النص المفهرس

صفحات 201-220

تَحِيَّةُ المُسْلِمِينَ
١٤١ - قال الإِمام البخاري رحمه الله ( حديث ٦٢٢٧ ) :
حدثنا يحيى بن جعفر حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم قال :
(« خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعا فلما خلقه قال : اذهب فسلِّم
على أولئك نَفَرٍ من الملائكةِ جُلُوس فاستمع ما يُحيونك فإنها تحيِّك وتحيةُ
ذريتك (١) فقال: السلامُ عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه
ورحمة الله (٢) فكل من يدخل الجنةَ على صورةٍ آدم فلم يزل الخلقُ ينقصُ بعدُ
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا عطس وضع يده أو ثوبه على
فيه وخفض أو غض بها صوته . وله شاهد عند الطبراني من حديث ابن
عمر رضي الله عنه أشار إليه الحافظ ابن حجر في الفتح (٦٠٢/١٠) .
(١) قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (فتح الباري ٤/١١) قوله: ((تحيتك وتحية
ذريتك)) أي من جهة الشرع أو المراد بالذرية بعضهم وهم المسلمون،
وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد ، وابن ماجة (٨٥٦) وصححه ابن
خزيمة من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة مرفوعا (( ما
حسدتكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين ».
قلت : وإسناده حسن ، وقال الحافظ أيضا : وفي حديث أبي ذر الطويل
في قصة إسلامه قال : وجاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ..
فذكر الحديث وفيه: فكنت أول من حياه بتحية الإسلام فقال: (( وعليك
ورحمة الله )) . أخرجه مسلم .
(٢) قال الحافظ (فى الفتح ٦/١١) قوله ((فزادوه ورحمة الله)) فيه مشروعية =
- ٢٠١ _

حتى الآن )).
( حديث صحيح )
[ أخرجه مسلم (٢٨٤١)].
الزيادة في الرد على الابتداء ، وهو مستحب بالاتفاق لوقوع التحية في ذلك
في قوله تعالى: ﴿ فحيوا بأحسن منها أو ردوها ﴾ [ النساء: ٨٦ ].
: وقال الحافظ أيضا : ونقل ابن دقيق العيد عن أبي الوليد بن رشد أنه
يؤخذ من قوله تعالى: ﴿ فحيوا بأحسن منها﴾ الجواز في الزيادة على
البركة إذا انتهى إليها المبتدئى، وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي بسند
قوي عن عمران بن حصين قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم فقال: السلام عليكم فرد عليه وقال: ((عشر)) ثم جاء آخر
فقال السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه وقال: ((عشرون)) ثم جاء آخر
فزاد ( وبركاته ) فرد وقال: ((ثلاثون)).
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد من حديث أبي هريرة وصححه ابن
حبان وقال : (( ثلاثون حسنة)).
٢٠٢٠ -

ذِكْرُ نَبِى اللَّهِ يُونُسَ عَلَيهِ السَّلَامُ
١٤٢ - قال الإِمام مسلم رحمه الله (٢٣٧٦):
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالوا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا
شعبة عن سعد بن إبراهيم قال : سمعت حميد بن عبد الرحمن حدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم أنه قال :
- يعني الله تبارك وتعالى - ((لا ينبغي لعبدٍ لي (وقال ابن المثنى : لعبدي )
أن يقول أنا خيرٌ من يونس بن مَتَّى عليه السلام)»(١). ( حديث صحيح )
وأخرجه البخاري بمعناه (٣٤١٥،٣٤١٢، ٣٤١٦) وفي غير موضع من صحيحه ] .
(١) قال النووي رحمه الله (٢٢٧/٣): قال العلماء هذه الأحاديث تحتمل
وجهين أحدهما : أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال هذا قبل أن يعلم
أنه أفضل من يونس فلما علم ذلك قال: (( أنا سيد ولد آدم))، ولم يقل
هنا أن يونس أفضل منه أو من غيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم .
والثاني: أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال هذا زجر عن أن يتخيل
أحد من الجاهلين شيئا من حط مرتبة يونس صلى الله عليه وسلم من أجل
ما في القرآن العزيز من قصته .
قال العلماء : وما جرى ليونس صلى الله عليه وسلم لم يخطه من النبوة "
مثقال ذرة وخص يونس بالذكر لما ذكرناه من ذكره في القرآن بما ذكر .
وأما قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( ما ينبغي لعبد أن يقول
أنا خير من يونس)) فالضمير في ((أنا)) قيل يعود إلى النبي صلى الله=
- ٢٠٣ -

