النص المفهرس

صفحات 301-320

الباب السابع
فى الا جتهاد والمجتهدین
١٣٦ ظ
اعلم رحمك الله أنه لما كانت الدنيا دار اكتساب للآخرة ، وسوق متجرٍ لها ،
واستعداداً للمسير إليها والقدوم عليها ، وكانت التجارات مختلفة ، والبضائع متباينة ،
والأرباح متفاوتة ، والمغبون فيها هو المغبون الذى لا يقول: سأربح غداً ، ولا يهتدى من
أمره رشداً، [ ولا ينجبر لسلعته ] (١) أبداً، وكانت صلاة الليل من أنفقها سوقاً وأكثر
بضائعها حقوقاً وجب على العاقل المنتفع بعقله أن ينظر لنفسه ويأخذ منها بحظه (٢)،
فيفرح بهذا الليل إذا أقبل وطال ، ويحزن إذا تقلص وزال ، إذ هو موطن تنتعش فيه
الأرواح ، وتبتهج وترتاح ، وتتقلب بين مَسَرَّات وأفراح، وتكثر من المساءلة والإلحاح،
وتمتار (٣) من خير ربها ، وتمتاح (٤) وتستمنح من سماح من بيده السماح، ومن يغدى
على فضله ويُرَاحِ .
فهى قائمة بين يدى خالقها ، عاكفة على مناجاة بارئها ، تتنسم من تلك النفحات ،
وتقتبس من أنوار تلك القربات ، وما يرد عليها فى تلك المقامات ، فتارة تذكر هناتها ،
وسالف زلاتها وأيام بطالاتها (٥) ، فَتَجِدّ وتجتهد ، وتعد وتستعد ، وترغب وتسأل ،
وتتضرع وتتوسل، وتجار وتبتهل .
وعسى ولعل، وما ذلك على الله بعزيز، وإنه عليه ليسير ، وهو على كل شىء
قدير .
[ قال يحيى بن معاذ الرازى : الدنيا حانوت المؤمنين ، والليل والنهار رؤوس أموالهم،
وصالح الأعمال بضائعهم، وجنة الخلد أرباحهم، ونار الأبد خسرانهم (٦)] (٧).
(١) فى ز: ولا يتجر لسلعة .
(٢) فى ز : لحظه .
(٣) الميرة فى الأصل : طلب الطعام، والمقصود : طلب الرزق والخير من الله.
(٤) امتاح فلان فلاناً إذا أتاه يطلب فضله، فهو مُمْتَاح .
(٥) فى ز : بطالتها .
(٧) وقع هذا الخبر فى : ز بعد الشعر .
(٦) فى ز : حسراتهم .
٣٠١

--
وأنشد بعضهم :
لما ترجُوهُ من خَيْرٍ مظنَّه
مخافةٍ دِرْع وجنّه
كأنَ دُمُوعها سُحْب مُزَنَّه
وقِفْ فيه ولو فَوْق الأسِنَّهُ
به الأحزانُ نارا مُسْتَكِنَّه
يُرِيكَ سَنَاهُ من خلفِ الأكِّه
الآمالِ من إنسٍ وجنّه
وفيه ما تريدُ ومَا تَمِنَّهُ
تُنيلُكَ منه نفساً مُطْمئِنَّه
جِلا الصُّبْحِ ظلماء الدُّجُنَّه
تجارُ لها العقولُ المرْجَحَنَّه (٢)
تشيبُ لذكرِهِ سُود الأجنَّه
بهذَا الليلِ فَلْتُفرحْ فَإِنَّهُ
وفى جلبابه إنْ تدَّرِعُهُ لكُلِّ
فَخُذْهُ مرسِلا فيه جُفُوناً
وقُمْ فيه ولَوْ تحت المواضئ
وأنت بقلبٍ محزُون (١) أثارتْ
فباتَ لها بجنبه شُعَـَاعٌ
ونادٍ مُهيْمِناً جعلت إليه عُرَى
عَسَى ولعلَّ والرُّغْبى إليه
يُنيلُكَ توبة منه نَصُوحاً
ويجلُو عنك ظَلْماءِ المعاصى
فِبينَ يديْكَ لوْ تدرى أمورٌ
وإلا عطفة منه لكربٍ
وَرَجِّهِ إِنَّه المرجو إنَّهْ
فَخِفْهُ إِنَّهُ أهلٌ لذاكم
/ وقال عبد الله بن عمر لرجل : اغتنم شبابك قبل هرمِكَ ، وصحتك قبل مرضك ،
١٣٧ ظ
وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك ، فإنك لا تدرى يا عبد الله ما اسمك غداً (٣).
* :
١٢٠ ز.
وخرج يوسف بن أسباط يوماً إلى المسجد وهو مريض / يتوكأ على عبد الله بن خبيق
فقال: يا معشر الشباب ، بادروا الصحة قبل المرض ، فما [ من ] (٤) شىء أتمناه على الله
(١) فى ظ : محروب .
(٢) يقال : أنا فى هذا الأمر مرجحن ، أى لا أدرى أى مسلكيه أسلك .
(٣) أخرج نحوه مختصراً من قول ابن عمر البخارى (١١ / ٢٣٣)، والترمذى (٤ / ٥٦٧)، وأخرجه الحاكم
مرفوعاً قريباً من هذا اللفظ ولكن عن ابن عباس ( ٤ / ٣٠٦) وصححه على شرط الشيخين .
(٤) زيادة من : ز .
٣٠٢

عز وجل إلا أنْ أُتِمَّ ر كوعى وسجودى ، وقد حيل بينى وبين ذلك، ما أقدر على ذلك(١).
وقال بعضهم : خذ العمر فى أوله ، واعمل منه فى أفضله ، وأتٍ من اجتهادك بأتمه
وأكمله، وَاَسْعَ سَعْىَ من يخاف أن يقتطع عن المنزل ، ويحبس عنه فلا يصل قبل أن
ينقل (٢) جلدك، ويفتر جِدُّكَ، ويكبوزندك (٣) ، فيحبسك الكبر، ويفنيك الهرم، وتندم
وأنّى ينفعك الندم ، ومن سعى فى الشباب وجد ذلك فى الكِبَرِ أمامه ، وكان إلى كل
نجاة إمامه .
يُرْوى عن بعض صالحى الشبان قال : رأيت فى النوم شيخاً يسعى بين يديه وأنا أسعى
خلفه فكنت لا ألحقه ، فجعلت أتعجب منه فالتفت إلىّ فقال : إنى كنت أسعى فى
الشباب . يريد كنت سريع المبادرة إلى العمل فى أيام الشباب .
وقال موسى بن على : مشينا يومًا مع الجنيد رحمه الله ، فلما بلغنا مسجد الشونيزنية
التفت إلينا ووقف ، ثم قال : يا معشر الشباب، جِدُّوا (٤) قبل أن تعجزوا ، واجتهدوا قبل
أن تُطْلبوا أثراً بعد عين ، فإنى تذكرت مجاهدات لى فى هذا المسجد ، وتقبح اليوم فى
عينى ما أنا فيه من البطالة .
قال موسى : وكان حين قال هذه المقالة أكثر اجتهاداً من جماعة شبان فى أنواع
المجاهدات .
وقد ذكر الله عز وجل المجتهدين فى كتابه فقال تبارك وتعالى: ﴿ كَانُوا قَلِيلًا مِنَ
الليلِ مَا يهِجَعُونَ . وبالأسحارِ هُمْ يستغْفِرونَ﴾ (٥) .
يروى عن الحسن [ أنه ] (٦) قال: كابدوا الليل، ومُدُّوا الصلاة إلى السّحر ، ثم
اجلسوا فى الدعاء والاستكانة والاستغفار.
وقال سبحانه: ﴿وَالذِينَ بِيتُون لربِّهِمْ سُجَّداً وقيامًا ﴾ (٧) . وقال عز وجل:
تَتَجَافَى جَنُوبُهُمْ عن المضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وطَمعاً ومِمَّا رِزِقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾ (٨)،
(١) إحياء علوم الدين (١ /١٤٩).
(٢) أى : يبلى جلدك وتذهب نضارته بفعل الزمن فيه ومروره .
(٣) أى: لا تخرج نار زندك ، أى : تفتر عزيمتك وقوتك .
(٤) فی ز : خذوا .
(٥) الذاريات : ١٧، ١٨.
(٧) الفرقان : ٦٤.
(٨) السجدة : ١٦.
(٦) زيادة من: ز .
٣٠٣

