النص المفهرس
صفحات 321-340
وقال ابن جهضم(١) فى كتابه : حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المستورى (٢)
سمعت أبا الحسن بنان (٣) بن محمد يقول : كنت بمكة مجاوراً، وكان بها إبراهيم
الخواص ، ولم يكن بينى وبينه مجالسة ولا أنس ولا محادثة ، كنت أهابه ، فأتى على بها
أيام لم يفتح على فيها بشىء، ولا أكلت فيها شيئاً. وكان بمكة رجل مُزين يحب الفقراء
والمستورين ، وربما كنت أقصده فيأخذ من شعرى ، وكان من أخلاقه إذا جاءه الفقير
ليحتجم عنده اشترى له لحماً وطبخه وأصلحه وأطعمه ، فقصدته [ يوماً] (٤) فقلت له :
أريد أن أحتجم . فقال: اجلس . [ ثم جعل ] (٥) من يشترى لحماً وأمر بإصلاحه
وطبخه ، ثم أخذ يشتغل بى (٦) فجعلت أقول فى نفسى - وهو يحجمنى -: تُرَى يفرغ
طبخُ القِدْر عند فراغه من الحجامة ، فاستيقظت (٧) من غفلتى وقلت : يا نفسى ، إنما
جئت [ لتحتجمى ما جئت ] (٨) لتطعمى ، عاهدت الله ألا أذوق من طعامه شيئاً.
فلما فرغت من الحجامة قمت لأنصرف فقال لى : سبحان الله وأنت تعرف الرسم
والعادة . فقلت : ثَمَّ عقد مع الله تعالى . فسكت ، فانصرفت فجئت إلى المسجد ، فلم
يُقَدَّر لى بشىء آكله، فلما كان من الغد بقيت إلى آخر النهار فلم يتفق لى أيضاً شىء آكله
فلما قمت إلى صلاة العصر سقطت وغشى علىّ ، واجتمع الناس حولى وحسبوا أنى
مجنون ، فجاء إبراهيم الخواص وفرّق الناس عنی وجلس عندی يؤانسنی ویحدثنى ، ثم
قال : تأكل شيئاً؟ فقلت: قد قرب الليل. فقال: أحسنتم معشر المبتدئين (٩)، اثبتوا / ١٣٠ ز
على هذا تفلحوا وتنجحوا . ثم مضى إبراهيم .
فلما صلينا العشاء الآخرة فإذا هو قد جاءنى ومعه قصعة فيها عدس ورغيفان
ودورق (١٠) فيه (١١) ماء، فوضعه بين يدى وقال لى: كُلّ بسم الله ، فأكلت الرغيفين
والعدس . فقال: فيك فضل تأكل شيئاً [آخر] (١٢) ؟
بـ
(١) هو : أبو الحسن على بن عبد الله الهمذانى الشافعى، كان شيخ الصوفية فى حرم مكة، توفى عام (٤١٤ هـ). له
كتاب: ((بهجة الأسرار))، قال الذهبي: ((أتى فيه بمصائب يشهد القلب ببطلانها)).
(٢) فى ز: المسورى، وقد وقع ضبطها فى تلبيس إبليس (ص ٢٠٨ ) : الشنوزى . ولم يتبين لى الضبط الصحيح ،
ولكنى أثبت لفظ (ظ) لأنها النسخة الأصل لدينا .
(٣) فى ز: بيان، وما أثبتناه من ظ موافق لما فى تلبيس إبليس (ص ٢٠٨).
(٥) فى ز : فجعل .
(٤) زيادة من : ز .
(٦) فى ظ : فى .
(٨) فى ظ : تحتجمين .
(٧) فى ظ : فاستنقضت .
(٩) فى ظ : المبتذلين .
(١٢) ناقصة فى : ز .
(١١) تكررت فى : ظ .
(١٠) فی ز : وزورق .
٣٢١
قلت : نعم . فمضى وجاءنى بقصعة عدس ورغيفين آخرين فأكلتهما . ثم قال لى :
فيك فضل تأكل شيئاً ؟ قلت : نعم . فمضى وجاءنى بقصعة عدس ورغيفين آخرين
فأكلتهما . [ثم قال : فيك فضل ؟ قلت : نعم فمضى وجاءنى بقصعة عدس ورغيفين
فأكلتهما] (١)، وقلت: قد اكتفيت، ثم اضطجعت (٢) ونمت ليلتى إلى الصباح، ما
صليت ولا طفت .
١٤٩ ظ
قال: فرأيت بعد ذلك رسول الله / عليه [فى المنام](٣). فقال: بنان (٤) . قلت :
لبيك يا رسول الله. قال: مَنْ أكل بشَرَهٍ أعمى الله قلبه وحرمه المناجاة والتملق . فانتبهت
فزعاً مرعوباً ، وعاهدت الله ألا أشبع بعدها أبداً (٥) .
واعلم أن ثقل الذنوب يمنع النفس أن تنشط للخير ، وللجسد أن يخف للطاعة ، كما
قال الحسن : إن العبد لَيُذْنِب الذنب فَيُحرم (٦) به قيام الليل .
وقال سفيان الثورى : لقد حرمت صيام خمسة أشهر وقيامها بذنب أحدثته . قيل له :
وما هو ؟ قال: رأيت رجلاً يبكى. فقلت فى نفسى: هو مُرَاءٍ (٧).
وقال بعض الصالحين : كم من أكلة منعت قيام ليلة ، وكم من نظرة حرمت قراءة
سورة ، وإن العبد ليأكل الأكلة ، أو ليفعل الفِعْلة فيُحرم بها قيام سنة .
وقال بعض الصالحين : إذا لم تقدر على صيام النهار وقيام الليل فاعلم أنك مكبول قد
كَبَِّتْكَ خطيئتك.
وقال بعضهم : دخلت على كرز بن وبرة (٨) فوجدته يبكى ، فقلت له :
[ مالك ] (٩) ؟ ما يبكيك ؟ أتاك موت أحد من أهلك ؟ قال : أشد من ذلك . قلت :
فوجع يؤلمك ؟ قال : أشد من ذلك. قلت : فما هو ؟ قال: بابى مُغْلَقٌ وسِتْرِى مُسْبَلٌ ، ولم
أقرأ حزبى البارحة ، ما ذاك إلا لذنب أذنبته (١٠).
وقال أبو جعفر البقال - وكان رجلاً صالحاً -: دخلت على أحمد بن يحيى وكان
(١) زيادة من : ز .
(٣) ناقصة فى : ز .
(٢) فى ظ : انضجعت .
(٤) فى ز : بيان .
(٥) تلبيس إبليس لابن الجوزى (صفحة ٢٠٨، ٢٠٩).
(٧) حلية الأولياء (٧ / ١٧ ) دون إشارة للذنب .
(٦) فى ز : فيمنع .
(٨) الحارثى : أبو عبد الله ، تابعى كوفى، يضرب به المثل فى التعبد ، دخل جرجان غازياً مع يزيد بن المهلب سنة
٩٨ هـ، ثم سكنها وتوفى بها نحو (١١٠ هـ). الأعلام (٥ / ٢٢١).
(٩) ناقص فى : ز .
(١٠) حلية الأولياء (٥ / ٧٩).
٣٢٢
لى صديقاً ، فرأيته يبكى بكاء كثيراً ما كاد يتمالك. فقلت [له](١) : أخبرنى ما حالك؟
فأراد أن يكتمنى فلم أدعه ، فقال لى : فاتنى حزبى البارحة ، ولا أحسب ذلك إلا لأمر
أحدثته ، فعوقبت بمنع حزبى . ثم أخذ يبكى فأشفقت عليه وأحببت أن أسهل عليه فقلت
له : ما أعجب أمرك لم تَرْضَ عن الله [ تعالى](٢) فى نومة نومك إياها حتى قعدت تبكى
بين يديه . فقال لى : دع عنك هذا يا أبا جعفر ، فما أحسب ذلك إلا من أمر أحدثته . ثم
غلب عليه البكاء، فلما رأيته لا يرجع إلى قول (٣) انصرفت عنه وتر كته .
هذا وأمثاله (٤) - رضوان الله عليهم - كانوا لشدة خوفهم يتهمون أنفسهم ، ويرون
أن كل نقصان يكون فى طاعتهم أو كسل فى جدهم إنما هو عقاب يعاقبون به ، وطرد
يطردون (٥) عن باب الله عز وجل بسببه .
