النص المفهرس
صفحات 361-380
وقال ابن مسعود - رضى الله عنه - : ليس للمؤمن راحة دون لقاء الله عز وجل ، ومن كانت راحته فى لقاء الله تعالى [ فكان به](١). وكان أبو ريحانة يقول : سبحانك، مَا لمنْ عرفكَ راحةٌ دون لقائك . ويُروى أن الله عز وجل أوحى إلى موسى عليه السلام: (( يا موسى، / إنه إن انقطع ١٧١ ظ حبلك منی لم يصل بحبل غیری ، فاعبدنی وقم بین یدی مقام العبد ، واذمم نفسك فھی أولَى بالذم ، واذكر أنك ساكن القبر، وَلْيمنعْكَ ذلك عن كثير من الشهوات)). ومما يُذْكَر أنه فى الزبور: ((يا داود ، قُمْ الليل وقَدِّسْنى فيه وأَكْثِرْ ذكرى، فإِن نوافلَ الليل نوافل توجب الجنة ، يا داود ، اتْلُ كتابى وَاخْلُ به خلوة [ حبيب يحب حبيبه] (٢). ويُروى عن العلاء بن كثير [قال](٣): [أدركت ](٤) من أدركت من سلف هذه الأمة ما يرضون من أبدانهم إلا بأشد ما يقدرون عليه من العبادة ، يتعبون أنفسهم فى ليلهم و نهارهم. ونظر رجل إلى الحسن بن أبى الحسن البصرى وهو يتحامل إلى المسجد فى المطر وشدة الوحل ، فكلمه فى ذلك ، فقال: أى أخى ، إنما هو الاجتهاد أو الهلكة (٥) . وقال يزيد بن خالد الأزدى (٦): قال لى أبى: أى بنى ، من أيقن بثواب عمله هانت علیه مشقته ، ومن يصبر ينل ما يحب إن شاء الله . ويروى عن عيسى - عليه السلام - أنه قال : حب الفردوس وخشية جهنم يورثان الصبر على المشقة ، ويبعدان العبد عن (٧) راحة الدنيا . وقال مجمع بن يحيى : فى بعض كتب الله عز وجل : أيحسبُ راعى إبل أو غنم إذا جَنَّه الليل انجدلَ أَنْ أجعله كقائم الليل وساجده وأنا الحكمُ . وذكر ميمون بن الحكم عن عبد الله بن إبراهيم عن أبيه قال : سافر المغيرة بن حكيم إلى مكة أكثر من سبعين سَفْرةٍ صائماً محرماً حافياً، وكان مع ذلك [ كله ] (٨) لا تفوته (١) فى ز: فكان، وقد ورد هذا الخبر فى الحلية لأبى نعيم (٢٣٦/١)، والزهد لابن المبارك (ص ٧)، وقد وقع فيهما : فکان قد . (٤) ناقصة فی : ز . (٣) تكررت في : ز . (٢) فى ز : خليل يحب خليله . (٥) انظر: الزهد لابن المبارك (ص١) فيما زاده نعيم بن حماد حديث (١). (٦) فى ز : الأودى . (٨) زيادة من: ز . .(٧) فى ظ : مـ . . ٣٦١ صلاة السحر يقوم إلى الصلاة ويرحل للناس ، فإذا فرغ لحق متى ما لحق ، وكان حزبه فى صلاة الضحى من البقرة إلى سورة هود ، ومن الزوال إلى العصر من هود إلى سورة ١٥١ ز الحج، ومن الليل من الحج / إلى آخر القرآن، فكان يختم القرآن فى يومه وليلته (١). وقال إبراهيم بن عبد الله: (٢) احتمل العاملون الله الصبر على المكاره ، وأنسوا بالوحدة ، واستوحشوا من الخلق ، وزهدوا فى معاشرة الناس ، ومقتوا الدنيا فلم يلتفتوا إلى طيب عيشها . وقال بعض المتعبدين : إنى لأكره أن أعطى عَيْنىَّ شهوتها من النوم . وأنشدوا : وَمَا كَذاَ ذُو بصيرةٍ رَقَدَا يَا رَقدَ الليلِ مِلءَ مُقْلَتهِ هَلْ أَنْتَ مِنْ صَرْفِهِ (٣) على ثقةٍ أَوْ هْلَ تخلَّصْتَ (٤) مِنْ مكَارههِ هَيْهَاتَ كَمْ نائم قدْ أَقْصدُه فَلَمْ يَفِقْ مِنْ لذيذِ رَقْدتهِ وَلَمْ يَجِدْ من جميعِ مَا ذَخَرتْ وحسرة فى الضُّلُوعِ قَدْ صدعَتْ فيا نؤوما والموت يطلبه (٦) / وَيْكَ تَقَّظْ والليلُ فِى سَعَةٍ واقدحْ بجنبيكَ نَارَ تذكرةٍ وامزجْ بخدَّيْكَ دمعةً بدَم مِنْ أَنْ تَرَى غُرَّةَ الصَّباحِ غَدَا إِنْ هُوَ إِيَّاكُمْ بِها قَصَدا فى نَوْمِه ذَاكَ منه سَهْمُ رَدَا إلا إلى غُصَّةٍ لغيرِ مَدَا يَدَاهُ إِلا تنفُس الصُّعَدا أكْباده عند ذَاكُمْ كَمِدَا (٥) قَدْ مَدَّ رِجْلًا لأخذه ويدا والنومُ فَوْقَ الجِفُونِ قَدْ ركَدا تأكلُ مِنْكَ الفؤادَ والكبدا من قلبٍ حرَّانَ فارقَ الجُلْدا ١٧٢ ظـ (١) صفة الصفوة (١٩٥/٢). (٢) فى حلية الأولياء (٣١٢/٦): إبراهيم بن عبد الله بن أبى الأسود، راوى رسالة الحسن البصرى إلى عمر بن عبد العزيز . (٣) صرفه : تقلبه ومصائبه . (٦) فى ز: تحصنت. (٥) فى ظ : عمدا . (٦) فى ز: يا نائماً والمنون تطلبه . ٣٦٢ قَدْ تركَ الدارَ مِنْهُ مغفرةً وَاضْرِعْ لمن جُودُهُ ونَائِلهُ(١) لَعِلَّهُ والمَنَى بِهِ عَلِقَتْ يُعْطِيكُمَا تَوْبَةً مُجَلِّيَةً فَلَيَس إلا رَجَاؤُهُ أَمَلا وقال سفيان : كان يقال : الموت راحة العابدين . وأوحشَ الأُهلَ منه والولَدا جَارٍ على الخَلْقِ دائماً أَبَدا إذْ لمْ تجدْ عن ذُرَاهُ مُلْتَحِدا (٢) تَجْلُو الذى فِيكَ من قَدْ أَوْصَدا وليسَ إلا جَزَاءُهُ مُعتمدَاً وقيل لبعض الصالحين - وكان يتعب ويجتهد - : أما تستريح ؟ فقال : ليس هذا زمان الراحة ، هذا زمان التعب ، الراحة أمام . وكان بعض الصالحين إذا سمع بموت عابد يقول : استراح المتعب ، وتم التعب . وقال مالك بن دينار : ما من عمل من أعمال البر إلا ودونه عقبة ، فإن صبر صاحبه أفضت به تلك العقبة إلى رَوْح وراحة ، وإن جزعٍ ولم يصبر رجع (٣). وذكر ابن وضاح (٤) من حديث أبى عثمان مرسلاً عن النبى عرّ قال: ((من خصبًا على نفسه ما تكره فله أجران )) . ومن مراسيل الحسن قال: قال رسول الله عميل: (( يرحم الله أقواما يحسبهم الناس مرضى وما هم بمرضى ، جهدتهم العبادة)) (٥) . وقال عمر بن عبد العزيز : قوة المؤمن فى قلبه ، وقوة المنافق فى بدنه . وقال سليمان التيمى: أتانى آتٍ فى منامى ، فقال لى: يا سليمان ، إن قوة المؤمن فى قلبه . وقال قتادة : يابن آدم ، إن كنت تريد ألا تأتى الخير إلا على نشاط ، فإن نفسك إلى السآمة والفتور والكسل أَمْيَل ، ولكن المؤمن هو المتحامل ، والمؤمن هو المتقوّى، والمؤمن (٢) ذرى المنى: أى: قمة الأمانى. وملتحداً: أى: ميلاً. (١) نائله : عطاؤه ، والنوال مثله . .