النص المفهرس

صفحات 341-360

وكان بعض الصالحين يصلى كذلك ألف ركعة: وكان إذا صلى العصر احتبى (١)،
وقال : عجباً (٢) للخليقة كيف أرادت بك بدلاً منك، عجباً للخليقة كيف استنارت (٣)
قلوبها بذكر سواك .
وكذلك كان مُرَّة بن شراحيل (٤) يصلى (٥) كل يوم وليلة ألف ركعة ، فلما كبر
وبدن [ وثقل](٦) کان یصلی [ کل یوم ] (٧) أربعمائة ، كانت رُكْبتَاهُ مثل رُكْبتى البعير
كانتا قد اسودْتَا وغَلُظَتَا /، وكان له حبل فى مسجده ، فإذا أعيا استمسك به (٨).
١٦٠ ظ
وكان مُرَّة هذا قد سجد حتى أكل التراب جبهته ، فلما مات رآه رجل من الصالحين
فى النوم ، وكأن موضع سجوده كهيئة الكوكب الذى يلمع. قال : فقلت : ما هذا الذى
بوجهك . قال : كُسِى موضع السجود - بأكل التراب له - نوراً . قال : قلت : فما
منزلك فى الآخرة؟ قال : خير منزل ، دار ما ينتقل عنها أهلها ولا يموتون (٩) .
ويُروَى : أن النبى ◌َ﴾ لما أَسَنَّ اتخذ فى مصلاه عموداً يعتمد عليه (١٠). يعنى من
طول قيامه فى صلاته أو من ضعفه عليه السلام عن القيام ، ذكر هذا الحديث أبو داود .
وكذلك يُرْوى / [عن على بن أبى طالب رضى الله عنه، ويروى](١١) عن [ على ١٤٠ ز
ابن ] (١٢) عبد الله بن عباس أنه كان يصلى فى اليوم والليلة ألف ركعة ، رواه الأوزاعى ،
وغيره يروى أنه كان يصلى [ منها بالنهار] (١٣) أربعمائة ركعة (١٤).
وكان عتبة الغلام كثير الاجتهاد ، وكان لا يتهنى بطعام ولا بشراب ، فقالت له أمه :
يابنى ، لو رفقت بنفسك . فقال : الرفق أطلب .
(١) احتبى الرجل: إذا جمع ظهره وساقيه بعمامته ، وهو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعها به مع ظهره
ویشده عليها .
(٢) فى ز : عجبت .
(٣) فى ز : استأثرت .
(٤) هو : مرة بن شراحيل أبو إسماعيل ، يسمى مرة الطيب لتعبده ، روى عن أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود .
(٦) ناقصة فى : ز .
(٥) فی ز : کان يصلى .
(٧) زيادة من : ز .
(٨) حلية الأولياء (١٦٢/٤).
(٩) صفة الصفوة (٢١/٣).
(١٠) أخرجه أبو داود (٢٤٩/١)، والحاكم (٢٦٤/١) وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.
(١١) زيادة من : ز .
(١٢) ناقصة فی : ز .
(١٣) فى ز : بالنهار منها .
(١٤) حلية الأولياء (٣ / ٢٠٧).
٣٤١

ويُرْوَى أن مالك بن دينار (١) قال: كان لى وِرْدٌ أقرأه كل ليلة ، فَنِمْتُ ذات ليلة
عنه ، فإذا أنا فى المنام بجارية من أحسن ما يكون من الجوارى بيدها رقعة ، فقالت لى :
أتحسن أن تقرأ؟ قلت : نعم. فدفعت لى الرقعة فإذا فيها مكتوب :
أ ألهتْكَ اللَّذائِدُ والأمَانِى
عن البيض الأوانى فى الجِنَانِ
وتَلْهُو فى الجِنَانِ مع الحسَانِ
تعيشُ مُخَلَّدا لا مَوْتَ فيها
مِنَ النوْم التهجدُ بالقُرانِ (٢)
تنبّهْ من منامِكَ إنَّ خَيراً
ويُروى عن الليث (٣) - رحمه الله - قال: كان لى ورد أقومه ، فانقطعت عنه مدة ،
فنمت ليلة فرأيت جارية كأنها الشمس تنثنى كالقضيب المايس (٤) ، فقلت لها : يا
جارية ، لمن أنت ؟ فقالت : لمن خطبنى من مولاى . وأشارت لقطعة رَقُّ (٥) معها ، فإذا
فيها [ مكتوب ] (٦) هذان البيتان :
مُهُورِ هُنَّ العملُ الصَّالِحِ
فَاسْمُ (٧) بعينيْكَ إلى نسوةٍ
إلا امْرُؤٌ ميزانُهُ رَاجِحِ
لا يخطبُ العذراءَ فى خِدْرِهَا
وذكر ابن أبى الدنيا قال : حدثنا محمد بن الحسين (٨)، قال: حدثنى محمد بن
عيسى بن ضرار السعدى ، قال : نا عبد العزيز بن سليمان العابد - وكان يرى الآيات
والأعاجيب - قال : حدثنى مطهر السعدى ، وكان قد بكى شوقاً إلى اللهعز وجل ستين
عاماً ، قال : رأيت كأنى على ضفة (٩) نهر يجرى بالمسك (١٠) حافتاه شجر لؤلؤ، ونبته
من قضبان الذهب ، وإذا أنا بجوار مُزْيَّنَاتٍ يَقُلْنَ بصوت واحد :
(١) البصري ، أبو يحيى، من رواة الحديث ، كان ورعاً يأكل من كسبه ، ويكتب المصاحف بالأجرة ، توفى بالبصرة
عام (١٣١ هـ). الأعلام (٢٦٠/٥).
(٢) إحياء علوم الدين (٣٥٥/١).
(٣) هو: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمى بالولاء، أبو الحارث ، إمام أهل عصره حديثاً وفقهًا ، أصله من خراسان
ومولده فى قلقشندة ووفاته في القاهرة عام (١٧٥ هـ) عن ٨١ عاماً. الأعلام (٢٤٨/٥).
(٤) المياس : المائل ، فهى تتمايل فى اختيال و تبختر .
(٥) الرق: جلد رقيق يكتب فيه، وهو الصحيفة. ومنه قوله تعالى: ﴿فِى رَقِّ مِنْشُورٍ﴾ .
(٧) فَاسْمُ : من سما يسمو أى : تطلع وانظر .
(٦) زيادة من : ز .
(٨) فى ز: الحسن، وما أثبتناه هو ما فى الحلية (٢٤٤/٦).
(١٠) فى ظ : فى المسك .
(٩) فى ز : شفير .
٣٤٢