قِصَّةُ مُوسَى مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ(١)
١٤٣ - قال الإِمام البخاري رحمه الله (٣٤٠١):
حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار قال أخبرني سعيد بن جبير قال:
: عليه وعلى آله وسلم ، وقيل يعود إلى القائل أي لا يقول ذلك بعض الجاهلين
من المجتهدين في عبادة أو علم أو غير ذلك من الفضائل فإنه لو بلغ من
الفضائل ما بلغ لم يبلغ درجة النبوة ، ويؤيد هذا التأويل الرواية التي قبله.
وهي قوله تعالى: (( لا ينبغي لعبد لي أن يقول : أنا خير من يونس بن
متى )) والله أعلم
(١) اختلف أهل العلم في الخضر هل هو حي إلى الآن أم أنه مات ؟. فذهب
النووي وابن الصلاح - ونقلاً عن جمهور العلماء - إلى أنه حي وذهب
البخاري وإبراهيم الحربي وغيرهم إلى أنه مات .
· أما من ذهبوا إلى أنه حي فلم يذكروا شيئا صحيحا ثابتا عن رسول الله.
صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكل ما ذكروه حكايات مأثورة عن بعض
السلف أو أحاديث واهية لا تقوم بها حجة ذكر بعضها الحافظ ابن حجر.
رحمه الله ( فتح الباري ٤٣٥/٦) ، وتركز اهتمام من قالوا بحياته على تفنيد
أدلة من قال إنه لمات .
أما الذين ذهبوا إلى أنه مات فقد استدلوا بجملة أدلة ذكر بعضها الحافظ.
ابن حجر في فتح الباري (٤٣٤/٦) بقوله: وعمدتهم الحديث المشهور
( قلت وهو في الصحيح ) عن ابن عمر وجابر وغيرهما أن النبي صلى الله
عليه وعلى آله وسلم قال: في آخر حياته: (( لا يبقى على وجه الأرض =
٤ .٢٠٤

قلت لابن عباس: إن نَوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل إنما
هو موسى آخر فقال كذب عدو الله (١) حدثنا أُبُّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
= بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد)) قال ابن عمر أراد بذلك انخرام
قرنه .
وأجاب من أثبت حياته بأنه كان حينئذ على وجه البحر ، أو هو
مخصوص من الحديث كما خص منه إبليس بالاتفاق .
ومن حجج من أنكر ذلك قوله تعالى : ﴿ وما جعلنا لبشر من قبلك
الخلد﴾ وحديث ابن عباس ((ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن
بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه )) أخرجه البخاري.
ولم يرد في خبر صحيح أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم
ولا قاتل معه، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم بدر: ((اللهم
إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض )) فلو كان الخضر موجودا لم
: يصح هذا النفي ، وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( رحم الله موسى
لوددنا لو كان صبر حتى يقص علينا من خبرهما )» فلو كان الخضر موجودا
لما حسن هذا التمني ولأحضره بين يديه وأراه العجائب ، وكان أدعى لإِيمان
الكفرة ولا سيما أهل الكتاب .
ثم طفق الحافظ يبين ما ورد في وجوده من أحاديث ضعيفة ، ضعفها
يغني عن ذكرها .
(١) قال النووي (٢٣١/٥) قوله (كذب عدو الله) قال العلماء هو على وجه
الإِغلاظ والزجر عن مثل قوله لا أنه يعتقد أنه عدو الله حقيقة إنما قاله مبالغة
في إنكاره قوله لمخالفته قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وكان
ذلك في حال غضب ابن عباس لشدة إنكاره وحال الغضب =
- ٢٠٥ -