واعلم أنهم كانوا يُقِلُّون من الذنوب ، ويُكْثِرُون من العمل ، ويَحْقِرُون أنفسهم .
كان صلة بن أشيم (٦) يصلى الليل / كله ، فإذا أصبح قال : اللهم إن مثلى لا يسألك ١٣١ ز
الجنة ، اللهم آجرنی من النار .
وقد رُوَيَتْ صلاة الليل كلها عن جماعة كثيرة ، قال أبو طالب المكى : حكى ذلك
لنا على سبيل الاشتهار عن أربعين من التابعين ، وكان فيهم من واظب على ذلك أربعين
سنة ، منهم : سعيد بن المسيب ، وصفوان بن سليم / المدنيان ، وفضيل بن عياض ووهيب ١٥٠ ظ
ابن الورد (٧) المكيان ، وطاووس بن كيسان ووهب بن منبه اليمانيان ، والربيع بن خثيم
والحكم بن عتيبة الكوفيان ، وأبو سليمان الداراني وعلى بن بكار الشاميان ، وأبو عبد الله
الخواص وابن عاصم (٨) العبادانيان ، وحبيب بن محمد وأبو جابر السلمانى الفارسيان ،
ومالك بن دينار وسالم التيمى ويزيد الرقاشى وحبيب بن أبى ثابت ويحيى البكَّاء (٩)
البصريون .
(١) ناقصة فى : ز .
(٣) فى ز: قولى .
(٢) ناقصة فى : ز .
(٤) وقع هنا فى ز: صفة الصالحين . (٥) فى ز: ينطردون به.
(٦) هو : أبو الصهباء العدوى ، لقى جماعة من الصحابة ، وأسند عن ابن عباس وغيره ، وقتل شهيداً فى أول إمرة
الحجاج على العراق. صفة الصفوة (٣ /١٤٣).
(٧) ابن أبى الورد المخزومى بالولاء، أبو أمية، من العباد الحكماء من أهل مكة ووفاته بها عام (١٥٣ هـ)، كان اسمه
عبد الوهاب فصغر لـ ((وهيب))، له أخبار مأثورة. الأعلام (٨ /١٢٦).
(٨) هو: محمد بن عاصم أبو جعفر الثقفى الأصفهانى، عابد من العلماء بالحديث ، له جزء حديثى يعرف بالجزء العالى
فى الظاهرية، توفى عام (٢٦٢ هـ). الأعلام (٦ / ١٨١).
(٩) هو: يحيى بن سليم، أبو مسلم البكاء، ويقال: يحيى بن مسلم. انظر صفة الصفوة (٣/ ٢٠٠).
٣٢٣
وكهمس بن المنهال وكان يختم القرآن فى الشهر سبعين ختمة ، وما لم يفهم رجع
وقرأه مرة أخرى . وأيضاً من أهل المدينة أبو حازم ومحمد بن المنكدر فى جماعة .
وأما من صلى نصف الليل فلا يحصى عددهم .
وقد قيل : مَنْ كَثُر خوفه قَلَّ نومه واشتدٌّ عَزمه .
وقال مالك بن دينار : قالت ابنة الربيع بن خثيم لأبيها الربيع : [ يا أبت ] (١) ما لى
أرى الناس ينامون وأنت لا تنام ؟ فقال [ لها ] (٢): يا بنية، إن أباك يخاف البيات (٣)،
يعنى الموت ، وكان الربيع هذا من القائمين بالليل .
[ وكان عبد الله بن مسعود - رضى الله عنه - إذا رآه قال: ﴿وَبَشِّر المُخْبتين﴾ أما
والله لو رآك محمد عية لأحبك، ويُروى : لفرح بك (٤).
وكان رحمه الله كثير الإطراق (٥) ، كثير الخشوع ، شديد غض البصر ، حتى يظن
بعض الناس أنه أعمى . ويروى أنه اختلف إلى عبد الله بن مسعود نحو عشرين عاماً ،
وكانت الجارية إذا رأته تقول له : جاء صديقك الأعمى. [ فيضحك ابن مسعود رضى الله
عنه] (٦) .
ومشى يوماً مع ابن مسعود فى الحدادين ، فلما نظر إلى الأكيار (٧) تنفخ ، وإلى النيران
تلتهب (٨) صُعِقَ وسقط مغشياً عليه ، فقعد ابن مسعود عند رأسه إلى وقت الصلاة ، فلما لم
يفق حمله على ظهره إلى منزله ، فلم يزل مغشياً عليه إلى مثل الساعة التى غُشِىَ عليه فيها ،
ففاتته خمس صلوات وابن مسعود عند رأسه يقول: [هذا والله هو الخوف ] (٩) (١٠).
ولما رأت [أمه ] (١١) كثيرة بكائه واجتهاده وما يصنع بنفسه قالت [ له] (١٢):
يا بُنيَّ ، لعلَّك قتلت قتيلاً فأنت تخاف أن تقتل به؟ قال(١٣) لها: نعم. [ قالت : ومن هو
(٣) حلية الأولياء (٢ / ١١٤).
(٢) زيادة من : ز .
(١) ناقص فى : ز .
(٤) حلية الأولياء (٢ /١٠٦، ١٠٧)، وصفة الصفوة (٣٧/٣).
(٥) الإطراق : أن يقبل الرجل ببصره إلى صدره خافضاً رأسه ويسكت ساكناً .
(٦) ما بين المعقوفين ناقص فى: ز، وقد ورد الخبر فى صفة الصفوة (٣ /٣٧).
(٧) الأكيار : جمع كير وهو زق أو جلد غليظ ذو حافات .
(٨) فى ز : تلفح .
(٩) فى ظ : هذا هو والله هو الخوف، وفى ز: والله هذا هو الخوف.
(١١) ناقصة فى : ز .
(١٠) حلية الأولياء (٢ / ١١٠).
(١٢) ناقصة فى : ز .
(١٣) فى ز : فيقول .
٣٢٤
حتى نطلب إليهم أن يغفروا لك ويتركوا حقهم قبلك ؟ فوالله لو رأوا ما تلقى لرحموك
وَلَرقُوالك. فقال (١) ] (٢): [قتلت ](٣) نفسى. يريد قتلها بالمعاصي والذنوب (٤).
ويُروى أنه حفر فى بيته قبراً (٥) ، فكان إذا وجد فى نفسه (٦) قساوة دخل فيه ،
وكان يمثل نفسه أنه قد مات، وندم وسأل الرجعة فيقول: ﴿رب ارجِعُونِ. لعلَّى أعمل
صَالحاً فِيمَا تركْتُ ﴾ (٧) ثم یجیب نفسه فيقول : قد رجعت یا ربيع، قد رجعت يا
ربيع، فَيُرَى [ فيه ذلك ] (٨) أياماً، أى يرى فيه العبادة والاجتهاد والكآبة والحزن (٩).
وقال الضحاك : أدركت أقواماً يستحيون من الله من طول الضَّجْعةِ فى سواد الليل .
وكان الحسن بن صالح (١٠) يقول /: إنى لأستحى من الله أن أنام تكلفاً حتى يكون ١٥١ ظ
النوم هو الذى يصرعنى، وكان يقال له: حيَّة الوادى، يعنى لتيقظه وذكائه (١١).
قال عبد الله بن أبى كريب (١٢): ما توسد أبى فراشاً منذ أربعين سنة ، إنما كان ينام
قاعداً يهجع هجعة خفيفة قبل الفجر .
وقال ثابت البُنَانى: إذا استيقظت من الليل ثم رجعت إلى النوم فلا نامت عينى (١٣).
وكان عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله عنهم إذا هدأت العيون قام ، فيُسْمع له
دَوىّ كدوىِّ النحل حتى يصبح (١٤) .
وقال سفيان بن عيينة: / كانوا يقولون فى ذلك الزمان : أطول أهل الكوفة ١٣٢ ز
تهجداً طلحة بن مصرف (١٥) ، وزبيد اليامى (١٦)، وعبد الجبار بن وائل . [ قال
(١) فى ظ : فقال هى.
(٣) زيادة من : ز .
(٥) فى ز: بثراً.
(٧) المؤمنون : ٩٩، ١٠٠.
(٨) فى ظ : ذلك منه .
(٩) إحياء علوم الدين (٤ / ٤٨٦).