أى تنبو عن الفُرُشِ فلا تستقر عليها ولا تثبت فيها ، لخوف الوعيد ورجاء الموعود .
ثم قال سبحانه: ﴿فَلاَ تَعلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِى لَهُمْ مِن قُرةِ أعْيْن جَزَاءً بما كَانُوا
يعملُونَ﴾ (١) أخبر عز وجل أنه يؤتيهم قرة أعينهم وغاية أملهم : ﴿ جزاء بما كانوا
يعملون ﴾ ، بما تحملوه من سهرهم وما تر کوه من لذيذ نومهم .
وقال جل وعز: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آناءِ الليلِ سَاجداً وَقَائماً يَحْذَرُ الآخرةَ
١٣٨ ظ ويرجُو رحمةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوى الذِينَ يعلمُونَ والذِينَ لا يعلمونَ إنَّمَا يتذكَّرُ / أولو
الأَلْبَابِ﴾ (٢) .
المعنى : هل يستوى من هذه صفته مع من نام ليله ، وضيع نفسه ، غير عالم بوعد
ربه ولا بوعیده .
وصلى النبى فى حتى تفطرت قدماه ، أى تشققت ، فقيل له : أتكلف هذا ، وقد
غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: ((أفلا أكون عبداً شكوراً)) (٣).
ولعل قائلاً يقول : هذا على طريق المبالغة والتأكيد وليس على طريق الحقيقة ، فيقال
له : بل هو على الحقيقة وعلى ظاهره ، حتى يأتى ما يمنع منه وما ينقضه .
فإن قال : لم يكن النبى ◌ّ يصلى الليل كله حتى يصيبه هذا . قيل له : نعم لكن كان
يصلى منه كثيراً.
قال الله عز وجل: ﴿يَأَيُّها المزمل. قُمْ الليلَ إلا قليلا. نِصْفَه أَوْ انقُصْ منه قَليلا . أَوْ
زِدْ عليه وَرَتِّلْ القرآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٤).
فهذا وقته الذى كان يقوم فيه #، وكان يصلى إلى السّحر، وإلى قرب (٥) الفجر،
و کان علیه السلام یُطَوِّل ویُخَفِّف ، وقد تقدمت صفة صلاته بالليل ثة .
وحتى لو كان على طريق المبالغة لكان الاجتهاد فيه موجوداً ، [ والتحمل على
النفس فيه ] (٦) حاصلاً، لأن هذا هو الذى يعطيه لفظ المبالغة ، والحديث أنه ع# صلى
(١) السجدة : ١٧ .
(٢) الزمر : ٩ .
(٣) حديث المغيرة بن شعبة أخرجه أحمد (٤ / ٢٥١، ٢٥٥)، والبخارى (٣ /١٤) (٨ / ٥٨٤) (١١/
٣٠٣)، ومسلم (٤ /٢١٧١)، والترمذى (٢ /٢٦٨) وقال: ((حسن صحيح))، وابن ماجه (٤٥٦/١ ).
(٥) فى ظ : قريب .
(٤) المزمل : ١ - ٤ .
(٦) فى ز : والحمل فيه على اليقين .
٣٠٤

حتى تفطرت قدماه هو حديث مشهور صحيح ، ذكره مسلم والبخارى والترمذى
وغيرهم، والذين رووه عائشة وأبو هريرة والمغيرة بن شعبة وأنس .
والناس فى هذا مختلفون ، فمنهم من يؤلمه القليل من القيام ويظهر على قدميه ،
ومنهم من لا يؤلمه إلا الكثير، وقد يؤلمه ولا يظهر على (١) قدميه، فمن قام حتى آلمه القيام
فقد جَدّ واجتهد ، وسواء طالت مدة القيام أو قصرت ، فإن طالت المدة فهو المرغوب .
وقد سُئِلَ عليه السلام: أى الصلاة أفضل؟ قال: ((طول القيام)) . ذكره أبو داود
وغيره . ولم يجئ ما يعارض هذا إلا قول ابن مسعود : أفضل الصلاة الركوع والسجود ،
ولا معارضة فى هذا ولا حجة فيه لمن احتج به ؛ لأن الحجة إنما هى فى كلام النبى عليه .
وقد دعا الله عز وجل عباده للمسابقة إليه ، وحضهم على المنافسة فيما عنده ، قال
تعالى: ﴿سَابِقُوا إلى مغفرةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وجِنَّةٍ عَرْضُها كعَرْض السَّماءِ والأرْض﴾ (٢).
وقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون. أولئِكَ المقربُونَ. فى جَنَّاتِ النَّعِيم﴾(٣).
وقال عز وجل: ﴿وَفِى ذَلِكَ فَلْيتَنَافَسْ المَنَافِسُون﴾ (٤) و ﴿ لمِثْلِ هَذَا فَلْيعمل
العَامِلُونَ﴾(٥) .
وفى خبر عن النبى #: ((إن أهل البيت ليتنافسون فى الخير فيدخلون الجنة حتى ما
يفقدون خادمهم ، وإن أهل البيت ليتنافسون فى الشر فيدخلون النار حتى ما يفقدون
خادمهم)) .
ولما مات بكر بن عبد الله المزنى - وكان مُجَابَ الدعوة - ازدحم الناس على جنازته
وتنافسوا فى حملها / ، فقال لهم الحسن البصرى - وكان حاضراً - : فى مثل عمله ١٣٩ ظ
فلتتنافسوا.
واعلم أن المنافسة تكون فى جميع أعمال الخير ، والصلاة من أفضل الأعمال ، وهى
مضمار المسابقة وميدان المنافسة ، وكلما كان العمل أكره على النفس وعليها أثقل ، كان
فى الميزان أثقل ، وعند الله تبارك وتعالى أحظى وأجزل وأرفع وأكمل .
كتب الحسن البصرى إلى عمر بن عبد العزيز - رحمهما الله - : أما بعد ، فإنه من
حاسب نفسه ربح ، ومن غفل عنها خسر ، ومن نظر فى العواقب نجا ، ومن أطاع هو
(١) فى ز: فى .
(٣) الواقعة: ١٠ - ١٢.
(٢) الحديد : ٢١ .
(٤) المطففين : ٢٦ .
(٥) الصافات : ٦١ .
٣٠٥