((أن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فَسُئِلَ أَّ الناسِ أَعلمُ؟ فقال: « أنا
فعتبَ الله عليه إذا لَم يُدَّ العلمَ إليهِ فقال له : ((بلى لي عبدٌ بِمجمع البحرين هوَ
أعلمُ منك)) قال: (( أي رب ومن لي بهِ ؟ )) وربما قال سفيان أيْ ربّ وكيف
لي بهِ قال: ((تأخذُ حوتا (١) فتجعَلُهُ في مِكْتَلٍ حيثا فَقدْتَ الحوت فهو ثَمَّ))(١)-
وربما قال: ((فهو ثَمَّهْ )) وأخذَ جوتاً فجعلهُ في مِكتَلٍ ثم انطلق هو وفتاه يُوشَعُ بن
نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رُءُوسَهما فرقد موسى واضطرب الحوتُ فخرج
فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سَرَبا فأمسك الله عن الحوتِ جِرِيةَ المَاءِ
فصار مثل الطاقِ - فقال هكذا مثل الطاقِ - فانطلقا يَمشيان بقيةَ ليلتِهما ويومَهما
حتى إذا كان من الغد قال لفتاه: ((آتنا غداءنا لقد لَقِينا من سفرنا هذا نصباً)»،
ولم يجد موسى النَّصبَ حتى جاوَزَ حيث أمرَهُ الله قال له فتاه: أرأيتَ إذ أوينا إلى
الصخرةِ فإني نسيتُ الحوتَ ، وما أنسانِهِ إلا الشيطانُ أن أذكرَهُ واتخذ سبيلَه في البحر
عجباً فكان للحوت سرباً وفهما عجباً(٢)، قال له موسى: ((ذلك ما كنا نبغى ))
فارتَدا على آثارِ هما قَصَصًا - رجعا يَقُصَّانِ آثارهما - حتى انتهيا إلى الصخرةِ فإذا
رجل مُسَجَّى(٤) بثوبٍ فسلَّم موسى فردَّ عليه فقال: ((وأنَّي بأرضِكَ السلامُ))
قال: ((أنا موسى)) قال: ((موسى بني إسرائيل؟)) قال: «نعم أتيتُك لِتُعَلِّمني مما
تطلق الألفاظ ولا تراد بها حقائقها والله أعلم .
=
وبنحوه قال الحافظ في الفتح (٤١٢/٨) .
(١) في رواية لمسلم (( فقيل له تزود حوتا مالحا)) قال الحافظ ابن حجر
(٤١٤/٨) ويستفاد من هذه الرواية أن الحوت كان ميتا لأنه لا يملح وهو
حي .
(٢) أي هناك .
(٣) قال الحافظ في الفتح (٤١٦/٨): ولابن أبي حاتم من طريق قتادة قال عجب
موسى أن تسرب حوت مملح في مكتل .
(٤) أى مغطى
- ٢٠٦ -

عُلَّمتَ رُشدا)). قال: ((يا موسى إني على علمٍ من علمِ الله علَّمَنِيه الله لا
تعلمه، وأنت على علمٍ من علمِ الله علَّمَكَةَ الله لا أعلمَه)) قال: ((هل
أَتَبعكَ؟)) قال: ((إنك لن تستطيعَ معي صبرا ، وكيف تصبر على ما لم تُحط
به مخبرا)) إلى قوله إمرا فانطلقا بمشيان على ساحل البحر فمرت بهما سفينة
كلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نَول (١) فلما ركبا في السفينة
جاء عُصفور فوقع على حرفٍ السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين قال له
الخضر: (( يا موسى ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص هذا
العصفور بمنقاره من البحر )) إذ أخذ الفأسَ فنزع لوحاً قال : فلم يفجأ موسى
إلا وقد قلع لوحاً بالقَدُّوم فقال له موسى: « ما صنعت قومٌ حملونا بغير نولٍ
عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئتَ شيئاً إِمرا)) قال: ((ألم أقل
لك إنك لن تستطيعَ معى صبرا؟)) قال: ((لا تؤاخذني بما نسيت ولا تُرهقني
من أمرى عسرا)) فكانت الأولى من موسى نِسيانا فلما خرجا من البحر مُرُوا
بغلام. يلعبُ مع الصبيان فأخذ الخضر برأسه فقلعه هكذا ، - وأوماً سفيان
بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئاً - فقال له موسى: ((أقتلتَ نفساً زكيةً بغيرٍ
نفسٍ لقد جئت شيئا تُكرا)) قال: ((ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى صبرا؟))
قال : ((إن سألتك عن شيءٍ بعدها فلا تُصاحِبني قد بلغتَ من لَدُنَّ عُذْرًا))
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يُضيفوهما فوجدا فيها جداراً
يُريد أن ينقض مائلا - أوماً بيده هكذا وأشار سفيان كأنه يمسح شيئا إلى فوق
فلم أسمع سفيان يذكر ((مائلا)) إلا مرة - قال: ((قوم أتيناهم فلم يطعمونا
ولم يضيفونا عمدت إلى حائطهم لو شئت لاتخذت عليه أجرا)) قال: ((هذا
فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا )) قال النبيّ صلى الله
عليه وعلى آله وسلم: ((وددنا أن موسى كان صَبَرَ فقصَّ الله علينا من خبرهما ))
قال سفيان قال النبيّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( يرحمُ الله موسى لو كان صبر
(١) أي بغير أجرة .
- ٢٠٧ -