سبحان [ الموحَّد بكل لسان ](١) سبحانه
سُبْحانَ المسبّح بگُلِّ لسانٍ سُبحانه
سبحان القائم فی کل زمانٍ سبحانه
قال : فقلت : من أنتن ؟
فقلن : خَلقٌ من خَلْقِ الرحمن سبحانه
فقلت : ما تصنعن ها هنا (٢)؟ فقلن شعراً:
لقوم على الأطراف بالليل قُوَّمُ
/ ذَرَانَا (٣) إله [ الناسِ](٤) رَبُّمحمدٍ
١٦١ ظ
وتَسْرِى هُمومُ القَوْمِ والنَّاسُ نُوَّمُ
يُنَاجُونَ رَبَّ العالمين إلههـم
قال : فقلت: بخ بخ لهؤلاء من هؤلاء، لقد أقرَّ الله أعينهم بكُنَّ فَقُلْنَ : أما تعرفهم ؟
قلت: لا والله ما أعرفهم . قُلْنَ: بلى، هؤلاء أصحاب التهجد والقرآن (٥) والسهر (٦).
وقال كهمس بن الحسن: أدنى حالات المؤمن أن يكون نائماً ، [ وأحسن حالات
الفاجر أن يكون نائماً](٧).
يريد أن المؤمن إذا كان مستيقظاً إنما يكون فى صلاة وذكر ، أو فى نوع من أنواع
الخير، فإذا نام تعطل عن ذلك . والفاجر إذا كان مستيقظاً كان فى فجور وشر ، فإذا نام
کف عن ذلك .
وقد يكون (٨) نوم المؤمن أيضاً عمل خير إذا كان نومه [ ليستريح وليتجمم] (٩)، فإذا
استيقظ عاد إلى ما كان عليه من الصلاح وأعمال البر ، لكن تكون / حالته نائماً أدنى ١٤١ ز
بالإضافة إلى حالته (١٠) مستيقظاً .
وكان منصور بن عمار (١١) يقول : طوبى لمن أصبحت العبادة حرفته ، والعزلة
(١) في ز: الموجود بكل مكان ، وهو أيضاً لفظ أبى نعيم .
(٢) فى ز : شيئاً .
(٣) ذرانا: أى: خلقنا، مخففة همزة الألف .
(٤) ناقصة فى : ز .
(٥) فى ظ : بالقرآن .
(٦) صفة الصفوة (٢٥٦/٣)، وقد وقع فيه: ((عبد العزيز بن سلمان))، وكذا فى حلية الأولياء (٢٤٤/٦).
(٨) فى ز : يكون أيضا .
(٧) ناقص فى : ز .
(٩) فى ظ : يستريح ليتجمم .
(١٠) فی ظ : خالته ، وفی ز: حاله .
(١١) هو: منصور بن عمار بن كثير أبو السرى الواعظ، أصله من خراسان، سكن بغداد ، روى عن الليث، وتوفى
ببغداد ، قال أبو حاتم الرازى: ليس بالقوى صاحب مواعظ. صفة الصفوة (٢ /٢٠٤)، والجرح والتعديل
(٨ /١٧٦ ).
٣٤٣

شهوته ، والفقر أمنيته ، والآخرة همّته، والموت فكرته ، وشغل بالزهد نيته ، وطلب (١)
من العيش بُلْغَته ، وأمات بالذل عزته ، وشكا إلى الله عز وجل غربته ، ورجا بالتوبة
رحمته ، وطوبى لمن كانت هذه الصفة صفته (٢) .
وكان سعيد بن جبير - رضى الله عنه - من العلماء العاملين ، وكان كثير البكاء
بالليل، ولقد بکی حتى عمشت عيناه وفسدت (٣) .
وأنشد بعضهم :
فَثَارَ وَأَبْدَى لَنَا شَانَهُ
أثارَ التذكَّرُ أحزانَهُ
فأسبلَ بالدَّمْعِ أَجفَانَهُ
وقامَ وسِتْرُ الدُّجَى مُسْبَلٌ
فأبكَى عِدَاهُ وخلاّنهُ
وبكَى ذُنُوباً له قَدْ مضتْ
ومَنْ لَمْ يَكُنْ قِلُبُهُ جمرةً
وَمَنْ ذَا أحقُّ بها من جَهُولٍ
وأخلَقَ فى اللهوِ جُثْمانَهُ
فلولا تفضُّلُ من فضلهِ
لَعَنَّ(٤) على وجههِ آيةٌ
فهذَا لَعمرُك قد كَانَهُ
تحقّق للهِ عصيانُهُ
كما أخلقَ الذَّنْبَ إِيمانُهُ
عرفناهُ قِدْماً وعرفَانُهُ
تكونُ على الخزى عُنْوانَهُ
وكان ضيغم العابد (٥) قد تعبد قائما حتى أقعد ، ومقعداً حتى استلقى ، ومستلقياً
حتى أفحم - أى انقطع - وكان باعث قلبه أقوى من جسده ، فحمّل جسده من العبادة
أكثر مما كان يحتمل، ولم يشعر بذلك لقوة الباعث فأفضى به الأمر إلى ما لم يكن يُظَنُّ به ..
وقال أبو حازم : أدركت رجالاً ما كان يزيد دخول رمضان فى اجتهاد أحدهم شيئا.
ولا ينقص خروجه من اجتهاده [ شيئاً] (٦).
وقال غيره : إذا قصر الأمل ، وكان الموت نصب العين ، وكثرت الرغبة ، وعظمت
(١) فى ز : وبلغ .
(٢) أورد أبو نعيم فى الحلية ( ٥٨/١٠) هذا القول من كلام يحيى بن معاذ الرازى . .
(٤) عَنّ : بدأ وظهر .
(٣) حلية الأولياء (٢٧٢/٤).
(٥) هو: ضيغم بن مالك، أبو مالك العابد. انظر أخباره فى صفة الصفوة (٢٤٠/٣).
(٦) ناقصة فى : ز .
٣٤٤
1

الرهبة ، واجتمعت هذه القرائن مع توفيق اللهعز وجل ذهب الملل وانطرد / بمعونته الفتور ١٦٢ ظ
والكسل، والحوْل حَوْلُ الله، وما النصر إلا من عند الله، لا رب غيره ولا معبود سواه .
قال أبو إسحاق الحبلى (١): قدمت على عبد الحميد الغضائرى (٢)، فوجدته أكثر
[ خلق] (٣) الله عبادة وأعظمهم مجاهدة ، وكان لا يتفرغ من صلاته آناء ليله وآناء نهاره،
فانتظرت فراغه وطلبت الكلام معه ، فلم أقدر على ذلك ولم أجد إليه [ سبيلاً ] (٤)،
فقلت له : يا هذا ، إنا قد فارقنا (٥) الآباء والأمهات ، وهجرنا الأهلين (٦) والقرابات ،
وتركنا الأوطان ، وارتحلنا إليك حتى قدمنا عليك ، فلو تفرغت إلينا ساعة حتى تعلمنا مما
علمك الله، وتفيدنا مما أفادك الله.
فتفرغ وقال لى : أصابتنى دعوة الرجل الصالح سرى السقطى (٧) رحمه الله تعالى،
جئته يوماً فوجدته فى مناجاته ، فضربت بابه فقال : من هذا؟ فقلت : أنا ، فسمعته يقول :
اللهم من جاءنى يشغلني عنك فاشغله بك عنى ، فما رجعت من عنده حتى حببت لی
الصلاة والشغل بذكر الله، فما أتفرغ لشىء سواه .
وقال بعض الصالحين: أقل فائدة تكون / فى ذكر الكبار والصالحين وأهل الحقائق أن ١٤٢ ز
يعرف الإنسان نفسه ، ويرى تقصيرها وكسلها وقلة جِدَّها، ويُرْوَى هذا الكلام عن أبى
بكر الدقاق (٨) .
قال أبو الأحوص : كان أبو إسحاق السبيعى (٩) يقول: يا معشر الشباب ، جدوا
واجتهدوا ، وبادروا قوتكم ، واغتنموا شبيبتكم قبل أن تعجزوا ، فإنه قل ما مرت بى لهلة
إلا قرأت فيها ألف آية .
(١) فى ز: الجيلى .
(٢) الأرجح أن هنا نقصاً ما، وصحة الجملة: ((قدمت على على بن عبد الحميد الغضائرى))، وانظر هذا الخبر فى حلية
الأولياء (٣٦٦/١٠) وقد ضبط فيه ((العطائرى))، وصفة الصفوة (٢٤٣/٢) (٢٠٣/٤).
(٣) ناقصة فى : ز .
(٤) زيادة من : ز .
(٥) فى ظ : فرقنا .
(٦) فى ز : الأهل .
(٧) تقدمت ترجمته ص (٣٢٨).
(٨) فى ز: الوراق. وفى الحلية (١٠ / ٢٣٥): الوراق (٣٤٤): الزقاق (لعابد آخر )، وفى صفة الصفوة (٢ /
٢٦٩) : الرقاق . ولم يتضح لى أيهم المقصود هنا .
(٩) هو : عمرو بن عبد الله، من بنى ذى يحمد بن السبيع الهمدانى الكوفى، من أعلام التابعين الثقات ، سمع من
٣٨ صحابياً، وكان من الغزاة المشاركين فى الفتوح، ولد (٣٣هـ) وتوفى (١٢٧ هـ) عن ٩٤ عاماً. الأعلام
(٨١/٥).
٣٤٥