أفضل، ومن حلم غنم، ومن اعتبر أبصر ، ومن أبصر فَهِمَ ، ومن فَهِمَ علم ، فإذا زللت
فارجع ، وإذا ندمت فأقلع ، وإذا جهلت فَسَلْ ، وإذا غضبت (١) فأمسك ، واعلم أن
أفضل الأعمال ما أكرهت النفس عليه .
وقد اعترض بعض العلماء بظاهر قول رسول الله ية فى الحديث المتقدم بلفظ آخر :
((إن هذا الدين متينٌ، فأوغِلْ فيه برفق، فإن المنبتَّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)) (٢)،
١٢٢ ز وبقوله عليه السلام: ((اكلفوا / من العمل ما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا)) (٣)،
وبالحديث الآخر: ((ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر أو كسل فليقعد)) (٤).
ولم يُرِدْ عليه السلام ألا تعمل حتى تنشط بحسك للعمل ، وحتى تقبل عليه وتبادر
إليه ، فإن النفس كسلانة ثقيلة عن فعل الخير ، بطيئة النهوض إلى أعمال البر .
فلو لم تُصَلِّ مثلا حتى تدعوك نفسك للصلاة وحتى تنشط إليها وتخف عليها لما
صليت إلا قليلا ، وربما لم تُصَلِّ معها أبدا ، ولا قامت لك عن فراشها ، ولا تركت راحتها
ولا لذيذ نومها .
وإنما أمر عليه السلام بالرفق وحذر من الإفراط فى التعب الذى يقطع بصاحبه
ويُقْعِده.
وفى قوله عليه السلام: ((اكلفوا من العمل ما تطيقون)) ما يدل على الاجتهاد ، ويبيح
أخذ النفس بما تكره منه، فإن الإنسان قد يكره الضرب من العمل ويكسل عنه ، فإذا كَلَفَهُ
أطاقه (٥) وقام به ، وتحمل المشقة فيه مع کراهيته له و کسله عنه .
فلا بُدَّ من الحمل على النفس وأخذها بالجد (٦) والكد، وتخويفها بأن تسبق إلى الله
عز وجل، وتحذيرها من أن يستأثر دونها بما عند الله، وأن يوصل العمل بالعمل ، والاجتهاد
بالاجتهاد ، حتى يوصل إلى الحد الذى حذر منه رسول الله #، وهو الذى يخاف معه (٧)
الانقطاع والانبتات.
وفى الخبر: ((الخير عادة، والشر لجاجة)) (٨).
(١) فى ز : عصيت .
(٢) تقدم تخريج هذا الحدیث ص ٢٨٢
(٣) تقدم تخريج هذا الحدیث ص ( ٢٨٠).
(٤) تقدم تخريج هذا الحديث ص (٢٨٢).
(٥) فى ز : لطاقٍ .
(٧) قی ز : منه .
(٦) فی ز : بالجهد ..
(٨) الحديث عن معاوية بن أبى سفيان أخرجه ابن ماجه (١ / ٨٠ )، وابن حبان (ص ٤٩ موارد)، وأبو نعيم فى =
٣٠٦

وقال أبو الدرداء لرجل يقال له صبيح : يا صبيح ، تعود العبادة ، فإن لها عادة ، وإنه
ليس على الأرض شىء أثقل عليها من كافر .
وأما قوله عليه السلام: ((لَيُصَلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر أو كسل فليقعُدْ))،
[ فما ] (١) أراد - والله أعلم - [أن تصلى] (٢) ما دُمْتَ على نشاط، فإذا خالطك
الكسل أن تترك / الصلاة ، وإنما أراد # [الكسل](٣) الذى لا يقدر معه صاحبه على ١٤٠ ظ
شیء إلا بعد جهد جهید ، وحمل علی النفس شدید ، حتى لو قيل له مثلا : صل وخذ
کذا و کذا ۔ لثواب حاضر یعرض علیه ويرغب - فیه لم يقدر .
فهذا هو الكسل الذى يُنْهى صاحبه عن العمل معه مخافة الانقطاع وترك العمل هذا
أو نحوه، والله أعلم . والدليل على هذا القول تكلفه (٤) عليه السلام الصلاة حتى
تشققت قدماه .
وهذا إنما هو فى النافلة ، وأما الفريضة فتصلى على كل حال ، فى الصحة والمرض ،
يصليها قائماً أو قاعداً أو نائماً [أو ] (٥) مضطجعاً أو مكتوفاً (٦) أو كيف كان وكيفما
أمكن .
وما الذى تخاف ــ رحمك الله - على من يقوم نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده
بقليل ، فيقطع بقية (٧) ليله فى قيام وركوع وسجود ، وجلوس لتشهد أو الذكر؟
وما الذى يُتَوقَّع منه إذا استعان على ذلك بنومة من النهار، كما [ ذكر ](٨) أبو بكر
البزار [ فى مسنده] (٩) من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله : ((استعينوا على
قيام الليل بقيلولة (١٠) النهار، وعلى صيام النهار بأكلة السُّحر (١١))) (١٢)؟
= الحلية (٥ / ٢٥٢)، والديلمى فى الفردوس (٢ / ٢٠١).
(١) ناقصة فى : ز .
(٢) ناقص فى : ز .
(٣) ناقص فى : ز .
(٤) فى ظ : تكلفه هو .
(٥) زيادة من : ز .
(٦) مكتوفاً : أى: شُدّت يداه من خلفه ، موثوقاً بالوثاق .
أ.(٧) فى ز: كبقية .
(٨) ناقصة فى : ز .
(٩) زيادة من : ز .
(١٠) القيلولة: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم، وذلك إذا اشتد الحر .
(١١) فى ز : السحور.
(١٢) أخرجه ابن ماجه (١ / ٥٤٠)، والحاكم (١ / ٤٢٥)، والطبرانى فى الكبير (١١ / ٢٤٥)، وعزاه
السيوطى فى الدرر المنتثرة (ص ٤٣) للبزار، قال البوصيرى فى زوائده على ابن ماجه: ((فى إسناده زمعة بن
صالح وهو ضعيف))، قال الحاكم: ((زمعة وسلمة ليسا بالمتروكين اللذين لا يحتج بهما))، وأقره الذهبي.
٣٠٧

فقد حضك عليه السلام على ما يعينك وينشطك ويقويك ويديم عملك ، فإن فى
الاشتغال [ فى النهار عن ] (١) نوم القائلة إضعافَ البدن (٢) وزيادة فى نوم الليل.
وكان الحسن البصرى إذا دخل السوق فسمع (٣) لغطهم ولغوهم قال: ما أظن / ليل
١,٢٣ ز
هؤلاء إلا ليل سوء، أما يقيلون ؟ (٤) .
وكان بعض السلف يقول : كيف ينجو التاجر من سوء الحساب و هو ینام بالليل ويلهو
بالنهار.
وقد ينشط كثير من الناس إلى كثير مما وصفت لك ، [ وإلى أكثر منه ] (٥) ولا
يجدون له [ كبير ] (٦) مشقة ولا عظيم كلفة ، ولقد وُجِدَ بشر من الصالحين على هذا
وعلى أكثر من هذا ممن كان يصلى الليل كله، ممن سيأتى ذكر بعضهم إن شاء الله .
وإن كنتَ ممن لا يتمكن له(٧) نوم بالنهار لِكَدِّ فى المعيشة أو لغير ذلك من أشغال
الدنيا ومحنها ، وما ابْتُلِىَ الإنسان به منها ، فاجتهد أن تصلى ولو ركعتين خفيفتين قبل
الفجر، فإن فيهما بركة ، والقليل من صلاة الليل كثير .
واصبر على ذلك وداوم عليه ، فإنما هو الصبر والمداومة والتضرع والسؤال والرغبة
والابتهال إلى الله تعالى فى التثبيت (٨) والمعونة ورفع التعب والمؤنة .
وقد قال بعض العلماء - وذكر حديث: ((اكلفوا من العمل ما تطيقون)) - : بين
الصبر والانقطاع مراد واسع، ومسرح رحب ، وميدان عريض .
والذى يلتذ بالعمل إنما هو عاجل ثوابه ناله لقربه من ربه ، ولأنه قد أدرك الفضيلة ،
ودخل فى حرمة الولاية ، فأخذه روحها ، وَهَبَّ عليه نسيمها .
قال تبارك وتعالى: ﴿ مَنْ عَمِلَ / صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أَنْثِى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِنَّهُ حياةً
طِيةً﴾ (٩) .
١٤١، ظ
قال بعض المفسرين : الحياة الطيبة هو ما يفتح عليه من لذة العبادة ، وطيب المناجاة ،
وبرد الرِّضا بقضاء الله تبارك وتعالى، إلى غير ذلك مما أراده عز وجل، وهو أعلم بما
أراد .
(١) فى ظ : بالنهار من .
.(٣) فى ز: فيسمع.
(٢) فى ز : للبدن .
(٤) انظر: الزهد لأحمد (ص ٣٨٢ رقم ١٥٤٠).
(٥) زيادة من : ز .
(٨) فى ز : التثبت .
(٧) فى ز : لك.
(٦) ناقصة فى : ز .
(٩) النحل : ٩٧ .
٣٠٨

