من ملاقاة الأهوال وهم غافلون ، قد عكفوا على حظوظ
أنفسهم ونسوا حظهم الأكبر من ربهم ، فبكى القوم عن آخرهم .
ويُروَى أن الله عز وجل يأمر ملكاً من / الملائكة فى الليل فيقول : انزل إلى بلد كذا ١٩٢ ظ
فَبِّه فلاناً ، فإنى أحب مناجاته ، وأنِمْ فلاناً فإنى أكره مناجاته .
وقيل : إذا لم يرض الله تعالى مقام عبد حرمه لذة مناجاته .
اللهم لا / تجعلنا من المحرومين، وَجُدْ علينا برحمتك ياأر حم الراحمين .
١٧١ ز .
وقال أبو خزيمة القاضى - قاضى مصر -: كنت بالإسكندرية فأتانى آتٍ فى منامى
فقال لى : قُمْ فَصَلّ . ثم قال : أما علمت أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل هم خزانها .
وقال منصور بن عمار الواعظ : لو علمت من عصيت لما نمت أو تسترضيه ،
ولَفررْتَ بالنهار عن معاصيه .
ويُروَى عن ذى النون المصرى - رحمه الله - قال: بَيْنَا أنا بشاطئ البحر إذا أنا
بجارية والصبيان يتبعونها ويرمونها بالحجارة فكففتهم عنها ، فنظرت إلىّ وقالت : ياذا
النون . فوقفت لها . فقالت لى : ما علامة المجتهدين يرحمك الله ؟ فقلت لها : نهارهم
صيام وليلهم قيام . فقالت : هذا هو ؟ قلت : نعم ، فقالت :
أنتَ أُنْسِى وأنتَ مِنِّى قَرِيبُ
يَاحَبيبَ القُلُوبِ أنتَ حَبِيبٌ
كُلُّذِى عِلَّةٍ فَنِعْمَ الطبيبُ
يَا طَبِيباً بذكرِهِ يَتَدَاوَى
واستنارتْ فما تلاَهَا غُرُوبُ
طلعتْ شمسُ مَنْ أحبكَ لَيْلا
وشمسُ القُلُوبِ ليس تَغِيبُ
إنَّ شمسَ النهارِ تغربُ بالليل
فإلى رَبِّهَا تحنُّ القُلُوبُ
فَإِذَا ما الظلامُ أسبَلَ سِتْراً
(٢) فى ز : ويجتهدون .
(٣) فى ظ : من الخلق .
(١) فى ز: به .
٣٩٧

ثم قالت : كيف يلذ فى ظلم الليل المنام من علم أن حبيبه لا ينام ، أما تقوم العيون
النائمة إليه ، فعساه يقسم لها من رحمته ما تتنعم به - أو [قالت ] (١) كلاماً يرجع إلى هذا
[ ثم بكت وقالت ] (٢): حيائى منك أمرضني، وحبى لك أسقمنى، فإن فكّرتُ فى
إحسانك لم (٣) أبلغ بفكرى إلى كنهه ، وإِذْ ذكرت سترك علىَّ لم أَقُمْ بُشكْرِهِ ، فيا
عجباً لقلوب العارفين، كيف لم تنقطع إجلالا لك إذا عرفوك ، وإعظاماً لقدرتك إذ وصفوك ؟
فتباركت ما أجهل من عصاك واغتر بحلمك مع علمه بأنك ناظر إليه مطلع عليه .
وقال مالك بن دينار : الصلاة خدمة الله فى الأرض ، ولو علم الله أن شيئاً
حسن عبادته أفضل من الصلاة لما قال: ﴿فَنَادَتْهُ الملائكة وهُوَ قَائِمٌ يُصلّى فى
المحرابِ﴾ (٤) (٥).
وقال نبينا محمد ﴾﴾: « أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد )) وقد تقدم هذا
الحديث .
قال سفيان بن عيينة : قدم علينا يوسف بن يعقوب - [ كان قاضياً] (٦) لأهل اليمن ..
فذاكرناه أخبار الحكم بن أبان (٧) فأثنى عليه خيراً وقال : كان يصلى بالليل ، فإذا غلبه
النعاس نزل فى البحر ، فقعد فيه يسبح الله ويقول أسبحه مع دواب البحر ، وأذكره مع
١٩٣ ظ الذاكرين، وأسبحه مع المسبحين، سبحان المسبح بألسنة الأولين والآخرين من أهل
السماوات والأرض والخلائق أجمعين (٨).