يقصُّ الله علينا من أمرهما)) وقرأ ابن عباس: وكان أمامهم ملك يأخذ كلَّ سفينةٍ
صالحةٍ غَصْباً وأما الغلامُ فكان كافراً وكان أبواه مؤمنين ثم قال لي سفيان سمعت
منه مرتين وحفظته منه قيل لسفيان حفظته قبل أن تسمعه من عمرو أو تحفظه
من إنسان فقال ممن أتحفظه ، ورواه أحدٌ عن عمرو وغيرى ؟ سمعته منه مرتين
( حديث صحيح )
أو ثلاثا وحفظته منه )
: [ وأخرجه مسلم (٢٣٨٠) والترمذي (٣١٤٩) وعزاه المزي للنسائي ].
٤
٢٠٨ -

قِصَّةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَعَ مَلَكِ الْمَوتِ عَلَيْهِ السَّلَامُ
١٤٤ - قال الإِمام مسلم رحمه الله ( ص ١٨٤٣ ) :
حدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو
هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فذكر أحاديث منها : وقال رسولُ الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم :
(( جاء مَلَّكُ الموتِ إلى موسى عليه السلامُ فقالَ له: أَجِبْ رِبَّك)) قال:
((فَطَمَ موسى عليه السلام عينَ مَلَكِ الموتِ ففقاَها)) قال: ((فرجع المَلَكُ إلى
الله تعالى فقال: إنك أرسلتي إلى عبدٍ لك لا يُريدُ الموت وقد فقأ عيني))
قال ((فردَّ الله إليه عينَه وقال: ارجع إلى عَبْدِى فَقُل: الحياةً تريد ؟ فإن كنت
تريدُ الحياةَ فَضَعْ يَدَكَ على مَتْنِ ثَورٍ (١) فِما تَوَارَتْ يَدُكَ (٢) مِن شَعْرِهِ فإنك تَعِيشُ
بها سَنةً قال: ثم مَهْ؟ قال: ثم تَمُوتُ قال: فالآن من قريبٍ ربِّ أَمتنى من
الأرض المقدسةِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ ))(٢) قال رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
(١) متن ثور أي جلد ثور .
(٢) فما توارت يدك أي ما غطت يدك .
(٣) قال الحافظ في (الفتح ٢٠٧/٣) أي قدر رمية حجر أي أدننى من مكان
إلى الأرض المقدسة هذا القدر أو أدنى إليها حتى يكون بيني وبينها هذا
القدر ، وهذا الثاني أظهر وعليه شرح ابن بطال وغيره وأما الأول فهو -
وإن رجحه بعضهم - فليس بجيد إذ لو كان كذلك لطلب الدنو أكثر
من ذلك ويحتمل أن يكون القدر الذي كان بينه وبين أول الأرض المقدسة
كان قدر رمية فلذلك طلبها لكن حكى ابن بطال عن غيره أن الحكمة في
أنه لم يطلب دخولها ليعمى موضع قبره لئلا تعبده الجهال من ملته انتهى .=
- ٢٠٩ -