(٣) صفة الصفوة (١٨٥/٣). (٤) هو: محمد بن وضاح بن بزيع، أبو عبد الله، محدث من أهل قرطبة ، رحل إلى المشرق ، أخذ عن كثير من العلماء، ولد (١٩٩ هـ) وتوفى (٢٨٦ هـ) عن ٨٧ عاماً. الأعلام (١٣٣/٧). (٥) أخرجه ابن المبارك فى الزهد ( ص ٣١)، وعزاه الأعظمى لابن نصر فى قيام الليل (ص ١٢ ). ٣٦٣ ١٥٢ ز هو المتشدد (١) والمؤمنون هم العَجَّاجُونَ (٢) إلى الله / تعالى آناء الليل وآناء النهار، والله ما زالوا يقولون : ربنا ربنا ، حتى استجاب لهم . وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب - رضى الله عنهما - يقول: اجتهدوا فى العمل، فإن يكن الأمر فيه شدة كنتم قد أخذتم بالوثيقة لأنفسكم ، وإن يكن الأمر فيه لين كانت أعمالكم درجات وقربات . وقال مثنى بن الصباح: (٣) مات عم لى فرأيته فى النوم وهو يقول : الدنيا غرور والآخرة سرور ، ولم نَرَ شيئاً مثل اليقين والنصح لله وللمسلمين ، لا تَحقِرَنَّ من المعروف شيئاً، واعملْ عمل مَنْ يعلم أنه مُقَصِّر . وقال ثابت البنانى : لا يُسمَّى العابد عابداً حتى تكون فيه الصلاة والصيام كأنهما من لحمه ودمه ، وكان قد حببت إليه الصلاة ، وكان يقول : اللهم إن كنت أذنت لأحد أن . یصلی فی قبره فأذن لى . وكان داود الطائى (٤) أحد الفقهاء، فَتعبَّد ودأبَ واجتهد ، وكان جعل غذاءه شرب ١٧٣ ظ الفتيت / وترك أكل الخبز ، فقيل له فى ذلك ، فقال : بين شرب الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية ، وكان كثير الصلاة والسهر ، كثير المداومة على العمل ، كان (٥) لا ينام الليل، فإذا غلبته عيناه نام (٦) محتبياً . وقال له رجل [ يوماً] (٧): ألا [تُسَرِّح لحيتك](٨)؟ قال: إنى إذاً لفارغ. ودخل عنده رجل فقال [ له ] (٩) : أرى فى سقف بيتك خشبة مكسورة . فقال له : يابن أخى إن لى فيه عشرين سنة ما نظرت إلى سقفه . وكانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام . (١) المقصود: الذى يأخذ الأمر بالحزم والقوة لا بالتهاون والتكاسل . (٢) العجاجون : رافعو الصوت بالدعاء والاستغاثة . (٣) اليمانى ، ثم المكى ، من رجال الحديث ، كان من أعبد الناس ، طال عمره واختلط فكانت له أوهام فى الرواية ، فَعُدَّ من الضعفاء، توفى بمكة ( ١٤٩ هـ). الأعلام (٢٧٦/٥). (٤) هو : داود بن نصير الطائی ، أبو سليمان ، من أئمة المتصوفین ، خراسانی الأصل، ولد بالكوفة ، رحل إلى بغداد ثم عاد فلزم العبادة حتى مات بالكوفة (١٦٥ هـ). الأعلام (٣٣٥/٢). (٥) ناقصة فى : ز . (٧) ناقصة فى : ز . (٦) في ز: بات . (٩) ناقصة فى : ز . . (٨) فى ز : تستريح لجنبك . ٣٦٤ ورثا محمد بن السماك داود الطائى هذا بكلام بعد موته فقال : يا داود ، ما كان أعجب شأنك، ومما يزيد فى العجب أنك ألزمت نفسك العدل حتى قَوَّمتها ، وأتعبتها وإنما تريد راحتها، وأجعتها وإنما تريد شبعها، وأظمأتها وإنما تريد ريَّها، وخشَّنتَ الملبس وإنما تريد لِينه ، وأمَتَّ نفسك قبل أن تموت ، ودفنتها قبل أن تُدْفَن ، وغيِّتها عن الناس لكى · لا تُذكَرُ، وأَخْملْتها (١) لكى لا تشتهر، لا سِتْر على بابك (٢)، ولا فراش [من](٣) تحتك ، ولا إناء عندك تبرد فيه ماءك ، ولا وعاء فيه طعامك ، أما كنت تشتهى من الماء بارده ، ومن الطعام طيبه ؟ بلى ولكن زهدت فيه لما رغبت فيه من أمر (٤) آخرتك ، ولما خفت من عذاب ربك ، ما أيسر ما بذلت ، وأصغر ما أعطيت فى جنب ما طلبت ، أما أنت فقد ظفرت بروح الله فى العاجل ، وسعدت إن شاء الله فى الآجل . فمن سمع بمثلك صبر [ كمثلَ صبرك](٥) وعزم مثل عزمك . لا أحسبك إلا قد لحقت بالأولين، ولا أظنك إلا قد فَضلْتَ الآخرين ، ولا أراك إلا قد أتعبت من يأتى بعدك من العابدين . وفى خبر آخر عنه أن داود نظر إلى ما بين يديه من آخرته [ فأعشى بصر قلبه من النظر إلى ] (٦) الدنيا ، فلم ينظر (٧) إلى ما إليه تنظرون (٨)، ولا نظر تم إلى ما إليه نظر ، فأنتم منه تعجبون وهو منكم أعجب ، فلما رآكم مفتونين مغرورين ، قد أذهبت الدنيا عقولكم، وأماتت بحبها قلوبكم ، استوحش منكم فترككم (٩) . وقال هناد بن السری (١٠): رأيت داود بعد موته فى النوم / فقلت له : أبو سليمان ؟ ١٥٣ ز قال : أبو سليمان . قلت: ما فعل الله بك ؟ قال: رضى عنى وأتحفنى (١١) وزَوَّجنى وأطعمنى طعاماً طيباً، وسقانى شراباً لذيذاً(١٢)، وطَّينى وقال لى: نَمْ كما كنت تسهر ، وافرح كما كنت تحزن ، واشبع كما كنت تجوع . (١) أخمل نفسه : جعل نفسه ساقطة الذكر بين الناس غير ذائعة الصيت . (٢) فى ظ : باب بيتك . (٣) ناقصة فى : ز . (٤) فى ز : البر لأمر . (٥) فى ظ : كصبرك . (٦) فى ظ : فأغشى بصره عن . (٧) فى ض: ينصر . (٨) في ز : نظرتم . (٩) انظر هذا الخبر والذى قبله في صفة الصفوة (٩٤/٣ - ٩٦). (١٠) هو: هناد بن السرى بن مصعب التميمى ، محدث زاهد ، شيخ الكوفة في عصره ، ما تزوج ولاتسرى، ولد (١٥٢) وتوفى (٢٤٣) عن ٩١ عاماً . الأعلام (٩٦/٨). (١١) التحفة : ما أتحفت به الرجل من البر واللطف. (١٢) فى ز : طيباً . ٣٦٥ وقالت أم سعيد بن علقمة (١) : كان بيننا وبين داود الطائى حائط قصير ، فكنت أسمع حسَّهُ عامة الليل (٢) لا يهدأ ولا يفتر. وربما سمعته يقول: هَمِّك