(١٠) وقع هنا فى ز: البصرى، وهو خطأ من الناسخ فالتبس عليه هذا بالحسن بالبصرى ، بل هو الحسن بن صالح بن
حی الکوفی أبو عبد الله ، توفى (١٦٨ هـ).
(١٢) فى ظـ : زينب .
(١٤) انظر: إحياء علوم الدين (١ / ٣٥٥).
(١٥) ابن كعب الهمدانى اليامى الكوفى ، أبو محمد ، سيد القراء ثقة فى الحديث ، من أهل الورع والنسك ، شهد
وقعة ((الجماجم)) توفى عام (١١٢ هـ). الأعلام (٣ / ٢٣٠).
(١٦) هو: زبيد بن الحارث، أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله، أدرك جماعة من الصحابة، توفى عام (١٢٢ هـ).
صفة الصفوة (٣ / ٦٣ ).
٣٢٥
(٢) ناقص فى : ز .
(٤) حلية الأولياء (٢ / ١١٤)، وصفة الصفوة (٣٩/٣).
(٦) فی ز : قلبه .
(١١) صفة الصفوة (٣ /١٠١).
(١٣) صفة الصفوة (٣ /١٧٦).
الحميدى] (١) : فقلت لسفيان: فمنصور (٢)؟ قال: نعم، إنما كان الليل عنده مطية (٣)
من المطايا ، فمتى شئت وجدته قد ارتحله ، يعنى إذا شئت وجدته يصلى .
ويُرْوى أن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال لمعاوية بن أبى سفيان: لئن نمتُ
النهار لأضيعنَّ الرعية، ولئن نمتُ الليلَ لأضيعنَّ نفسى، فكيف لى بالنوم - مع (٤) هذين.
يريد رضى الله عنه أنه كان لا ينام إلا قليلاً ، ولا ينام حتى يغلبه النوم ، [ والنوم
غالب ](٥) .
كما يُرْوى عن فُزَارة الشامى وقيل له : صِفْ لنا الأبدال وكانوا يظهرون ، فقال :
أكلهم فاقة ، ونومهم غلبة ، وكلامهم ضرورة، وصمتهم حكمة ، وعلمهم قدرة .
وكان عمرو بن عتبة بن فرقد (٦) يخرج إلى القبور فيقول: يأهل القبور، قد طويت
· الصحف ، يأهل القبور ، قد رفعت الأعمال ، ثم يبكى ويصف قدميه فيصلى حتى
يصح، ثم يرجع فيصلى (٧) الصبح فى الجماعة (٨) .
وكان الحسن بن حى (٩) وأخوه على بن حى وأمهما يقومون بالقرآن كل ليلة ،
فماتت أمهما فكان الحسن و علی یقومان به ، ثم مات علی فکان الحسن يقوم به ، ورث
عنهما ما كان لهما من الصلاة كما يرث الإنسان مال أبيه أو أخيه (١٠) .
. وباع (١١) الحسن هذا جارية من قوم ، فلما كان من جوف الليل قامت ، فقالت :
يأهل الدار الصلاة الصلاة . فقالوا لها : أصبحنا ، أطلع الفجر ؟ فقالت : أو ما تصلون إلا
(١) ناقص فى : ز .
(٢) هو: منصور بن المعتمر، وقد ورد الخبر فى صفة الصفوة (٣ /٧٤)، وستأتى ترجمته صفحةٍ (٣٣٩).
(٣) المطية فى اللغة: الناقة التى يُركَبُ مطاها أى: ظهرها، والمقصود : أنه جعل الليل وسيلته لبلوع رص لته والقبول
عنده .
(٥) ناقصة فى : ز .
(٤) فى ز : والنوم غالب .
(٦) من كبار تابعى أهل الكوفة ، مشهور بالتعبد والزهد ، شغلته العبادة عن الرواية ، روى عن ابن مسعود ، وروى عنه
الشعبى . انظر الجرح والتعديل (٦ /٢٥٠).
(٧) فى ز : قبل .
(٨) حلية الأولياء (٤ / ١٥٨).
(٩) الحسن وعلى ابنا صالح بن حى، وهما توأم تقدم على بساعة، مات على عام (١٥٤ هـ) والحسن عام (١٦٩ هـ).
انظر أخبارهما فى صفة الصفوة (٣ /١٠٠ - ١٠٣) وأخبار أمهما (٣ /١٢٥).
(١٠) حلية الأولياء (٧ /٣٢٧).
(١١) باع هنا بمعنى اشترى، فهى من الأضداد قال فى لسان العرب: البيع ضد الشراء وهو الشراء أيضاً وهو من
الأضداد .
٣٢٦
1
الصلاة المكتوبة . ثم مرت إلى سيدها فقالت له : يا سيدى بِعتنى من قوم لا يصلون بالليل
رُدَّنِى فَردَّهَا (١).
واشترى أبو عبد الله النباجى (٢) جارية سوداء للخدمة فقال [لها] (٣): قد
اشتريتك ، فضحكت ، فحسبها مجنونة . فقال لها : أنت مجنونة ؟ فقالت : سبحان من
يعلم خفيات القلوب ، ما أنا بمجنونة . ثم قالت له : هل تقرأ شيئاً من القرآن ؟ فقال : نعم .
فقالت: اقرأ علىَّ. فقرأ [عليها ](٤): (بسم الله الرحمن الرحيم﴾ فشهقت وقالت:
يا مولاى هذه لذة الخبر ، فكيف لذة النظر ؟
/ فلما جَنَّ الليل وطئ فراشاً للنوم ، فقالت له: أما تستحى من مولاك إنه لا ينام وأنت ١٥٢ ظـ
تنام ؟ ثم أنشدت :
جوف ليل [ وقلبه مستهام (٥)] (٦)
عجباً للمحب كيف ينام
طائران إلى مليك الأنام
إن قلبى وقلب من كان مثلى (٧)
نجاة وتجافى عن اتباع الحرام
فارض مولاك إن أردت
قال النباجى (٨): ثم قامت ليلتها (٩) تصلى ، فلما كانت فى آخر سجدة سمعتها
تقول فيها : يا رب بحبك إياى لا تعذبنى . فقلت لها : غلطت ، قولى : بحبى إياك لا
تعذبنى ، فلما فرغت قالت لى : يا مولاى ما غلطت بل أصبت ، لولا سابق محبته لى لم
أحبه (١٠) ولم توجد محبتی له .
وقولها [ له](١١): أما تستحى من مولاك إنه لا ينام وأنت تنام ، [ إنما تريد وأنت
تنام ] (١٢) مختاراً للنوم ، وإنما ينبغى لك أن تكون فى عبادة وفى عمل يقربك منه حتى
يغلبك النوم ، فإذا غلبك [النوم] (١٣) نمت .
(١) إحياء علوم الدين (٣٥٥/١)، ونحوه مطولاً في شعب الإيمان (٦ / ٤٢٢).
(٢) هكذ فى: ظ، وصفة الصفوة (٤ /٢٣٣)، وفى مز: وحلية الأولياء (٩ /٣١٠): الساجى. وهو: سعيد بن
يزيد، كان مشغولا بالزهد والتعبد، حكى عن الثورى والفضيل .
(٣) ناقصة فى : ز .
(٤) زيادة من : ز .
(٥) قلب مستهام : هائم ، أى : محب عاشق قد ذهب قلبه من العشق .
(٧) فى ز : قبلى .
(٦) فى ز : بقلبه المستهام .
(٨) فى ز : الساجى .
(٩) فى ز : ليلها .
(١٠) فی ز : احببه .
(١١) زيادة من : ز .
(١٢) ناقص فى : ز .
(١٣) زيادة من : ز .
٣٢٧
وقد يحذف من الكلام ما يفهم ويعلم ويستغنى عن ذكره ، وقد علم أنه لابد
١٣٣ ز للإنسان من النوم / فاستغنى عن ذكره ها هنا .
ومثل هذه الحكاية فى الكلام الآخر ما يُروى عن السَّرِّى (١) رحمه الله تعالى قال :
دخلت سوق النَّخَّاسِينَ (٢)، فرأيت جارية يُنَادى عليها بالبراءة [ من العيوب] (٣)،
فوقف الناس عنها، فاشتريتها بعشرة دنانير، فلما انصرفت [ بها] (٤) إلى المنزل عرضت
عليها (٥) الطعام فقالت [لى] (٦): والله يا مولاى ما رأيت أحداً فى دارنا آكلاً نهاراً قط .