وقالت ابنة عامر بن عبد الله لأبيها : يا أبت ، ما لى أرى الناس ينامون وأنت لا تنام؟
فقال: إن حاجتى لا تدعنى أنام ، وعامر هذا معروف فى العابدين المجتهدين ، وقد تقدم
ذكره .
وفى الحديث أن رسول الله ع# بات ليلة بدر [قائماً يصلى ] (٩) إلى الصبح،
ويدعو ربه تبارك وتعالى ، منعه ما كان فيه من الدعاء والاستنصار بالله عز وجل عن
النوم .
ـل:
مسـ
(٣) فى ظ: التى لم .
(١) ناقصة فى : ز .
(٢) فى ز: قالت وهى تبكى .
(٤) آل عمران : ٣٩ .
(٥) وقع هنا فى ظ: والله أعلم قال غيره، (٦) فى ظ : قاض كان .
(٧) هو: أبو عيسى الحكم بن أبان العدنى، سمع من عكرمة وغيره، توفى (١٥٤ هـ)، قال ابن عيينة: ((لم أرَ مثل
الحكم بن أبان ، وثقه ابن معين )) .
(٨) أورد هذا الخبر أبو نعيم في الحلية ( ١٠ / ١٤٠)، وابن أبى حاتم فى الجرح (٣ /١١٣)، وابن الجوزى فى صفة
(٩) فى ز: يصلى قائماً.
الصفوة (٢ /١٩٥).
٣٩٨

وكان عمران بن زيد قد عاهد الله تعالى ألا ينام بليل إلا مغلوباً، وكان يقول: حُيِّبت
إلىَّ طاعة الله، فلولا الركوع والسجود وقراءة القرآن ما أحببت البقاء فى الدنيا . فلم يزل
مجهوداً مجتهداً حتى مات ، فرأته ابنته فى النوم ، فقالت له : يا أبت ، لا عهد لى بك منذ
فارقتنا فكيف حالك ؟ قال : خير حال يا بنية ، قُرِّبْنا فى المنازل ، ومُهَّدَتْ لنا المضاجع ،
ونحن هاهنا يغدى علينا ويراح برزقنا من الجنة . فقالت : وما الذى بلغكم هذا ؟ قال :
الصبر الصالح ، وكثرة التلاوة للقرآن .
وقال بعضهم لابنه وهو يوصيه: يا بُنَىَّ، اتَّقِ الله بالليل والنهار ، والسر والعلانية ،
وعليك بخلوة الليل وطول السهر ، ففى ذلك حياة القلب وصلاح البدن .
وقال يحيى بن معاذ الرازى - رحمه الله - : ما وجدنا فى الفضائل عملاً أفضل من
قيام الليل ، ولا ورثوا عن شىء من تلك الأعمال ما ورثوا عن قيام الليل ، به وجدوا
القلوب وزايلوا الذنوب ، ووقعوا على الطريق إلى علام الغيوب .
وكان حسان بن أبى سنان (١) من المجتهدين المشمرين، كان ورعاً [ كثير الصلاة](٢)
كثير الصيام ، فنحل وسقم حتى صار كهيئة الخيال ، فلما مات وأدخل مغسلة (٣)
ليغسل ، وكشف عنه الثوب فإذا هو كالخيط رقة ونحافة ، فجعل أصحابه من حوله
يبكون (٤) .
قال يحيى بن سليمان وإبراهيم العبسى (٥) : لما نظرنا إليه وهو كذلك قد أبلاه
الدءوب (٦) والاجتهاد أكبرنا ذلك ، وبكى أهل البيت وعلت أصواتهم ، فسمعوا قائلاً
[ يقول ](٧) من ناحية البيت :
،
نَحِيلَ الجسم مِنْ طِولِ الصِّيام
تَجَّوعَ ل لِكَیْ یَرَآهُ
لأذهبَ جِسْمَهُ طُول القيام
وقامَ لِربِّهِ فى الليل حتَّى
فوالله ما رأينا فى البيت إلا باكيا (٨)، وتفقدنا قائل هذا فَلَمْ نَرَ أحدا، وكانوا يَرَوْنَ أن
(١) هو : حسان بن أبى سنان بن أبى أوفى التنوخى، من أهل الأنبار، كان نصرانيا وأسلم، وكان يُعرِّب الكتب بون
يدى ربيعة والى الأنبار. الأعلام (١٧٦/٢).