عَطَّل علىَّ الهموم ، وحالف بينى وبين السُّهَاد، وشوقى (٣) إلى النظر إليك، أوثق (٤) منى الشهوات ، وحال بينى وبين اللذات ، فأنا فى سجنك أيها الكريم مطلوب (٥) . قالت : وربما تَرنَّم بالآية ، فأرى أن نعيم الدنيا جمع فى ترنُّمه ، وكان يسكن وحده ، و کان لا يسرج سراجاً فى بيته . ١٧٤ ظ / وكان سليمان التيمى من العلماء العاملين المجتهدين ، ويُذْكَرُ أنه صلى الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة (٦) . وقال يحيى بن سعيد : ما رأيت أخوف لله من سليمان التيمى . وقال رقبة بن مصقلة (٧) - وكان من الصالحين - : رأيت رب العزة فى النوم ، فقال : وعزتى وجلالى لأكرمن مثوى سليمان التيمى، لأنه صلى لى (٨) الصبح بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة (٩). ويُرْوى أنه كان من مذهبه أن النوم إذا خامر (١٠) القلب وجب منه الوضوء. وكان أبو مالك ضيغم بن مالك (١١) من المجتهدين فى العبادة ، وكان ورده كل يوم أربعمائة ركعة، ولقد انتصب يوماً راكعاً فما قدر أن يرفع رأسه، [ وما رفع رأسه ] (١٢) إلا بعد جَهْد (١٣) . وكان يقول : إنما قوى العابدون على العبادة بما جعل فى قلوبهم من حلاوة العبادة . (١) هى: أم سعيد بن علقمة النخعى وكانت طائية. (٤٢ ق ظ: ليله . (٣) فى ز : وشوقنى . (٤) فى ظ: أوبق أى: أهلك. أما أوثق: أى: شدها بوثاق فلم تعدُّ تُلحُّ على العبد بالمغاصى. (٦) ورد هذا الخبر والذى بعده فى صفة الصفوة (٢٠٠/٣). (٥) صفة الصفوة (٩٣/٣). (٧) فى ظ: رقية، وهو رقبة بن مصقلة الكوفى، قال الإمام أحمد: ((شيخ ثقة من الثقات))، وكذا وثقه ابن معين . الجرح والتعديل (٥٢٢/٣). (٨) ناقصة فى : ز . (٩) أورد هذا الخبر ابن حبان فى المجروحين (٨٤/١). (١٠) خامر القلب: خالطه وغلب عليه حتى أُشْرِبَ القلب حب النوم والخمول. (١١) هو: ضيغم بن مالك الراسبى، قال ابن مهدى: (( ما رأت عيناى مثل ضيغم)). انظر: الجرح والتعديل (٤٧٠/٤). (١٠) فى ظ : وما رفعه . (١١) ورد ذكر وِرْدِه فى صفة الصفوة (٢٤٠/٣). ٣٦٦ وكان [قد ](١) سلط عليه البكاء ، وربما انتقل فى بيته من موضع إلى موضع من كثرة ما کان ییل الأرض بدموعه (٢) . ولما نزل به الموت قيل له : أوصنا . قال : بل أوصيكم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يَا بَنِىَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفْى لِكُمُ الدينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ (٣)، وأوصيكم بصلة الرحم وحسن الجوار وادفنونى مع المساكين . وأنشد بعضهم: وَبَيْنَ جنبيهِ نارُ ذِكْرى لا كحشَاهُ حَشَا مُروَّع مَا بَالهُ لا يذوقُ غُمْضَا وَكُلَّمَا زِدْتَهُ مَلامًا لَعَلَّهُ ذاكرٌ (٧) ذُنُوباً وأثقلتْ ظهرَهُ فَأضحى وعرَّضْتُهِ لِهَوْلِ يوم إنْ كان هَذَا فلا تَلُمْهُ وَدَعْهُ يبكى حتَّى يبكى فَلاَ رَأَى دَمْعُهُ امتسَاكا (٩) ٠٫٠٠ ودمعُه مُرْسَل سَجاما (٤) قَامَ من الليل حين قَامَا تمتحش (٥) اللحمَ والعظاما قام عليه الأسَى قيامَا ما بالُه حَرَّم الطعامَا زَادَ فى أمرهِ هُيَاما (٦) قَدْ ألبستْ قَلْبِهِ ظَلاما غيرَ مُطيقٍ بها قِيَامَا تَاهَ لَهُ ذو الحِجَى (٨) وهَامَا فعاله اليومَ والملاما مَنْ عَابَهُ فى البُكَا وَلاَمَا وَلَا رَأَتْ عينُهُ مَنَامَا (١٠) ١٥٤ ز / وقال حفص بن حميد : أجمع العلماء والحكماء أن النعيم لا يُلْتمسُ بالنعيم . يريد أن النعيم لا يطلب إلا بالجد والتشمير والتعب والنصب ، وهذا لا يكون إلا (١) زيادة من : ز . (٣) البقرة : ١٣٢. (٥) امتحشت النار اللحم : أحرقته . (٧) فى ظ : ذاكرا . (٩) فی ز : انسكابا . (٢) انظر: صفة الصفوة (٢٤٠/٣). (٤) أى : كثير دائم لا ينقطع . (٦) فى ز : مقاما . (٨) الحجى : العقول . (١٠) فى ظ : ملاما . ٣٦٧ بترك التنعم . قال تبارك وتعالى: ﴿رَبُّ السَّماوات والأرض وَمَا بَيْنهما فَاعْبُدُه وَاصْطَبِرْ لعبادتِهِ﴾ (١)، وقال عز وجل: ﴿وأمُرْ أهَلَكَ بِالصَّلاة وَاصْطَبِرْ عَلِيهَا﴾ (٢) فجعل العبادة فى الاصطبار . وقال يحيى بن معاذ (٣): ليس محبّا من لم تكن فيه ثلاث خصال : يؤثر القرآن على كلام الخلق ، والخلوة على مجالسة الخلق، والعبادة على خدمة الخلق . وقال بعض الصالحين : يستعان على قيام الليل بثلاث : بأكل الحلال ، وبالاستقامة / على ١٧٥ظ .. التوبة ، وغلبة خوف الوعيد أو شوق الموعود . والذى يُحَرَمُ به العبد قيام الليل ويعاقب بطول الغفلة من أجله : أكل الحرام ، والإصرار على المعاصى ، وغلبة هم الدنيا على القلب . وقال القاسم بن راشد الشيبانى: كان زمعة (٤) نازلاً بالمحصب ، وكان له أهل وبنات ، فكان يقوم فيصلى ليلاً طويلاً، فإذا كان السحر نادى بصوته : أيها المعَرَّسُونَ (٥) ، أكُلَّ هذا الليل تنامون ؟ ألا تقومون فترحلون؟ قال: فيتواثبون، [ فَيُسمع ] (٦) من هاهنا باكٍ ، ومن ها هنا داع، ومن ها هنا قارئ، ومن ها هنا متوضئ . فإذا طلع الفجر نادى بأعلى صوته : عند الصباح يحمد القوم السُّرَى (٧) . وكانت معاذة العدوية تحيى الليل كله، وكانت تلبس فى البرد ثياباً رقاقاً ، [ ليصيبها البرد ] (٨) فيمنعها النوم ، وكانت إذا جاءها (٩) الليل قالت : هذه ليلتى التى أموت فيها ، [ فما تنام فيها ] (١٠) فإذا غلبها النوم جالت فى الدار وهى تقول : يا نفسى ، النوم أمامك ، لو قد مِتّ لطالتْ رقدتُك فى قبرك، إما على حسرة أو سرور (١١). ويُرْوَى أنها لم تتوسد فراشاً بعد زوجها أبى الصهباء حتى ماتت ، وكانت تقول : عجباً لعين تنام ، وقد علمت طول الرقاد فى ظلمة القبور . ويروى أنها كانت تصلى بالنهار ستمائة ركعة (١٢) . (١) مريم : ٦٥. (٢) طه : ١٣٢. (٣) هو : يحيى بن معاذ بن جعفر الرازى، أبو زكريا، واعظ زاهد، لم يكن له نظير فى وقته، من أهل الرى ، أقام ببلخ ومات فى نيسابور (٢٥٨ هـ). (٤) فى ز : ربيعة ، وهو : زمعة بن صالح المكى ، ضعيف الحديث ، روى عنه عبد الرحمن بن مهدی ووكيع وأبو نعيم شيوخ الإمام أحمد. انظر: المجروحين لابن حبان (٣٠٨/١)، والجرح والتعديل للرازى (٦٢٤/٣). (٥) التعریس : النوم فى آخر الليل . (٦) ناقصة فى : ز . (٨) ناقصة فی : ز . (١١) صفة الصفوة (١٩/٤). (١٢) صفة الصفوة (١٩/٤). (٧) صفة الصفوة (١٥٤/٢). (٩) فى ز : جن عليها . (١٠) ناقصة فى : ز . ٣٦٨ وأنشد بعضهم : بَلَجِ (١) الصَّباحُ وأنت جِذْعٌ رَاقِدُ مُلَتْ جُفُونُكَ نَوْمَةً لَوْ قُسِّمَتْ فى لَيْلِةٍ عَرَضَتْ وَطَالَ زَمَانُهَا شَهِدتْ عليك بغفلةٍ وبَطالةٍ شَهِدَتْ عليك بِذَاكَ زَهْرُ نُجومِهَا يَا راقداً مَلأ الكِرَى أَجْفَانَهُ هَلا أفقْتَ وفِى شَبابِكَ فَضْلَةٌ وَقَطِعْتَ أسبابَ الهَوادَةِ والهَوَى (٣) بل قد وصلت وقد وصلت و کل ما فَاسْتَدرِ كَن (٥) ما فَاتَ مِنْكَ بتوبةٍ زَفراتُ مَحْزُونٍ وأَدْمُعُ خائفٍ / ونحُولُ جسْم قد [ بَرَاهُ صِيَامُه ](٧) وَإِذَا الدُّجَى ألقَى عليكَ (٨) رِداءِهُ فَاهْجُرْ فِراشَكَ عند ذَاكَ فَإِنَّمَا واضْرَعْ لمن سُلْطَانُه لاَ يَنْقَضى كَالِيِّتِ المُلْقَى وغيرُكَ هَاجِدُ فى أمةٍ مَا كَانَ فِيهَا سَاهِدُ(٢) فَالكُلُّ مِنْ أَقْطَارِهَا مُتَباعِدُ كُلٌّ عليكَ بِشُؤْمِهِ مُتَعاضِدُ والله رَبُّكَ فوق ذَلِكَ شَاهِدُ وإِذَا تَقَّظَ فهو أيْضاً رَاقِدُ والموتُ لَمْ يفجأكَ مِنْهُ رَائِدُ إذْ ليسَ إِلا مَا يَسُوءِكَ عَائِدُ ينعى عليك [ فأنت فيه واخذُ ] (٤) مِنْها عليكَ دلائلُ وشَوَاهِدُ ٠٫٠٠٠ قَدْ شَابَهُنَّ دَمٌ بقلبِكَ عَاقِد (٦) وَمَصَادِرُ محمودةٌ ومَوَارِدُ ١٥٥ ودَعَتْكَ غِيْدٌ(٩) للفراش نَوَاهِد(١٠) فُرْشُ اللبيب هُنَاكَ وَيْك (١٦) مساجد، أَبَداً وَسَيْب (١٢) عطائِهِ مُتَزَايدُ (١) بلج الصباح: أى : ظهر ضوء الصباح وأشرق . (٢) فى ز: ساجد، والساهد : الأرِقُ قليل النوم . (٤) فى ز : وأنت فيه واحد . (٣) فى ز : فى الهوى . (٥) في ظ : فلتدْرك . (٦) فى ظ : عاند . (٨) فی ز : إليك (٧) فى ز : تراه صبابة . (٩) الغِيدُ: جمع غيداء، وهى المرأة التى تتثنى فى مشيتها ، فهى ناعمة لينة . (١٠) النواهد: جمع ناهدة، وهى المرأة التى ارتفع ثديها وبرز وتكعّب . (١١) فى ز: طرف، وى: كلمة تعجب ، والكاف للخطاب. (١٢) سيب عطائه : تدفقه وانهماره وجريانه. ٣٦٩ تَرْقِى بِهَا ذَاكَ الملا (١) وَتُشَاهِدُ فَلَعلَّهُ يُعطِيكَهَا مَقْبُولَةً عَذْباً (٢) وَيَدْنُو مِنْ مُنَاكَ مُبَاعِدُ وَيَعُودُ مُرُّ العيش فى مَرْضَاتِهِ فَالكُلُّ سَاع فى هَوَاَكَ وَجَاهِدُ وَإِذَا أَتْكَ مِنَ المليكِ عِنَايةٌ وكان كرز بن الحارث يصلى كل يوم وليلة ألف ركعة ، وإن كان العصفور ليقع على ظهره يرى أنه جدار من طول سجوده . وهذا إنما يكون فى بعض السجدات ، لأن تطويل السجود هكذا (٣) لا يمكن مع کثرة الركعات . وكذلك كان عيسى بن عقبة يسجد ويطول حتى تنزل (٤) العصافير على ظهره ، ما كانت تحسبه إلا جِدْم (٥) حائط. ولم أسمع أنه كان يصلى هذا العدد . وكان العلاء بن زياد يختم كل ليلة ختمة ، فقال لامرأته: إنى أجد الليلة ثقلاً، فإذا [ مضى](٦) من الليل كذا - لوقت سماه - فأيقظينى. فأيقظته لذلك الوقت ، فوجد ثقلاً، فقال : دعينى ساعة . ثم نام ، فإذا بآت أتاه فى المنام ، فأخذ بمقدم شعر رأسه فقال : يا بن زياد ، قُمْ فاذكر ربك يذكرك ، فانتبه فزعاً ولم تزل تلك الشعرات فى مقدم رأسه قائمة إلى أن مات رحمه الله (٧) . وكان عبد الله بن حنظلة من المجتهدين ، ولم يكن له فراش ينام عليه ، إنما كان يصلى فإذا أعيا توسد ذراعه (٨) ورداءه ، ثم هجع شيئاً . وكان محمد بن كعب القرظى (٩) من المجتهدين ، فقالت له أمه : يابنى ، لولا أنى أعرفك صغيراً طيباً، وكبيراً طيباً لظننت أنك قد عملت ذنباً موبقاً لما أراك تصنع بنفسك . فقال : يا أماه ، وما يؤمننى أن يكون الله عز وجل قد اطّلع علىَّ وأنا فى بعض ذنوبى (١) فى ز : البلا . (٢) في ز: خلوا، والنقطة قد تكون سبق قلم من الناسخ فصحتها ((حلوا)). (٣) ناقصة فى : ز . (٤) فى ز : تبول . (٥) فى ظ: جدم . وفى ز: جدر. وجذم الحائط : أصله . (٦) ناقصة فى : ز . (٧) صفة الصفوة (١٧٠/٣). (٨) في ز : ذراعيه . (٩) هو: أبو حمزة محمد بن كعب القرظى، روى عن زيد بن أرقم وأبى هريرة وغيرهم، مات سنة (١١٧ هـ) - صفة الصفوة (٩٢/٢) - سكن الكوفة ثم تحول إلى المدينة، قال أبو زرعة: ((ثقة)). الجرح والتعديل (٦٧/٨). ٣٧٠ فمقتنى وقال : اذهب فلا أغفر لك . على أن عجائب القرآن توردنى على أمور حتى إنه لینقضی اللیل ولم أفرغ من حاجتی (١) . وكان محمد بن كعب هذا من بنى قريظة من اليهود . ويروى عن النبى مئ أنه قال: ((يخرج فى الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسة)) (٢). والكاهنان قريظة والنضير، ويقال : إن هذا الرجل هو محمد بن كعب هذا المذكور . وقال بعض العابدين (٣): إن فى القرآن