قال : فخرجت (٧) فتركتها ، فلما كان العشاء (٨) أتيتها بطعام فأكلت منه قليلاً ، ثم
قالت : يا مولاى ، بقيت لك خدمة ؟ قلت : لا . قالت : فدعنى لخدمة مولاى الأكبر .
قلت : إى وكرامة . فانصرفت إلى بيت تصلى فيه ، وصليت أنا العشاء الآخرة ورقدت ،
فلما مضى من الليل الثلث ضرَبَتْ البابَ علىَّ ، فقلت لها : ما تريدين؟ قالت : يا مولاى،
أما لك حظ من الليل ؟ قلت : لا . فمضت ، فلما كان النصف منه ضربت على الباب
وقالت : يا مولاى، قام المتهجدون [إلى ] (٩) وِرْدِهِمْ. قلت: يا جارية ، أنا بالليل
خشبة ، وبالنهار جلبة . قالت : يا ويلاه . ومضت .
فلما بقى من الليل الثلث [الآخر] (١٠) ضربت [ الباب] (١١) [علىَّ] (١٢) ضرباً
عنيفاً، وقالت : أما دعاك الاشتياق إلى مناجاة الملك الخلاق ، قُمْ خُذْ لنفسك مكاناً ، فقد
سبقك الخُدَّم. فهاج منى كلامها خاطراً [وقمت ] (١٣)، وأسبغت الوضوء، وركعت
ركعات ، ثم تحسست إليها فوجدتها ساجدة ، وهى تقول :
يا مولاى ، بحبك لى إلا ما غفرت لى. فقلت لها : يا جارية، ومن أين علمت أنه
١٥٣ ظ يحبك ؟ فقالت: يا مولاى، لولا محبته لى ما أنامك وأقامنى. فقلت لها : اذهبى / فأنت
(١) هو: سرى بن المفلس السقطى، أبو الحسن، من كبار المتصوفة، بغدادى المولد، والوفاة عام (٢٥٣ هـ )، وهو
خال الجنيد وأستاذه. الأعلام (٣ /٨٢).
(٢) النخاس فى الأصل: بائع الدواب ، سمى بذلك لنخسه إياها حتى تنشط ، وقد يسمى بائع الرقيق نخاساً ، والأول
هو الأصل .
(٣) زيادة من : ز .
(٤) ناقصة فى : ز .
(٥) فى ز : لها .
(٦) ناقصة فى : ز .
(٧) فى ز: فى خير .
(٨) فى ز : من العشاء.
(٩) ناقصة فى : ز .
(١٠) زيادة من : ز .
(١١) ناقصة فى : ز .
(١٢) زيادة من : ز .
(١٣) ناقصة فى : ز.
٣٢٨
حرة لوجه الله [العظيم ] (١)، [فدعت ثم خرجت ] (٢) وهى تقول: هذا العتق
الأصغر ، بقى العتق الأكبر .
وقال عبد الرحمن بن يزيد : كان عطاء الخراسانى (٣) يُحيى الليل ، فإذا مضى منه
ثلثه أو أكثر نادى : يا عبد الرحمن بن يزيد ، يا فلان ، يا فلان ، قوموا فتوضأوا وصلوا ،
فإن صلاة (٤) هذا الليل أهون من شرب الصديد، ولبس مقطعات الحديد ، الوَحَى
الوَحَى (٥) ، النجا النجا . زاد غيره فى هذا : فإذا قال هذا سمعت من ها هنا متوضئاً ،
ومن ها هنا مصلياً ، ومن ها هنا باكياً(٦).
وكان عثمان بن حبيب يقوم [ من السّحَر ](٧) فيقول: الرحيل الرحيل ، سبقتم إلى
الماء ، سبقتم إلى الظل ، من سبق إلى الماء يظمأ ، ومن سبق إلى الظل يَضْحَى . قال :
فتسمع القراءة من ها هنا ، والتسبيح من ها هنا ، والبكاء من ها هنا . يقول : من يسبق إلى
الماء يجده قد شربه من سبق إليه ، فيبقى هو عطشان ، ومن يسبق إلى الظل يجده قد
جلس فيه (٨) من سبق إليه ، فيقعد هو فى الشمس .
وكان بالقيروان رجل يمشى ويُذَكِّرُ الناس عامة الليل ويقول فيما يقول : الرحيل
الرحيل . فبقى على ذلك زماناً ، ففقد صوته ابن الأغلب (٩) [ أمير القيروان] (١٠) ،
فسأل عنه ، فقيل له [ قد ] (١١) مات ، فأنشد ابن الأغلب :
حتَّى أناخَ ببابه الجَمَّالُ
مَا زَالَ يَلْهَجُ بالرحيلِ وذِكْرهِ
مُتَتْمِّراً لَمْ تُلْهِهِ الْآمَالُ (١٢)
فَأَصَابِهُ ذَا أُهْبةٍ مُسْتِيقِظاً
واعلم أن الأعمال بالنيات ، فمن فُتِحَ له بابٌ من الخير فَلْيَسْلُكْهُ، كان / ذلك الباب ١٣٤ ز
(٢) فى ظ : فخرجت .
(١) ناقصة فی ز .
(٣) هو : عطاء بن مسلم بن ميسرة الخراسانى ، نزل بيت المقدس ، مفسر ، كان يغزو ويكثر من التهجد ، له تفسير
وكتاب فى الناسخ والمنسوخ. الأعلام (٤ /٢٣٥).
(٤) فى ز : صلاة آخر .
(٥) الوحى الوحى : الإسراع الإسراع .
(٨) فى ز : إليه .
(٦) سير أعلام النبلاء (٦ / ١٤٢). (٧) فى ظ : بسحر.
(٩) هو : إبراهيم بن الأغلب بن سالم لتميمى، ثانى الأغالبة ولاة إفريقية لبنى العباس بعد أبيه الأغلب ، ولاه الرشيد
إمارة إفريقية عام ١٨٤ هـ ، استمرت بارته ١٢ سنة، وقد ولد ابن الأغلب ( ١٤٠ هـ) وتوفى (١٩٦ هـ) عن
٥٦ عاماً. الأعلام (١ / ٣٣).
(١٠) ناقص فى : ز .
(١٢) فى ظ : الأشغال .
.(١١) زيادة من : ز .
٣٢٩
ما كان، صلاة، أو قراءة، أو ذكراً، أو دعاء، أو تذكير غافل، أو إيقاظ نائم، فَيُؤْجَر
بالنية والقصد ، وبأن يُقتَدى به ويُعملَ بمثل عمله .
وقد يقصد هذا العبد وقد لا يقصده ، ويقصد منفعة نفسه بالعمل فَيُقْتدى به ، فَيُؤْجَر
من غير قصد للأجر (١)، وحديث النبى عَّةُ: ((مَنْ (٢) سَنَّ سَنَّة حسنة)) (٣) صحيح
والأخبار فى هذا الباب كثيرة .
يُروى عن بعض الصالحين أنه عُرِجَ بروحه فى النوم ، فعرض عليه عمله قال : فَلَمْ أَرَ
[ لى ] (٤) ذنباً استغفرتُ منه إلا غُفِرَ لى، ولَمْ أَرَ ذنباً لم أستغفر منه إلا وجدته كما كان ،
ورأيت فى عملى حبة رمان التقطها [ يوما ](٥) فأكلتها، فكتبت لى حسنة . وقمت ليلة
أصلى فرفعت صوتى بالقرآن فسمع بى جَارٌ (٦) فقام فصلى فكتبت لى حسنة .
وقال أبو الجويرية (٧): صحبت أبا حنيفة الفقيه - رضى الله عنه - ستة أشهر ، فما
رأيته وضع جنبه فيها بليل .
وقال بعض الصالحين : إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها [أوان كسادها ] (٨)،
١٥٤ ظ فإنه لو كان أوان نفاقها لم يوصل منها إلى قليل ولا إلى كثير / وأوان (٩) نفاقها يكون فى
الآخرة ، وإذا كانت الآخرة لم يُوصَل منها إلى شىء ؛ لأن الآخرة ليست دار عمل ،
هيهات هيهات ، ذهبت دار العمل ، وبقيت دار الجزاء ، ذهبت دار الفناء ، وبقيت دار
البقاء.