كان رحمه الله يقول لهم هذا لينشطهم [ على العمل ] (١) ويحركهم إلى [المبادرة] (٢)
إلى الله عز وجل .
٫٥٠
ويروى عن العلاء بن سالم العبدى قال : ضعف أبو إسحاق - يعنى هذا - عن
القيام إلى الصلاة ، فكان لا يقوم حتى يقام ، فإذا أقاموه واستتم قائماً قرأ ألف آية وهو
قائم(٣) .
كان معه رحمه الله من لذة الصلاة وطيب المناجاة ما يعينه على القيام مع ضعف جسده
و کبر سنه .
وقال له رجل بعد ما حطمه السُّنُّ: ما بقى فيك اليوم يا أبا أسحاق ؟ قال : بقی منی
أنى أقوم فأقرأ القرآن فى ركعة . قال : بقى منك الخير وذهب منك الشر.
وإن كان أحدهم لينجلى عنه الليل ، وهو أحرص ما كان عليه وأهيم (٤) إليه ، وإن
كان ليود أنه لا يسير (٥)، وإن كواكبه لا تغور لما كان يجد فيه من النعيم ، ويتغشاه فيه من
السرور .
وأنشدوا :
ساعةً مُحْسِناً بِذَاكَ إِلَيْنَا
مَا عَلى الليل لَوْ أقامَ علينَا
أكسبتْهَا الذنوبُ طَبْعاً وَرَيْنَا
فجلونا (٦) به صَدأ من قُلُوبٍ
وسَمَوْنَا بفضلِهِ وَارْتْقَيْنَا
وَدَنَوْنَا مِن رَّبِّنَا وَعَلَوْنَا
وشُفِينا جراحةً واسْتَفَيْنَا
أغفلتْهُ التجارُ غيناً وعينا
والكَرَى مَالِىٌّ فُؤادا وَعَيْنا
فى الثَّرى من دُموع عينيه عَيْنا
صَيََّ الصَّعْبَ مِنْ أمانيهِ هَينا
١٦٣ ظ
(١) زيادة من: ز .
(٣) صفة الصفوة (٦٨/٣).
(٥) فى ز : لا يتم .
(٢) ناقصة فى : ز .
(٤) في ز : واهم .
(٦) فى ظ : فجلا .
(٧) فى ز : فطغى .
٣٤٦
فَسمِعْنَا عَجائباً ورأيْنَا
فَازَ عبدٌ أقامَ بالليل سُوقًا
قام فيه وسِتْرُه قد تَدلَّى
فطَوى (٧) فى الضُّلُوعِ نَارا وأجرَى
/ وَشَكا ما شَكَا بِذُلِّ وَشَجْو

ما ثنى خِفَّة (١) وأذهبَ أيْنَا
فتغشَّاه من سُرورٍ وَطيبٍ
بانَ فى جنسهِ هُنَالِكَ بَوْنَا
وَإِذَا مَا الأَنامُ للهِ قامُوا
وكان همام بن الحارث (٢) من القائمين بالليل، كان لاينام إلا هنيهة ينامها جالساً إذا
غلبه النوم ، وكان يقول فى سجوده : اللهم اشفنى من النوم باليسير ، واجعل سهرى فى
طاعتك .
وكان شريح بن هانئ (٣) يقول: ما فقد رجل شيئاً أهون [عليه ] (٤) من نعسة
تر کها .
[ وأنشدوا :
يَارَاقِدَ الليلِ عَلَى طُولِهِ
قد شردَ النومُ عن أجفانهِ
هَيَّجَهُ مِنْ رَبِّهِ موعدٌ
فباتَ فى أَضْلُعهِ جمرةٌ
وَدَمْعِهُ يُنزِلُ مَمْزُوجُهُ
يَا مُوقِدَ النَّارِ بِذَاتِ الغضى
/ دُونَكَ ناراً فى حَشَا وَالِهٍ
وأنت يا غافِلٌ فى نومةٍ
وَيْكَ تَيقظ فَسِهَامُ الرَّدَى
وَلْتَقْطِعْ الليلَ إِذَا مَا دَجَا
كَمْ مِنْ أَهْيَمَ لا يرقُدُ
خوف به يوم الفتى يَشْرُدُ
مُنْتَظِرٌ ما مثلُه موعدُ
يُوقِدُهَا مِنْ ذكرهِ تَوقُّدُ
والدْمعُ قد يمزجُهُ المكمدُ
دُونَكَ نَاراً أَيْنَ تَكُنْ توقَّدُ
إنْ خمدتْ نَارٌ فَلاَ تَخْمِدُ
مَا نَامَها ذُو نهية (٥) أبد
تقصدُ مِنْ نفسِكَ ما تقصِدُ
تَقْرأ أَوْ تركعُ أو تسجُدُ
١٤٣ ز
(١) فی ز : قنی حقه .
(٢) هما م بن الحارث النخعى كوفى ، روى عن بعض الصحابة ، قال يحيى بن معين : ثقة ، وقد توفى فى ولاية
الحجاج. انظر الجرح والتعديل للرازى (١٠٦/٩) وقد أورد هذا الخبر لهمام أبو نعيم فى الحلية ( ١٧٨/٤)،
وابن الجوزى فى صفة الصفوة (٢٢/٣).
(٣) ابن يزيد الحارثى، راجز شجاع من أصحاب على ، كان من أمراء جيشه يوم الجمل ، قتل غازياً بسجستان ، توفى
عام (٧٨هـ). الأعلام (١٦٢/٣).
(٥) النُّهْية : العقل، سميت بذلك لأنها تنهى عن القبيح .
(٤) زيادة من : ز .
٣٤٧

وإنْ نفت (١) من جوفِهِ نَوْمَةٌ
واصيِرْ مع اللهِ عَلَى فَقْدِهَا
فَرُبَّمَا فَاتَكَ مَا تَجِهِدُ
أَهْوَن شىء نَومٌ تفقد] (٢)
وذكر أبو الحسن بن جهضم فى كتابه بإسناده إلى أبى بكر العطار قال : [ حضرت
أبا ] (٣) القاسم الجنيد بن محمد وقد نزل به الموت أنا وجماعة من أصحابنا ، فكان يصلى
قاعداً ويثنى رجله عند الركوع والسجود ، فلم يزل كذلك حتى خرجت الروح من
رجليه ، فثقلت عليه حركتهما وكانتا قد تورَّمَتَا فَمَدَّ رِجْليْهِ ، فرآه بعض إخوانه ممن حضر
ذلك الوقت وهو السَّامِىُّ، فقال: ما هذا يا أبا القاسم؟ فقال: هذه نعم ، الله أكبر - يعنى
ثم عاد إلى صلاته - فلما سلَّمَ قال له أبو محمد الجريرى : يا أبا القاسم ، لو اضطجعت ؟
فقال : هذا وقت [ يؤخذ منه ] (٤)، الله أكبر - يعنى ثم عاد إلى صلاته - قال : فلم يزل
كذلك حتى خرجت روحه رحمة الله عليه (٥) .
وعن أبى بكر [ أيضاً ] (٦) أن الجريرى قال له - يعنى فى أثناء تلك الصلاة - : يا أبا
القاسم ، لو رفقْتَ بنفسك؟ فقال [ له ] (٧): يا أبا محمد، [ حالة وصلت بها] (٨) إلى
الله عز وجل فى بدء أمرى لا فارقتها أو ألحق به تبارك وتعالى .
وقال غيره : كان وٍرَدُ الجنيد كل يوم أربعمائة ركعة، وكان إذ ذاك يخرِزُ (٩) فى
حانوت فى السوق ، وكان يسبح كل يوم ثلاثين ألف تسبيحة .
وقال أبو عبد الله البرائى (١٠): بمعرفة الله سبحانه هانت على العابدين العبادة (١١)،
وبالرضا عنه عز وجل فى تدبيره وما قسم من رزقه زهدوا فى الدنيا .
(١) أى : أصابه نوم غالب له .
(٢) هذا الشعر ، ما بين القوسين المعقوفين ، زيادة من : ز .
(٣) فى ز : حدثنا أبو .
(٤) فى ز : تؤخر فيه .
(٥) أورد هذا الأثر من طريق أبى بكر العطار، أبو نعيم فى الحلية (٢٨١/١٠)، وصفة الصفوة (٢٧٣/٢).
(٦) ناقصة فى : ز .
(٧) زيادة من : ز .
(٨) فى ز : حاله بها وصلت .
(٩) أى يخيط الخف، فيخرز كل ثقبة بخيطها. وقد ورد هذا الخبر فى صفة الصفوة (٢٧٠/٢).
(١٠) هو : أبو عبد الله بن أبى جعفر البراثى، نسبة لبراثا، وهى محلة فى أطراف بغداد . انظر أخباره فى الحلية
(٣٢٣/١٠)، وصفة الصفوة (٢٥٣/٢).
(١١) فى ز: العادة، وقد ورد هذا الخبر عنه فى صفة الصفوة لابن الجوزى (٢٥٣/٢)، وحلية الأولياء (٣٢٣/١٠).
٣٤٨