(( والله لو أني عِنْدَه لَأَرَيْتُكُمُ قَبْرَهِ إلى جانبِ الطريقِ عند الكَتِيب الأحمر))(١).
( حديث صحيح )
[ وانظر البخاري (٣٤٠٧) ].
ويحتمل أن يكون سر ذلك أن الله لما منع بني إسرائيل من دخول بيت
=
المقدس وتركهم في التيه أربعين سنة إلى أن أفناهم الموت فلم يدخل الأرض
المقدسة مع يوشع إلا أولادهم ، ولم يدخلها أحد ممن امتنع أولا أن يدخلها
ومات هارون ثم موسى عليهما السلام قبل فتح الأرض المقدسة على
الصحيح ، فكان موسى لما لم يتهيأ له دخولها لغلبة الجبارين عليها ولا يمكن
نبشه بعد ذلك لينقل إليها طلب القرب منها لأن ما قارب الشيء يعطى
حكمه ، وقيل إنما طلب موسى الدنو لأن النبي يدفن حيث يموت ولا
ينقل ، وفيه نظر لأن موسى قد نقل يوسف عليهما السلام معه لما خرج
من مصر ، وهذا كله بناء على الاحتمال الثاني والله أعلم .
(١). الكثيب: في اللسان : والكثيب من الزمل القطعة تنقاد مُحْدَودَبة ، وقيل
هو ما اجتمع واحدودب ، والجمع أكتبة وكثب وكثبان مشتق من ذلك
وهي تلال الرمل وفي التنزيل العزيز ﴿ و کانت الجبال کتیبا مهيلا ﴾
قال الفراء : الكئيب الرمل ، والمهيل الذي تحرك أسفله فينهال غليك
من أعلاه .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله (فتح ٤٤٢/٦): قال ابن خزيمة :
أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث وقالوا إن كان موسى عرفه فقد استخف
به ، وإن كان لم يعرفه فكيف لم يقتص له من فقء عينه ؟ .
والجواب أن الله لم يبعث ملك الموت إلى موسى وهو يريد قبض روحه
حينئذ ، وإنما بعثه إليه اختبارا وإنما لطم موسى ملك الموت لأنه رأى آدميا
دخل داره بغير إذنه ولم يعلم أنه ملك الموت وقد أباح الشارع فقء .
- ٢١٠ _

عين الناظر في دار المسلم بغير إذن ، وقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى
لوط في صورة آدميين فلم يعرفاهم ابتداء ، ولو عرفهم إبراهيم لما قدَّم إليهم
المأكول ولو عرفهم لوط لما خاف عليهم من قومه ، وعلى تقدير أن يكون
عرفه فمن أين لهذا المبتدع مشروعية القصاص بين الملائكة والبشر ؟ ثم من
أين له أن ملك الموت طلب القصاص من موسى فلم يقتص له .
ونقل الحافظ أقوالا أخر في الفتح .
وقال النووي رحمه الله (٢٢٣/٥): وأجاب العلماء على هذا بأجوبة :
أحدها : أنه لا يمتنع أن يكون موسى صلى الله عليه وسلم قد أذن الله تعالى
له في هذه اللطمة ويكون ذلك امتحانا للملطوم ، والله سبحانه يفعل في
خلقه ما يشاء ويمتحنهم بما أراد .
الثاني : أن هذا على المجاز ، والمراد أن موسى ناظره وحاجه فغلبه بالحجة ،
ويقال فقاً فلانٌ عين فلانٍ إذا غلبه بالحجة ويقال عورت الشيء إذا أدخلت
فيه نقصا . قال وفي هذا ضعف لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم :
((فرد الله عينه)) فإن قيل أراد رد حجته كان بعيدا ثم ذكر النووي الجواب
الثالث وهو جواب ابن خزيمة رحمه الله .
- ٢١١ -

فَضْلُ اللَّهِ عَلَى نِّهِ أَيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
١٤٥ - قال الإِمام البخاري رحمه الله ( حديث ٣٣٩١ ) :
حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله
عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال :
( بينما أيوب يغتسل ◌ُرياناً خَرَّ عليه رِجُلُ(١) جَرادٍ من ذَهب فجعلَ
يَحثي (٢) في ثوبه فنادى(٢ ربُّهُ: يا أيُوب ألم أكُنْ أغنيتُكَ عما تَرَى؟ قال : بلى
يارب(٤) ولكن لا غِنى لي عن بَرَكتك)».
( حديث صحيح )
[ وأخرجه النسائيّ من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة (٢٠١/١)].
(١) رجل جراد أي جماعة جراد .
(٢) يجثى أي يأخذ بيديه جميعا قاله الحافظ .
(٣) في رواية البخاري (٧٤٩٣) فناداه ربه .
(٤) في بعض الروايات ( عند البخاري ٢٧٩ ) (بلى وعزتك)) وفيه جواز
الجلف بعزة الله
قال الحافظ في الفتح (٤٢١/١٣): في الحديث جواز الحرص على الاستكثار
من الحلال في حق من وثق نفسه بالشكر عليه ، وفيه تسمية المال الذي يكون
من هذه الجهة بركة ، وفيه فضل الغنى الشاكر .
قلت : وهذا الفضل من الله لأيوب عليه السلام بعد إذ دعا ربه كما قال تعالى:
﴿ واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ﴾ ،
فقال له ربه: ﴿اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب﴾ [ص ٤١ - ٤٢] :=
-
٢١٢٠ _