ويُرْوَى أن أبا حنيفة كان ينام من الليل ويصلى منه ، فمر بقوم فقالوا : هذا
أبو حنيفة الذى يصلى الليل كله. فقال : أرانى أوصف بما لا أفعل ، فكان بعد ذلك يصلى
الليل كله (١٠).
وكان موسى الطبرانى يقوم الليل كله ، فإذا كان السحر ينادى : حتى متى أُصِفُ
(١) فى ز : الأجر .
(٢) فى ظ : فيمن .
(٣) أخرجه أحمد (٤ / ٣٥٧، ٣٥٨، ٣٦٠، ٣٦١، ٣٦٢)، ومسلم (٢ /٧٠٤، ٧٠٦) (٤ / ٢٠٥٩)،
والنسائى (٥ /٧٥)، وابن ماجه (١ /٧٤)، والترمذى (٥ /٤٣) وقال: ((حسن صحيح)). والحديث عن جرير
بن عبد الله البجلي .
(٤، ٥) ناقصة فى : ز .
(٦) فى ز : جارى .
(٨) ناقص فى : ز .
(٧) فى ز : أبو الجويرة .
(٩) فى ظ : يقول أوان ، وفى ز: وأن .
(١٠) إحياء علوم الدين (١ /٣٥٥).
٣٣٠
الطريق للمريدين ، وأنا فى جادة المتحيرين ، عمل العاملون ، مضى (١) الصالحون ، فاز
المتقون ، ثم یبکی ویشهق .
وقال ذو النون المصرى - رحمه الله -: كنت مرابطاً بالإسكندرية مع جماعة من
إخوانى ، وكان فينا فتى لا ينام، [ وكان ] (٢) فى أعلى المحرسِ، فإذا أجنَّهُ (٣) الليل
أشرف علينا ثم نادى:
يُخْبرُ بالحقِّ إذْ ينْصِح
أَلاَ فَتَّى يَقْبِلُ مِنْ نَاصحِ
لمن بُهُجْرَانِ الكَرَى يَسْمَحُ
فإنَّ جَنَّاتِ العُلَى زُيِّنَتْ
عَنْ بَابِ ذِى الإِفْضَالِ لاَ يَبْرِحُ
لِكُلِّ عبدٍ قَامَ فى لَيْلِهِ
ثم ينصرف إلى محرابه ، فإذا انتصف [ الليل ] (٤) أشرف علينا ثانية ، ثم نادى :
وقامَ مَنْ بِبِغِى الرِّضَا والغِنَا
قَدْ أَدبَرَ الليلُ وطَابَ الكَرَى
واستعذبَ الخدمةَ لما خلا (٥)
وَبَانَ لِلْمِتْعِبِ رَاحَاتُهُ
أَمَّارَةٌ بالسُّوءِ تَبِغِى الرَّدَى (٦)
يشكُو إليه نفسَهُ أَنَّها
ثم ينصرف إلى محرابه ، حتى إذا انفجر عمود الصبح أشرف ، ثم نادى
مَضَى الليلُ وَقَدْ رَاحَا
◌ِيَهْنِكُمْ يَاخُوتِى كُلُّكُمْ فَقَدْ
وَزَادِكُمْ بِرا وَإِصْلاحًا
لا ضَيِّعَ اللهُ لِكُمْ سَعْيكُمْ
هَذَا عَمُودُ الصُّبْحِ قَدْ لاحَا
قُومُوا إلى فَرْضِكُمْ وَاعْجَلُوا
/ وقال محمد بن السماك (٧): كان لى جار بالكوفة يصوم النهار ويقوم الليل، فإذا ١٣٥ ز
جَنّ [ عليه ] (٨) الليل يبكى ويقول :
لما رَأيْتُ الليلَ أقبلَ خَاشِعاً
بادرتُ نحو مُؤانِسى وحبيبى
(١) فى ز : قضى .
(٢) ناقص فى : ز .
(٣) أجنه الليل : ستره .
(٤) زيادة من : ز .
(٥) فى ز : اجتنا .
(٦) فى ز : الرضا .
(٧) هو : أبو العباس محمد بن صبيح بن السماك، كوفى ، مكث مدة ببغداد ثم عاد إلى الكوفة فتوفى فيها سنة
(١٨٣ هـ)، من شيوخ الإمام أحمد. صفة الصفوة (٣ /١١٦).
(٨) ناقصة فى : ز .
٣٣١
أبكى فَتُقْلِقُنى إليه صَبابَتى فأبيتُ مَسْرُوراً بِقُرْب مُجِيبِى(١)
فإذا كان آخر الليل جعل يبكى ويقول :
معالمه ما كان (٢) أُنْسى فيه بمولاى
قَدْبِتُّ فِى الليل إِذْ لاحَتْ
ضَمنت فى القَلْبِ حُبًا قَدْ كلفتُ
به واللهُ يعلمُ مَا مكنُون أحشَائِى
وكان له أب شيخ كبير ، فسألنى أن أكلمه ليرفق بنفسه ، فبعثت إليه يوماً وأنا فى
جماعة من أصحابى ، فلما جاء نظرت إليه فإذا هو كالشّن (٣) البالى ، لو هبت عليه الريح
لَرَمَتْ به من شدة الضعف ، فسلم وجلس فقلت له : يا حبيبى ، إن الله عز وجل افترض
١٥٥ ظ عليك / طاعة أبيك كما افترض عليك طاعته ، ونهاك عن معصية أبيك كما نهاك عن
معصيته ، فتأذن لنا أن ننصحك فى شىء فقال [لى ] (٤): يا عم ، لعلك تريد أن تأمرنى
بالتقصير فى العمل وترك المبادرة إلى الله عز وجل ؟ قلت : لا ولكن بدون هذا يدرك
المطلوب .
فقال : هيهات هيهات يا عم ، إنى بايعت على هذا الشأن فئة (٥) من الحى ، بايعتهم
وعاهدتهم على السباق إلى الله سبحانه ، فجدوا واجتهدوا ، ودعوا فأجابوا رحمة الله
عليهم ، ولم يبق من القوم غيرى ، وإن عملى ليعرض فى كل يوم مرتين ، فماذا يقول الله
عز وجل؟ وماذا يقولون إذا رأوا فيه خللاً أو تقصيراً؟
ثم قال : يا عم ، إنى بايعت على هذا الشأن فئة جعلوا الليل مطياً قطعوا به عرض
المفاوز (٦)، وتَسَنّموا (٧) به ذوى الصم الشواهق (٨)، فإذا [ أصبحوا ] (٩) انصرف
القوم ، وقد ذبحهم الليل بسكاكين السهر ، وتقلصت أعضاؤهم بطول التعب ، خمص
البطون من السرى، ولا يقرهم القرار، [ ولا يطمعهم الفرار ] (١٠)، بل أجابوا لما دعاهم
الملك الجبار .
(١) في ظ : مجمى .
(٢) فى ظ : مكان .
(٣) الشن البالى : القربة البالية القديمة . وقد وقعت فى ز: كالشىء.
(٤) زيادة من : ز .
(٥) فى ز : فتية .
(٦) المفاوز : جمع مفازة وهى الصحراء، وسميت بالمفازة لأن من خرج منها وقطعها فقد فاز .
(٧) تسنم الشىء : علاه .
(٨) الصم الشواهق : هى الجبال العالية الشديدة الصلابة .
(٩) ناقصة فى : ز .
(١٠) ناقص فى : ز .
٣٣٢
١
قال محمد بن السماك : فتركنا والله فى حيرة [ ومضى ] (١)، فما كان [ إلا
قليل](٢) حتى قيل لى: قد لحق ب الله [عز وجل](٣) .
وقال على بن أبى طالب - رضى الله عنه - : علامة الصالحين صفرة الألوان من
السهر ، وعمش العيون من البكاء، وذبول الشفاة من الصيام ، عليهم غبرة (٤) الخاشعين .
وقال أبو سليمان الدارانى : أهل الليل على ثلاث طبقات : فمنهم مَنْ إذا قرأ
فتفكر (٥) بكى ، ومنهم [ مَنْ ](٦) إذا قرأ فتفكر لم يَبْكِ لكنه صاح، ومنهم مَنْ إذا قرأ
فتفكر لم يَبْكِ ولَمْ يَصِحْ ولكنه بُهِتَ . فقال له رجل : يا أبا سليمان ، من أى شىء
بكى (٧) هذا؟ ومن أى شىء صاح هذا؟ ومن أى شىء بُهِتَ هذا؟ قال: ما أقوى
على التفسير (٨) .