وكانت حبيبة العدوية من العابدات المجتهدات ، وكانت إذا صلت العتمة قامت على
سطح لها ، وشدت عليها درعها وخمارها، وقالت: [إلهى ] (١) نامت العيون ، وغلقت
الملوك أبوابها ، وأرسلت عليها حجابها ، وخلا كل حبيب بحبيبه ، وهذا مقامى بين
يديك . ثم تقبل على صلاتها ، فإذا طلع الفجر قالت : إلهى هذا الليل قد أدبر ، وهذا
الفجر قد أسفر ، فياليت شعرى هل قبلت منى ليلتى فأهنا ، أم رددتها علىَّ فَأعزّى ؟
فوعزتك لهذا دأبى ، ولو انتهرتنى من بابك لما برحته لما وقع فى نفسى من كرمك (٢).
وكانت عجردة من العابدات ، وكانت تُحيى الليل كله ، وكانت عمياء فإذا كان
السحر نادت (٣) بصوت لها محزون: إليك قطع العابدون دُجَى الليل ، يستبقون إلى
رحمتك ، ويسارعون إلى مغفرتك، فَبِكَ أسألك إلهى لا بغيرك أن تجعلنى فى أول زُمْرة
السابقين ، وأن ترفعنى لديك فى درجة المقربين ، وأن تلحقنى بعبادك الصالحين ، وأنت
أرحم الرحماء، وأكرم الكرماء، وأعظم العظماء. ثم تَخِرُّ / ساجدة ، فلا تزال تبكى ١٩٤ ظ
وتدعو حتى يطلع الفجر (٤) .
وقال أبو محمد الجريرى : إن لله عز وجل ريحاً يقال لها : الصبحة (٥) ، مخزونة
تحت العرش تهبُّ عند / الأسحار تحمل الأنين والاستغفار من المذنبين إلى العزيز الجبار .
١٤٤ ز
وكان أبو فاطمة صاحب النبى - عليه السلام - قد اسودّ جبينه وركبتاه من كثرة
السجود، فقيل له فى ذلك. فقال: إن رسول الله عَ﴾ قال لى: ((يا أبا فاطمة، أَكْثِرْ من
السجود ، فإنه ليس من عبد مسلم يسجد لله سجدة إلا رفعه الله بها درجة)) (٦) .
وقال عدى بن ثابت (٧): قربان المتقين الصلاة ، والصلاة من أفضل الوسائل إلى الله
عز وجل .
(١) ناقصة فی : ز .
(٢) صفة الصفوة (٢٧/٤).
(٣) فی ز : نادت لها .
(٤) صفة الصفوة (٢٦/٤).
(٥) في ظ : الصبحية.
(٦) أخرجه أحمد (٤٢٨/٣)، وابن ماجه (٤٥٧/١)، وقد جود المنذرى فى الترغيب (١٤٥/١) إسناد ابن
ماجه. وأبو فاطمة له صحبة ، يعرف بكنيته ولم يعرف اسمه . انظر: الجرح والتعديل (٤٢٤/٩).
(٧) هو: الأنصارى، عالم الشيعة الإمامية وصالحهم فى عصره ، صدوق . قال الذهبى : لو كانت الشيعة مثله لقل
شرهم ، توفى بالكوفة عام (١١٦ هـ). الأعلام (٤ / ٢١٩).
٣٤٩

وقال ثابت البنانى : الصلاة خدمة الله فى الأرض ، فمن أحبه الله استخدمه (١).
وكان عثمان بن عفان - رضى الله عنه - يصوم الدهر ويقوم الليل إلا هجعة من
أوله ، وربما قامه كله فى بعض الليالى (٢) .
وكان عبد الرحمن بن الأسود (٣) يصلى كل يوم وليلة ستمائة ركعة ، وكذلك كان
يفعل (٤) مُرَّة الطيب (٥)، ويروى ألف ركعة ، ولعل ذلك كان فى زمان آخر .
وهذه درجات من الأعمال يفتح الله منها بما يشاء على من يشاء ، فمنهم من يفتح له
فى الصلاة فَيْرَبَى (٦) فيها على غيره، كما يُرْوَى عن جماعة أنهم كانوا يصلون فى اليوم
واللیلة ألف ر کعة، وقد تقدم ذکر ناس منهم .
ومنهم من يُفْتَحُ له فى الصيام ، فيصوم السنين المتتابعة ويواصل الأيام الكثيرة ،
وكذلك فى القراءة والذكر والجهاد والحج والصدقة والمشى وحوائج المسلمين ومعونتهم،
وكشف الكُرَب عنهم ، وجلب المنافع لهم ، إلى غير ذلك من أفعال الخير وأعمال البر،
وهو المسئول جل جلاله أن يضرب لنا فيها بنصيب صالح ، وأن يزن لنا فيها بميزان
راجح (٧) بکرمه ورحمته .
قال أبو سليمان الدارانى : من قام إلى الصلاة فاستفتح القراءة فوجد لها لذة فليقرأ
ولا يركع ولا يسجد ، وإذا وجد للركوع لذة فليركع ولا يقرأ ولا يسجد ، وكذلك
إذا وجد للسجود لذة فَلَيَسْجُد ولا يقرأ ولا يركع ، الوجه الذى فُتِحَ له من العمل
٥٫٥٠
فَلیلزمه(٨) .
قيل له : فالحزب الذى قد جعل على نفسه من القراءة والركوع والسجود متى
يصليه ؟ قال : بالنهار. ثم قال : إذا تركه كيف له بأن يفتح له فيه مرة أخرى ؟ هل رأيت
أحداً يطلب شيئا فإذا وجده تركه ثم يعود يطلبه مرة أخرى ؟
(١) انظر: حلية الأولياء (٢ /٣٢٠). (٢) حلية الأولياء (١ / ٥٦).
(٣) هو: عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد، أبو جعفر النخعى، كان يدخل على عائشة رضى الله عنها . صفة الصفوة
(٦٠/٣).
(٤) فى ز : يصنع .
(٥) هو مرة بن شراحيل، وقد تقدمت ترجمته ص (٣٤١).
(٦) فیربی : یزید .
(٧) فى ظ : صالح .
(٨) أورد نحو هذا الخبر ابن الجوزى فى صفة الصفوة (١٩٤/٤).
٣٥٠