(٤) صفة الصفوة (٢٢٧/٣).
(٣) فی ظ : مغتسله.
(٢) زيادة من : ز .
(٥) فى ز : العيش .
(٦) الدءوب والدأب والدأب بمعنى واحد وهو الجد والتعب فى طلب الأمر وتحصيله. انظر لسان العرب مادة (دأب).
(٨) فى ز: باكية، وقد ورد هذا الخبر فى صفة الصفوة (٣ /٢٢٩).
(٧) ناقصة فی : ز .
٣٩٩

بعض الجن رثاه ، رحمه الله.
وقال بعض الصالحين: سمعت قائلاً يقول ليلاً من جانب البحر ینشد بيتين ، فقصدت
الصوت فلم أجد أحداً ولا رأيت أحداً، فعلمت أنه هاتف [ بالحق ] (١) ، وهما هذان
البيتان :
وآخرُونَ لَهُمْ سِرْدٌ يَصُومُونا
لَوْلا رجالٌ لهم وِرْدٌ يَقُومُونا
٠٠
لِأَنكُمْ قَوْمُ سُوءٍ لاَ تُبَالُوْنَا
لَزُلزِلَتْ أرضكُمْ مِنْ تحتكم سَحَراً
١٩٤ ظ
ويُروَى عن محمد بن عبد الواحد، وكان من الصالحين قال: ركبنا البحر / فأصابتنا
أهواله ، فألقتنا إلى جزيرة من جزائره فخرجنا إليها ، فإذا رجل يعبد صنماً من دون الله عز
وجل ، فقلنا له : مَن تعبد ؟ فقال: هذا ، وأومأ بيده إلى الصنم. فقلنا له : ما هذا إله، هذا
لا شىء عندنا ، فى المركب من يعمل مثله وخيراً منه. قال: وأنتم مَنْ تعبدون ؟ قلنا :
[ نحن] (٢) نعبد الله الملك الذى فى السماء عرشه، وفى الأرض مشيئته ، وفى البر
والبحر قدرته ، وفى الموتى قضاؤه ، وفى الأجنّة فى بطون أمهاتها ينفذ حكمه .
:· قال : وما علمكم بهذا الذى تقولون ؟ قلنا : بعث إلينا رسولاً كريماً فأخبرنا بذلك .
١٧/٣ , قال :وما فعل ذلك الرسول؟ / قلنا له: [أدَّى الأمانة وبلَّغ الرسالة ] (٣)، ثم قبضه الله إليه
واختار له ما لديه . قال : فهل عندكم من علامة ؟ قلنا : نعم ، ترك عندنا كتاب الملك .
قال : فأقرئونى كتاب هذا الملك ، فإنه ينبغى لكلام هذا الملك فى سلطانه وجلاله أن
يكون حسناً .
فأتيناه (٤) بالمصحف فقال : لا أعرف هذا، لا أقرؤه . فقرأنا عليه منه فبكى ، فلم
نَزَلْ نقرأ عليه وهو يبكى فلما فرغنا قال : ينبغى لصاحب هذا الكتاب ألا يُعْصَى ، ثم قال :
أشهد أن لا إله إلا الله صاحب هذا الكتاب (٥)، وأشهد أن محمداً رسول الله الذى جاء
به. فعلمناه شرائع الإسلام وسُوَراً من القرآن ، وحملناه [ معنا فى ] (٦) المركب ، فلما
صلينا العشاء الآخرة ذهبنا ننام فقال : يا قوم ، هذا الإله الذى دللتمونى عليه أينام إذا جَنَهُ
الليل . فقلنا : هو عظيم شأنه عَزَّتْ أسماؤه و جل جلاله .
فقال : بئس العبيد أنتم إذ تنامون ومولاكم لا ينام ، يريد ألا ينام أحد إلا مغلوباً ، فأقبل
(١) زيادة من : ز .
(٤) في ظ : قال فأتيناه .
(٢) ناقصة فى : ز .
(٥) فى ظ : الكلام.
(٣) في ز: أدى الرسالة وأدى الأمانة .
(٦) فى ظ : مع أنفسنا فى .
٤٠٠