قال أبو سليمان : وهذه الطبقة أرفعها، وهى التى إذا [ تذكرت بهتت ] (٩) فلم تبك
ولم تصح .
وأنشدوا :
عَرِّجْ عَلَى الدَّارِ لاَ شَطَّتْ بِكَ الدَّارُ
حيث (١٠) خَيَّمَ رُهْبان وأَخْبَارُ
وشقَّ سمَعَكَ [ إعذار وإقدار ](١٢).
وانْزِلْ بها فَلَأَ مْرُ (١١) مَّا دُعيت لَها
خَيْلُ [الرِّهان جرى بهن](١٤) مضمارُ
وانظُر [ هناك رجالاتٍ](١٣) كأَنّهُمُ
١٣٦ ز
وساعدتْهُم على المطلوبِ أَقْدَارُ
/ شَدُوا الحزيم (١٥) وأرخُوا من أعنتِّهِمْ
وفى المقاديرِ إيرادٌ وإصْدارُ
قاموا ونِمْت وأرزَاقُ الوَرَى قِسَمٌ
(١) زيادة فى : ز .
(٢) فی ز : قليلا .
(٣) زيادة من ز .
(٤) الغْبُرة: لون الغبار، أَعْبُرُ للهمّ ونحوه من كثرة السجود وتعفير الوجه فى التراب بين يدى الله .
(٥) فى ظـ : تفكر .
(٧) فی ز : بكاء .
(٩) فى ز: تفكر بهت فلم يبك ولم يصح .
(١١) فی ظ ، ز : فلا مر.
(١٣) في ز : هنالك أقواماً .
(١٤) فى ظ : الرهبان جرا لهن .
(١٥) الحزيم : موضع الحزام من الصدر والظهر كله ما استدار. كناية عن التشمر للأمر ، والاستعداد له .
٣٣٣
(٦) زيادة من : ز .
(٨) حلية الأولياء (٢٠/١٠).
(١٠) زيادة من : ز .
(١٢) فى ز : اغذار واعذار .
١٥٦ ظ
فما يبيتُ عَلَى أَمْنٍ (٣) له جَارُ
کم(١) خائف فیھم تعرَ (٢) فی مخافتةٍ
فظلَّ منها على خَدَّيْهِ آثَارُ
حَرَّان (٤) قد مزج التذكارُ عَبْرَتَهُ
هَيْمان (٥) لا أهلَ يحويه ولا دَارُ
وَصَارخ تملأُ الآذان صَرْختُه
سِرٌّ والله فى ذَا الخلْقِ أسْرَارُ
وشاخص العينِ مَبْهُوت قَدْ أخرسَهُ
لا حَلَّ طُولُ المدَى وَالْبُعْدِ عَزْمهم (٦) وَلَاَ خَبَتْ لَهُمْ فِى دَارِهِمْ نَارُ
/ قال الفضيل بن عياض : بلغنى أن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين
يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: (( كذب من ادعى محبتى ، فإذا جَنْهُ الليل نام عنى ، أليس
كل مُحِبِّ (٧) يحب الخلوة مع حبيبه ، فها أنا مطلعٍ على أحبابى إذا هجم الليل ، ومثلت
نفسى بين أعينهم ، فخاطبونى على المشاهدة ، وكلّمونى على الحضور ، وغدًا أقر أعينهم
فى جنتى)) (٨).
وذكر أبو الحسن بن جهضم فى كتابه بإسناده إلى محمد بن المبارك قال : بينما أنا
أطوف بالكعبة إذا أنا بأعرابى بدوى متعلق بأستار الكعبة ، وقد شخص ببصره نحو السماء
وهو يقول : وعزتك لئن عاقبتنى لأخاصمنك بمغفرتك ، ولئن ناقشتنى لأجيبنك بعفوك،
ولئن حبستنى فى النار لأخبرن (٩) أهل النار بحبى لك .
قال محمد بن المبارك : فجئت الفضيل بن عياض - رضى الله عنه - فقال [لى] (١٠):
يا أبا عبد الرحمن ، أشاغل شغلك عنى ؟ قلت : أجل . قال : أمر قاطع عن الله عز
وجل ؟ قلت : لا. قال : فما ذاك؟ فأخبرته بخبر الأعرابى ، فَخَرَّ الفضيل مغشيًا عليه .
فلما أفاق قال لى : يا أبا عبد الرحمن ، تعرف ذلك البدوى ؟ قلت : لا . قال: إنه
من قوم خدموا الرب تبارك وتعالى فتدللوا عليه ، يا أبا عبد الرحمن ، أخبرك ما رأيت فى
الطواف ؟ قلت : بلى أخبرنى يا أبا على .
(١) فى ظ : وكم .
(٢) فى ز : منهم يفدى ، وتعر : أى : استيقظ وانتبه من نومه .
(٣) فى ز : أمر .
(٤) فى ز : حيران . والمقصود هو من استحر قلبه وجاش ففاضت عنه الدمعة .
(٥) فى ز : هيهات .
(٦) فى ز : عندهم .
(٨) حلية الأولياء (٩٩/٨).
(٧) فى ظ : حبيب .
(٩) فى ز : لأحرق .
(١٠) ناقصة فى : ز .
٣٣٤
١
قال : بينما أنا أطوف بمكة إذ ضرب ضارب بين كتفىّ ، وقال : يا فضيل ، تدرى ما
يقول الله عز وجل ؟ قلت : وما يقول تبارك وتعالى ؟ فقال : إنه إذا هدأت العيون ،
وتطبقت الجفون، وغارت النجوم يتطلع (١) جل جلاله فيقول: (( أليس عبادى يزعمون
أنهم يحبوننى (٢) ، ها أنا مطلع على قلوب أحبابى ، إنه من أحبنى لم يأخذه طيب الرُّقَاد
من أجلى ، بل أولئك الذين طفئت أبصارهم عن الدنيا فنظروا بأبصار القلوب إلى ما
تضمنته حجب الغيوب )) . ثم التفتُّ فلم أرَهُ .
وفى بعض المواعظ : يابن آدم ، بقيام الليل يعلو أجرك ، ويربى زندك ، ويثبت
مجدك ، فإياك أنْ تَهُدُّ بالكسل بنيانه، وتسقط بالملل إيوانه ، فيخرب منك ما لا يَعْمر ،
وينصدع منك ما لا يُجْبر، وتخسر من بضائعك أعظم ما يُخْسَر، وأنشد [ بعضهمَ ](٣):
وأىُّ مَجْدٍ هَدَّأَنْياتَهْ
لَوْ يعلم الراقدُ ما فَاتَهْ
وَسَدَّ بالخدمة أَوْقَاتَهْ
لَحرَّمَ النَّوْمَ على جَفْنِهِ
على مبيت طَالَ مَا بَاتَهْ
وأرسلَ الدمْعَةَ مَمْزُوجةً
وَلَمْ يَُالِ بِالذِى فَاتَهْ
ضَيَّع فيه الحظَّ مِنْ رَبِّهِ
١٣٧ ز
تحكم فى الفردوسِ إثباتْه
/ مِنْ درجاتٍ ثَبَتَتْ فى العُلَى
وَمَنْ يَرُمْ تلك المَعَالِى غَدًّا
يطل (٤) إليها اليومَ إعناتَهْ
/ ويُرْوى أن الله عز وجل أوحى إلى داود عليه السلام: { يا داود ](٥)، من أحبنى ١٥٧ ظ
تهجد بين يدى إذا نام البطالون ، وذكرنى فى خلواته إذا لهى عن ذكرى الغافلون ،
وشكر نعمتى عليه إذا سها عن شكرى الساهون .
وفيما يروى أيضا عن الله عز وجل: ((أى عبدى، أنا الله اقتربت لقلبك، وبالغيب
رأيت نورى)).
فما ظَنُّكَ - رحمك الله - بعبد أراه الله نوره فأنار [ له ] (٦) ضميره ، وكشف عنه
حُجُبه وسُتُوره ، أتقول: يخالطه كسل ، أو يطوف به ملل ، أو يجزع لطارق نزل، صَغُرَ
(١) فى ز : يطلع .
(٣) ناقصة فى : ز .
(٥) ناقصة فى : ز .
(٢) فى ظ ، ز : يحبونى .
(٤) فى ظ : يَضَل .