قال غيره: وإذا فتح له أيضاً [ فيه ] (١) بالنهار تركه لوقت آخر فإن تلك اللذة لا تدوم ،
وإنما هى تارة وتارة وساعة وساعة .
هى أحوال تكثر عند قوم وتقل عند آخرين ، والله عز وجل يوجدنا بَرَدَ ذلك النسيم
وطيب ذلك النعيم برحمته [ وكرمه](٢) .
وقوله: (( إذا وجد للقراءة لذة فليقرأ ولا يركع ولا يسجد )) إنما يريد أن يطول ما
وجد فيه اللذة ويخفف غير ذلك حتى يتم الركعتين على حدودها ، وإن كان ما (٣) وجد
فيه اللذة مُطَوَّلا. وهذا لا يَخْفَى على من عنده أَدْنَى فَهْم، وإنما ذكرته / وشرحته لئلاً ١٦٥ ظ
يُشْكَلُ على بعض مَنْ سمعه مِنَ النساء والصبيان ، والله المستعان .
و کان أبو سعيد الخدری - رضى الله عنه - یکثر الصلاة بالنهار ، فإذا جنه الليل / لا ١٤٥ ز
يزال قائماً وراكعاً وساجداً حتى يصبح. فقيل له : لو كففت بعض الكف ، فإن الاقتصاد
أمثل . فقال : إنى أخاف أن يجوز أصحابى الصراط وأبقى دونهم ، والله لو قمت على
رِجْل واحدة حتى ألقى الله عز وجل ما عدل ذلك نظرة واحدة أطمع فيها من لقاء محمد
#. ثم قال: وما عملى عند عمل العابدين قبلنا. فقيل له: حدِّثْنَا يرحمك الله . قال:
كان أحدهم يُسَدُّ عليه بابُ غَارٍ فيعبد الله فيه خمسمائة عام أو أكثر، ثم إذا نزل به الموت
یری أن ذلك کان منه کساعة من نهار .
ويُروى عن عبد الله بن عباس - رضى الله عنهما - أنه لبس الصوف مما يلى جسده ،
وسرد الصوم واتخذ الليل مركوباً . أى: كان يصليه كله أو أكثره .
وذكر ابن أبى الدنيا قال : حدثنى محمد بن الحسين ، قال : نا صدقة بن بكر
السعدى ، قال : نا مرجى بن وداعٍ الراسبى (٤) عن المغيرة بن حبيب ، قال : قال عبد الله
ابن غالب الحدانى (٥): لما برز إلىّ العدو على ما آسى من الدنيا ، فوالله ما فيها للبيب
جذل (٦)، والله لولا محبتى لمباشرة السهر بصفحة وجهى ، وافتراش الجبهة لك يا سيدى ،
والمراوحة بين الأعضاء والكراديس (٧) فى ظلم الليل ، رجاء ثوابك ، وحلول رضوانك،
(١) ناقصة فى : ز .
(٢) ناقصة فى : ز .
(٣) فى ز : الذى .
(٤) فى ز: المراسى ، انظر: الجرح والتعديل للرازى (٤١٢/٨) وقال: ((لا بأس به)).
(٥) فى ز : الحرانى .
(٦) فى ز: جدل، وما أثبتناه هو لفظ صفة الصفوة (٢٢٥/٣).
(٧) الكراديس : رؤوس العظام ، واحدها كردوس ، وكل عظمين التقيا في مفصل فهو كردوس ، نحو المنكبين
والر کیتین والوَرِ کیْنِ .
٣٥١

لقد كنت متمنياً لفراق الدنيا وأهلها. ثم كسر جفن سيفه وتقدم فقاتل حتى قُتِلَ . قال :
فَحُمِلَ من المعركة وإن به لرمقًا، فمات دون العسكر ، فلما دُفِنَ أصابوا من قبره رائحة
المسك . قال: فرآه بعض إخوانه فيما يرى النائم . فقال له : يا أبا فراس ، ما صنعت ؟
قال : خير الصنيع . قال : إلامَ سِرْت ؟ قال : إلى الجنة . قال : بِمَ ؟ قال : بحسن اليقين
وطول التهجد وظمأ الهواجر . قال : فما هذه الرائحة الطيبة التى توجد من قبرك ؟ قال :
تلك رائحة التلاوة والظمأ . قال : قلت : أوصنى . قال : بكل خير أوصيك . قلت :
أوصنى . قال: اكتسب لنفسك خيراً، لا تخرج الأيام عنك عطلاً، وإنى رأيت الأبرار
نالوا (١) البر بالبر (٢).
وقال الأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس : التهجد إنما يكون بعد نومة ، يقولان : ثم
يقوم لصلاة الليل .
وكان بشر بن سعد يوقظ أهله ويقول : الصلاة الصلاة . ويقول: إن السفر لا يقطع
إلا بِدُلَج الليل، وإن الدنيا سفر ونصب وتعب حتى يُفْضِى (٣) العبد إلى رحمة الله تعالى .
وقد قيل : من كَثُرَ فى سفره رُقَادُه تعذر مُرَادُهُ وطال عن محبوبه بِعَادُه .
وأنشد بعضهم:
كَأَنْهُمْ دُونَنّا بالأمرِ قَدْ قَصَدُوا
كَمْ ذَا الرُّقَادِ وأهل الجَدِّمَا رقدُوا:
وما عملتَ منْ عمل ذَاكَ الذِى تَجِدُ
قَامُوا ونِسْتَ وَجَدُّوا إِذْ هَزِلْتَ
هَلْ فِيكَ وَيْكَ لنَقْضِ البَيْعِ مُستَنَدُ
/ یَا صفقةً خَسِرَتْ وخاب تاجرُها
٦٦ ٩ ظ
وغيض (٥) سَلْسَلُه (٦) فما الذى تَرِدُ
وَلَّى الشَّبَابُ وَوَلَّى (٤) العُمْرُ أَطِيبُهُ
إلا الكفافُ وفى الكفافِ (٨) مُعْتَمدُ
فَابْتَدِ بِدُنْيَاكَ حَيْثُ (٧) لا اجتماع بِهِ
ففى القُبُورِ إذَا مَا حييتها مهد
وَهِجُرْ مِهَادَكَ لاَ تُلْمِمْ بِسَاحِتِه
(١) فى ظ : قالوا .
(٢) صفة الصفوة (٢٢٥/٣).
(٣) فى ز : يمضي .
(٤) فى ظ : وأودى .
(٥) فى ز : وغص .
(٦) السلسل : الماء العذب الصافى سهل الدخول فى الحلق . والمقصود : أن نضارة الشباب وعذوبته قد ذهبت ، وقد
فات وقت ورود الماء فهو قد ذهب .
(٧) فی ز : حنث .
(٨) في ز : الكفال .
٣٥٢

مَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَها مهداً مُلَيَّنَةً
/ لله دَرُّ رِ جَالٍ لم يَمِلْ بِهِمْ
قَامُوا ونَارُ الأَسَى فى القلب (٢) تَتَّقِدُ
بَثُوا حَدِيثَهُمْ وَطُولَ شجْوِهُمُ
تَنعَّمُوا فِى الدُّجَى بِقُربٍ رَبِّهمُ
جَازُوا عَليكَ وأنتَ راقدٌ فمضُوا
يَا رَقِداً وَرِجَالُ اللهِ سَاهرةٌ
من الحريرٍ وإلا جمرة تَقدُّ
لِينُ الفِراش ولا الأوانسُ الْخُرُد (١)
ودمعةُ العينِ فى الخدّيْنَ تَطَّردُ
واسْتَشْفَعُوا لعظيم الفَضْل إِذْ قَصَدُوا
وفى قُبُورِهِم ياَ طِيبَ مَا وجدُوا
وخلَّفُوكَ إلى الوِرْدِ الذى وَرَدُوا
مَا كَانَ أَوْلَى بِتِلْكَ المُقْلَةِ(٣) الرَّمَدُ
١٤٦ ز
ومما يروى من موعظة النبى ﴾ لأبى ذر (٤): ((نَّهْ بالتفكر قلبك ، وجَافٍ عن النوم
جَنْبك، واتَّقِ اللهَ ربك)) .
وقال الحسن البصرى : نهارك ضيفك فأحسن إليه ، فإنك إن أحسنت [ إليه ] (٥)
ارتحل بحمدك ، وإن أسأت إليه ارتحل بذمِّكَ، وكذلك ليلُكَ .
وقال بعض الحكماء: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما .
وقال عليه السلام: ((الشتاء ربيع المؤمن)) (٦).
ضرب عليه السلام الربيع وخصبه مثلاً لليالى الشتاء وطولها ، وما يتمكن للمؤمن فيها
من القيام ، ويتيسّر له من المناجاة ووجود البركات . وهذا الحديث ذكره أبو عيسى
الترمذی من حديث أبى سعيد الخدرى .
و کان أبو هريرة رضى الله عنه لا يخلو بيته من مصل بالليل، كان قد قسم الليل ثلاثة
(١) الخُرُد : جمع خريدة، وهى المرأة البكر التى لم تُمْسَسْ قط ، وهى الحيبة الطويلة السكوت الخافضة الصوت
المتستِّرةِ . والأوانسُ: جمع آنسة ، وهى الفتاة الشابة التى يُؤْنَسُ لحديثها .
(٢) فى ز : الحرب .
(٣) المقلة : هى حدقة العين ، وقيل: العين كلها .
(٥) زيادة من : ز .
(٤) فی ز : لأبى كثير .
(٦) حديث أبى سعيد الخدرى أخرجه أحمد (٧٥/٣)، وأبو نعيم فى الحلية (٣٢٥/٨)، وأبو يعلى فى مسنده
(٣٢٤/٢، ٥٢٥)، والقضاعى فى الشهاب (١١٥/١)، والديلمى فى الفردوس (٣٧٥/٢)، قال الهيثمى
في المجمع (٢٠٠/٣): ((إسناده حسن))، أما الترمذى فقد رواه عن عامر بن مسعود مرسلاً بلفظ: ((الغنيمة
الباردة الصوم فى الشتاء))، وقد أخرجه أيضاً أحمد (٣٣٥/٤).
٣٥٣