وكما قال تعالى ﴿وأيوب إذ نادى ربه أنى مسني الضرُّ وأنت أرحم
=
الراحمين فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة
من عندنا وذكرى للعابدين﴾ [الأنبياء ٨٣ - ٨٤ ] وقد وردت قصته عند
أبي يعلى (٣٦١٧) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((إن أيوب نبي الله كان في
بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلان من إخوانه كانا
من أخص إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان إليه فقال أحدهما لصاحبه:
أتعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد قال صاحبه: وما ذاك ؟
قال منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف عنه ؟ . فلما راحا إليه
لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال أيوب : لا أدري ما يقول غير
أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فأرجع إلى
بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق ، قال : وكان يخرج
إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان
ذات يوم أبطأ عليها وأوحى إلى أيوب في مكانه أن ﴿ اركض برجلك
هذا مغتسل بارد وشراب ﴾ فاستبطأته فلقيته ينتظر وأقبل عليها قد أذهب
الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت : أي بارك
الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى ؟ ووالله على ذلك ما رأيت أحداً
أشبه به منك إذ كان صحيحا قال : فإني أنا هو .
وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما
كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت
الأخرى على أندر للشعير الورق حتى فاض)). (وإسناده صحيح) .
هذا وبالنسبة للناحية الفقهية في هذا الحديث فقد استدل به قوم على
جواز الاغتسال عريانا إذا كان في مكان خال واستدلوا أيضاً بقصة =
٢١٣ -
-

اغتسال موسى عليه السلام عريانا ( وراء حجر) وهي في الصحيح
=
وعورض الاستدلال بهذا بحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه سأل
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن الاغتسال عريانا (وذلك إذا
كان في مكان خال ) فقال له عليه السلام ((الله أحق أن يستحيى منه من
الناس )) . وإسناده حسن
قلت : وهذا محمول على الاستحباب والله تعالى أعلم .
: ٢.١٤ _

الْكَلِمَاتُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ بِهَا يَحْبَى بِنَ زَكَرِيًّا عَلَيْهِمَا السَّلامُ
١٤٦ - قال الإِمام الترمذي رحمه الله (٢٨٦٣):
حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان بن يزيد حدثنا يحيى بن أبي كثير
عن زيد بن سلام أن أبا سلام حدثه أن الحارث الأشعري حدثه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم قال :
((إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمسٍ كلماتٍ أَن يَعْمَلَ بها ويأْمُرَ بني إسرائيل
أن يعملوا بها ، وإنه كاد أن يُطىءَ بها فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات
لتعملَ بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها فإما أن تأمُّرَهم وإما أنا آمرهم
فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُحْسفَ بي أو أُعَذَّب فجمع الناس في
بيت المقدس فامتلأ المسجدُ وتعدوا على الشُّرف فقال: إن الله أمرني بخمس
كلماتٍ أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن أَوَّلهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا
به شيئاً وإن مثل من أَشْركَ بالله كمثلٍ رجلٍ اشترى عبداً من خالصٍ ماله بذهبٍ
أو وَرِقٍ فقال: هذه داري وهذا عملي فاعمل وأدّ إلى فكان يعمل ويؤدي إلى
غير سيده فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك ؟ وإن الله أمركم بالصلاة فإذا
صليتم فلا تلتفتوا فإن الله يَنْصِبُ وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت ،
وآمركم بالصيام فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابةٍ معه صُرَّةٍ فيها مِسك فكلهم
يعجب أو يعجبه ريحها وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك وآمركم
بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أَسَرَهُ العدو فَأَوْتَقُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ وقدَّموه
ليضربوا عنقه فقال: أنا أفديه منكم بالقليل والكثيرِ فقدى نفسه منهم ، وآمركم
أن تذكروا الله فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ خرج العدو في أثره سراعا حتى
- ٢١٥ _