(٦) ناقصة فى : ز .
،
٣٣٥
أو جَلَّ ، كَثُرَ أَو قَلَّ ؟ كلا ، ومن أنعم عليه وأحسن إليه ما دام ذلك النور حواليه ، ودليل
ربه تبارك وتعالی بین یدیه .
كان صلة بن أشيم من العُبَّاد (١) المجتهدين ، كان من أهل الليل والنهار ، قال والد
العبدى : كنت فى غزوة كَابُل (٢) وكان فى الجيش صلة بن أشيم، فلما أمسينا (٣) راقبت
أن أبصر ما يوصف عنه من المجاهدة ، فلما هدأت العيون خرج عن الجيش وكان
فى طرف منه ، فتبعته فتوضأ (٤)، ثم وقف يصلى فجاء أسد فربض بين يديه ، فصعدت
شجرة (٥) خوفاً منه ، فلم يزل كذلك يصلى إلى قريب من الصبح والأسد رابض بين
يديه ، فلما سَلَّم قال: [ أيها الأسد ] (٦) ، انصرف واطلب الرزق من عند غيرنا ،
فانصرف الأسد ، ثم سجد سجدة طويلة حتى حسبت (٧) أنه قد مات فى سجوده .
ثم رفع رأسه وهو يبكى [ بكاء الثكلى ] (٨) ويتمايل كالسكران، فحمد (٩) الله
بمحامد لم أسمع بمثلها ولا أعمل فى القلوب منها ، ثم قال : إلهى، إن طائفة استجاروا
[ بك ] (١٠) من نارك فأجرتهم، وطائفة سألوك (١١) جنتك فأعطيتهم ، وطائفة طلبوك
فلم يرضوا بغيرك وقالوا : من طلب المخلوق بقى مع المخلوق ، فكن لهم كما أرادوا
ولا تُصْحِنى (١٢) عن شكر محبتك إلا بمشاهدتك، ولا تختم لى حلاوة عبادتك
إلا بمجاورتك .
ثم رجع وأصبح كأنه بات على الحشايا (١٣) ، وأصبحت أنا وبى من فترة السهر
وكسله ما الله به عليم (١٤) .
وقال بعض العلماء : بلغنى أن العبد إذا قام إلى الصلاة من الليل ضحك الرب إليه ،
(١) فى ظ : العابدين.
(٢) هى كابول عاصمة أفغانستان الحالية .
(٣) فى ز : أمسيت .
(٤) فى ز : ثم توضأ .
(٥) فى ز : في شجرة .
(٦) فى ز : للأسد .
(٧) فى ز: خشيت .
(٨) فى ظ : كالثكلى ، والثكلى : المرأة التى فقدت ولدها .
(١٠) زيادة من : ز .
(٩) فى ظ : ويحمد .
(١١) فى ظ : سألوا .
(١٢) فى ز: ولا تضحنى ، أى: لا توقظ قلبى من اشتياقه ومحبته إياك سبحانك.
(١٣) الحشايا: الفُرُش المحْشُوَّة .
(١٤) انظر هذا الخبر الطويل فى حلية الأولياء (٢ / ٢٤٠)، والبيهقى فى الشعب (٦ / ٤١٢) ، وابن المبارك فى
· الزهد ( ص ٢٩٥ ) أطول من هذا .
٣٣٦
وقال لملائكته: (( ما حمل عبدى على أن قام يصلى من بين أهل داره ؟ » فيقولون : یا
ربنا، رجيته شيئاً فرجاه، وخوَّفْتَه (١) شيئاً فخافه. فيقول تعالى: (( أشهد كم أنى قد
أعطيته ما رجا ، وأَمّنتُه مما يخاف)).
ويُرْوى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله عم: ((من بلغه عن الله عز وجل عمل
فيه فضل فعمل به ابتغاء ذلك الفضل أعطاه الله ذلك الفضل ، وإن كان الذى حَدَّثه به
كاذباً))(٢) ..
وهذا (٣) إنما يكون إذا كان ذلك العمل له أصل فى كتاب الله أو فى سنة رسول
الله ﴾ .
وقال سعيد بن المسيب : إن الرجل ليصلى بالليل فيجعل الله فى وجهه نوراً يحببه (٤)
عليه كل مسلم ، فيراه من لم يره قط ، فيقول : إنى لأحب هذا الرجل .
وقال الحسن / البصرى - رحمه الله -: أدركت (٥) أقواماً، وصحبت طوائف (٦) ما ١٥٨ ظ
كانوا / يفرحون بشىء من الدنيا [أقبل ] (٧)، ولا يأسفون على شىء منها أدبر، ولهى ١٣٨ ز
كانت فى أعينهم أهون من [ هذا ] (٨) التراب الذى تطأونه بأقدامكم ، إن كان أحدهم
ليعيش عمره كله ما طُوِىَ له ثوبٌ ، ولا أمر أهله بصنعة طعام، ولا جعل بينه وبين الأرض
شيئاً . أدركتهم عاملين بكتاب ربهم وسنة نبيهم (٩)، إذا جنهم الليل فقيام على أطرافهم
يفترشون وجوههم، تجرى دموعهم على خدودهم ، يناجون ربهم فى فكاك رقابهم ، إذا
عملوا الحسنة فرحوا بها ودأبوا فى شكرها وسألوا الله تعالى أن يتقبلها ، وإذا عملوا السيئة
أحزنتهم وسألوا الله أن يغفر لهم (١٠).
(١) فی ز : ووقيته .
(٢) حديث أنس عزاه السيوطى فى الدرر المنتثرة (ص ٣٧٦) لابن عبد البر، وقال ابن عراق فى تنزيه الشريعة (١ /
٢٦٥): ((أخرجه البغوى وابن عبد البر فى كتاب العلم. وقال: إسناد هذا الحديث ضعيف؛ لأن عباد بن عبد
الصمد انفرد به وهو متروك)) وعزاه الهيثمى فى المجمع (١ / ١٤٩) من طريق آخر عن أنس لأبى يعلى والطبرانى
فى الأوسط وقال: ((فيه يزيع أبو الخليل وهو ضعيف)).
(٥) فى ز: أدر كنا .
(٤) فى ظ : يحبه .
(٣) فى ظ : وهو .
(٧) ناقصة فى : ز .
(٦) فى ز : أقواماً .
(٩) فى ز : نبيه .
(٨) ناقصة فى : ز .
(١٠) انظر بعض هذا متفرقاً فى الزهد لأحمد (ص ٣٦٩، ٣٧١، ٣٧٣)، وأبو نعيم فى الحلية (٢ / ١٤٦).
٣٣٧
ويُروى عن على بن أبى طالب - رضي الله عنه - أنه صلى الصبح يوماً ، فلما سلم
انفتل على يمينه، وعليه (١) كآبة ، فمكث حتى طلعت الشمس ثم قلب يده وقال :
[ والله] (٢) لقد رأيت أصحاب محمد على، وما رأيت اليوم شيئاً يشبههم ، وكانوا
يصبحون صُفْراً شُعْتًا غُبْراً، قد باتوا لله سُجَّداً وقياماً يتلون كتاب الله ، يراوحون بين
أقدامهم وجباههم ، وكانوا إذا ذكروا الله مادوا (٣) كما تميد الشجر فى يوم الريح ، وكأنَّ
القوم [ باتوا غافلين] (٤). يعنى: مَنْ حَوْله (٥) .
وقد قيل : يابن آدم ، اهجر فراشك ، فإن الفرش غداً أمامك .
وأنشدوا :
ففى القُبُورِ إذَا وَافِيْتِهَا فُرُشُ
اهْجُرْ فِرَاشَكَ جَوْفَ اللیل وَارْم به
أَوْ رمضةً فوقها المسمومةُ الرقُشُ (٦)
مَا شِئْتَ إنْ شِئْتُهَا فُرُشا مُرَّقشةً
وَذَا عليهِ سخينَ (٧) العين يُنْتُهِشُ
هَذَا عليه قرير العين نَائِمُهَا
هَلْ يَسْتَوِى الرَّىُّ فى الأحشاءِ والعطشُ
شَتَّانِ بِينُهُمَا وبين حَالِهِما
ويلتقى اللحيان الروم والحبشى
فبادر الصبح أن تغشى طلائعه
وَفَى بِه ◌ُلجَ الأسْحَارِ والغَبَش (٨)
كَمْ فَازَ دُونَكَ بِاللذَّاتِ مِن رَجُل
لِنفسِهِ جَاهِداً يَسْعَى وَيَجْتَوِشُ (٩)
قَامُوا ونِمْنَا وكُلٌّ فى تَقَلُّبِهِ
وطَيِّبُوهَا فَلا عيبٌ وَلا وقش (١٠)
زَكُّوا نُفُوسَهُمْ بِكُلِّ صالحةٍ
(٢) ناقصة فى : ز .