أثلاث: ثلثاً له، وثلثاً لامرأته، وثلثاً لابنته (١).
وكان زُبَيْدٌ اليامىّ قد قسم الليل أثلاثاً عليه وعلى ابنيه ، يصلى كل واحد منهم ثلثًا ،
فإذا صادف ليلة من أحدهما كسلاً قال له : نم يا بنى فأنا أصلى عنك نصيبك ، فإن صادف
من الآخر كسلاً قال له : أفعل (٢) مثل ذلك . فربما كان يصلى فى بعض الليالى الليل كله،
ثم كان بعد ذلك من أكثر أهل الكوفة صلاة بالليل (٣).
وقال سفيان الثورى : كان زياد (٤) بن فياض يخرج إلينا كأنما خرج من قبر من كثرة
صلاته و عبادته .
وكان صفوان بن سليم (٥) من العابدين المجتهدين ، وكان قد أعطى الله عهداً ألا
يضع جنبه علي فراش [ حتى يَلْقَاهُ، فعاش بعد ذلك أربعين سنة لم يَضَعْ جَنْبه على
فراش] (٦) ، فلما مرض قيل له: يرحمك الله ألا تضطجع؟ قال : فما وفيت الله بالعهد إذا
فاشتد به الأمر ، فما زال كذلك يعالج حتى مات رحمة الله عليه(٧) .
وقال إبراهيم بن محمد بن المنكدر : خرج صفوان مع عمى إلى مكة ، فكان يصلي
ليلته كلها على المحمل ونحن [ نسرى إلى ] (٨) أن ينعس ، فيضع خده على يده فينام
١٦٧ ظ جالساً فإذا / تفرق الناس إلى مضاجعهم بالضحى قام يصلى ، فلا يزال كذلك يصلى إلى
نصف النهار ، فإذا نعس وضع جبهته [ فى الأرض على متاعه ، فلم يزل كذلك] (٩) ليلاً.
ونهاراً حتى رجعنا من مكة ، ما كان ينام إلا جالساً .
وقال أبو عبد الرحمن العمرى (١٠): لم يكن صفوان بن سليم يتوسد بالليل وساداً ،
وكان لا يضع جنبه على فراش ، إنما كان يصلى فإذا غلبته عيناه احتبى قاعداً .
وقال سعيد بن المسيب: ما من ليلة تأتى على الناس إلا نادت : أنا ليلة جديدة ، لم آت
(٢) ناقصة فى : ز .
(١) أورد نحوه أبو نعيم فى حلية الأولياء (٣٨٢/١).
(٣) حلية الأولياء (٣٢/٥).
(٤) فى ز: سفيان ، وهو : أبو الحسن الخزاعى ، كوفى ، روى عن سعيد بن جبير، وروى عنه الأعمش والثورى ، قال
يحيى بن معين: ((ثقة)). الجرح والتعديل (٥٤٢/٣).
(٥) هو: أبو عبد الله صفوان بن سليم الزهرى، قال أحمد بن حنبل: ((هذا رجل يُستشفى بحديثه، ويُسْتَنزلُ القَطْر
بذكره))، توفى بالمدينة سنة ( ١٣٢ هـ).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من : ز .
(٨) فى ظ : نسرى إلا، وفى ز: نسير إلى.
(١٠) فى ز : المعرى .
(٧) صفة الصفوة (١٠٥/٢).
(٩) فى ظ : بالأرض .
٣٥٤

عليكم قط ، ولا آتى عليكم بعد / فاعملوا فى خيراً، فإنكم مسئولون عما عملتم فى . ١٤٧ ز
وإذا جاء النهار نادى كذلك أيضاً، هكذا أبداً لم تزل الدنيا (١) على ذلك .
وقال الحسن البصرى - رحمه الله -: لقد وفدتنى كلمة سمعتها من الحجاج على
أعواد هذا المنبر ، سمعته يقول : إن امرؤ ذهبت ساعة من عمره فى غير ما خُلِقَ له لَجديرٌ
أن تطول عليها حسرته (٢) يوم القيامة.
وقال أبو الدرداء : ما مر یوم على رجل مسلم إلا اجتمع هواه وعمله ، فإن كان هواه
تابعاً لعمله فيومه يوم صالح (٣)، وإن كان عمله تابعاً لهواه فيومه يوم سوء (٤).
وكان عامر بن عبد قيس يصلى الصبح فى المسجد ، ثم يقوم إلى ناحية ، فيأتيه قوم
فيقرئهم القرآن ، حتى إذا طلعت الشمس وكان وقت الصلاة قام فصلى إلى الظهر ، فإذا
صلى الظهر قام فصلى إلى العصر ، ثم يأتيه أقوام فيقرئهم القرآن إلى المغرب ، فإذا صلى
المغرب صلى إلى العشاء ، فإذا صلى العشاء انصرف إلى بيته فأخذ أحد رغيفيه
فأفطر عليه وشرب الماء ثم نام نومة خفيفة ، ثم قام فصلى إلى السحر ، ثم يأخذ رغيفه
[ الآخر] (٥) فيتسحر به ، ثم يخرج إلى المسجد فيصلى إلى الصبح ، وكان يقول :
إِلَهَى ، خلقتنى ولم تُؤَامِرْنِى (٦)، وتميتنى ولا تُعْلِمُنى، وجعلت معى عدوا يجرى منى
مجرى الدم ، وجعلته يرانى ولا أراه ، ثم قلت لى : استمسك . إلهى ، كيف أستمسك
إلا بك ؟ إلهى، فى الدنيا الهموم والأحزان ، وفى الآخرة الحساب والعقاب ، فأين الراحة
والفرج؟ (٧).
ويُروى أنه كان يصلى فيتمثل له الشيطان فى صورة حيّة ، فيدخل من تحت قميصه
حتى يخرج من جَيْبه (٨)، [ فما يهيجها ولا يمسها ولا يمسكها ] (٩) ولا يقطع صلاته من
أجلها، فقيل له: ألا تُنحِّى الحيّة عنك، فقال: إنى لأستحى من الله أن أخاف سواه ، فقيل
(١) فى ز: الدنيا أبداً .
(٢) فی ز : حزنه .
(٣) فى ظ : صلح ، وما أثبتناه فى المتن موافق أيضاًلما فى صفة الصفوة .
(٤) صفة الصفوة (٣٢٢/١) من طريق معاوية بن صالح عنه .
(٥) زيادة من : ز .
(٦) أى : لم تشاورنى فى أمر خلقى وإيجادى فى هذه الحياة .
(٧) صفة الصفوة (١٣٨/٣).
(٨) الجيب : جيب القميص أو الدرع، وهو الفتحة التى تدخل منها العنق فى القميص.
(٩) فى ز: فما يمسها ولا يمسكها، وفى ظ : فما يهيجها ولا يمسها .
٣٥٥