وذلك ثواب عَجَّلَهُ له، وفضل خَصَّه به ، وقَلَّ ما يكون هذا إلا بعد تحمل مشقة فى
العبادة ، وحمل النفس على ما تكرهه منها ، كما يُرْوَى عن عتبة الغلام (١) قال : كابدت
الصلاة عشرين سنة ، وتنعمت بها عشرين سنة (٢) .
وهذا باب مَنْ فُتِحَ له فيه بشىء يجب عليه أن يلزمه، وأن يتعلق بالأسباب المثبتة له ،
ويستعين بالله عز وجل عليه ، ويسأله التأييد (٣) فيه ، ويصبر ويُصابر ، فعسى ولعل ، وما
ذاك على الله بعزيز ، وإنه عليه ليسير .
قال أبو محمد الجريرى : قصدت الجنيد - رحمه الله تعالى - فوجدته يصلى ، فأطال
جداً ، فلما فرغ قلت له : قد كبرت ووهن عظمك وَرَقٌّ جلدك وضعفت قوتك ، فلو
أقصرْتَ (٤) على بعض صلاتك . فقال : اسكت ، طريق عرفنا به ربنا لا ينبغى لنا أن
نقتصر منه على بعضه . والنفس ما حملتها تتحمل ، والصلاة صلة ، والسجود قربة ،
ولهذا قال تعالى: ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾(٥)، ومن ترك طريق القُرْب يوشك أن يُسْلَكَ به
طريق البعد ، ثم أنشد :
وألزمْتُ نفسى هَجْرِهَا فَاسْتمرتٍ
صَبُرْتُ عن اللذاتِ حتَّى تَوَّت
فَلَمَّا رأتْ صبرى على الذُّلِّ ذَلَّتِ
وكانتْ على الأيامِ نفسی عزيزةً
فإِنْ تُوَّقْتْ تَاقَتْ وإلا تَسلَّتِ
وَمَا النفسُ إلا حيثُ يجعلُهَا الفتّى
وقال بعض العلماء: سُمِّيتْ الصلاة صلاة ، لأنها صلة بين الله وعبده، ومواصلة من
الله لعبده، ولا تكون المواصلة والمنال (٦) إلا لمتَقٌّ .
واعلم أن الناس فى هذا مختلفون ، فمنهم من يُفتح له فى وجود اللذة فى الصلاة ،
ووجود التنعم بها / بعد اجتهاد قليل وفى زمن قصير ، ومنهم من يفتح له [وجود اللذة فی ١٢٤ ز
صلاته ] (٧) بعد اجتهاد كثير وفى زمن طويل ، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، أعنى فى
التعجيل .
(١) هو : عتبة بن أبان بن صمعة ، سمى بالغلام لصغر سنه، من نُسَّاك البصرة ، اشتغل بالعبادة عن الرواية ، وقتل شهيداً
فى بعض الغزوات . صفة الصفوة (٣ / ٢٥١).
(٢) صفة الصفوة (٣ / ٢٥١).
(٤) فى ز : اقتصرت .
(٦) فى ز: والمثال، والمنال: العطاء.
(٣) فى ز : البأس .
(٥) سورة العلق : ١٩.
(٧) زيادة من : ز .
٣٠٩

وأما وجود الفتح فلا بُدَّ منه للمتهجد (١) - إن شاء الله تعالى - إذا استعان بالله
وصبر وصابر، فإنه لا تَنَال فضيلة عظمى فى الدنيا [وفى الآخرة ] (٢) إلا بالصبر والمداومة
عليه .
وكل ما كان من هذا من كثير أو قليل ، قريب أو بعيد فهو فضل الله ورحمته ولطفه
وَمِنْتُه ، ومما يحضُّ على الاجتهاد ويصحح قول من رآه وذهب إليه حديث مسلم بن
الحجاج عن ربيعة بن كعب الأسلمى قال : كنت أبيت مع رسول الله عز# فآتيه بوضوئه
١٤٢ ظ وحاجته /، فقال لى: ((سل)). فقلت: أسألك مرافقتك فى الجنة. فقال: (( أو غير
ذلك؟)) فقلت: هو ذاك. قال: ((فأعنى على نفسك بكثرة السجود)) (٣).
فها هو عليه السلام قد أمره بالسجود ، ولم يَحُدّ له فيه حدّاً ، ولا ذكر له فيه
عدداً (٤)، إنما أمره بالتكثير منه والازدياد ، ورغّبَهُ فى الجد فيه والاجتهاد .
وكذلك حديث البخارى عن أبى هريرة عن النبى # عن الله تبارك وتعالى أنه
قال: (( ما تقرَّبَ إلىَّ عبدى بشىء أحبُّ إلىَّ من أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدى
يتقرَّبُ إلىَّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به ، وبصره الذى
يبصر به، ويده التى يبطش بها ، ورِجْلَه التى يمشى بها ، فَوَعِزَّتَى لئن سألنى لأعْطينَّه، ولئن
: استعاذني لأعيذنَّه، وما ترددتُ عن شىء أنا فاعله ترددى عن نفس المؤمن ، يكره الموت
وأنا أكره مُسَاءَته (٥))) (٦) .
في غير كتاب البخارى: ((ولا بُدَّله منه)) .
ألا ترى [إلى ] (٧) قوله تعالى: ((ولا يزال عبدى يتقرّب [إلىّ] (٨) بالنوافل)).
ويقال : مازال فلان يفعل كذا ، إذا كان يفعل ذلك الفعل مرة بعد مرة ، ويواظب عليه
ويكثر منه ، وهذا أيضاً يدل على أن المجتهد تهب عليه نفحات الرحمة وتتغشاه أنوار
القربة، قال تعالى: ﴿فَلَنُحْيِنَّهِ حَيَاةً طَيِّةً﴾ (٩) . يجوز أن تكون هذه الحياة الطيبة فى
(١) فى ز: للمجتهد .
(٢) فى ز : الأخرى .
(٣) أخرجه مسلم (١ / ٣٥٣)، وأبو داود (٢ /٣٥)، والنسائى (٢٢٧/٢).
(٤) فی ز : عده .
(٥) فى ز : إساءته .
(٦) أخرجه البخارى (١١ / ٣٤٠) عن أبى هريرة، وانظر: فتح البارى (١١ / ٣٤١، ٣٤٢) فى تحقيق هذا
الحديث وطرقه عن غير أبى هريرة .
(٧) ناقصة فى : ز .
(٩) النحل : ٩٧ .
(٨) زيادة من: ز .
٣١٠

الدنيا والآخرة .
ومما يذكر أنه فى التوراة: (( يا بن آدم، لا تعجز أن تقوم بين يدى مصلياً باكياً ، فأنا الله
الذى اقتربت (١) من قلبك، وبالغيب رأيت نورى)).
قال أبو طالب (٢) : كانوا يرون أن تلك الرقة والبكاء وتلك الفتوحات التى يجدها
المصلى إنما هى من دنو الرب تبارك وتعالى من قلب العبد ، ويشهد لهذا أيضاً التجربة
وأقوال الصالحين .
قال أبو سليمان الداراني (٣): لو لم يَبْكِ الغافل باقى (٤) عمره إلا على ما فاته من لذة
الطاعة فيما مضى من عمره لكان ينبغى أن يبكى على ذلك حتى يخرج من الدنيا (٥) .
ويُرْوَى أن عبد الله بن مسروق القيروانى - وكان أحد الفقهاء - زار أبا جعفر
القمودى - وكان أحد العابدين - فوجده يصلى ، فأطال أبو جعفر الصلاة وأطال الرجل
القعود، فلما خرج قال له : يا أبا جعفر ، بأقل من هذا التعب وهذا التكلف تصل [إلى] (٦)
المقصود، وتدرك المطلوب إن شاء الله. فقال [له ] (٧): يا مسكين، لو ذُقْتَ ، الله
أكبر. ثم عاد إلى صلاته يقول : لو ذُقْتَ لذتها لما لُمْتَ فى التعب فى الاستكثار منها .
وقال بعضهم : ربما استفزنى الطرب إلى الصلاة ، وربما رأيت القلب يضحك إليها
/ ضحكاً، ولأهلُ الليل بليلهم / ألذُّ من أهل اللهو بلهوهم .
١٢٥ ز ،
١٤٣ ظ
[ وقال أبو سليمان الداراني: أهل الليل بليلهم أَلَذُّ من أهل اللهو بلهوهم ] (٨)،
ولولا الليل ما أحببت البقاء فى الدنيا ، ولو لم يُعْطِ الله تعالى أهل الليل فى ثواب صلاتهم
إلا ما يجدون من اللذة فيها لكان الذى أعطاهم أفضل من صلاتهم (٩) .
وقال بعضهم : لذة المناجاة ليست من [ نعيم ] (١٠) الدنيا إنما هى من نعيم الجنة ،
عجلها الله لأوليائه وأظهرها لهم فلا يجدها سواهم .
وقال بعض العلماء : ليس فى الدنيا نعيم يشبه نعيم الجنة إلا ما يجده أهل الليل من
(١) فى ظ : أقرفت .
(٢) هو : أبو طالب المكى وقد تقدمت ترجمته صفحة ١٨٧.
(٣) هو: عبد الرحمن بن أحمد العنسى المذحجى ، زاهد مشهور، الدارانى نسبة إلى داريا بغوطة دمشق ، أقام ببغداد
مدة ، وتوفی بداريا عام (٢١٥ هـ).
(٤) فی ز : فى .
(٥) حلية الأولياء (٩ /٢٧٥)، وصفة الصفوة (٤ /١٩٣).
(٦، ٧) ناقص فى : ز .
(٨) ناقص فی : ز .
(١٠) زيادة من: ز.
(٩) المرجعان السابقان .
٣١١

طيب الصلاة ولذة المناجاة .
وأنشد بعضهم [ فى ظلمة الليل] (١):
فى ظُلْمةِ الليل للعباد أنْوَارُ.
تَسْرِى قُلوبهم فى ضَوْئِهِنَّ إلى
يَرْقَوْنَ فى درجاتٍ كُلُها قُدْسٌ
فَيَغْزِلُونَ رِيَاضاً جَمَّةً أَنْفاً (٢)
فيأكلون ويشرِبُونَ صَادِحَةٍ (٣)
يَا طِيبَ مَأْكلِهِمْ وطيبَ مَشْرَبِهِمْ
هُوَ اللذاذُ وإِنْ عَزَّتْ مطالبهُ
فَازُوا بِها وَرِجَالُ اللهِ فَائِزَةٍ
أَكْرِمْ بهم من رجالٍ لَوْ رأيتهمُ
رأيتَ أشباحَ قَوْم مُلئتْ عَجباً
خُمْصُ البِطُونِ من الدنيا كأنَّهِمُ
تَخَالُهُمْ وَيْكَ موتی لا حِراكَ بهم
إِنْ ينطقُوا فتلاوات وأذكارٌ
وربما بهت الأقوامُ من عجبٍ
مستيقظين لذى الذكرى فكلهم
حَدِّثْ حديثَهُمْ لِلَّهِ دَرُّهِمُ
مَرُّوا إلى الله منشُوراً لواءهُمُ
مُسْتعصِمِينَ بمولاهُمْ فَلَوْ قُذِفُوا
منها شُموسٌ ومنها فيهِ أقمارُ
ذاك المقام ومَوْلَاهُمْ لَهُمْ جارُ
طَوْراً فَطَوْراً وذاكَ القُدْسُ أطوارُ
فيها من العلم أشْجارٌ وأنْهَارُ
عليهم بضُرُوبِ اللَّحْنِ أَطْيَارُ
وطيب ما نزلُوا وطيب مَا سَارُوا
وَهِىَ الأَمانى وإِنْ شَطَّت (٤) بها الدَّارُ
وفى العنايةِ تخصيصٌ وإيثارُ
وللظلام على الأجْفَانِ أَسْتَارُ
ماءً يفيضُ وفى ينبوعهِ نَارُ
خَيْلُ [ الرِّهَانِ وهَذِى](٥) الدار مِضْمَارُ
وهم مع اللهِ إقبالٌ وإدْبَارُ
أو يسكتُوا فاعتبارات وأفكارُ
وفى القلوب أعاجيبٌ وأخبارٌ
لذا التَّذكِّر أسماعٌ وأبصارُ :
ففى حديثهم سُرْبٌ وإسْكَارُ
تحت العجاج (٦) وجندُ اللهِ أنصارُ
فى جَاحِم (٧) النَّارِ لم تَقْربهم (٨) النارُ
(٢) الرياض الأنْف: هى التى لم يَرْعَهَا أحد ، ولم يطأها أحد .
(٤) شَطَّتْ الدَّار: بَعُدَتْ .
(١) ناقص فى : ز .
(٣) صدحت الأطيار : صاحت بغناء أو غيره .
(٥) فى ظ : الرهبان وهدى .
(٦) العجاجُ زَ الِغُبَار .
(٧) جاحم النار: توقدها واشتعالها والتهابها. (٨) فى ظ : تحرقهم.
٣١٢
١

و مما أوحى الله تعالی إلی داود عليه السلام: « یا داود ، بی فافرح، وبذ کری فتنعم ،
فما تنعم المتنعمون بمثل ذكرى ، يا داود ، [ بالنهار أطالبك بفرض ، وبالليل أطالبك بحق
حبى ، يا داود ](١) ، لو لم تكن لى نارٌ تُخشَى ولا جنة تُرْتَجى ، أما كنت أستحق أنْ
أَعْبدَ حتى أرى)) .
وقيل : السرور بالله هو السرور ، والسرور بغير الله هو الغرور .
وفى الحكمة : يا عبادى [الصالحين الصِّدِّيقين] (٢) ، تنعَّموا بعبادتى ، فإنها لكم فى
الدنيا نعيم ، وفى الآخرة جزاء .
ويُرْوَى أن ثوبان العابد(٣) وعد أخاً له فى الله أن يفطر عنده فلم يفعل ، فلقيه أخوه
ذلك (٤) ، فقال [ له ] (٥) /: وعدتنى أن تفطر عندى فلم تفعل وأخلفتنى، فقال له: ١٤٤ ظ
لولا ميعادك الذى وعدتك (٦) ما أخبرتك بالذى منعنى عن الوفاء . لما صليت العتمة
أردت المسير إليك ، فقلت: أوتر فإنى (٧) لا آمن الموت أن يطرقنى، فإن جاءنى وجدنى
قد أوترت ، [ فأوترت ](٨) فلما كنت فى / الدعاء من الوتر رُفِعَتْ لى روضة خضراء من ١٢٦ ز
الجنة فيها أنواع الزهر ، فما زلت أنظر إليها حتى أصبحت ، فأنسانى ذلك وعدك الذى
وعدتك .
وقال مسلم بن يسار(٩): ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة لمناجاة الله (١٠).
وقال حذيفة المرعشى (١١): إذا صدق الرجل فى العمل وجد حلاوته قبل
أن يعمله .
(١) ما بين المعقوفين زيادة من : ز .
(٢) فى ز: الصالحون الصديقون، وقد نقصت: (( الصالحين)) من: ظ.
(٣) هو : ثوبان بن إبراهيم الأخميمى المصرى، أبو الفيض ، أحد الزهاد ، نوبى الأصل من الموالى ، كانت له فصاحة
وحكمة ، اتهمه المتوكل الخليفة العباسى بالزندقة ، ثم أطلقه فعاد إلى مصر وتوفى بجيزتها عام (٢٤٥ هـ).
(٤) وقع هنا فى ز: علامة إضافة ، ولكن الإضافة ضاعت فى التصوير .
(٦) فى ظ : أو عدتك .
(٥) ناقصة فى : ز .
(٨) ناقصة فی : ز .
(٧) فى ظـ : لأنى .
(٩) الأموى بالولاء ، أبو عبد الله ، فقيه ناسك ، من رجال الحديث ، أصله من مكة ، سكن البصرة فكان مفتيها"
وتوفى فيها عام ١٠٨ هـ. الأعلام (٧ / ٢٢٣).
(١٠) انظر: حلية الأولياء (٢ /٢٩٤).
(١١) هو: حذيفة بن قتادة المرعشى، صحب سفيان الثورى وسمع منه، وتوفى عام (٢٠٧ هـ )، كان مشغولا
بالعبادة عن الرواية .
٣١٣