(١) فى ز : وغلبه .
(٣) مادوا : تحركوا وتمايلوا كأغصان الشجر .
(٥) انظر: حلية الأولياء (٧٦/١).
(٤) فى ز : غافلون .
(٦) الرقش : الأفاعى المرقشة بنقط سوداء وبيضاء .
(٧) فى ظ : سحيق، سُخْنَةُ العين: نقيض قرتها ، وأسخن الله عينه : أبكاه .
(٨) الغبش : شدة ظلمة الليل .
(٩) فى ظ : ويحترش، والاحتراش: الحشد والجمع، وليس له معنى هنا ، أما الاجتواش فهو: أخذ الرجل صدراً
أو جزءاً من الليل .
(١٠) الرقش : العيب .
٣٣٨
وإنْ تُرِدْ دَبْشاً فنحنُ ذَا دبش
أُولِئِكَ الناسُ إِنْ عُدَّ الكرامُ فَهُمْ
وكان منصور بن المعتمر (١) من القانتين، وكان يصوم النهار ويقوم الليل، وكانت له
جارة (٢) تصعد إلى (٣) سطح لها كل ليلة ومعها ابنة لها جارية بكر ، وتصعد بعد ما
ينام الناس وتنزل فى آخر الليل، وكانت الجارية ترى منصوراً (٤) قائماً يصلى، فلما
[ مات ](٥) فقدته ، فقالت لأمها: [ يا أماه ] (٦)، ما فعل الجذع الذى كان قائماً هنالك؟
فقالت لها : يا بنية ، ما كان جذعاً ، إنما كان منصور بن المعتمر ، كان يُحيى الليل كله
بركعة على قدَم ، وكان يحبى كل ليلة . فقالت لها: يا أماه، بلغت به العبادة والفَرَقُ (٧)
من النار هذا المبلغ ؟ وأنا أتعاهد هذه القائمة منذ كذا وكذا، وأنت / تقولين : هو منصور . ١٥٩ظ
فما فعل؟ ما لى لا أراه ؟ قالت لها : مات ودفنوه رحمه الله .
قالت لها : يا أماه ، انطلقى فاشترى [لى] (٨) مَدْرعةً (٩) من شعر أتعبد فيها لله عز
وجل ، فوالله لا يجتمع رأسى ورأس رجل أبداً، هذا منصور رجل لم [ يكُنْ ينام] (١٠)
الليل عشرين سنة، فَرَقاً من النار . اشترى لى. فاشترت لها مدرعة / من شعر، وكانت ١٣٩ ز
لها أخت فساعدتها على العبادة ، فتعبدتا عشرين سنة تقومان الليل وتصومان النهار ،
[ حتى ماتتا] (١١) رحمة الله عليهما (١٢).
وكان العلاء بن زياد (١٣) كثير العبادة والاجتهاد ، وكان يصوم حتى يخضر
جسده، ويصلى حتى يسقط ، فقال له أنس بن مالك والحسن البصرى : إن الله عز وجل
لم يأمرك فيكل هذا. فقال: إنما أنا عبد مملوك، لا أدع شيئاً من العبودية والاستكانة
إلا أتيتُه (١٤).
(١) هو: مصور بن المعتمر بن عبد الله السلمى، أبو عتاب ، من أعلام رجال الحديث ، كوفى ، لم يكن فيها أحفظ
للحديث منه، كان ثقة ثبتاً، توفى عام (١٣٢ هـ). الأعلام (٣٠٥/٧).
(٢) فى ز : جاريه .
(٤) وقع هنا فى ز : ابن المعتمر ، ولا داعى للتكرار .
(٦) ناقصة فى : ز .
(٨) زيادة من : ز .
(٩) المدرعة : نوع من الثياب يكون من الصوف مشقوق من الأمام .
(١٠) فى ز: ينم .
(١١) فى ظ : ثم ماتتا ، وفي ز: حتى ماتا .
(١٢) ورد أول هذا الخبر فى صفة الصفوة (٧٤/٣).
(١٣) هو : العلاء بن زياد بن مطر العدوى، روى عن أبى هريرة وعمران بن حصين، توفى في ولاية الحجاج على
العراق . صفة الصفوة (١٦٩/٣ ).
(١٤) حلية الأولياء (٢٤٣/٢).
٣٣٩
=
(٣) فى ظـ: على .
(٥) ناقصة فى : ز .
(٧) الفرق : الخوف والشفقة .
ويُروى أن أبا بكر الشبلى (١) - رحمه الله - كان يختم القرآن كل يوم ختمة، فإذا
جَنّ عليه الليل قام على قدميه وختم أخرى ، فَعَذَلَهُ (٢) أصحابه وقالوا له : إنك تقتل
نفسك . فقال : يا عُذَّالِى ، أنا أطلب قُرْبها من محبوبها على بساط الأنس والمشاهدة
والقدس ، وأنتم تطلبون بعدها إلى بساط الغفلة ومحل الوحشة ، فهيهات .
وكان أبو مسلم الخولاني (٣) كثير العبادة والاجتهاد ، فلما كبر وضعف قيل له : لو
قصرت عن بعض ما تصنع . فقال: أليس إذا أرسلتم الخيل فى الحلبة - يعنى فى السباق -
ألستم تقولون وَدِّعُوها (٤) وارفقوا بها حتى إذا رأيتم الغاية فلا تودعوها ولا ترفقوا بها ؟
قالوا : بلى . قال : فإنى قد أبصرت الغاية ، وإن لكل ساع غاية ، وغاية كل ساع الموتُ،
فسابق ومسبوق، [فقد سُبِقْتُ وأنا على الأثر ] (٥) .
وكان بعض الصالحين يصلى كل يوم وليلة ألف ركعة حتى أقعد ، فكان يصليها
جالساً ويبكى ويقول : ذهب نصف عملى .
يقول ذلك لقول النبى عليه السلام: ((صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)).
وهذا والله أعلم إذا صلى قاعداً من غير ضرورة ؛ لأن التنفل الصحيح من غير عذر جالساً
جائز ، والذى يُرجى لذلك وغيره [ أنه ] (٦) يكتب له مريضاً ما كان يعمل صحيحاً على
ما جاء فى الحديث ، وقد تقدم .
وكان كهمس بن الحسن (٧) - [ رحمه الله] - (٨) [ كذلك] (٩) يصلى كل يوم وليلة
ألف ركعة ، فلما كبر وضعف اقتصر على خَمْسَمائة ، وكان يبكى أيضاً ويقول : ذهب
نصف عملی (١٠) .
(١) هو : دلف بن جحدر ، ناسك، ترك الولاية وتعبد ، فاشتهر بالصلاح ، أصله من خراسان ، مولده بسامراء
(٢٤٧ هـ)، وتوفى ببغداد (٣٣٤هـ) عن ٨٧ عاماً، نسبته إلى قرية ((شبلة)).
(٢) عذله أصحابه : لاموه وعاتبوه .
(٣) هو : عبد الله بن ثوب، تابعى فقيه زاهد، أصله من اليمن ، نعته الذهبى بريحانة الشام، وفاته بدمشق عام ٦٢ هـ،
قبره بداريا ، أسلم قبل وفاة النبى عنه ولم يره . الأعلام (٧٥/٤).
(٤) ودعوها: أى: اتركوها ورفّهوا عنها ولا تشتدوا عليها .
(٥) زيادة من: ز، وقد ورد هذا الأثر فى حلية الأولياء (١٢٣/٢).
(٦) ناقصة فى : ز .
(٧) هو : كهمس بن الحسن ، أبو عبد الله الدعاء القيسى ، روى الحديث عن كثير من التابعين، كان مشغولاً بخدمة أمه
مع تعبده، فلما ماتت خرج إلى مكة فأقام بها إلى أن مات. صفة الصفوة (٢١٢/٣).
(١٠) حلية الأولياء (٢١١/٦).
(٨)، (٩) ناقص فى : ز .
٣٤٠