له : إن الجنة لَتُدْرَكُ بدون هذا، فقال: والله لأجتهدنَّ، [والله لأجتهدن ](١) ، فإن نجوت
فبرحمته ، وإن دخلت النار فَبَعْدَ جهدى (٢) .
وكان قد سأل الله تعالى أن يُهوِّن عليه الطهور فى الشتاء، فكان يُؤْتَى بالماء وله
بخارٌ ، كأنه إنما كان على النار .
وكان محمد بن بسام [الأدنى ](٣) من البكائين ، وأقام نيفاً وأربعين سنة يصلى
١٦٨ ظ بالقرآن فى كل ليلة ، وربما ختمه فى الليل / والنهار مرتين ، وما ترك ذلك قط فى سفر ولا
حضر ، ولا فى أرض الروم ولا بطريق مكة ، وكان إذا استثقل فى النوم أتاه آتٍ فقال :
السلام عليك أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته، الصلاة رحمك الله، الصلاة خير من النوم .
وربما أحس بإصبعه تُعَضُّ.
وكان مسروق بن الأجدع (٤) قد انتفخت ساقاه من طول القيام فى الصلاة ، ولقد
حج فما نام إلا ساجداً وقال : ما أحزن على شىء من الدنيا يفوتنى إلا السجود ، ولما نزل
به الموت جزع ، فقيل له : ما هذا الجزع ؟ فقال : ومالى لا أجزع ؟ وإنما هى ساعة
واحدة ، ولا أدرى أين يُسْلَكُ بى؟ (٥) .
وكان أبو الدرداء صاحب النبى ثم يقول : لولا ثلاث ما أحببت البقاء فى الدنيا :
الظمأ لله فى الهواجر (٦) ، والسجود فى جوف الليل ، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب
١٤٨ ز الكلام كما ينتقون / أطايب التمر (٧) .
وقال الأوزاعى : مَنْ أطال القيام بالليل هُوَّنَ عليه موقفه يوم القيامة (٨).
وما أحسب الأوزاعي أخذ هذا إلا من هذه الآية: ﴿وَمِنَ الليل فَاسْجُدْ لَه وَسَبَحْهُ
لَيْلاً طَوِيلاً. إنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ العَاجِلَةَ ويذُّرُونَ وراءِهُمْ يَوْماً تَقِيلاً﴾ (٩).
(٢) صفة الصفوة (١٣٣/٣).
(١) ناقصة فى : ز .
(٣) ناقصة فی : ز .
(٤) ابن مالك الوادعى ، أبو عائشة، تابعى ثقة يمنى ، قدم المدينة فى أيام أبى بكر ، وسكن الكوفة ، كان أعلم بالفتيا من
شريح القاضى ، شهد حروب على بن أبى طالب، توفى عام (٦٣ هـ). الأعلام (٢١٥/٧).
(٦) فى ظ : الهاجر .
(٥) صفة الصفوة (١٦/٣).
(٧) أورد نحوه أبو نعيم فى حلية الأولياء (٢١٢/١).
(٨) صفة الصفوة (٢١٦/٤).
(٩) الإنسان : ٢٦، ٢٧.
٣٥٦

وقال أبو الأحوص : إنْ كان الرجل لَيَطْرُقُ الفُسْطاط (١) ، فيسمع له دويّا كَدَوِيٌ
النحل ، فما بَالُ هؤلاء يَأْمنُون ما كان أولئك يخافون .
وكان أويس القرنى - رحمه الله - يقوم ليلة حتى يصبح، ويقول: بلغنى أن لله عباداً
قياماً أبداً ، ثم يركع (٢) أخرى حتى يصبح، ثم يقول : بلغنى أن لله عباداً ركوعاً أبداً ، ثم
يسجد ليلة ثانية حتى يصبح، ثم يقول : بلغنى أن لله عباداً سجوداً أبداً .
يريد أنه كان يقوم ليله فى الركعة الأولى ، فإذا أحس بالفجر ركع وسجد ، ثم خفف
فى الركعة الثانية ، ويُخفف القيام فى الركعة الأولى فى الليلة الثانية ، فإذا ركع بقى
راكعاً ، فإذا أحس بالفجر سجد ، ثم خفف الركعة الثانية ، وفى الليلة الثالثة يخفف القيام
والركوع فى الأولى ثم يسجد فيطول السجدة الأولى فإذا أحس بالفجر سجد الثانية ، ثم
صلى الركعة الباقية وخفف فيها .
وقال له رجل : ما لي أراك مريضاً ؟ فقال : وما لأويس ألا يكون مريضاً ، يطعم
المريض وأويس غير طاعم ، وينام المريض وأويس غير نائم .
ویروی عن الربيع بن خیثم قال : أتيت أویساً القرنی ۔ یعنی هذا - فوجدته قد
صلى الصبح وقعد ، فقلت : لا أشغله عن التسبيح ، فلما كان وقت الصلاة قام فصلى
[ إلى (٣) ] الظهر، فلما صلى الظهر صلى إلى العصر ، فلما صلى العصر قعد يذكر الله
إلى المغرب ، فلما صلى المغرب صلى إلى العشاء ، فلما صلى العشاء صلى إلى الصبح ،
فلما صلى الصبح جلس فأخذته عينه ، ثم انتبه فسمعته يقول : اللهم إنى أعوذ بك من عين
نائمة ، وبطن لا تشبع .
وأويس هذا / مشهور فى التابعين، وهو الذى ذكره رسول الله عم فقال: ((إن خير ١٦٩ ظ
التابعين رجل يقال له: أويس بن عامر)) (٤). وهو مذكور فى كتاب مسلم بن الحجاج.
وأنشد بعضھم:
ابْرأ إلى الله من النُّومِ
فى لَيْلةٍ تَغْيِيشَاكَ أَوْ يَوْم
غيرَ غذاءٍ تغتذيهِ (٥)
وانْ أوذيت بالعَتْبِ واللوْم
(١) الفسطاط : بيت من شعر، وهو نوع من الأبنية فى السفر دون السرادق . وقد أورد هذا الخبر ابن المبارك فى الزهد
(ص٣٢).
(٢) فی ز : یر کع له .
(٣) زيادة من : ز .
(٤) أخرجه مسلم (١٩٦٨/٤، ١٩٦٩)، وأحمد (٣٨/١، ٣٩) (٤٨٠/٣) فى المسند، وكذا فى الزهد
(٥) فى ظ : تغتد به .
(ص ٤٨٠ ).
٣٥٧

وَغُصَّتْ الأجفانُ بِالنُّومِ
وقُمْ إِذَا مَا امتدَّ جنح الدُّجَى
وأنت مِنْ ذنبك فى رَوْعَةٍ
واقطَعْ مدى عُمركَ صَوْماً
واستنشق الجنةَ ريحانَهَا
يَنْهَدُّ منها أَجْلَدُ (١) القَوْمِ
وسُمْ (٢) نفسك فيه شد (٣) ما سوم
وحُمْ عليها أَيَّمَا حَوْمُ
ونِلْتَ عَذْبَ الوِرْدِ بالصوم
فَرَّبَّما نِمْتَ بتركِ الكَرَى
وقال أحمد بن حرب: عجبتُ لمن تُزَيَّنُ الجنةُ فَوْقَه ، وتُسَّعر (٤) النار تحته (٥) ، كيف
ينام بينهما ؟ وقال هشيم (٦) بن بشير (٧): مكث منصور بن زاذان (٨) يصلى الصبح
بوضوء العشاء الآخرة عشرين سنة (٩) .
وقال عمرو بن ميمون : وكذلك / مكث هشيم هذا يصلى الصبح بوضوء العشاء
١٤٩ ز
الآخرة عشرين سنة .
١
وكان ببيت المقدس رجل من المتعبدين يصوم النهار ويقوم الليل، وكان حَمَّالا يحمل
للناس ، فما أصاب من أجرة أخذ منها قُوتَهُ وتصدق بالباقى ، وكان إذا صلى الصبح فى
الجماعة قعد حتى تشرق الشمس، ثم يصلى ركعتين وينجدل (١٠) على الأرض ، ثم
يقول : عند الصباح يحمد القوم السرى .
وهذا البيت فى رجز (١١) قديم قاله خالد بن الوليد حين سرى به رافع بن خديج إلى
حرب القادسية ، فأخذ الناس يتمثلون به ويذيلونه (١٢) فى أشعارهم .
وأنشد بعضهم :
لَمَّا رأى من نفسه مَا قَدْ رآی
وخَافَ مِنْ غَاراتٍ فِرْسَانِ الرَّدَى
(١) الجلد : الصبر، فأجلد القوم : أشدهم صبراً واحتمالاً .
(٢) سم نفسك: أى: احمل على نفسك وشُقَّ عليها حتى تصبح طيعة لك ذلولاً .
(٣) فى ز : شر.
(٤) فى ز : وتستعر .
(٥) فى ز : فوقه .
(٦) فى ز : هشام .
(٧) هو: هشيم بن بشير بن أبى خازم، أبو معاوية الواسطى، مفسر من ثقات المحدثين ، شيخ الإمام أحمد ، ولد عام
(١٠٤ هـ) وتوفى (١٨٣ هـ) عن ٧٩ عاماً. الأعلام (٨٩/٨).
(٨) هو: منصور بن زاذان مولى عبد اللّه بن عقيل الثقفى، من أهل واسط، وتوفى فى الطاعون سنة (١٣١ هـ)،
وقيل : (١٢٩ هـ). صفة الصفوة (٣ / ٧).
(٩) صفة الصفوة (٧/٣ ).
(١٠) الجدل على الأرض : سقط وأَلَقِىَ على الأرض .
(١١) في ظ : زجر .
(١٢) فى ز : يزينونه .
٣٥٨