وقد كان طوائف من الصالحين يستقبلون الليل فيهولهم طوله ، فيذهب عنهم وما
قضوا منه وطراً، ولا نالوا فيه إرباً (١) ، وهل كان هذا إلا لما يجدون من نفحات الرحمة ،
ويتنسمون من نسيم القربة ، فلا يشتبهن عليك رحمك الله فتقعد أنت بطَّالاً بالنهار جيفة
مُلْقَاةً بالليل تقول : لا أصلى حتى أنشط للصلاة ، ولا أعمل حتى ألتذ بالعمل . نزاعاً منك
إلى أولئك المجتهدين ، وانتظاراً منك لنيل منزلتهم والارتقاء إلى درجتهم بالتمنى والرجاء
الذى هو الغرور .
فإن أولئك لم يصلوا إلى تلك الدرجة إلا بعد قطع قلوبهم ونَهْكِ نفوسهم ، وتركهم
ما يحبون ، وبتحملهم ما يكرهون وما يبغضون .
وقد تغلب على الإنسان حالة من رغبة أو رهبة فتمنعه النوم ، [ وتبعثه على
الصلاة](٢)، وقد يُعَى فَيُعَلِّل نفسه (٣) ويمنِّها وَيَعدُهَا وَيُرَجِيهَا .
كان بعض الصالحين يأتي فراشه فيضع يده عليه ويقول: والله إنك لَلِيِّن، وإنك
لَوثيرٌ ، وإن الرُّقَاد عليك لَشَهىٌّ ، وفراش فى الجنة أَلْيَنُ منك وأشهى ، ثم يدعه ويقوم إلى
صلاته ، فإذا أعيا فعل مثل ذلك أيضاً ، ثم عاد إلى صلاته ، فلا يزال كذلك حتى يصبح .
كان [ يعلل نفسه بهذا] (٤) إذا كسلت أو فترت .
وكان بعض الصالحين يصلى من الليل فإذا أعيا استلقى وأنشد :
مَا كَانَ إِلا أَنْ وَصَلْ
طافَ بهِ ثُمَّ انحولْ
كأنَّ فوسى (٥) لم تكُنْ قَطْ
ونُعْمِى لَمْ تَزَلْ
ثم يقوم إلى صلاته (٦) .
وقد قيل : بطول السّرَى (٧) يقصر الطويل ويقرب البعيد ، ومن سرى ليله أحمد رأيه
وانتظر نيله (٨)
.
1. وأنشد بعضهم:
(١) الإرب : الحاجة .
(٢) فى ز : وتمنعه عن الصلاة .
(٣) عَلَّلَ نفسه: شغلها وألهاها عن دواعى النوم والنعاس والغفلة.
(٤) فى ز : يعلل بها نفسه .
(٥) لم يتضح لى توجيه هذه الكلمة .
(٦) فى ز : الصلاة .
(٧) السُّرى : السير ليلاً .
(٨) فى ظ : ليله ، نيله : عطاؤه .
٣١٤

شَمَّرَ للأمرِ الذى شَمَّرا
وَوَدَّ لَوْ يَدْرِى زَمَانَ الصُّبَا
/وباتَ عن طَعْم الكَرَى صائما
وظَلَّ فِى مِحْرَابِهِ مُجْتريًا
مُنقطعَ الأكبادِ مُسْتَحْسِراً
وَجَدَّ إِذْ أبصرَ مَا أبصَرا
هَذَا الذى من بعده قَدْ دَرَى
وَمَ لَهُ اليومِ وطَعْمُ الكَرَى
[ دمعةَ مَحْزُونٍ ](١) على مَا جَرَى
حَسْتُه فى نفسه لم تُرَى
لاَحَ له فَجْرُ الدُّجَى مُسْفِراً
منذ غُرُوبِ الشمس حتى إذا
٥ ١٤ ظ
وامتدَّ مُرْتاحاً (٢) لِنَيْلِ القِرا(٣)
خُطْ عن الأعضاءِ ثقل السُّرَا
وَمَنْ سَرَى لِيلَتَهُ كُلَّها
أحمد عنْدَ الصُّبْحِ ذَاكَ السُّرَا
وإذا قوى الباعث وكثرت الرغبة وعظمت الرهبة ، نشطت النفس وخَفَّ الجسد
وذَلَّ الصعب وهانت المؤنة .
١٢٧ ط
يُروَى عن الفضيل بن عياض (٤) - رحمه الله - أنه قال: إنى لأستقبل الليل فيهولنى
طوله ، فأفتتح القرآن فيفرغ وما قضيت / نهمتى(٥) .
وقال أبو حازم(٦): ما مرت بى (٧) ليلة إلا وأنا لم أقْض نهمتى.
ولما نزل الموت بأبى الشعثاء (٨) بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: لم أشتفِّ (٩) من
قيام الليل .
(١) فی ز : دمعته حزناً.
(٢) فى ز: متاحاً ، والمقصود: أنه بعد طول العناء فى سير الليل يؤون له أن يضع عن أعضائه هذا العناء ، وأن يمتد
مرتاحاً لنيل الجائزة والمكافأة .
(٣) القرا : طعام الضيف .
(٤) هو : الفضيل بن عياض التميمى ، أبو على، شيخ الحرم المكى ، من أكابر العباد الصلحاء، ثقة فى الحديث ، ولد
بسمرقند (١٠٥ هـ)، وسكن مكة وتوفى بها (١٨٧ هـ) عن ٨٢ عاماً. الأعلام (٥/ ١٥٣).
(٥) النَّهْمة : بلوغ الهمة فى الشىء، يعنى ما قضيت أقصى رغبتى وشوقى إليه .
(٦) هو : سلمة بن دينار المخزومى ، فارسى الأصل ، عالم المدينة وقاضيها ، زاهد عابد، أسند عن ابن عمر ، وأنس بن
مالك، توفى عام (١٤٠ هـ) فى خلافة المنصور. الأعلام (٣ / ١١٣).
(٧) فى ظ : فى .
(٨) هو : جابر بن زيد الأزدی البصری ، تابعی فقيه من الأئمة ، أصله من عُمان ، کان من بحور العلم، ولد عام ( ٢١
هـ) وتوفى (٩٣ هـ) عن ٧٢ عاماً. الأعلام (٢ /١٠٤).
(٩) فى ظ : تشفيت .
٣١٥