قصوراً وخانات إذا مر بها المتعبدون عَرَّجوا عليها ونزلوا عندها وتدبروها وتفكروا فيها، فَيُشْوَّقُوا (٤) إلى الجنة ويُخَوَّفُوا من النار، وإذا تلوها فى ظلمة الليل وقفوا عند عجائبها وبكوا عليها . ويُروَى عن بعض الصالحين قال : نمت ليلة عن حزبى الذى كنت أصلى ، فرأيت فى المنام كأن قائلاً يقول : وَمِنْ فتى نَامَ إلى الفجرِ عجبتُ مِنْ جسمٍ وَمِنْ صِحةٍ فى ظُلْمةٍ (٥) الليل إِذَا يَسْرٍ (٦) والموتُ لا تُؤْمَنُ خَطَفَاتُهُ ١٥٦ ز يفترشُ الأعمالَ فى القبرِ / مِنْ بين مَنْقُولٍ إلى حُفْرةٍ بَاتَ (٧) طويلَ الكِبْرِ والفخْرِ وبَيْن مأخوذٍ على غِرَّةِ عَاجَلَه الموتُ عَلَى غَفْلةٍ فماتَ مَحسُوراً (٨) إلى الحشْرِ وكان سليم بن عِتْر (٩) من الصالحين، وكان يختم القرآن كل يوم ثلاث مرات . وكان سعيد بن أبى الحسن إذا جن عليه الليل توضأ ، ثم عمد إلى محرابه فلم يزل يصلى حتى يصبح . قال : فنمت ذات ليلة عن وقتى الذى كنت / أقوم فيه ، فإذا بشاب ١٧٧ ظ (١) صفة الصفوة (٩٣/٢ ). (٢) أخرجه عن أبى بردة الظفرى الإمام أحمد فى المسند (١١/٦)، وعزاه الهيثمى فى مجمع الزوائد (٢٣/١٠) لأحمد والبزار والطبرانى . (٣) فى ز : بعض الصالحين . (٤) فى ز : فتشوقوا . (٥) في ظ : ظلم . (٦) فی ز : تسرى . (٧) فی ز : مات . (٨) في ز : محشوراً. (٩) فى ظ: سليم بن عيرة، وفى ز: سليمان بن عميرة، والتصويب من صفة الصفوة (٢٥٥/٤)، وذكر عنه هذا الخبر. ٣٧١ جميل [ الوجه ] (١) قد وقف علىّ ، فقال: قم يا سعيد إلى خير ما أنت قائم إليه : فقلت : وما هو رحمك الله؟ قال : قم إلى تهجدك ، فإن فيه رضا ربك وحظ نفسك وهو شرف المؤمنين عند مليكهم يوم القيامة . قال : فحدثت به الحسن أخى . فقال : لقد أطاف بى هذا الشاب الذى أطاف بك قديماً ، فما ذكرته لأحد حتى الآن ، ولولا أنك أخبرتنى ما أخبرتك . وكان بقرطبة رجل (٢) من صالحيها يسمى عيسى بن أحمد [ بن مؤمن](٣) يكنى أبا الأصبغ، وكان إذا غلبته عينه عن القيام إلى حزبه من الليل على عادته صاح به صائح : يا أبا الأصبغ. فيقوم عند صياحه ، وربما صاح به فلم يسمعه وسمعه (٤) بعض أهله ، [ فأيقظه ](٥) فقال له : قم قد صيح بك . ويروى عن زياد النميرى (٦) قال : أتانى آتٍ فى منامى فقال لى: قُمْ يا زياد إلى عادتك من التهجد وحظك من قيام الليل ، فهو والله خير لك من نَومة توهن بدنك ، وينكسر بها قلبك . فاستيقظت فزعاً ، فغلبتنى (٧) والله النومة مرة أخرى فأتانى ذلك أو غيره فقال: قُمّ يا زياد فلا خير فى الدنيا إلا للعابدين. قال: فوثبت فزعاً (٨). وقال عمار (٩) بن عمرو البجلى (١٠): سمعت عمر بن ذر (١١) يقول - وذكر قيام الليل - : لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم ونظروا إلى أهل السآمة والغفلة ، قد سكنوا إلى فرشهم ، ورجعوا إلى ملاذهم ، قاموا لله عز وجل فرحين مستبشرين بما وهب لهم من حسن عبادتهم (١٢) وحسن التهجد لربهم، فاستقبلوا الليل بأبدانهم ، واستقبلوا م (١) زيادة من: ز . - (٢) فى ظ : رجلاً. (٤) فى ظ : وسمع به . (٣) ناقص فی : ز . (٥) زيادة من : ز . (٦) هو : زياد بن عبد الله النميرى، شيخ بصرى ، يروى عن أنس بن مالك، قائم متهجد ، صائم متعبد، ولكنه ضعيف فى الحدیث لا يحتج بحديثه وإن كان يكتب . (٨) حلية الأولياء (٢٦٧/٦). (٧) فى ز: أتتنى . (٩) فى ز : عثمان . (١٠) مولى البراء بن عازب، روى عن محمد بن النضر الحارثى. انظر الجرح والتعديل (٣٩٣/٦). (١١) هو: عمر بن ذر بن عبد الله بن زرارة الهمدانى، من رجال الحديث، كوفى، كان رأسا فى الإرجاء فاختلفوا فى . صحة حديثه، توفى عام (١٥٣ هـ) - الأعلام (٤٦/٥) - كنيته أبو ذر، روى عنه ابن المبارك ووكيع. الجرح والتعديل (١٠٧/٦). (١٢) فى ظ : عادتهم . ٣٧٢ ظلمته بصفحات وجوههم ، فانقضى عنهم وما انقضت لذتهم من التلاوة ، ولا ملت أبدانهم من العبادة ، فأصبح الفريقان وقد ولى عنهم بربح وغبن ، أصبح هؤلاء وقد نالوا (١) الراحة والنوم (٢) ، وأصبح هؤلاء متطلعين إلى محبى الليل . وشتان ما بين الفريقين ، فاستعملوا أنفسكم رحمكم الله فى [ هذا ](٣) الليل وسواده ، فإن المغبون من غبن خير الليل والنهار ، والمحروم من حُرِمَ خيرهما، إنما جعلا سبيلاً للمؤمنين إلى طاعة ربهم ، ووبالاً على الآخرين بالغفلة (٤) عن أنفسهم ، فأحيوا أنفسكم لله بذكره فإنما تحيا القلوب بذكر الله عز وجل ، كم من قائم الله تبارك وتعالى فى هذا الليل قد اغتبط بقيامه فى حفرته ، وكم من نائم قد ندم على طول نومته لما رأى [ من](٥) كرامة الله تعالى للعابدين، واتساع رحمته للمجتهدين، فاغتنموا مَمَرّ الساعات والليالي والأيام رحمكم الله تعالى (٦) . [ وأنشد بعضهم](٧): لَوْ يعلمُ الراقِدُون إذْ رَقَدُوا مَا فَاتَهُمْ وَيُحَهُمْ وَمَا فَقَدُوا ٠ ٠٫٠ غُمْضاً وَلاَ فِى النَّهارِ مَا قَعَدُوا مَا طَعِمَتْ فِى الظَّلَامِ أَعْنُهِمْ أَهْلٌ وَلَا صَاحِبٌ وَلَا وَلَدُ ٥ ٠٫٫٥ وَلاَ ثَنَى عَزْمَهُمْ إِذْ عَزَمُوا ١٧٨ ظ على زمانٍ ضَياعَهُ قَصَدُوا / وَلَوْدَرَوْا وَيَلَهُمْ (٨) نَدَامَتَهُمْ وخَانَهُمْ عن ذاكم الجلَدُ لا نْصَدعَتْ حَسَرَةً قُلُوبُهُمُ مَا ليسَ يأتيهِمْ بِه الأَبَدُ ٠٠ ٠٠ لَكنَّهُمْ مَا دَرَوْا فَقَاتَهُمْ لا يرتضِيهِ لنفسهِ أحَدُ ومثل ذَا الغبن وَيْح (٩) أمِّهِمُ وقال بكر العابد : کنا نكون عند زرعة ۔ یعنی العاند ؛ فهو فى أول الليل فى سورة البقرة، وفى آخر الليل فى المفصل، ورأيته يوماً رفع يديه وقال: اللهم لا تجعل حظى منك أکلة ولا شربة ولا لبس هذه المرقعة ، و کان سفیان بن عیینة یبکی ویقول : یا بگر ، کیف قال زرعة ؟ . (١) فى ظ : ملئوا. (٢) فى ز : الفانية . (٣) ناقصة فی : ز . (٤) في ظ : للغفلة . (٥) ناقصة فى : ز . (٦) حلية الأولياء (١١٤/٥). (٧) فى ز : أنشدوا . (٨) فى ز : ويحهم . (٩) فى ظ : ويل . ٣٧٣ ٠ وقال أبو يعقوب [ إسماعيل](١) بن زياد: [قد ] (٢) رأيت العابدين والمجتهدين، فما رأيت أحداً قط أصبر على صلاة [ بليل ولا نهار ](٣) من مسرور بن أبى عوانة (٤)، كان يصلى لا يفتر ، وقدم علينا مرة فاعتل بعلة فقال : أخرجونى إلى الساحل حتى أنظر إلى الماء كى لا أنام (٥) . وقال عمار بن عمرو البجلى : خرجنا مع محمد بن النضر الحارثى (٦) إلى مكة ، فما كنا نستيقظ إلا رأيناه على محمله قاعداً يصلى ، فإذا نزل بالنهار (٧) إنما كان فى خدمة أصحابه ، فكانوا يقولون له : يا أبا عبد الرحمن ، نحن نكفيك . فيقول : أتأسفون علىّ بالثواب ، فكنا نرى أنه ما نام فى ذلك الطريق . وحج ثابت البنانى من البصرة إلى مكة . قال هشام بن حسان: فكنا إن نزلنا ليلاً فهو قائم يصلى حتى يصبح ، وإلا فمتى شئت أن تراه أو تحس به إن سرينا رأيته باكياً أو قارئا . وكان يقول: ما من شىء أجده فى قلبى ألذَّ عندى من قيام الليل (٨) . وكان أبو مسلم الخولاني رحمه الله يصلى بالليل، فإذا أصابه كلال (٩) أخذ سوطاً عد أعده ، فضرب به ساقيه وقال: قُومى يا نفسى ، فأنت أوْلَى بالضرب من الدابة ، والله لأزحفنّ بك زحفاً حتى يكون الكلال منك لا منى . وكان يقول: أَيَظُنُّ أصحاب محمد عَ أن يستأثروا به دوننا، والله لنُزَاحِمَنَّهُم عليه زحاماً حتى يعلموا أن قد خلفوا خلفهم رجالاً . وكان أبو مسلم الخولانى هذا يُخوِّفُ نفسه بذلك السوط ويذكرها به سوْقَ الزبانيةِ أَهلَ النارِ بسياط [ النار إلى ](١٠) النار . (١) زيادة من : ز . (٢) زيادة من : ز . (٣) في ز : الليل والنهار . (٤) في ز، ظ: مسروق بن أبى عوانة. والصواب أنه مسرور. انظر: صفة الصفوة (٢٣٩/٢). وهو : مولی یزید بن عطاء الواسطى ، نزل بغداد وكان عابداً مجتهداً، واسم أبى عوانة : الوضاح . (٥) صفة الصفوة (٢٣٩/٢). (٦) هو: محمد بن النضر الحارثى، أبو عبد الرحمن، من عُبَّاد الكوفة، روى عن الأوزاعى، وروى عنه ابن المبارك وابن المهدى. انظر: صفة الصفوة (١٠٥/٣)، والجرح والتعديل (١١٠/٨). (٧) أى : إذا نزل من محمله عندما يظهر ضوء النهار . (٨) صفة الصفوة (١٧٦/٣). (١٠) فى ز : أهل . (٩) فى ظ : كلل ، والكلال : التعب والإعياء . ٣٧٤ وقال الربيع بن عبد الرحمن : قال الحسن البصرى : لقد صحبت أقواماً يبيتون لربهم فى سواد الليل سُجّداً وقياماً ، يقومون هذا الليل على أطرافهم ، تسيل دموعهم على خدودهم ، فمرَّةٌ رُكَّعاً ومرَّةَ سُجَّدًا ، يناجون ربهم فى فِكَاك رقابهم ، لم يمُلُّوا كلال السهر لما خالط قلوبهم من حُسْن الرجاء فى يوم المرجع ، فأصبح القوم بما أصابوا من النصب لله فى أبدانهم فرحين ، وبما يأملون من حسن ثوابه مستبشرين ، فرحم الله امرأ نافسهم فى مثل هذه الأعمال ، ولم يَرْضَ من نفسه / لنفسه بالتقصير فى أمره واليسير من فعله ، فإن الدنيا من أهلها منقطعة ، والأعمال على أهلها مردودة . قال : ثم بیکی حتی یبل لحيته بدموعه . ١٥٨ ز ١٧٩ ظ وقال الحسن أيضاً : إن لله عباداً هم والجنة معاً كمن رآها ، فهم فيها متنعمون ، [ وهم ](١) والنار معاً كمن رآها ، فهم فيها مُعَذَّبُون ، قلوبهم محزونة (٢) وشرورهم مأمونة ، وحاجاتهم خفيفة ، وأنفسهم عفيفة ، أما الليل فصَافِّى أقدامهم مفترشى (٣) جباهَهُم ، يناجون ربهم فى فِكَاك رقابهم ، وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء ، قد براهم الخوف ، فهم أمثال القداح ينظر الناظر إليهم فيقول : مرضى ، وما هم بمرضى ، ويقول : قد خولطوا، وما خولطوا ، وقد خالط القوم أمر عظيم . وقال الهيثم بن محمد البگّاء : قال أبو محمد حبيب ـ هو العجمى ، عابد - ليزيد الرقاشى بالفارسية كلاماً هذا معناه : بأى شىء تقرُّ عيون العابدين فى الدنيا؟ وبأى شىء تقر عيونهم فى الآخرة ؟ فقال له یزید : يا أبا محمد ، أما الذى تقر أعينهم به فى الدنيا فما أعلم شيئاً أقر لعيونهم فى الدنيا من التهجد فى ظلمة الليل، وأما الذى [ تقر أعينهم به ](٤) فى الآخرة فما أعلم شيئاً من سرر (٥) الجنة وخيرها وسرورها (٦) ألذُّ عند العابدين ، ولا أقر لعيونهم من النظر إلى ذى الكبرياء العظيم إذا رفعت تلك الحجب ، وتجلى لهم الكريم جل جلاله . قال : فصاح حبيب صيحة خَرَّ مغشياً عليه . وقال إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدهم - [ فى كلام ذكره أراه عن إبراهيم بن أدهم ] (٧) -: بؤساً لأهل النار لو نظروا إلى زوار الرحمن وقد حُشِرُوا وَفْداً، وزُفُّوا إلى الله عز وجل على النجائب (٨) زَفّا، وقد نُصِبَتْ لهم المنابر، ووضعت لهم الكراسى ، (١) ناقصة فى : ز . (٢) فى ظ : مخزونة . (٣) فى ظ : مفترشین . (٤) فى ز : تقر به أعينهم . (٥) فی ز : سرر . (٦) فى ز : وخذها . (٧) ناقص فى : ز . (٨) النجائب : الإبل القوية الخفيفة السريعة . ٣٧٥ وقد (١) أقبل عليهم الجليل جل جلاله بوجهه الكريم ليبشرهم (٢) ويكرمهم ويرضيهم ، وهو يقول لهم: إلىّ عبادى المخلصين، إلىَّ أوليائى المطيعين ، إلىَّ أحبابى المشتاقين، إلى أصفيائى المحزونين ، ها أنذا فاعرفونى ، من كان مشتاقاً أو محبّا أو متملقاً فليتمتع بالنظر إلى وجهى ، فوعزتى لأفْرِ حنَّكُم بجوارى، ولأُسُرَّنَّكُم (٣) بقربى، ولأمنحنكم كرامتى، من الغرفات تشرِفون ، وتتكئون على الأسِرَّةِ فتتحدثون ، تقيمون فى دار الكرامة أبداً فلا تظعنون (٤) ، آمنون فلا تخافون ، فرحون فلا تحزنون، تَصحُّون (٥) فلا تسقمون ، تنعمون (٦) فى رغد العيش فلا تبأسون ، وتحيون فلا تموتون ، وتعانقون (٧) الحور العين فلا تَمُّونَ [ ولا تسأمون ](٨)، فكلوا واشربوا هنيئاً، وتمتعوا كثيراً بما أنْحلْتُم (٩) الأبدان وأنهكتم (١٠) الأجسام ولزمتم الصيام وسهرتم بالليل والناس نيام(١١). وقال عباد بن كثير (١٢): للمصلى ثلاث خلال : تحفّ به الملائكة من قدميه ١٨٠ ظ إلى أعنان (١٣) السماء /، ويتناثر عليه البر من السماء إلى مفرق رأسه، وينادى مُنَادٍ: لو يعلم المناجى مَنْ يناجى ما انفتل (١٤) . يعنى : ما انصرف من صلاته . وكان مغيث بن ثابت من القائمين للّه فى ظُلَم الليل، قال: رأيت فى منامى امرأة لا "تشبهِ نساء أهل الدنيا، فقلت : من أنت يا أمة الله ؟ قالت : حوراء (١٥). قلت : زوجينى نفسك. قالت : اخطبنى إلى سيدى وامهرنى (١٦) قلت : وما مهرك ؟ قالت : طول .التهجد (١٧) . / ويروى عن يحيى بن بسطام عن عبد الله بن عبد الملك بن صبيح عن أبيه عن هرم(١٨) ١٥٩ ز (١) تكررت فی : ز . (٤) فلا تظعنون : لا ترحلون عنها أبداً ، فإقامتكم فيها دائمة . (٦) فى ز : تتنعمون (٧) فى ظ : وتعاينون . (٣) فى ز : لأشرفنكم . (٢) فى ز: يسرهم . (٥) فى ظ : تضحكون . (٨) ناقصة فی : ز . (٩) النحول : الهزال والضعف . (١٠) فى ظ : وأهتكتم . (١١) حلية الأولياء (٨ / ٣٧). (١٢) هو : عباد بن كثير الرملى الفلسطينى، يروى عن الثورى، كان ابن معين يوثقه ، قال ابن حبان : هو عندى لا شىء فى الحديث . انظر: المجروحين (٢ /١٦٩). (١٣) أعنان السماء: نواحيها وجوانبها . (١٤) أخرجه ابن حبان فى المجروحين (٢ / ١٧٠) من حديث أنس مرفوعاً إلى النبى # من طريق عباد .. (١٥) الحوراء : الشديدة بیاض العین وسواد سوادها مع بياض جسدها . (١٦) أى: ادفع مهرى، وَاعْل لى المهر . (١٧) إحياء علوم الدين (١ /٣٥٦) وهو فيه: أزهر بن مغيث . (١٨) فى ز: هرمز. ٣٧٦ ١ ابن حيان (١) ، وكان من الصالحين قال : قمت من جوف الليل فقرأت ثلاثاً من الحواميم (٢) ، ثم غُلِبْتُ فنمت ، فإذا أنا فى منامى بجوار أربع وقفْنَ علىَّ مُزْيَّنَات فَقُلْنَ لى : يا هرم بن حيان ، أيحل لك أن تفرق بيننا وبين أخواتنا؟ فقلت: ومن أَنْتُنَّ؟ قَلْنَ: نحن الأربعة البواقى من الحواميم التى لم تقرأنا . قال : فاستيقظت . والحواميم معروفة ، أولهن سورة غافر، وآخرهن سورة الأحقاف . . وقال عبد الواحد بن زيد - وكان من العابدين -: أصابتنى علة فى سَاقَىَّ ، فكنت أتحامل عليهما للصلاة . قال : فقمت عليهما [ من الليل] (٣) ، فأجهدت وجعا فجلست ، ثم لَفَفْتُ إزارى فى محرابى ووضعت رأسَى عليه ونمت ، فبينما أنا كذلك إذ بجارية تفوق الدنيا (٤) حسناً تخطر (٥) بين جَوَارٍ مزينات حتى وقفت علىَّ وَهُنّ خلفها ، فقالت لبعضهن: ارفعنه ولا تُهِجْنَهُ (٦) قال: فأقبلن نحوى فاحتملننى عن الأرض وأنا أنظر إليهن فى منامى . ثم قالت لغيرهن من الجوارى اللاتى معها : افرشْنَهُ ومهِّدنَهُ ووطّئَنَ له.، ووسَدْنَهُ . قال: ففرشْنَ تحتى سبع حشايا لَمْ أَرَ لَهُنَّ فى الدنيا مثلاً، ووضعْنَ تحت رأسى وسائد خضراء حساناً (٧). ثم قالت [للواتى حَمَّلْنَنِى: اجعلنه ](٨) على الفرش رويداً لا تُهجْنَهُ . قال : فَجُعِلْتُ على تلك الفُرُش وأنا أنظر إليها وما تأمر به من شأنى . ثم قالت : أحففنه بالريحان ، فجىء (٩) بياسمين فحفت به الفرش ، ثم قامت إلىّ فوضعت يدها على موضع علتى التى كنت أجد فى ساقىٌّ ، فمسحت ذلك المكان بيدها ، ثم قالت : قم - شفاك الله - إلى صلاتك غير مضرور. قال: فاستيقظت والله وكأنى قد نشطت من عَقال، فما اشتكيت العلة بعد ليلتى تلك ولا ذهب حلاوة منطقها من فمى: قم - شفاك الله - إلى صلاتك غير مضرور . (١) هو: هرم بن حيان العبدى، كان عاملاً لعمر بن الخطاب ، مات فى يوم شديد الحر، فلما نفضوا أيديهم عن قبره جاءت سحابة فأمطرت ونبت العشب من يومه . (٢) الحواميم: هى السور القرآنية التى تبدأ بقوله تعالى ﴿حم﴾. صفة الصفوة (٣ / ١٤٢). (٣) ناقص فى : ز. (٤) فى ظ : الدما . (٥) تخطر : تتبختر فى مشيتها . (٦) لا تُهِجْنُهُ: أى لا تُزْعِجْنَهُ بل احْمِلْنَهُ برفْقٍ . (٧) وقع مكان هذه الكلمة فى ((ز)) علامة إضافة ضاعت فى طرف الصفحة . (٨) فى ز: للذی سحملننی احملته . (٩) فى ز : فحیئننى . ٣٧٧ ذكر هذه القصة أبو بكر بن أبى الدنيا قال : حدثنى محمد بن الحسين ، حدثنا حكيم ابن جعفر ، قال حيان الأسود (١)، قال : حدثنى عبد الواحد بن زيد . وقال أبو بكر أيضاً - وذكر [بعض](٢) المجتهدين - : حدثنا أحمد بن عمران ، نا حفص بن غياث ، نا(٣) محمد بن إسحق قال : قدم علينا عبد الرحمن بن الأسود بن ١٨١ ظ يزيد حاجًا فاعتلت إحدى قدميه ، فقام / يصلى على قدم حتى أصبح . قال : وصلى الصبح بوضوء العشاء. قال : وقدم علينا ليث بن أبى سليم فصنع مثله . وقال بعضهم : يابن آدم لو علمت مقدار صلاتك بالليل لأكثرت على فَوْتِها من