منقطع الخِلافِ مَوَصُولَ الأسَى
وَمَا يرى وما يرى وما يرى
وقطعَ اللَّيْلَ صِلاةً وَدُعَا
ومِنْ رِقَادٍ بين أطباق الثَّرَى
وبَعُدَ مَا بَعُدَ مِن أَهْوَال اللَّقَا
شَمَّر للأمرٍ قَدْ شَمَّرا
وزَفْرَةً كَأَنَّهَا نَارُ لَظَى
وَعَبْرَةً ممزوجةً مِنَ الحشَا
من كسل فى جِدّهِ أو من وَفَى
وكلما يخافُه إِذَا دَجَا
عند الصباح يحمدُ الَقْومُ السُّرَى
أنشدَ(١) ما قد قاله من قد مضا
وَتَشْتفى العينان مِن طَعْم (٢) الكَرَى
ويُرْوَى أن قوماً دخلوا على عمر بن عبد العزيز - رضى الله عنه - يعودونه ، وإذا
فيهم شاب ناحل الجسم متغير اللون ، فقال له عمر : يا بنَى (٣) ، ما صنع بك ما أرى ؟
فقال : أمراض وأسقام يا أمير المؤمنين. فقال له عمر : نشدتك الله إلا ما أخبرتنى . فقال : يا
أمير المؤمنين ، ذُقْتُ / الدنيا فتمرَّرت عندى حلاوتها ، واستوى عندى ذهبها وحجرها ، ١٧٠ ظ
وكأنى أنظر إلى عرش ربى تبارك وتعالى ، والناس يساقون إلى الجنة والنار ، فأظمأت
لذلك نهارى وأسهرت له ليلى، وقليل حقير كُلُّ ما (٤) أنا فيه في جنب ثواب الله وعقابه .
کان هذا الشاب معروفاً عندهم .
وقال يزيد الرقاشى (٥): أَمَّا أَنْ أَقومَ الليل كله فلا أستطيع ، ولكن إذا نمت من الليل
ثم استيقظت ثم رجعت إلى النوم ثانية فلا نامت عينى .
وكان يقول فى أيام الصيف : السلام على الماء البارد ، وكان قد صام أربعين سنة ،
و کان کثیر البكاء (٦) .
ودخل وكيع بن الجراح (٧) عبادان ، فعطل كل عابد كان فيها ، كان يبيت ليله قائما
(١) فی ز : أشد .
(٢) فى ز : طيب .
(٣) فى ز: يافتى .
(٤) كتبت فى ظ: كلما .
(٥) هو: يزيد بن أبان الرقاشى، بُصوى، روى عن أنس بن مالك، قال ابن معين: ضعيف، قال أبو حاتم الرازى: ((كان
واعضا بكاء كثير الرواية عن أنس بما فيه نظر، صاحب عبادة وفى حديثه صنعة)). الجرح والتعديل (٢٥٢/٩).
(٦) صفة الصفوة (١٩٤/٣)، وحلية الأولياء (٥٠/٣).
(٧) ابن مليح الرؤاس ، أبو سفيان، حافظ للحديث، شيخ الإمام أحمد بن حنبل ، ولد بالكوفة (١٢٩ هـ)، امتنع عن
تولى قضاء الكوفة تورعاً، توفى فى عودته من الحج عام (١٩٧ هـ) عن ٦٨ عاماً. الأعلام (١١٧/٨).
٣٥٩

يصلى إلى الصبح ثم يسبح حتى تطلع الشمس ، ثم يحدثهم حدیث النبى ﴾﴾ حتى يرتفع
النهار، ثم ينام إلى الظهر ، ثم يصلى الظهر ، [ ثم يصلى ] (١) إلى العصر ، ثم يحدثهم
حديث النبى ◌ّة من العصر إلى المغرب ، فإذا صلى المغرب صلى إلى العشاء ، فإذا صلى
العشاء صلى إلى الصبح ، فَّما زلل ذلك دأبه حتى خرج منها .
وقال حسان بن أبى الأسود : رأيت رجلا يصلى الليل كله ، فتتبعت أمره ، فإذا هو
مملوك يحمل على رأسه للناس . فقلت له : يا هذا، أجنِىٌّ أنت أم إنْسِىٌّ؟ أما تستريح ،
١٥٠ ز تحمل بالنهار وتقوم بالليل؟ فقال : أسألك بحرمة المؤمن / إلا ما كتمت عنى ، أنا عبد
مملوك أؤدى الضريبة لمولاى من خدمتى وهو مخلوق ، فكيف بالخالق سبحانه ، والأمر
أسرع من ذلك . ثم دخلت علیه بعد ذلك فوجدته مریضاً قد اجتمع علیه الذباب ، ولیس
عنده أحد ، وهو يقول : الساعة الساعة ، ثم جعل يقول : الأمر أسرع من ذلك ، الأمر
أسرع من ذلك . فلم أزل عنده حتى مات رحمة الله عليه .
وقال عبد الله بن وهب : كل ملذوذ [ إنما ] (٢) له لذة واحدة إلا العبادة ، فإن لها
ثلاث لذات : إذا كنتُ فيها ، وإذا تذكرتُهَا ، وإذا أعطيتُ ثوابها .
وقال [ بعض الناس ] (٣): من علم ما يطلب من ربه هان عليه ما يبذل من نفسه ، ثم
أنشد :
جَلَّتْ مَطَالْبُه فهانتْ عِنْدَهُ
أو صابُهُ (٤) وحياتُهُ ومماتُهْ
وكانوا يقولون : المؤمن يتحامل أى يتحمل المشاق فى طاعة الله عز وجل .
وقال الأوزاعى : طُفْتُ مع عبدة بن أبى لبابة (٥) فقعد يستريح ، ثم قال: قُمْ ، فإن
المؤمن يتحامل .
وقال عبد الله بن عبيد بن عمير (٦): تجد المؤمن مجتهداً فيما يطيق ، مُتَلهَّفًا على
ما لا يطيق .
(١) ناقصة فى : ز .
(٢) ناقصة فی : ز .
(٣) فى ز : بعضهم .
(٤) الأوصاب : الأوجاع والأسقام .
(٥) يكنى أبا القاسم، مولى قريش، أدرك عبد الله بن عمر وسمع منه وقد ورد نحو هذا الخبر في حلية الأولياء
(١١٥/٦).
(٦) فى ز: عبد الله بن عبد الله بن عمر. انظر أخباره فى حلية الأولياء (٣٥٤/٣ - ٣٥٩).
٠
٣٦٠