وقيل [ لبعض الصالحين ] (١) : كيف الليل عليك ؟ قال : أفرح بظلمته ، وأهتم
بفجره(٢) ، ما تَمَّ فرحی فیه قط .
وقيل لبعض [الصالحين من](٣) أهل الليل: كيف أنت والليل؟ [ قال: ما رأيته] (٤)
قط . يرينى وجهه ثم ينصرف وما تأملته. يقول: ما اشتفيت (٥) منه قط ، فكأنه ساعةً
ما أقبل ولَّی .
ومثله ما قال آخر ، وقد قيل له : كيف الليل عليك ؟ فقال : ما أدرى كيف أنا فيه ،
إلا أننى بين نظرة ووقفة، يقبل بظلامه فأتدرّعُهُ ثم يسفر قبل أن أتلَبَّسه . ثم أنشد :
حتَّى بَدَا تَسليمُهُ لِوَدَاعِى
لَمْ أستتمْ عِنَاقَهُ لِقُدُومِهِ
وقال آخر : أما أنا فإنما يزورنى الليل قائماً ، ثم ينصرف قبل أن يجلس .
وقال رجل [ لحممة العابد (٦): يا حممة ](٧) ما أفضل عملك؟ قال: ما أتتنى
صلاة قط إلا وأنا مستعد لها ومشتاق إليها ، وما انصرفت من صلاة قط إلا كنت إذا
انصرفت منها أشوق إليها منى حيث كنت فيها ، ولولا أن الفرائض تقطع لأحببت أن
أكون ليلى ونهارى قائماً راكعاً ساجداً (٨).
وكان محمد بن المنكدر (٩) كثير الصلاة والبكاء فقالت له أمه : يا بنى ، إنى
لأشتهى أن أراك نائماً (١٠) ، فقال لها: إنى لأستقبل الليل فيهولنى فيدر كنى الصبح وما
قضيت حاجتى . فاستعانت عليه بأبى حازم ورجل آخر ، فدخلا عليه فقالا له : إن قيامك
13
الليلَ يشقُّ على أمك فإن رأيت أن تخفف . فقال لهما: يا هذان، إن الليل إذا دخل علي
هالنى فأفتتح البقرة فينقضى الليل وما انقضت نهمتى . قالا له : فبكاؤك ؟ قال : أبكتنى آية
١٤٦ ظ من كتاب الله تعالى. قالا: أى آية؟ قال: قوله سبحانه: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللهِ مَا / لَمْ
(١) فى ز : لبعضهم .
(٢) أى : يصيبنى الهم إذا طلع فجر هذا الليل .
(٣) زيادة من : ز .
(٤) فى ز : فقال ما راعيته .
(٦) عابد حبشى .
(٥) فى ظ : تشفيت .
(٧) فى ز : لجنيد العابد يا جنيد.
(٨) ورد نحوه عن حممة فى صفة الصفوة (٣ /١٣٤)، وفيه أن الرجل الذى سأله هو عامر بن عبد الله بن
عبد قيس .
(٩) ابن عبد الله بن الهدير التيمى : زاهد من رجال الحديث ، من أهل المدينة ، أدرك بعض الصحابة ، كان من معادن
الصدق، ولد عام (٥٤ هـ) وتوفى (١٣٠ هـ) عن ٧٦ عاماً. الأعلام (٧ / ١١٢).
(١٠) فى ظ : قائماً.
٣١٦

يكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (١)، فتركوه وانصرفوا عنه (٢).
وقال على بن بكار (٣) : منذ أربعين سنة ما أحزننى شىء إلا طلوع الفجر .
وقد قيل : حرارة الخوف تذهب برودة النوم .
وقال رجل لعامر بن عبد قيس (٤) - وكان من العابدين -: ما لى أرى الناس ينامون
وأنت لا تنام؟ فقال : إن ذكر جهنم لا يدعنى أن أنام (٥) .
وكان طاوس اليمانى (٦) يفرش فراشه ، فيتقلى عليه كما تتقلى الحبة فى المقلى ، ثم
يثور عنه ويقوم إلى صلاته(٧) فيصلى إلى الصبح، ثم يقول: إن ذكر جهنم طَيّر نوم
العابدين(٨).
وهذا مثل ما يروى عن شداد بن أوس صاحب النبى ◌ّ أنه كان إذا أتى فراشه يتقلَّى
عليه كالحبة فى المقلى ، ثم يقول : اللهم إن ذكر جهنم منعنى النوم ، ثم يقوم إلى
صلاته(٩) .
وكان بالبصرة غلام اسمه صهيب ، وكان يصلى الليل كله ، فقالت له سيدته :
يا صهيب ، إن صلاتك بالليل قد آذتنى فى شغلك بالنهار . فقال : يا سيدتى ، إن صهيباً إذا
ذكر جهنم لا يأتيه النوم (١٠) .
وكان عامر بن عبد قيس يقول : ما رأيت مثل النار نام هاربها ، ولا مثل الجنة نام
طالبها(١١).
(١) الزمر : ٤٧ .
(٢) حلية الأولياء (٣ / ١٤٦).
(٣) هو: أبو الحسن على بن بكار البصرى، سكن المصيصة مرابط وكان فقيها، صحب إبراهيم بن أدهم ، وتوفى
بالمصيصة عام (١٩٩ هـ). صفة الصفوة (٤ /٢٢٣).
(٤) سبقت ترجمته صفحة (١٩٤).
(٥) صفة الصفوة (٣ /٣٧) من قول مالك بن دينار عن المرأة التى نزل عندها عامر بن عبد قيس.
(٦) هو : طاوس بن كيسان الهمدانى بالولاء، أبو عبد الرحمن ، من أكابر التابعين تفقهاً فى الدين ورواية للحديث
وجرأة على وعظ الخلفاء، أصله من الفرس، مولده ونشأته باليمن عام (٣٣ هـ)، وتوفى حاجاً بالمزدلفة أو بمنى عام
(١٠٦ هـ) عن ٧٣ عاماً. الأعلام (٣ / ٢٢٤).
(٧) فى ز : الصلاة .
(٩) انظر: حلية الأولياء (١ / ٢٦٤).
(١١) صفة الصفوة (٣ /١٣٥).
(٨) صفة الصفوة (٢ /١٩٠).
(١٠) إحياء علوم الدين (١ /٣٥٧)
٠
٣١٧

كلام عامر هذا رواه الترمذى من حديث أبى هريرة عن النبى ﴾ (١).
وكان عامر هذا إذا جاء الليل قال: / أذهبَ حَرُّ النار (٢) النوم ٤، فما ينام، فإذا جاء
١٤٨ ز
النهار قال : أذهب جر النار النوم ، فما ينام أيضاً ، فإذا جاء الليل قال : من خاف أدلج ،
بعد الصباح يحمد القوم السُّرى(٣).
وربما أتت عليه [الأيام و](٤) الليالى المتوالية ولا ينام فيها، فإذا نام (٥) نام بالنهار .
وقيل له : كيف صبرك على سهر الليل وظمأ الهواجر؟ فقال: ما هو إلا أنى صرفت
نوم الليل إلى النهار ، وصرفت طعام (٦) النهار إلى الليل، وما فى ذلك خطير أمر ولا كبير
مشقة .
وشكا بعض المريدين لأستاذه سهر الليل ، وأن طوله قد أَضَرَّ به، وأنه لا يقدر أن
ينام، وسأله فى شىء يستجلب(٧) به النوم، فقال له أستاذه: يا بنىّ، إن لله نفحات [فى
الليل ] (٨) والنهار ، تصيب القلوب المستيقظة ، وتخطئ القلوب النائمة ، فتعرّض يا بنىّ
. لتلك النفحات . فقال له : يا أستاذ ، تركتنى حياتى لا أنام بالليل والنهار ما استطعت .
وذكر ابن أبى الدنيا فى كتاب التهجد (٩) بإسناده إلى عطاء بن السائب قال : قال
عبدة الثقفى: لله علىَّ ألا يشهد علىَّ ليلٌ بنوم ، ولا شمس (١٠) بأكل ، فأقسم عليه عمر
ابن الخطاب أن يفطر أيام العيد (١١).
وكانوا يجتنبون الأشياء المنَوِّمة (١٢) من الفرش والطعام وغير ذلك.
يُرْوَى أن بعض الصالحين قدم من سفر فَوُطِّئ له فراش ، فوجده وثيراً لَيّاً فنام عليه
١٤٧ ظ حتى أصبح ، وكان له حزب من الليل / ففاته . فقال : لا جرم لا أنام على فراش [ بعد
هذا] (١٣) أبداً .
(١) حديث أبى هريرة أخرجه الترمذى (٤ /٧١٥)، وأبو نعيم فى الحلية (٨ /١٧٨)، وابن المبارك فى الزهد
(ص ٩)، وفيه يحيى بن عبيد الله، قال الترمذى: ((ضعيف عند أكثر أهل الحديث، تكلم فيه شعبة)) .
(٣) صفة الصفوة (٣ /١٣٥).
(٢) فى ز : الليل .
(٥) فى ز : قام .
(٤) ناقص فى : ز .
(٧) فى ظ : يجتلب .
(٦) فى ظ : صيام .
(٩) فى ز : التمهيد .
(٨) فى ز : بالليل .
(١٠) فى ز: نهار، وما أثبتناه موافق لما فى صفة الصفوة .
(١١) صفة الصفوة (٣ /٣٥)، وهو عبدة بن هلال الثقفى.
(١٢) فى ز : المذمومة .
(١٣) زيادة من : ز .
٣١٨