العويل والويل ، ولو علمت تنوير هذا الظلام للقلوب والأجسام لقمت فى سواده وتقلبت فى حداده ، ورغبت فى طوله وازدياده . وأنشدوا : ونجومُ السماءِ ألا تربما (٥) سائل الليل عَلَّهِ (٤) أنْ يُقيما حملتْ مِنْ جَوَاك (٦) أمْرَاً عَظِيمًا واقْدَحْ النارَ فيه بَيْنَ ضُلوع وَإِذَا مَا المَنَامُ خَالطَ جَفْنا واسْكُبْ الدمعَ فَوْقَ خَدِّ قِرِيح(٧) وقليل وَإِنْ تَصدَّع قلبٌ / لأمورٍ جَنَيْتُهَا مُعقِّبَاتٍ لَمْ تَخَفْ مَا جَنَيْتَ منها حَدِيثاً أَنَسيتَ الحديثَ أُمْ قَدْ تَنَاسَيْتَ أَوْ ما أنتَ ذاكرٌ سَقَطَاتٍ ١٦٠ ز فَاحْذَرَنَّ أنْ تنامَ أَوْ أَنْ تَنيما تَركَ الدَّمْعُ فيه منه رسوما (٨) بِين جَنْبَيْكَ حَسْرَةً وهُمُوْمَا لَكَ بعد المماتِ خُسْراً وَشُوما لا وَلَا مَا جَنَيْتَ (٩) منها قَدِيماً وقدْ كُنْتَ قبل ذَاكَ عَلِيما لَمْ تَدعْ مِنْكَ عَظْماً إلا رَميما (١) فى ز: يحيى حيان الأسود، وما أثبتناه موافق لما فى الحلية، وقد ورد هذا الخبر بطوله فى الحلية (٦ / ١٦١)، وصفة الصفوة (٣ /٢١٨). (٢) زيادة من : ز . (٣) فى ظ : قالا . (٥) ألا تريما : ألا تبرح السماء . (٤) فى ظ : ظله . (٦) الجوى : الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن . (٧) خد قريح : جريح به قرحة من كثرة ما نزل عليه من الدموع فتقرح جلده . (٨) الرسوم : الآثار والعلامات . (٩) فى ظ : جئت . ٣٧٨ ١ شَوَّهَتْ خلقَكَ الجميلَ وألقَتْ فَالْبَسْ الحزْنَ فى الظلامِ شِعاراً واسألن واضرعن وَنَادٍ كَرِيماً يا إلهى ومَنْ مددْتُ إليه كفا (١) أثقلَتْ ظَهرَهُ الذنُوبَ صَغِيراً يَرَتَجِى فَضْلَكَ العظيمَ وسَبًا ينعشُ البائسُ الفقيرُ وَيَحْا وإذَا لَمْ يُصِبْهُ مِنكَ نَصِيب ولكَ الحمدُ عند ذَاكَ وهَذَا بَيْنَ عينيْكَ سَفْعَةً وحَمِيما وَاشْدُدْنَ للقيام فيه حَزِيما دَائِمَ الْجُودِ والسَّمَاحِ رَحِيما واهِىَ القُوى حقيراً ذميماً وكَبِيراً فَجَاءَ نِضْوًّا (٢) سَقِيمًا لَمْ يَزَلْ لِلْعُصَاةِ غمرا(٣) عمِيما بتباشِيرهِ الحطم (٤) الهشِيما فَلَهُ الوَيْلُ ظَاعِناً وَمُقِيمًا خضراً كانَ وِرْدُهُ أَوْ حَمِيمًا (٥) وقالت عبدة بنت أبى سؤال (٦) - وكانت من خيار إماء الله -: كانت رابعة العدوية تصلى بالليل ، فإذا طلع الفجر هجعت فى مُصَلاها هجعة خفيفة حتى يسفر الفجر ، فكنت أسمعها تقول إذا وثبت من رقدتها : ويلك يا نفس ، إلى كم تنامين ؟ وإلى كمـ ترقدين؟ أو شك أن تنامى نومة لا تقومين منها إلا بصرخة النشور . قالت عبدة : فكان هذا دأبها [ دهرها ] (٧) حتى ماتت ، فلما حضرتها الوفاة دعتنى فقالت: ياعبدة ، لا تؤذنى (٨) بموتى أحداً، وكَفِّنينى (٩) فى جبتى هذه - لجبة من شعر كانت تصلى فيها من الليل - فكفناها فى تلك الجبة ، وفى خمار صوف كانت تلبسه رحمة الله عليها . قالت : فرأيتها بعد ذلك بسنة أو نحوها فى منامى ، وعليها حلة من سندس خضراء (١) فى ظ، ز: كف، و(( كفاً)) أصوب لغة ووزناً. (٢) نضواً : هزيلاً ضعيفاً . (٣) أى : يغمرهم بفضله وبرحمته وعفوه عن سيئاتهم . (٤) الحطم : المنكسر المتضعف فى نفسه ، وفى ز : الحطيم . (٥) فى ز : وخيما. (٦) فى صفة الصفوة (٤ / ٢٥): عبدة بنت أبى شوال . (٧) ناقصة فى : ز . (٩) فى ظ : وكفنى . (٨) لا تؤذنى : لا تعلمی . ٣٧٩ لم أَرَ شيئاً قط أحسن منها ، فقلت : يا رابعة، ما فعلت [ تلك ](١) الجبة التى كفَنَّاكِ ١٨٢ ظ فيها /؟ فقالت : نزع ذلك عنى وبدلت به هذا الذى ترين على، وطويت أكفانى ورفعت فى عليين ، ليكمل [ لى] (٢) بها ثوابى يوم القيامة. فقلت لها : ما لهذا كنت تعملين أيام الدنيا؟ قالت : وما هذا عندما رأيت من ثواب الله وكرامته لأوليائه؟ قلت لها : فما فعلت عبيدة (٣) بنت أبى كلاب ؟ قالت : سبقتنا والله إلى الدرجات العلى . قلت : وبم ذاك وقد كنت أنت فى الناس أكثر منها؟ - تعنى أكثر عملاً - قالت: إنها لم تكن تبالى على أى حال أصبحت من الدنيا . قالت : قلت : فما فعل أبو مالك - تعنى ضيغم بن مالك - ؟ قالت : يزور الله متى شاء. قلت : فما فعل بشر بن منصور ؟ قالت : بخ بخ أعطى والله فوق ما كان يأمل . قالت: فقلت [ لها ] (٤): أوصنى بشىء أتقرب به إلى الله عز وجل . فقالت : أكثرى ذكر الله تعالى، وعليك بذكر الموت فإنه يوشك أن تغتبطى بذلك فى قبرك (٥) . وقال عبد العزيز بن سلمان (٦): ما للعابدين (٧) وما للنوم ، لا نوم والله فى دار الدنيا إلا نوم غالب . وعن سهل بن حاتم ــ وكان من العابدين - قال: بت ليلة فى مسجد بيت المقدس ، فقمت فى آخر الليل فقضیت وردِی ثم جلست ، فإذا بقائل يقول : بطاعم (٨) غَمض بعده الموتُ مُنْتَصِبْ أَيَا عَجَباً للناس لَذَّتْ عُيُونُهُمْ وأهونُ مِنْ نَارٍ تَفُورُ وَتَلْتَهِبْ فَطُولُ قيام الليل أيسَرُ (٩) مُؤْنَةً وقد قيل : كثرة النوم تبلد الذهن، وتورث الوهن، وتفسد من صاحبها المقلة والجفن . وأنشدوا : قَبْلَ أنْ تُفْسِدَهَا بالرُّقَادِ اكحل الجَفْنَ بِكُحْل السُّهَادِ أَدْنَى عندُهُمْ لِلفَسَادِ وَإِذَا مَاخِيفَ هذا فعينُ القَلْب (١) زيادة من : ز . (٣) فى ز : عميرة . (٢) زيادة من : ز . (٤) ناقصة فى : ز . (٥) ورد هذا الخبر كله بطوله فى صفة الصفوة (٤ / ٢٥، ٢٦). (٦) فى ز: سليمان ، ويكنى أبا محمد، وقد أورده ابن الجوزى فى صفة الصفوة (٣ /٢٥٥). (٧) فى ز : ما للعابد . (٩) فى ز : أدنى . (٨) فى ظ : مطاعم . ٣٨٠