إذا أتى على حصن حصين فأحرز نَفْسَهُ منهم كذلك العبدُ لا يحرز نفسه من
الشيطان إلا بذكر الله )) .
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهن
السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإن من فارق الجماعة قيد شبر خلع
رَبْقَةَ الإِسلامِ من عنقه إلا أن يرجع ومن ادعى دعوى الجاهلية فإنه من
جُثا (١) جهنم)) فقال رجل: يا رسول الله وإن صلى وصام؟ قال: ((وإن صلى
وصام فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله)).
( حديث صحيح )
[ وعزاه المزي في الأطراف للنسائي ] .
(١) جُثا جهنم في اللسان: الجُثْوة والجَثوة والجِثوة ثلاث لغات حجارة من
تراب متجمع .
- ٢١٦ -

خَطَّرُ دَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ
١٤٧ - قال الإمام أحمد رحمه الله (١٢٨/٥) :
حدثنى أبو بكر بن أبي شيبة ثنا ابن نمير ثنا يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد عن عبد الملك بن
عمير عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي بن كعب قال :
((انتسب رجلان على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال
أحدهما: أنا فلان بن فلان فمن أنت لا أم لك فقال رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم: ((انتَسَبَ رجلان على عهدٍ موسى عليه السلام فقال أحدهما:
أنا فلانُ بن فلانٍ حتى عدَّ تسعةٌ فمن أنت لا أُمَّ لك قال: أنا فُلان بن فلانٍ
ابن الإِسلام قال: فأوحى الله إلى موسى عليه السلام إن هذين المنتسبين أما أنت
أيها المُنتمي أو المنتسب إلى تسعةٍ في النار فأنت عاشِرهم (١)، وأما أنت يا هذا
(١). وهذا منزلق خطير زلت فيه أقدام كثير من المسلمين فتسربت إلى قلوبهم
أنواع من العصبيات الجاهلية فمنهم من تعصب لشعبه وبنى جنسه ومنهم
من تعصب لقبيلته وعشيرته ، ومنهم من تعصب لحزبه وجماعته ومنهم من .
تعصب لأصحاب مهنته وحرفته إلى غير ذلك من سائر التعصبات الجاهلية
النتنة التى ماأنزل الله بها من سلطان ، التي فرقت شعوب المسلمين وصفوف
المسلمين وقلوب المسلمين ، ومزقت وحدتهم وجماعتهم وشتت شملهم
وتسببت في قتل سراتهم ، وإشعال الفتن وإثارة القلاقل بينهم فإلى الله
المشتكى ، وإنا لله وإنا إليه راجعون وقد تحققت أحاديث رسول الله
صلى الله عليه وعلى آله وسلم الواردة في ذلك منها قوله عليه السلام
((وسألته ألا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها)) وقوله عليه السلام: ((أربع في
أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب ... )) أخرجه مسلم
=
ص ٦٤٥ .
- ٢١٧ -

وزجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من دعا بدعوى الجاهلية أيما
زجر ، ولو كان ذلك الداعي من أحب الناس إليه ، فها هم المهاجرون
والأنصار رضوان الله عليهم لما وقعوا في شيء من ذلك زجرهم النبي الكريم
محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ووصف دعواهم تلك بأنها منتنة ، وكانٍ
من دعاتها بل من رؤوس دعاتها عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين
فهو سلف لكل من دعى بهذه الدعاوى الجاهلية .
أخرج البخاري (٤٩٠٥) ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن
عبد الله رضي الله عنهما قال كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلاً
من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين
فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: ((ما بال دعوى
الجاهلية؟)) قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من
الأنصار فقال: ((دعوها فإنها منتبة)) فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال:
فعلوها ؟ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قبلَغ النبي
صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب
عنق هذا المنافق فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((دعه لا
يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه )) .
وفي حديث الكلمات التي أمر الله بها يحيى بن زكريا عليهما السلام
( في هذا الكتاب) ((ومن ادعى بدعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم) .
* وهذا أبو بكر رضي الله عنه حبيب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
وسلم وخير أصحابه وخليفته من بعده لما كلم سلمان الفارسي وصهيب
الرومي وبلال الحيشى رضي الله عنهم بكلمات ظن رسول الله صلى الله =
- ٢٠١٨ -