وأنشد بعضهم :
وَإِنْ باتتْ نُجرِّدُهَا مُنِيرَهْ
لِوجْهِكَ وَالدُّجَى مُرْخ سُتُورَه
أخى حُزْن (١) مُصِيتُه كبيره
وأقدم فى العيانِ وفى السِّرِيره
وبين شُؤونِهِ (٣) عَيْنٌ غَزِيره
فَذِكْرَاهُ مُؤْجَّجَةٌ سَعِيره
تبيتُ لَهُ بِهِ عَيْنٌ قَرِيره
أَلاَ فَانْزِلْ عن الفُرُش الوَثِيرِه
وَوَطِّئْ مِنْ تُرَابِ الأرضِ فُرُشاً
وأَرْسِلْ دَمْعَ محزُونٍ مُصَابٍ
تَغَلْغلَ فى الذُنُوبِ وفى الخطَايا
فَبَاتَ بقلْبه (٢) منها اضطرابٌ
وإنْ يُطْفأْ سَعيرٌ فى فؤادى (٤)
وَمَنْ يحلُلْ بوادى الذَّنْبِ أَنَّى
ونام تميم الدارى (٥) ليلة عن حزبه فلم يقم ، فقام سنة لم ينم فيها ، كفارة لما صنع .
وقال بعضهم: ما رأيت كالليل ، إن اضطربْتَ تحته غلبك، وإن ثبت له لم يقف
لك . يقول : إن تجلدت على سهره مضى عنك وقد نِلْتَ منه ما أردت ، وإن جزعت
لطوله ضرب بك وأنامك .
وكان عطاء السُّلَيمى (٦) يقوم فى ليالى البرد على سطح بيته حتى يجد ألم البرد
لئلا يغلبه النوم ، ويدخل البيت فى أيام الصيف ليجد الحر حتى لا يغلبه النوم .
وكذلك كان يفعل صفوان بن سليم ، وكان قد تقعدت ساقاه من طول القيام ، وكان
قد بلغ من الاجتهاد ما لو قيل له إن القيامة تقوم غداً ما وجد مزيداً(٧).
وكان يقول : اللهم إنى أحب لقاءك فأحب لقائى . ومات حين مات [ وهو ساجد
رحمه الله] (٨) .
(١) فى ز : حرق .
(٢) فى ظ : لقلبه .
(٣) الشئون : جمع شأن ، وهو مجرى الدمع إلى العين .
(٤) فى ظ : فؤاد ١٠
(٥) هو : تميم بن أوس بن خارجية الدارى، أبو رقية، صحابى ، أسلم سنة (٩ هـ)، انتقل إلى الشام بعد مقتل
عثمان رضى الله عنه، توفى عام (٤٠ هـ). الأعلام (٢ /٨٧).
(٦) فى ظ، ز: السلمى ، والصواب ما أثبتناه وقد تقدمت ترجمته ص
(٧) حلية الأولياء (٣ ١٥٩).
(٨) فى ز: رحمه الله وهو ساجد رحمه الله تعالى.
٣١٩

وأما امتناعهم من الشِّبع وتَوقِّهم كثرة الأكل فمعروف قديماً وحديثاً .
قال يزيد بن الأسود (١): والله لا أشبعتُ / نفسى من طعام ولا منام حتى ألقى الله عز
وجل.
١٢٩ ز
ويروى أن إبليس تبدى ليحيى بن زكريا عليهما السلام وعليه معاليق (٢) ، فقال له
يحيى : ما هذه المعاليق ؟ فقال له : هذه الشهوات التى أتصيد بها بنى آدم . فقال له : هل
وجدت لى فيها شيئاً؟ قال : نعم شَبِعْتَ ليلة فثقَّلْنَاكَ عن الصلاة بالليل . فقال يحيى عليه
السلام : لا جرم لا أشبع بعدها أبداً. فقال إبليس : لا جرم ، ولا نصحتُ أحداً بعدها
أبداً (٣) .
وكان أحد عُبَّاد بنى إسرائيل يقوم على المتعبدين منهم ببيت المقدس ، فينادى :
يا معشر العباد لا تأكلوا كثيراً، فتشربوا كثيراً، فتناموا كثيراً، فتخسروا كثيراً .
وجاء رجل إلى محمد بن سيرين رحمه الله تعالى فقال له : علمنى العبادة . فقال له
بن سيرين: أخبرنى [ عن نفسك] (٤)، كيف تأكل؟ قال : آكل حتى أشبع . فقال : ذاك
أكل البهائم . قال : فكيف تشرب الماء ؟ قال : أشرب حتى أروى . قال : ذاك شرب
الأنعام ، اذهب فتعلم الأكل والشرب ، ثم جىء [ حتى] (٥) أُعلِّمك العبادة.
١٤٨ ظ
يريد أن يتعلم تقليل الأكل والشرب؛ لأن العبادة / لا تصح إلا بتقليلها (٦) ويُرْوَى أن
يحيى بن زكريا - عليهما السلام - شبع ليلة من خبز الشعير ، فنام عن صلاته حتى
أصبح، فأوحى الله عز وجل إليه: (( يا يحيى، أوجدت داراً خيراً لك من دارى ؟ أم
وجدت جواراً خير لك من جوارى ، فوعزَّتَى لو اطلعت إلى الفردوس إطلاعة لذاب
شحمك ، ولزهقت نفسك اشتياقاً - يعنى إليها - ولو اطلعت إلى النار اطلاعة لبكيتَ
الصديد بعد الدموع، ولَلَبِسْتَ الحديد بعد المسوح (٧))) (٨).
(١) هو: أبو الأسود الجرشى، شامى، عاش فى أيام معاوية بن أبى سفيان. انظر صفة الصفوة (٤ / ١٧٢).
(٢) أشياء علقها على رقبته و کتفيه .
(٣) انظر: تلبيس إبليس لابن الجوزى (ص ٢٦°)، وحلية الأولياء (٢ / ٣٢٨)، من طريق ثابت البنانى.
(٥) ناقصة فى : ز .
(٤) فى ظ : عنك .
(٦) فى ظ : بتقليلها .
(٧) المسوح: جمع مِسْح وهو الكساء من الشعر .
(٨) إحياء علوم الدين (١ / ٣٥٤).
٣٢٠