المنتسب إلى اثنين في الجنَّة فأنت ثالثهما في الجنة)). (حديث إسناده صحيح)(١)
[ وعزاه المزي في الأطراف للنسائي في اليوم والليلة ] .
عليه وعلى آله وسلم أنها أغضبتهم عاتبه رسول الله بشدة ، وذلك فيما
أخرجه مسلم (٢٥٠٤) من حديث عائذ بن عمرو أن أبا سفيان أتى على
سلمان وصهيب وبلال في نفر فقالوا : والله ما أخذت سيوف الله من عنق
عدو الله فأخذها قال: فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم ؟
فأتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخبره فقال: ((يا أبا بكر لعلك
أغضبتهم لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك )) فأتاهم أبو بكر فقال
يا إخوتاه أغضبتكم ؟ قالوا: لا . يغفر الله لك يا أُخَى)).
* وهذا أبو ذر رضي الله عنه الصحابي الجليل لما عيَّر رجلا - وكانت أمه
أعجمية - زجره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وذلك فيما أخرجه
البخاري (٣٠) ومسلم (١٦٦١) من حديث أبي ذر نفسه قال : كان بيني
وبين رجل من إخواني كلام ، وكانت أمه أعجمية فعيّرته بأمه فشكاني
إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلقيت النبي صلى الله عليه وعلى
آله وسلم فقال: (( يا أبا ذر أعيرته بأمه إنك امرؤ فيك جاهلية ... ))
الحديث .
وفي رواية في الصحيحين أيضا أن أبا ذر قال: يا رسول الله على حال
ساعتي من الكبر؟ قال: (( نعم على حال ساعتك من الكبر)).
وغير ذلك جملة كبيرة من الآيات والأحاديث بصدد إصدارها في رسالة
لا حقة إن شاء الله نسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينهم ردا جميلا .
(١) وقد روى من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بلفظ آخر عند أبي
داود (٤٧٨٠) وغيره ، وإسناده منقطع فابن أبي ليلى لم يسمع من معاذ .
- ٢١٩ -

مَايَقُولُه وَيِفْعَلُهُ المُسْلِمُ إِذَا وَسْوَسَ لَهُ الشَّيْطَانُ
١٤٨ - قال الإِمام مسلم رحمه الله (١٣٦) :
حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة الحضرمي حدثنا محمد بن فضيل عن مختار بن فلفل عن أنس بن
مالك عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال :
((قال الله عز وجل: إن أُمَّتَكَ لا يزالون يقولون ما كَذَا؟ ماكذا؟ حتى
يقُولُوا: هذا الله خَلَقَ الخَلقِ فَمَن خَلَق الله))(١).
( حديث صحيح )
(١) وأخرج البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله
عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ((يأتي الشيطان
أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا ؟ حتى يقول: من خلق ربك
فإذا بلغه فليستعذ بالله وليبته)) وزاد مسلم ((فليقل آمنت بالله))، وفي
رواية ((فليقل آمنت بالله ورسله)) وعند أبي داود (٤٧٢٢) .. فإذا قالوا
ذلك فقولوا ﴿ الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا
أحد ﴾ ثم ليتفل عن يساره ثلاثا وليستعذ من الشيطان .
قال النووي رحمه الله ( شرح مسلم ٣٤٠/١) وأما قوله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم: ((فليستعذ بالله وليتته)) فمعناه إذا عرض له هذا الوسواس
فليلجأ إلى الله تعالى في دفع شره عنه ، وليعرض عن الفكر في ذلك ، وليعلم
أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإِغواء
فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها والله
أعلم وبنحو هذا قال الحافظ ابن حجر في الفتح (٣٤٠/٦) ولمزيد أنظر
كلام الخطابي هناك .
٢٢٠ -
-